- 22 يوليو 2008
- 16,039
- 146
- 63
- الجنس
- أنثى
- علم البلد
-
بسم الله الرحمن الرحيم
إن "الوعي الجمعي" يحمل في أعماقه أسباب وجودنا وأسرار بقائنا أمة؛ إذ يستقي مادة حياته من منبع ثقافتنا الدينية وهويتنا الذاتية، وبفضله تتناغم مكارم الأخلاق مع الحياة الاجتماعية. إن الأفعال التي تصدر عن الأفراد ذوي "الوعي الجمعي" تنسجم فيها العاطفة الجياشة مع السلوك الواعي المنتظم، والحيوية المتدفقة مع الإقدام المتبصر المتزن. وإذا ما تم تثمين هذه الأفعال في فترات التحوّل فإنك لن تجد ميزاناً يستطيع أن يوفيها قدرها؛ لأنها قد بلغت قيمة ما بعدها قيمة بالدور العظيم الذي قامت به.. وشتان بين وزنها في مثل هذه الظروف الحرجة ووزنها في الأوقات العادية.
أما الأفعال التي تصدر عن الحشود المندفعة بـ"سيكولوجية الجماهير" فإنها لا تخلو من أخطاء كبيرة واضطرابات مدمرة.
لقد دخلنا في هذه الأيام مع الأمم والشعوب المرتبطة بنا في سلسلة من التحوّلات والتغيّرات. وإذ نسير نحو مستقبل حافل بتحوّلات متلاحقة وتقلّبات متتالية، فإنه من الأهمية بمكان الحفاظُ على روح الأمة وهويتها الذاتية، وإقرارُ الفرد والجماهير على محور التعقّل والتبصّر والاتزان في التفكير والتخطيط والتدبير، وعدم إتاحة الفرصة لأيّ نوع من أنواع التفكير الفوضوي والسلوك الاستفزازي الذي من شأنه أن يثير الحشود الجماهيرية إلى تصرفات عشوائية مجهولة العاقبة.. وفي حال وجود بؤر استفزازية ينبغي التصدّي لها فوراً.. وإنّ اتباع هذه الخطوات واتخاذ تلك التدابير مهم جدّاً بقدْر أهمية الإرشاد إلى الله سبحانه وتعالى والجهاد في سبيله، بل قد يكون أهم منهما وأخطر في الظرف الراهن بالذات. ولا يَغيبنّ عن البال أبداً أنه من السهولة بمكان، أن تتحوّل الجماهير الحاشدة من الألفة إلى البغض، ومن الوحدة إلى التفرّق، ومن التحرّك المشترك إلى الفوضى والتمزّق. لذا ينبغي ألا تتاح الفرصة لأفراد الحشود العشوائية في أن يجرفوا أنفسهم والأمة التي ينتمون إليها، نحو عواقب مأساوية بسبب معالجات متعجلة متسرعة، أو تحت تأثير بعض النفوس المولعة بالمغامرات. أجل، ينبغي التصدي لتلك النفوس المغامرة حتى لا تعبث بمقدرات الأمة؛ وبالمقابل يتطلب الموقف توجيهَ الأنظار باستمرار إلى الأبطال المخلصين الذين يمثلون روح الكتاب المجيد وجوهر السنة النبوية الشريفة. وإنك لتلمح في سلوك هؤلاء الأبطال الذين يُعتبَرون ركنًا نورانيّاً أساسيّاً من أركان "الوعي الجمعي" الذي يدور في مدار الوحي الإلهي.. إنك لتلمح التواضع والانمحاء ونكران الذات بدل السعي وراء الشهرة والمناصب، والإيثارَ بدل الاستئثار، والحرصَ على مصالح المجتمع بدلاً من المصلحة الذاتية.
