- 4 مارس 2008
- 217
- 0
- 0
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- محمود خليل الحصري
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى التي تسعى إلى السعادة الحقيقية
إلى المؤمنة الطاهرة الطيبة... التي ترتعش جوارحها شوقا إلى السعادة والهناء
أهدي إليكم هذه الكلمة:
وهذه كلماتها
]إِلَيْكِ.. أُخَيَّتِي
الحَمدُ لله الكَرِيمِ الوَهَّاب، الرَّحِيمِ التَّوَّاب، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَاب.
وَأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إِلّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ:
فهَذِهِ بَاقَةٌ مِنَ النَّصَائِحِ؛ مُعَطَّرَةٌ بِرِيحِ الوَرْد، أُهْدِيهَا إِلَى كُلِّ أُخْتٍ قَد امْتَلَأَ قَلْبُهَا بِحُبِّ الله وَحُبِّ رَسُولِ الله ﷺ، وَتَمَيَّزَتْ بِنَقَائِهَا، وَعِفَّتِهَا، وَرِقَّةِ قَلْبِهَا عَنْ سَائِرِ الخَلْقِ، أُهْدِيهَا إِلَى الَّتِي تَسْعَى إِلَى السَّعَادَةِ الحَقِيقِيَّةِ؛ الَّتِي لا شَقَاءَ مَعَهَا.
كَأَنِّي -وَأَنَا أَكْتُبُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ- أَسْمَعُكِ تَسْأَلِينَ عَنْ هَذِهِ السَّعَادَةِ الَّتِي طَالمَا اشْتَقْتِ إِلَيْهَا، وَارْتَعَشَتْ جَوَارِحُكِ وَأَنْتِ تَسْمَعِينَ عَنْهَا!
إِنَّ هَذِهِ السَّعَادَةَ رَاحَةٌ وَطُمَأْنِينَةٌ؛ يَجِدُهَا الإِنْسَانُ فِي قَلْبِهِ، فَيَكُونُ مَعَ فَقْرِهِ أَغْنَى النَّاسِ، وَمَعَ ضَعْفِهِ أَقْوَى النَّاسِ، فَتَجْعَلُهُ فِي عِزَّةٍ وَرِفْعَةٍ وَسُرِورٍ وَفَرَحٍ مَهْمَا كَانَت المَصَائِبُ وَالمِحَنُ؛ كَيْفَ لَا؟ وَهُوَ يَغْدُو وَيَرُوحُ وَاللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- رَاضٍ عَنْهُ.
أُخَيَّتِي! إِنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي الدُّنْيَا، أَمَّا فِي الْآخِرَةِ؛ فَيُؤَمَّنُ إذا فَزِعَ النَّاسُ، ويَجْعَلُ اللهُ لَهُ نُورًا يَهْدِيهِ عَلَى الصِّرَاطِ -وَهُوَ أحوج ما يكون إليه-؛ فَيُزَحْزِحه عَنِ النَّار، ويَدْخُل الْجَنَّةَ مَعَ المُتَّقِينَ الْأَبْرَار.
لَعَلَّكِ -الآنَ- تَتَسَاءَلِينَ: وَكَيْفَ أَحْصُلُ عَلَى هَذِهِ السَّعَادَةِ؟
الجَوَابُ: عِنْدَمَا تُطِيعِينَ اللهَ وَرَسُولَهُ.
يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ﴾ [النور: 52].
نَعَم؛ فَأُولِئَكَ الَّذِينَ يَفُوزُونَ بِالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَيَفُوزُونَ بِجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.
وَبَعْدَ أَنْ عَرَفْنَا طَرِيقَ السَّعَادَةِ أُهْدِي إِلَيْكِ نَصِيحَتِي المُتَمِثِّلَةَ بِقَوْلِ الله تَعَالَى في سُورَةِ [الأحزاب: 59]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾.
فَقَدْ أَمَرَ اللهُ -سُبحَانَهُ وَتَعَالَى- رَسُولَهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنْ يَأْمُرَ النِّسَاءَ عُمُومًا، وَيَبْدَأَ بِزَوْجَاتِهِ وَبَنَاتِهِ بِأَنْ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. وَيَقُولُ العَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِر السِّعْدِيُّ في «تَفْسِير كَلَام المنّان»:
«وَهُنَّ اللَّاتي يَكُنَّ فَوْقَ الثِّيَابِ في مِلْحَفَةٍ وَخِمَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَحْوِه؛ أَيْ: يُغَطِّينَ بِهَا وُجُوهَهُنَّ وَصُدُورَهُنَّ»، ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ -تَعَالَى- الحِكْمَةَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، فَحِرْصًا عَلَى المَرْأَةِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْإِيذَاءِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَعَرَّضَ لَها مَنْ في قَلْبِهِ مَرَضٌ فَيُؤْذِيَها؛ أَمَرَهَا اللهُ بِهَذَا الحِجَابِ.
