- 7 مايو 2008
- 3,503
- 46
- 0
- الجنس
- أنثى
..
..
بسم الله الرحمن الرحيم
{ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}الحج27
وهنا ؛ أقدم لكم ما شعرت فيه أنه يستنهض الشوق إلى الله والحنين إلى جواره
لعل المحروم من زيارة تلك الديار يذرف دمعا يشفي كمده ويطفيء حر شوقه
ولعلنا وإن لم نحج بأجسامنا ؛ رحلت قلوبنا وأرواحنا طوافة بنور المحبة لله وحرارة اللهفة إلى لقياه ،،
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
الشوق والحنين إلى البقاع المقدسة في الشعر الأندلسي والمغربي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
إذا كان جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تنبض قلوبهم بحب البقاع المقدسة، فيتشوقون إليها وتهفو نفوسهم إلى زيارتها لأداء فريضة الحج أو العمرة أو هما معا، فإن للأندلسيين والمغاربة وضعهم التاريخي/ الجغرافي الذي يجعل شوقهم وحنينهم إلى تلك البقاع أكثر تميزا وأكثر حرارة من أشواق الآخرين؛ فالأندلسيون يشعرون بأنهم أبعد من غيرهم عن مركز العالم الإسلامي، وبأنهم مفصولون عنه ببحر متلاطم الأمواج، وبأنهم محاطون بأمم تناصبهم العداء وتنتظر ضعفهم أو غفلتهم للانقضاض عليهم. وإذا أضفنا إلى هذا الوضع التاريخي الجغرافي طبيعة المواصلات آنذاك وصعوبتها في البر والبحر ـ وعرفنا أن مفهوم ” الاستطاعة ” يعني فيما يعنيه القدرة على تحمل أعباء الرحلة ماديا ومعنويا، وهي متطلبات وتكاليف لم يكن باستطاعة معظم الناس تحملها، وأمام شعور بعضهم بالعجز عن أداء هذا الواجب الشرعي ـ فإنه لا يبقى لهم إلا الأمل والتمني؛ اللذان يحولان دون الاستسلام لليأس والقنوط، ويحافظان على جذوة الأشواق ويؤججان مشاعر الحنين لدى المؤمنين الذين لا يجوز لهم أن يقنطوا من رحمة الله، لأنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون .وقد جمعت الظروف التاريخية بين الأندلسيين والمغاربة في الكثير من الأحيان، كما قربت بينهما الجغرافيا، ولذلك نراهم يشتركون في الكثير من ملامح هذا الغرض الأدبي؛ الذي ظهر عندهم في العديد من المناسبات كما ظهر من خلال الرحلات التي كان المغاربة والأندلسيون يحرصون على تدوينها، بعد عودتهم من البقاع المقدسة، ليمكنوا مواطنيهم من الاستمتاع بزيارة تلك البقاع بخيالهم ومشاعرهم، بعد أن عجزوا أو حالت الظروف بينهم وبين القيام بتلك الرحلة الحلم، وسيتضح لنا هذا بعد أن نستعرض بعض النماذج من أشعار الأندلسيين والمغاربة.