إن هؤلاء الأبطال يحملون في جوانحهم هموم المجتمع كله.. هموم يومه وغده.. وهم يشعرون في أعماقهم بمسؤولية تاريخية تجاه حاضر الأمة ومستقبلها. وبالتالي فبينما تجدهم يزأرون بأفكارهم بشجاعة منقطعة النظير حيناً، تلقاهم في حين آخر وقد اعتراهم الهمّ المقلق، وأصابهم الأرق المضني، وذهبت بهم التوجسات مذاهب شتى حرصاً على حياة البراعم الناشئة من الضياع. فمَثَلُهم في ذلك مثل الدجاجة الحضون التي تبسط أجنحتها على بيضاتها، وتشمل أفراخها بالمحبة، وتموت وتحيا من أجلها في اليوم مئة مرة. ومن ثَمَّ فإنهم إذ يتعرّضون إلى أشنع أنواع التشويه والتحقير والإهانات لا يردّون عليها ولو بكلمة، بل يتحمّلونها على مرارتها معتصمين بالصبر الجميل؛ وإذ تتفجر براكين العواطف وتثور نيران الانفعالات في أعماقهم لا يأبهون لها، بل يكظمونها ويحبسونها في صدورهم، ثم يمضون في سبيلهم كأن لم يحصل شيء قط. إن هذه النفوس المتدفقة بمشاعر سامية، لن تُحجِم أبداً عن أن تُقبِل على الموت بابتسام، أو أن تضحّي بأرواحها من أجل الآخرين ببسالة مذهلة، أو أن تزجّ بنفسها وسط النيران كإطفائي شجاع بكل سعادة لإنقاذ من يستغيث بها. وهي إذ تقوم بهذه البطولات الفريدة يتوهج ألق الشعور بالمسؤولية على ملامحها، وتتجلى لذة العبودية وخشوعها على تصرفاتها. إنهم لا ينتظرون جزاءً ولا شكوراً مقابل تضحياتهم النبيلة، بل لو استنجدهم أحد فلم يسرعوا إلى نجدته في الحال عدُّوا ذلك جريمة لا تغتفر، واعتبروا أنفسهم غير أوفياء، وبادروا إلى محاسبة أنفسهم وتعنيفها.
قلوب هؤلاء المخلصين تخفق بالأمل في كل وقت.. وإنك لن تجدهم مقصّرين أبداً في استثمار الطاقات والإمكانات المادية والروحية التي تدعم مشاريعهم وتحقق خططهم التي رسموها وفقاً لخريطة آمالهم، واعتبروا إنجازها أسمى أمانيهم. وهم في كل ذلك لا يبتغون سوى مرضاة الله تعالى والتحقق بمعاني الإخلاص المحض؛ حتى إذا ما مُنِحوا -دون سؤال منهم- مكافأةً مادية أو تنزّلت عليهم مواهبُ روحية وموارد وجدانية لقاء خدماتهم أو مكابداتهم، فسوف يترددون بين هواجس الخوف من أن يكون ذلك استدراجاً من الله وابتلاء، وبين فرحة نوال النعمة العظمى والإعلان عنها؛ فتجد عباراتهم تترواح بين مشاعر الخوف والرجاء.. فهي وجِلة مرتعشة متعثرة عند شعورهم بالخوف.. مشرقة مبتهجة ممتلئة ثقةً بالله سبحانه وتعالى عند إحساسهم بالرجاء. وهم بين هذه المشاعر وتلك يواصلون حياتهم أبطالاً للمراقبة ورموزاً للتبصّر واليقظة.
وينبغي التأكيد على أن هؤلاء المتيّمين ليسوا رجالاً مستسلمين متواكلين سلبيّين أبداً. فبالإضافة إلى توكلهم الكامل على الله سبحانه وتعالى، وتسليمهم الخالص له، وتفويضهم التام إليه، فهم منتبهون إلى ما يجري حولهم من وقائع أشد ما يكون الانتباه، حساسون تجاه ما يحدث في الساحة من تحوّلات وتقلّبات أشد ما تكون الحساسية؛ بل ويتخذون إزاءها مواقف واضحة وحاسمة، ويتفاعلون معها تفاعلاً حكيماً وبصيراً؛ فهم لا يتعثرون بعواطفهم أبداً، لا في شؤونهم الدنيوية ولا في شؤونهم الأخروية.. ويزِنون كل حركاتهم وسكناتهم بموازين الأوامر الإلهية.. ويراعون مستوى الفهم البشري في مقولاتهم وخطاباتهم وتفسيراتهم، ومن ثَمَّ تأتي قراءتهم ورؤيتهم لحقيقة الكون منسجمة مع الفهم البشري. هؤلاء الحكماء يدركون موقع الإنسان من الكون حقّ الإدراك، ويعرفون مكانته حقّ المعرفة.. وكذلك يبتعدون عن كل فعل يؤدي إلى الاصطدام مع فطرة الأشياء وطبيعة الأحداث، ويسعون دائماً إلى أن يكونوا متوافقين متآلفين مع السنن الكونية.