فَالاحْتِجَابُ حَاسِمٌ لِطَمَعِ الطَّامِعِينَ فِيهِنَّ، فَهَلَّا أَطَعْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ إِذْ دَعَانَا لِما يُحْيِينَا... قال الله –تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24].
أُخَيَّتي.. كَأنّي أَرَى في قَلْبِكِ شَيْئًا مِنَ الشَّكِّ وَالارْتِيَابِ نَحْوَ مَا قُلْتُهُ، لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ التَّأَكُّدَ أَكْثَرَ؟ أَنَا أُجِيبُكِ إِلَى ذَلِكَ، يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]، فَأَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- المُؤْمِنَةَّ بِأَنْ تُخْفِي زِينَتَهَا؛ كَالثِّيَابِ الجَمِيلَةِ وَالحُلِيِّ، وَتُخْفِي كَذَلِكَ البَدَنَ؛ لِأَنَّهُ زِينَةٌ وَفِتْنَةٌ لِلرِّجَالِ، فَلَا تَلْبَس الضَّيِّقَ وَالقَصِيرَ وَالشَّفَّافَ.
ثُمَّ اسْتَثْنَى اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- من هَذِهِ الزِّينَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾؛ أَي: الثِّيَابِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَا فِتْنَةَ بِهَا، وَقَدْ خَتَمَ اللهُ -تَعَالَى- الْآيَةَ بِذِكْرِ مَنْ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبْدِي زِينتَهَا الظَّاهِرَةَ والبَاطِنَةَ لَهُم مِنَ المَحَارِمِ؛ وهم الزَّوْجُ وَالأَبُ..
أُخَيَّتي... هَلْ بَعْدَ هَذَا البَيَانِ مِنْ شَكٍّ؟!
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ مَا وَقَعَتْ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ مِنْ لبْسِ البِنْطَالِ، أَو القَمِيصِ الضَّيِّقِ، أو الشَّفَّافِ، أَو غَيْرِ السَّاتِرِ، أَو المُزَيَّنِ بِشَكْلٍ مُلْفِتٍ لِلانْتِبَاهَ، أو عَدَمِ لبْسِ الحِجَابِ، أَوْ لبْسِ الحِجَابِ المُزَخْرَفِ وَالمُزَيَّنِ: كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِشُرُوطِ اللِّبَاسِ الشَّرْعِيِّ، فَهُوُ يُبْدِي الزِّينَةَ الَّتِي أَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- بِسَتْرِهَا، فَإِنْ قَامَتْ بِسَتْرِ هَذِهِ الزِّينَةِ فَقَدْ أَطَاعَت اللهَ -تَعَالَى-، وحَصَلَتْ عَلَى السَّعَادَةِ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَهَذَا اللِّبَاسُ الشَّرْعِيُّ يَزِيدُ المَرْأَةَ عِفَّةً وَحَيَاءً، وَنَزَاهَةً وَرَاحَةً وَطُمَأْنِينَةً وَسَعَادَةً، فَهِيَ تَمشي وَاللهُ رَاضٍ عَنْهَا، وَتَرَاهَا مُيَسَّرَةَ الْأَمْرِ، مُنْشَرِحَةَ الصَّدْرِ، وَفي الآخِرَةِ تَدْخُلُ جَنَّةَ رَبِّهَا وَتَنْعَمُ بِالجَوَاهِرِ وَيَزِيدُ جَمَالُهَا أَضْعَافَ مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآنَ، كَيْفَ لَا؟! وَهِيَ في جَنَّةٍ: فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ إِنْسَانٍ.
وَلْتَعْلَمِي: أَنَّكِ إِنْ أَعْرَضْتِ عَنْ أَمْرِ الله؛ فَسَوْفَ تَتَحَمَّلِينَ إِثْمَ كُلِّ رَجُلٍ نَظَرَ إِلَيْكِ، وَسَوْفَ تَبُوئِينَ بِغَضَبٍ مِنَ الله -تَعَالَى-، وَسَتَتَحَوَّلُ حَيَاتُكِ إِلَى جَحِيمٍ، يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]... فَلَا أَنْتِ نَعِمْتِ في الدُّنْيَا، وَلَا سَلِمْتِ في الآخِرَةِ.