<<< الشعر الأندلسي في الشوق للبقاع المقدسة >>>
ومن أوائل ما لدينا أشواق لمكة للشاعر
عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي عبر عنها بالعديد من الوسائل منها :
ومن أوائل ما لدينا من شعر هذا الغرض تلك القصيدة التي خاطب بها الشاعر عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي ( ت 521 هـ) مكة المكرمة:
أمكـةُ تفديكِ النفوسُ الكرائمُ ** ولا برحت تنهل فيك الغـمائمُ
وكُفَّتْ أكُفُّ السوءِ عنْك وبُلِّغتْ ** مُناها قلوبٌ كي تراكِ حوائمُ
فإنـك بيت الله والحـرمُ الذي ** لِعِزَّتـه ذلَّ المـلوك الأعاظمُ
وقد رُفـعت منك القواعد بالتقى ** وشادتْكِ أَيْدٍ برّةٌ ومـعاصمُ
وساويت في الفضل المقامَ كلاكُما ** تُنالُ به الزلفى وتُمْحى المآثمُ
وبعد أن دعا لمكة المكرمة وأشاد بمكانتها وعدد بعضا من فضائلها؛ التي من بينها أن زيارتها تمحو الآثام، انتقل إلى الحديث عن مشاعره الخاصة فقال:
أَلَهْفي لأِقْدار عـدتْ عنكِ همتي ** فلم تنـهض مني إليْكِ العزائمُ
فياليت شِعْري هلْ أُرى فيك داعيًا ** إذا ما دعتْ لله فيكِ الغمائمُ
وهلْ تَمْحُوَنْ عنِّي خطايا اقترفتُها ** خُطًى فيكِ لي أو يَعْمَلاتٌ رواسمُ
وهل لي من سقيا حجيجكِ شَرْبةٌ ** ومن زمزم يُرْوي بها النفسَ حائمُ
وهـل لي في أجر الملبـين مَقسِمٌ ** إذا بُذِلتْ للناس فيـكِ المَقاسِمُ
وكم زارَ مغناكِ المعظّمَ مًجـْرِمٌ ** فحُطتْ به عَنـْه الخطايا العظـائمُ
ومن أيْنَ لا يُضْحِي مُرَجِّيكِ آمنا ** وقد أمنت فيك الْمَهَا والحمائمُ
لئِن فاتني منـكِ الذي أنا رائم ** فإن هـوى نفسي عليك لدائمُ
وإنْ يحْـمني حامي المقادير مُقدمًا ** عليك فإني بالفـؤاد لقـادم
عليكِ سلام الله ما طاف طائـف ** بكعبتكِ العُـليا وما قام قائمُ
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ومن الشعراء الذين أضناهم الشوق إلى بيت الله الحرام وتعذر عليهم الوصول إليه، يحي بن بقي أبو بكر المعروف بالسلاوي؛ الذي يقول:
يا حُداة العيس مَهْلا فعسى ** يبلغُ الصبُّ لديـكم أمَلا
لا أخاف الدهر إلا حاديا ** ظَلْتُ أخشاه وأخشى الجَمَلا
أودعوني حُرَقاً إذ ودّعوا ** غادروا القلب بها مشتـعلا
آهِ من جسم غدا مُستوْطنا ** وفـؤادٍ قد غدا مـُرتحِلا
شُعْبة شَرْقا وأخرى مَغْرِباً ** منْ لـهذين بأن يشـتملا
يا رجالا بين أعـلام مِنًى ** إلثِموا الأستار واسعَوْا رَمَلا
وقفوا في عرفاتٍ وقفة ** تمـحو عن ذي زلة ما عمِلا
وإذا زرتمْ ولاحتْ يثربٌ ** فاكْحلوا بالنور منها المُـقلا
تُرْبـةٌ للوحي فيها أثرٌ ** غـودِرَ البدْرُ بـها قد أفـلا
كيف أنتمْ سمح الله لكمْ ** كيْفَ ودعتمْ هـناك الرُّسَلا
كيف لم تنضج قلوبٌ حُرقا ** كيف لمْ تجر عيونٌ هَمَلاَ؟
لَيْتَ أني تربَةُ الوادي إذا ** مرتِ العيسُ لثمتُ الأرْجُلاَ
لَوْ بوادي الدَّوْم مرت إبلي ** كنت أوطأتُ جفوني الإبلا
يا رسـول الله شكوى رجُلٍ ** عذّرَ الدهـرُ عليه السبلا
ليس بي أن أفـقد الأهل ولا ** أفـقد المالَ معا والخَوَلا
إنـما بي حين يدنو أجلي ** لستُ ألقاكَ وألقى الأجـلا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ومثله الأديب الرحالة محمد ابن جبير البلنسي الذي اشتد به الشوق إلى البقاع المقدسة يوم عرفات، فخاطب الحجاج مهنئا، ولكنه لم يستطع مفارقتهم بقلبه فتتبعهم بروحه وخياله وهم يؤدون مناسكهم، حيث يقول:
يا وُفـودَ الله فُـزْتُمْ بالمُنى ** فهـنيئا لكم أهـل مِنَى
قدْ عرفـنا عرَفاتٍ معكمْ ** فلهذا برح الشـوقُ بـنا
نحن بالمغرب نُجري ذِكْركمْ ** فغروبُ الدمع تَجْري هُتُنا
أنتم الأحباب نشكو بُعدكم ** هل شكوتم بُعدَنا من بَعْدِنا؟
علّنا نلـقى خيالا منكم ** بلذيذ الذكر وهْـنًا عَلـّنا
لو حنا الدهرُ علينا لقـضى ** باجتـماعٍ بِكم بالمنحنى
لاحَ برْقٌ مَوْهنا من أرْضكمْ ** فلعَمْري ما هَنَا العيشُ هُنا
صَـدَع الليْلَ وميـضٌ وسنا ** فأبَيـْنا أنْ نذوقَ الوَسَنا
ما عنا داعي الـهوى لمَّا دعا ** غَيْرَ صبٍّ شفّـه برْحُ العنا
كمْ جنَى الشوقُ علينا من أسًى ** عادَ في مرضاكم حُلو الجنَى
ولَكَمْ بالخيف من قلبٍ شَجٍ ** لمْ يزلْ، خوْفَ النوى، يشكو الضنى
ما ارتَضَى جانـحة الصدرِ لهُ ** سكَنًا مُنـْذُ به قَدْ سَـكَنا
فَتُـنادِيهِ على شَحْـطِ النوى ** مَـنْ لنَـا بِقَـلْبٍ مَلّنا
سرْ بنا يا حادِيَ العِيسِ عَسى ** أنْ نُلاقِي يوْمَ جمْعٍ سِرْبَنَا
شِمْ لنا البرْقَ إذا هبّ وقـلْ ** جَمَعَ اللهُ بِجَمـْع شَمْلَنا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ومن الشعراء الذين هاجتهم الذكرى بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف واشتد بهم الحنين إلى البقاع المقدسة؛ ابن زمرك شاعر الحمراء الذي قال في إحدى مولدياته:
لو كنت أعطى من لقائك سولا ** لم أتخذ برق الغـمام رسولا
أو كنت أبلغ من قبولك مأملي ** لم أودع الشكوى حبا وقبولا
وبعد مقدمة شبه غزلية، ينتقل إلى وصف ركب الحجاج وما تركه رحيلهم في نفسه من لواعج الشوق والحنين، فيقول:
من ينـجد الصبر الجميل فإنه ** بعد الأحـبة قد أجد رحـيلا
كيف التجمل بعدهم وأنا الذي ** أنسيت قيسا في الهوى وجميلا
من عاذري والقلب أول عاذل ** فيـمن أفنـِّد لائما وعذولا
أتبـعت في دين الصبابة أمة ** ما بدلوا في حبـهم تبـديلا
يا موردا حامت علـيه قلوبنا ** لو نيل لم تجر المدامـع نيلا
ما ضر من رقت غلائله ضحى ** لو بات ينقع للمحب غليلا
كم ذا أعلل بالحديث وبالمنى ** قلبا كما شاء الغرام علـيلا
أعديت واصلة الهديل بسحرة ** شجوا وجانحة الأصيل نحولا
وسريت في طي النسيم لعـلني ** احتل حيا بالعقـيق حلولا
هذا ووجدي مثل وجدي عندما اسـ ** ـتشعرت من ركب الحجاز رحيلا
قد سددوا الأنضاء ثم تتابعوا ** يتـلو رعيل في الفـلاة رعيلا
مثل القسي ضوامر قد أرسلت ** يذرعن عرض البلاد ميلا ميلا
مترنحين على الرحال كأنما ** عاطين من فرط الكلال شمـولا
إن يلتبس عَلَمُ الطريق عليهمُ ** جعلوا التشوّق للرسول دليلا
يا راحلين وما تحمل ركبُـهمُ ** إلا قلوب العاشقـين حُمولا
ناشدتكم عهد المودة بيـننا ** والعـهد فينا لم يزل مسئولا
مهما وصلتم خير من وطئ الثرى ** أن توسعوا ذاك الثرى تقـبيلا
يا ليت شعري هل أعرِّس ليلة ** فأشمّ حولي إذخرا وجليلا
أو تروني يـوما مياه مجنّة ** ويشيم طرفي شامة وطفـيلا
وأحط في مثوى الرسول ركائبي ** وأبيت للحرم الشريف نزيلا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
يتبع ،،،
<<< الشعر المغربي في الشوق للبقاع المقدسة >>>
..