هذا، ولكي نسير بخطوات واثقة إلى المستقبل المشرق الذي نؤمّل أن يكون لنا، ننبه فيما يلي إلى قضايا في غاية الأهمية والحيوية:
• ينبغي على الأمة جميعاً وبالأخص على النخب والمثقفين منها، أن يؤسّسوا "سَلاماً" بينهم وبين تاريخهم.
• إن كل حركة تجديدية وعملية تغييرية تم وضعها من أجل إنشاء المستقبل، ينبغي أن يتم التخطيط لها بناءً على مقوماتنا التاريخية وجذورنا الروحية.
• إن قضية حيوية كهذه القضية ينبغي ألا تشوَّه بالأغراض السياسية ولا أن تلوَّث بالمطامع الفردية أو المصالح الفئوية.
• يجب أن يوضع في الحسبان أن المساعي والجهود التي تصبّ في هذا الاتجاه قد تعترضها بعض المضاعفات الجانبية المفاجئة حتى وإن تم اتخاذ كل التدابير اللازمة. ومن ثَمَّ ينبغي السير بحكمة وبصيرة؛ كما ينبغي عدم إتاحة الفرصة لعواطف طفولية طائشة قد تبدر من بعض الشباب العابث، أو لتصرفات غير مسؤولة قد تصدر عن بعض عشاق المغامرات؛ بل حتى لو أُهِينت كرامتُنا، فسوف نكبح جماح عواطفنا، ونُحكم السيطرة على أَزِمّة انفعالاتنا، ونصُرّ على أسناننا، ونحتمي بالصبر، إكراماً لغايتنا السامية وآمالنا المنشودة.
• قبل أن نهدم بنياناً ما، ينبغي أن نكون قد حسمنا قرارنا حول ما سيُبنَى مكانه. فإذا كان ذلك واضحاً وضوحاً تامّاً، عندئذ يمكن الشروع في هدم البنيان القديم المتداعي. وإنّ مبدأنا في هذا الشأن هو "نَهدم لِنَبْني"، ومن ثَمَّ فقبل أن نضرب أول معول على المبنى الذي نريد هدمه، ينبغي أن يكون "نموذج البنيان الجديد" جاهزاً حاضراً أمام أعيننا.
• إن جميع القرارات وكافة الأفعال المتعلقة بأي مشروع في هذا الإطار، ينبغي أن تُزوَّد بالعلم والخبرة والمعرفة والتخطيط؛ وكل مسعى وكل مبادرة ينبغي أن تدعم بالدراسات العميقة والبحوث الدقيقة والاستيعاب الشامل حتى لا نقع في دائرة مفرغة من الهدم والبناء.
لا شك أننا نقف اليوم في مفترق طرق وعلى "ملتقى قدَري" مرة أخرى؛ ففي ظل الموقف الحرج الذي نعيشه والموقع الدقيق الذي نوجد فيه، إذا استطعنا أن نستثمر المرحلة الزمنية التي نمر منها بأفكار عظيمة ومشاريع عملاقة ورؤى بعيدة المدى وعزيمة كعزيمة الأنبياء، فإن فرصتنا في رجحان كفة ميزان "الملتقى القدَري" لصالحنا أسنح بكثير -بالمقارنة مع الأمم الأخرى في العالم- لكي يبزغ نجم سعدنا متألقاً في الآفاق.
إننا نعاني اليوم من مآس حقيقية، وهشاشة اجتماعية واقتصادية، ناهيك عن الفوضى التي لا تسأم بؤرُ الفساد الداخليةُ والخارجية من إثارتها واستفزازها. لكنني على يقين تام بأننا قادرون على تجاوزها، إذ إن سنة الله اقتضت ألا تستمر وتيرة السقوط والتراجع إلى الأبد.. وألا تسير عجلة الأحداث والوقائع في اتجاه واحد قط.. وألا يمتد سلطان الليالي إلى أبد الآباد، فكم من مَرة دار الزمان دورته، فتألقت خرائب الديار بلآلئ العمران من جديد، وعادت يد الأحداث -التي تسير في خط دائري- توزع أزهار البسمات على البؤساء الذين أبكتهم فيما مضى، وانهزمت ظلمات الليل أمام ضياء النهار مدحورة مقهورة، ودوّت جنباتُ الكون مهللة بضحكات النور الساطعة.