خِتَامًا... يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لهم الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، فَإِذَا أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ أَمْرًا وَقَضَاهُ عَلَى عِبَادِهِ؛ فَلَا يَكُونُ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْأَمْرَ مَبْحَثًا لِلْاخْتِيَارِ، فَإِنْ شَاءَ قَبِلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَل، فَالخِيْرَةُ مَا اخْتَارَ اللهُ لِعَبَادِهِ، فَالْبِدَارَ البِدَارَ.. وَالتَّوْبَةَ التَّوْبَةَ... جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكِ مِنْ أَصْحَابِ الجَّنَّةِ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ...
* * *
إلى التي تسعى إلى السعادة الحقيقية
إلى المؤمنة الطاهرة الطيبة... التي ترتعش جوارحها شوقا إلى السعادة والهناء
أهدي إليكم هذه الكلمة:
وهذه كلماتها
]إِلَيْكِ.. أُخَيَّتِي
الحَمدُ لله الكَرِيمِ الوَهَّاب، الرَّحِيمِ التَّوَّاب، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَاب.
وَأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إِلّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ:
فهَذِهِ بَاقَةٌ مِنَ النَّصَائِحِ؛ مُعَطَّرَةٌ بِرِيحِ الوَرْد، أُهْدِيهَا إِلَى كُلِّ أُخْتٍ قَد امْتَلَأَ قَلْبُهَا بِحُبِّ الله وَحُبِّ رَسُولِ الله ﷺ، وَتَمَيَّزَتْ بِنَقَائِهَا، وَعِفَّتِهَا، وَرِقَّةِ قَلْبِهَا عَنْ سَائِرِ الخَلْقِ، أُهْدِيهَا إِلَى الَّتِي تَسْعَى إِلَى السَّعَادَةِ الحَقِيقِيَّةِ؛ الَّتِي لا شَقَاءَ مَعَهَا.
كَأَنِّي -وَأَنَا أَكْتُبُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ- أَسْمَعُكِ تَسْأَلِينَ عَنْ هَذِهِ السَّعَادَةِ الَّتِي طَالمَا اشْتَقْتِ إِلَيْهَا، وَارْتَعَشَتْ جَوَارِحُكِ وَأَنْتِ تَسْمَعِينَ عَنْهَا!
إِنَّ هَذِهِ السَّعَادَةَ رَاحَةٌ وَطُمَأْنِينَةٌ؛ يَجِدُهَا الإِنْسَانُ فِي قَلْبِهِ، فَيَكُونُ مَعَ فَقْرِهِ أَغْنَى النَّاسِ، وَمَعَ ضَعْفِهِ أَقْوَى النَّاسِ، فَتَجْعَلُهُ فِي عِزَّةٍ وَرِفْعَةٍ وَسُرِورٍ وَفَرَحٍ مَهْمَا كَانَت المَصَائِبُ وَالمِحَنُ؛ كَيْفَ لَا؟ وَهُوَ يَغْدُو وَيَرُوحُ وَاللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- رَاضٍ عَنْهُ.
أُخَيَّتِي! إِنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي الدُّنْيَا، أَمَّا فِي الْآخِرَةِ؛ فَيُؤَمَّنُ إذا فَزِعَ النَّاسُ، ويَجْعَلُ اللهُ لَهُ نُورًا يَهْدِيهِ عَلَى الصِّرَاطِ -وَهُوَ أحوج ما يكون إليه-؛ فَيُزَحْزِحه عَنِ النَّار، ويَدْخُل الْجَنَّةَ مَعَ المُتَّقِينَ الْأَبْرَار.
لَعَلَّكِ -الآنَ- تَتَسَاءَلِينَ: وَكَيْفَ أَحْصُلُ عَلَى هَذِهِ السَّعَادَةِ؟
الجَوَابُ: عِنْدَمَا تُطِيعِينَ اللهَ وَرَسُولَهُ.
يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ﴾ [النور: 52].
نَعَم؛ فَأُولِئَكَ الَّذِينَ يَفُوزُونَ بِالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَيَفُوزُونَ بِجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.