بسم الله الرحمن الرحيم
{ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}الحج27
وهنا ؛ أقدم لكم ما شعرت فيه أنه يستنهض الشوق إلى الله والحنين إلى جواره
لعل المحروم من زيارة تلك الديار يذرف دمعا يشفي كمده ويطفيء حر شوقه
ولعلنا وإن لم نحج بأجسامنا ؛ رحلت قلوبنا وأرواحنا طوافة بنور المحبة لله وحرارة اللهفة إلى لقياه ،،
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
الشوق والحنين إلى البقاع المقدسة في الشعر الأندلسي والمغربي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
إذا كان جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تنبض قلوبهم بحب البقاع المقدسة، فيتشوقون إليها وتهفو نفوسهم إلى زيارتها لأداء فريضة الحج أو العمرة أو هما معا، فإن للأندلسيين والمغاربة وضعهم التاريخي/ الجغرافي الذي يجعل شوقهم وحنينهم إلى تلك البقاع أكثر تميزا وأكثر حرارة من أشواق الآخرين؛ فالأندلسيون يشعرون بأنهم أبعد من غيرهم عن مركز العالم الإسلامي، وبأنهم مفصولون عنه ببحر متلاطم الأمواج، وبأنهم محاطون بأمم تناصبهم العداء وتنتظر ضعفهم أو غفلتهم للانقضاض عليهم. وإذا أضفنا إلى هذا الوضع التاريخي الجغرافي طبيعة المواصلات آنذاك وصعوبتها في البر والبحر ـ وعرفنا أن مفهوم ” الاستطاعة ” يعني فيما يعنيه القدرة على تحمل أعباء الرحلة ماديا ومعنويا، وهي متطلبات وتكاليف لم يكن باستطاعة معظم الناس تحملها، وأمام شعور بعضهم بالعجز عن أداء هذا الواجب الشرعي ـ فإنه لا يبقى لهم إلا الأمل والتمني؛ اللذان يحولان دون الاستسلام لليأس والقنوط، ويحافظان على جذوة الأشواق ويؤججان مشاعر الحنين لدى المؤمنين الذين لا يجوز لهم أن يقنطوا من رحمة الله، لأنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون .وقد جمعت الظروف التاريخية بين الأندلسيين والمغاربة في الكثير من الأحيان، كما قربت بينهما الجغرافيا، ولذلك نراهم يشتركون في الكثير من ملامح هذا الغرض الأدبي؛ الذي ظهر عندهم في العديد من المناسبات كما ظهر من خلال الرحلات التي كان المغاربة والأندلسيون يحرصون على تدوينها، بعد عودتهم من البقاع المقدسة، ليمكنوا مواطنيهم من الاستمتاع بزيارة تلك البقاع بخيالهم ومشاعرهم، بعد أن عجزوا أو حالت الظروف بينهم وبين القيام بتلك الرحلة الحلم، وسيتضح لنا هذا بعد أن نستعرض بعض النماذج من أشعار الأندلسيين والمغاربة.