حمد فتح الله كولن / مفكر إسلامي تركي
الترجمة عن التركية: نوزاد صواش
إن "الوعي الجمعي" يحمل في أعماقه أسباب وجودنا وأسرار بقائنا أمة؛ إذ يستقي مادة حياته من منبع ثقافتنا الدينية وهويتنا الذاتية، وبفضله تتناغم مكارم الأخلاق مع الحياة الاجتماعية. إن الأفعال التي تصدر عن الأفراد ذوي "الوعي الجمعي" تنسجم فيها العاطفة الجياشة مع السلوك الواعي المنتظم، والحيوية المتدفقة مع الإقدام المتبصر المتزن. وإذا ما تم تثمين هذه الأفعال في فترات التحوّل فإنك لن تجد ميزاناً يستطيع أن يوفيها قدرها؛ لأنها قد بلغت قيمة ما بعدها قيمة بالدور العظيم الذي قامت به.. وشتان بين وزنها في مثل هذه الظروف الحرجة ووزنها في الأوقات العادية.
أما الأفعال التي تصدر عن الحشود المندفعة بـ"سيكولوجية الجماهير" فإنها لا تخلو من أخطاء كبيرة واضطرابات مدمرة.
لقد دخلنا في هذه الأيام مع الأمم والشعوب المرتبطة بنا في سلسلة من التحوّلات والتغيّرات. وإذ نسير نحو مستقبل حافل بتحوّلات متلاحقة وتقلّبات متتالية، فإنه من الأهمية بمكان الحفاظُ على روح الأمة وهويتها الذاتية، وإقرارُ الفرد والجماهير على محور التعقّل والتبصّر والاتزان في التفكير والتخطيط والتدبير، وعدم إتاحة الفرصة لأيّ نوع من أنواع التفكير الفوضوي والسلوك الاستفزازي الذي من شأنه أن يثير الحشود الجماهيرية إلى تصرفات عشوائية مجهولة العاقبة.. وفي حال وجود بؤر استفزازية ينبغي التصدّي لها فوراً.. وإنّ اتباع هذه الخطوات واتخاذ تلك التدابير مهم جدّاً بقدْر أهمية الإرشاد إلى الله سبحانه وتعالى والجهاد في سبيله، بل قد يكون أهم منهما وأخطر في الظرف الراهن بالذات. ولا يَغيبنّ عن البال أبداً أنه من السهولة بمكان، أن تتحوّل الجماهير الحاشدة من الألفة إلى البغض، ومن الوحدة إلى التفرّق، ومن التحرّك المشترك إلى الفوضى والتمزّق. لذا ينبغي ألا تتاح الفرصة لأفراد الحشود العشوائية في أن يجرفوا أنفسهم والأمة التي ينتمون إليها، نحو عواقب مأساوية بسبب معالجات متعجلة متسرعة، أو تحت تأثير بعض النفوس المولعة بالمغامرات. أجل، ينبغي التصدي لتلك النفوس المغامرة حتى لا تعبث بمقدرات الأمة؛ وبالمقابل يتطلب الموقف توجيهَ الأنظار باستمرار إلى الأبطال المخلصين الذين يمثلون روح الكتاب المجيد وجوهر السنة النبوية الشريفة. وإنك لتلمح في سلوك هؤلاء الأبطال الذين يُعتبَرون ركنًا نورانيّاً أساسيّاً من أركان "الوعي الجمعي" الذي يدور في مدار الوحي الإلهي.. إنك لتلمح التواضع والانمحاء ونكران الذات بدل السعي وراء الشهرة والمناصب، والإيثارَ بدل الاستئثار، والحرصَ على مصالح المجتمع بدلاً من المصلحة الذاتية.
إن هؤلاء الأبطال يحملون في جوانحهم هموم المجتمع كله.. هموم يومه وغده.. وهم يشعرون في أعماقهم بمسؤولية تاريخية تجاه حاضر الأمة ومستقبلها. وبالتالي فبينما تجدهم يزأرون بأفكارهم بشجاعة منقطعة النظير حيناً، تلقاهم في حين آخر وقد اعتراهم الهمّ المقلق، وأصابهم الأرق المضني، وذهبت بهم التوجسات مذاهب شتى حرصاً على حياة البراعم الناشئة من الضياع. فمَثَلُهم في ذلك مثل الدجاجة الحضون التي تبسط أجنحتها على بيضاتها، وتشمل أفراخها بالمحبة، وتموت وتحيا من أجلها في اليوم مئة مرة. ومن ثَمَّ فإنهم إذ يتعرّضون إلى أشنع أنواع التشويه والتحقير والإهانات لا يردّون عليها ولو بكلمة، بل يتحمّلونها على مرارتها معتصمين بالصبر الجميل؛ وإذ تتفجر براكين العواطف وتثور نيران الانفعالات في أعماقهم لا يأبهون لها، بل يكظمونها ويحبسونها في صدورهم، ثم يمضون في سبيلهم كأن لم يحصل شيء قط. إن هذه النفوس المتدفقة بمشاعر سامية، لن تُحجِم أبداً عن أن تُقبِل على الموت بابتسام، أو أن تضحّي بأرواحها من أجل الآخرين ببسالة مذهلة، أو أن تزجّ بنفسها وسط النيران كإطفائي شجاع بكل سعادة لإنقاذ من يستغيث بها. وهي إذ تقوم بهذه البطولات الفريدة يتوهج ألق الشعور بالمسؤولية على ملامحها، وتتجلى لذة العبودية وخشوعها على تصرفاتها. إنهم لا ينتظرون جزاءً ولا شكوراً مقابل تضحياتهم النبيلة، بل لو استنجدهم أحد فلم يسرعوا إلى نجدته في الحال عدُّوا ذلك جريمة لا تغتفر، واعتبروا أنفسهم غير أوفياء، وبادروا إلى محاسبة أنفسهم وتعنيفها.
قلوب هؤلاء المخلصين تخفق بالأمل في كل وقت.. وإنك لن تجدهم مقصّرين أبداً في استثمار الطاقات والإمكانات المادية والروحية التي تدعم مشاريعهم وتحقق خططهم التي رسموها وفقاً لخريطة آمالهم، واعتبروا إنجازها أسمى أمانيهم. وهم في كل ذلك لا يبتغون سوى مرضاة الله تعالى والتحقق بمعاني الإخلاص المحض؛ حتى إذا ما مُنِحوا -دون سؤال منهم- مكافأةً مادية أو تنزّلت عليهم مواهبُ روحية وموارد وجدانية لقاء خدماتهم أو مكابداتهم، فسوف يترددون بين هواجس الخوف من أن يكون ذلك استدراجاً من الله وابتلاء، وبين فرحة نوال النعمة العظمى والإعلان عنها؛ فتجد عباراتهم تترواح بين مشاعر الخوف والرجاء.. فهي وجِلة مرتعشة متعثرة عند شعورهم بالخوف.. مشرقة مبتهجة ممتلئة ثقةً بالله سبحانه وتعالى عند إحساسهم بالرجاء. وهم بين هذه المشاعر وتلك يواصلون حياتهم أبطالاً للمراقبة ورموزاً للتبصّر واليقظة.
وينبغي التأكيد على أن هؤلاء المتيّمين ليسوا رجالاً مستسلمين متواكلين سلبيّين أبداً. فبالإضافة إلى توكلهم الكامل على الله سبحانه وتعالى، وتسليمهم الخالص له، وتفويضهم التام إليه، فهم منتبهون إلى ما يجري حولهم من وقائع أشد ما يكون الانتباه، حساسون تجاه ما يحدث في الساحة من تحوّلات وتقلّبات أشد ما تكون الحساسية؛ بل ويتخذون إزاءها مواقف واضحة وحاسمة، ويتفاعلون معها تفاعلاً حكيماً وبصيراً؛ فهم لا يتعثرون بعواطفهم أبداً، لا في شؤونهم الدنيوية ولا في شؤونهم الأخروية.. ويزِنون كل حركاتهم وسكناتهم بموازين الأوامر الإلهية.. ويراعون مستوى الفهم البشري في مقولاتهم وخطاباتهم وتفسيراتهم، ومن ثَمَّ تأتي قراءتهم ورؤيتهم لحقيقة الكون منسجمة مع الفهم البشري. هؤلاء الحكماء يدركون موقع الإنسان من الكون حقّ الإدراك، ويعرفون مكانته حقّ المعرفة.. وكذلك يبتعدون عن كل فعل يؤدي إلى الاصطدام مع فطرة الأشياء وطبيعة الأحداث، ويسعون دائماً إلى أن يكونوا متوافقين متآلفين مع السنن الكونية.