<<< الشعر الأندلسي في الشوق للبقاع المقدسة >>>
ومن أوائل ما لدينا أشواق لمكة للشاعر
عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي عبر عنها بالعديد من الوسائل منها :
ومن أوائل ما لدينا من شعر هذا الغرض تلك القصيدة التي خاطب بها الشاعر عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي ( ت 521 هـ) مكة المكرمة:
أمكـةُ تفديكِ النفوسُ الكرائمُ ** ولا برحت تنهل فيك الغـمائمُ
وكُفَّتْ أكُفُّ السوءِ عنْك وبُلِّغتْ ** مُناها قلوبٌ كي تراكِ حوائمُ
فإنـك بيت الله والحـرمُ الذي ** لِعِزَّتـه ذلَّ المـلوك الأعاظمُ
وقد رُفـعت منك القواعد بالتقى ** وشادتْكِ أَيْدٍ برّةٌ ومـعاصمُ
وساويت في الفضل المقامَ كلاكُما ** تُنالُ به الزلفى وتُمْحى المآثمُ
وبعد أن دعا لمكة المكرمة وأشاد بمكانتها وعدد بعضا من فضائلها؛ التي من بينها أن زيارتها تمحو الآثام، انتقل إلى الحديث عن مشاعره الخاصة فقال:
أَلَهْفي لأِقْدار عـدتْ عنكِ همتي ** فلم تنـهض مني إليْكِ العزائمُ
فياليت شِعْري هلْ أُرى فيك داعيًا ** إذا ما دعتْ لله فيكِ الغمائمُ
وهلْ تَمْحُوَنْ عنِّي خطايا اقترفتُها ** خُطًى فيكِ لي أو يَعْمَلاتٌ رواسمُ
وهل لي من سقيا حجيجكِ شَرْبةٌ ** ومن زمزم يُرْوي بها النفسَ حائمُ
وهـل لي في أجر الملبـين مَقسِمٌ ** إذا بُذِلتْ للناس فيـكِ المَقاسِمُ
وكم زارَ مغناكِ المعظّمَ مًجـْرِمٌ ** فحُطتْ به عَنـْه الخطايا العظـائمُ
ومن أيْنَ لا يُضْحِي مُرَجِّيكِ آمنا ** وقد أمنت فيك الْمَهَا والحمائمُ
لئِن فاتني منـكِ الذي أنا رائم ** فإن هـوى نفسي عليك لدائمُ
وإنْ يحْـمني حامي المقادير مُقدمًا ** عليك فإني بالفـؤاد لقـادم
عليكِ سلام الله ما طاف طائـف ** بكعبتكِ العُـليا وما قام قائمُ
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ومن الشعراء الذين أضناهم الشوق إلى بيت الله الحرام وتعذر عليهم الوصول إليه، يحي بن بقي أبو بكر المعروف بالسلاوي؛ الذي يقول:
يا حُداة العيس مَهْلا فعسى ** يبلغُ الصبُّ لديـكم أمَلا
لا أخاف الدهر إلا حاديا ** ظَلْتُ أخشاه وأخشى الجَمَلا
أودعوني حُرَقاً إذ ودّعوا ** غادروا القلب بها مشتـعلا
آهِ من جسم غدا مُستوْطنا ** وفـؤادٍ قد غدا مـُرتحِلا
شُعْبة شَرْقا وأخرى مَغْرِباً ** منْ لـهذين بأن يشـتملا
يا رجالا بين أعـلام مِنًى ** إلثِموا الأستار واسعَوْا رَمَلا
وقفوا في عرفاتٍ وقفة ** تمـحو عن ذي زلة ما عمِلا
وإذا زرتمْ ولاحتْ يثربٌ ** فاكْحلوا بالنور منها المُـقلا
تُرْبـةٌ للوحي فيها أثرٌ ** غـودِرَ البدْرُ بـها قد أفـلا
كيف أنتمْ سمح الله لكمْ ** كيْفَ ودعتمْ هـناك الرُّسَلا
كيف لم تنضج قلوبٌ حُرقا ** كيف لمْ تجر عيونٌ هَمَلاَ؟
لَيْتَ أني تربَةُ الوادي إذا ** مرتِ العيسُ لثمتُ الأرْجُلاَ
لَوْ بوادي الدَّوْم مرت إبلي ** كنت أوطأتُ جفوني الإبلا
يا رسـول الله شكوى رجُلٍ ** عذّرَ الدهـرُ عليه السبلا
ليس بي أن أفـقد الأهل ولا ** أفـقد المالَ معا والخَوَلا
إنـما بي حين يدنو أجلي ** لستُ ألقاكَ وألقى الأجـلا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ومثله الأديب الرحالة محمد ابن جبير البلنسي الذي اشتد به الشوق إلى البقاع المقدسة يوم عرفات، فخاطب الحجاج مهنئا، ولكنه لم يستطع مفارقتهم بقلبه فتتبعهم بروحه وخياله وهم يؤدون مناسكهم، حيث يقول:
يا وُفـودَ الله فُـزْتُمْ بالمُنى ** فهـنيئا لكم أهـل مِنَى
قدْ عرفـنا عرَفاتٍ معكمْ ** فلهذا برح الشـوقُ بـنا
نحن بالمغرب نُجري ذِكْركمْ ** فغروبُ الدمع تَجْري هُتُنا
أنتم الأحباب نشكو بُعدكم ** هل شكوتم بُعدَنا من بَعْدِنا؟
علّنا نلـقى خيالا منكم ** بلذيذ الذكر وهْـنًا عَلـّنا
لو حنا الدهرُ علينا لقـضى ** باجتـماعٍ بِكم بالمنحنى
لاحَ برْقٌ مَوْهنا من أرْضكمْ ** فلعَمْري ما هَنَا العيشُ هُنا
صَـدَع الليْلَ وميـضٌ وسنا ** فأبَيـْنا أنْ نذوقَ الوَسَنا
ما عنا داعي الـهوى لمَّا دعا ** غَيْرَ صبٍّ شفّـه برْحُ العنا
كمْ جنَى الشوقُ علينا من أسًى ** عادَ في مرضاكم حُلو الجنَى
ولَكَمْ بالخيف من قلبٍ شَجٍ ** لمْ يزلْ، خوْفَ النوى، يشكو الضنى
ما ارتَضَى جانـحة الصدرِ لهُ ** سكَنًا مُنـْذُ به قَدْ سَـكَنا
فَتُـنادِيهِ على شَحْـطِ النوى ** مَـنْ لنَـا بِقَـلْبٍ مَلّنا
سرْ بنا يا حادِيَ العِيسِ عَسى ** أنْ نُلاقِي يوْمَ جمْعٍ سِرْبَنَا
شِمْ لنا البرْقَ إذا هبّ وقـلْ ** جَمَعَ اللهُ بِجَمـْع شَمْلَنا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ومن الشعراء الذين هاجتهم الذكرى بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف واشتد بهم الحنين إلى البقاع المقدسة؛ ابن زمرك شاعر الحمراء الذي قال في إحدى مولدياته:
لو كنت أعطى من لقائك سولا ** لم أتخذ برق الغـمام رسولا
أو كنت أبلغ من قبولك مأملي ** لم أودع الشكوى حبا وقبولا
وبعد مقدمة شبه غزلية، ينتقل إلى وصف ركب الحجاج وما تركه رحيلهم في نفسه من لواعج الشوق والحنين، فيقول:
من ينـجد الصبر الجميل فإنه ** بعد الأحـبة قد أجد رحـيلا
كيف التجمل بعدهم وأنا الذي ** أنسيت قيسا في الهوى وجميلا
من عاذري والقلب أول عاذل ** فيـمن أفنـِّد لائما وعذولا
أتبـعت في دين الصبابة أمة ** ما بدلوا في حبـهم تبـديلا
يا موردا حامت علـيه قلوبنا ** لو نيل لم تجر المدامـع نيلا
ما ضر من رقت غلائله ضحى ** لو بات ينقع للمحب غليلا
كم ذا أعلل بالحديث وبالمنى ** قلبا كما شاء الغرام علـيلا
أعديت واصلة الهديل بسحرة ** شجوا وجانحة الأصيل نحولا
وسريت في طي النسيم لعـلني ** احتل حيا بالعقـيق حلولا
هذا ووجدي مثل وجدي عندما اسـ ** ـتشعرت من ركب الحجاز رحيلا
قد سددوا الأنضاء ثم تتابعوا ** يتـلو رعيل في الفـلاة رعيلا
مثل القسي ضوامر قد أرسلت ** يذرعن عرض البلاد ميلا ميلا
مترنحين على الرحال كأنما ** عاطين من فرط الكلال شمـولا
إن يلتبس عَلَمُ الطريق عليهمُ ** جعلوا التشوّق للرسول دليلا
يا راحلين وما تحمل ركبُـهمُ ** إلا قلوب العاشقـين حُمولا
ناشدتكم عهد المودة بيـننا ** والعـهد فينا لم يزل مسئولا
مهما وصلتم خير من وطئ الثرى ** أن توسعوا ذاك الثرى تقـبيلا
يا ليت شعري هل أعرِّس ليلة ** فأشمّ حولي إذخرا وجليلا
أو تروني يـوما مياه مجنّة ** ويشيم طرفي شامة وطفـيلا
وأحط في مثوى الرسول ركائبي ** وأبيت للحرم الشريف نزيلا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
يتبع ،،،
<<< الشعر المغربي في الشوق للبقاع المقدسة >>>