هذا، ولكي نسير بخطوات واثقة إلى المستقبل المشرق الذي نؤمّل أن يكون لنا، ننبه فيما يلي إلى قضايا في غاية الأهمية والحيوية:
• ينبغي على الأمة جميعاً وبالأخص على النخب والمثقفين منها، أن يؤسّسوا "سَلاماً" بينهم وبين تاريخهم.
• إن كل حركة تجديدية وعملية تغييرية تم وضعها من أجل إنشاء المستقبل، ينبغي أن يتم التخطيط لها بناءً على مقوماتنا التاريخية وجذورنا الروحية.
• إن قضية حيوية كهذه القضية ينبغي ألا تشوَّه بالأغراض السياسية ولا أن تلوَّث بالمطامع الفردية أو المصالح الفئوية.
• يجب أن يوضع في الحسبان أن المساعي والجهود التي تصبّ في هذا الاتجاه قد تعترضها بعض المضاعفات الجانبية المفاجئة حتى وإن تم اتخاذ كل التدابير اللازمة. ومن ثَمَّ ينبغي السير بحكمة وبصيرة؛ كما ينبغي عدم إتاحة الفرصة لعواطف طفولية طائشة قد تبدر من بعض الشباب العابث، أو لتصرفات غير مسؤولة قد تصدر عن بعض عشاق المغامرات؛ بل حتى لو أُهِينت كرامتُنا، فسوف نكبح جماح عواطفنا، ونُحكم السيطرة على أَزِمّة انفعالاتنا، ونصُرّ على أسناننا، ونحتمي بالصبر، إكراماً لغايتنا السامية وآمالنا المنشودة.
• قبل أن نهدم بنياناً ما، ينبغي أن نكون قد حسمنا قرارنا حول ما سيُبنَى مكانه. فإذا كان ذلك واضحاً وضوحاً تامّاً، عندئذ يمكن الشروع في هدم البنيان القديم المتداعي. وإنّ مبدأنا في هذا الشأن هو "نَهدم لِنَبْني"، ومن ثَمَّ فقبل أن نضرب أول معول على المبنى الذي نريد هدمه، ينبغي أن يكون "نموذج البنيان الجديد" جاهزاً حاضراً أمام أعيننا.
• إن جميع القرارات وكافة الأفعال المتعلقة بأي مشروع في هذا الإطار، ينبغي أن تُزوَّد بالعلم والخبرة والمعرفة والتخطيط؛ وكل مسعى وكل مبادرة ينبغي أن تدعم بالدراسات العميقة والبحوث الدقيقة والاستيعاب الشامل حتى لا نقع في دائرة مفرغة من الهدم والبناء.
لا شك أننا نقف اليوم في مفترق طرق وعلى "ملتقى قدَري" مرة أخرى؛ ففي ظل الموقف الحرج الذي نعيشه والموقع الدقيق الذي نوجد فيه، إذا استطعنا أن نستثمر المرحلة الزمنية التي نمر منها بأفكار عظيمة ومشاريع عملاقة ورؤى بعيدة المدى وعزيمة كعزيمة الأنبياء، فإن فرصتنا في رجحان كفة ميزان "الملتقى القدَري" لصالحنا أسنح بكثير -بالمقارنة مع الأمم الأخرى في العالم- لكي يبزغ نجم سعدنا متألقاً في الآفاق.
إننا نعاني اليوم من مآس حقيقية، وهشاشة اجتماعية واقتصادية، ناهيك عن الفوضى التي لا تسأم بؤرُ الفساد الداخليةُ والخارجية من إثارتها واستفزازها. لكنني على يقين تام بأننا قادرون على تجاوزها، إذ إن سنة الله اقتضت ألا تستمر وتيرة السقوط والتراجع إلى الأبد.. وألا تسير عجلة الأحداث والوقائع في اتجاه واحد قط.. وألا يمتد سلطان الليالي إلى أبد الآباد، فكم من مَرة دار الزمان دورته، فتألقت خرائب الديار بلآلئ العمران من جديد، وعادت يد الأحداث -التي تسير في خط دائري- توزع أزهار البسمات على البؤساء الذين أبكتهم فيما مضى، وانهزمت ظلمات الليل أمام ضياء النهار مدحورة مقهورة، ودوّت جنباتُ الكون مهللة بضحكات النور الساطعة.
حمد فتح الله كولن / مفكر إسلامي تركي
الترجمة عن التركية: نوزاد صواش