وَبَعْدَ أَنْ عَرَفْنَا طَرِيقَ السَّعَادَةِ أُهْدِي إِلَيْكِ نَصِيحَتِي المُتَمِثِّلَةَ بِقَوْلِ الله تَعَالَى في سُورَةِ [الأحزاب: 59]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾.
فَقَدْ أَمَرَ اللهُ -سُبحَانَهُ وَتَعَالَى- رَسُولَهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنْ يَأْمُرَ النِّسَاءَ عُمُومًا، وَيَبْدَأَ بِزَوْجَاتِهِ وَبَنَاتِهِ بِأَنْ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. وَيَقُولُ العَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِر السِّعْدِيُّ في «تَفْسِير كَلَام المنّان»:
«وَهُنَّ اللَّاتي يَكُنَّ فَوْقَ الثِّيَابِ في مِلْحَفَةٍ وَخِمَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَحْوِه؛ أَيْ: يُغَطِّينَ بِهَا وُجُوهَهُنَّ وَصُدُورَهُنَّ»، ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ -تَعَالَى- الحِكْمَةَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، فَحِرْصًا عَلَى المَرْأَةِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْإِيذَاءِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَعَرَّضَ لَها مَنْ في قَلْبِهِ مَرَضٌ فَيُؤْذِيَها؛ أَمَرَهَا اللهُ بِهَذَا الحِجَابِ.
فَالاحْتِجَابُ حَاسِمٌ لِطَمَعِ الطَّامِعِينَ فِيهِنَّ، فَهَلَّا أَطَعْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ إِذْ دَعَانَا لِما يُحْيِينَا... قال الله –تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24].
أُخَيَّتي.. كَأنّي أَرَى في قَلْبِكِ شَيْئًا مِنَ الشَّكِّ وَالارْتِيَابِ نَحْوَ مَا قُلْتُهُ، لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ التَّأَكُّدَ أَكْثَرَ؟ أَنَا أُجِيبُكِ إِلَى ذَلِكَ، يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]، فَأَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- المُؤْمِنَةَّ بِأَنْ تُخْفِي زِينَتَهَا؛ كَالثِّيَابِ الجَمِيلَةِ وَالحُلِيِّ، وَتُخْفِي كَذَلِكَ البَدَنَ؛ لِأَنَّهُ زِينَةٌ وَفِتْنَةٌ لِلرِّجَالِ، فَلَا تَلْبَس الضَّيِّقَ وَالقَصِيرَ وَالشَّفَّافَ.
ثُمَّ اسْتَثْنَى اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- من هَذِهِ الزِّينَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾؛ أَي: الثِّيَابِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَا فِتْنَةَ بِهَا، وَقَدْ خَتَمَ اللهُ -تَعَالَى- الْآيَةَ بِذِكْرِ مَنْ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبْدِي زِينتَهَا الظَّاهِرَةَ والبَاطِنَةَ لَهُم مِنَ المَحَارِمِ؛ وهم الزَّوْجُ وَالأَبُ..
أُخَيَّتي... هَلْ بَعْدَ هَذَا البَيَانِ مِنْ شَكٍّ؟!
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ مَا وَقَعَتْ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ مِنْ لبْسِ البِنْطَالِ، أَو القَمِيصِ الضَّيِّقِ، أو الشَّفَّافِ، أَو غَيْرِ السَّاتِرِ، أَو المُزَيَّنِ بِشَكْلٍ مُلْفِتٍ لِلانْتِبَاهَ، أو عَدَمِ لبْسِ الحِجَابِ، أَوْ لبْسِ الحِجَابِ المُزَخْرَفِ وَالمُزَيَّنِ: كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِشُرُوطِ اللِّبَاسِ الشَّرْعِيِّ، فَهُوُ يُبْدِي الزِّينَةَ الَّتِي أَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- بِسَتْرِهَا، فَإِنْ قَامَتْ بِسَتْرِ هَذِهِ الزِّينَةِ فَقَدْ أَطَاعَت اللهَ -تَعَالَى-، وحَصَلَتْ عَلَى السَّعَادَةِ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَهَذَا اللِّبَاسُ الشَّرْعِيُّ يَزِيدُ المَرْأَةَ عِفَّةً وَحَيَاءً، وَنَزَاهَةً وَرَاحَةً وَطُمَأْنِينَةً وَسَعَادَةً، فَهِيَ تَمشي وَاللهُ رَاضٍ عَنْهَا، وَتَرَاهَا مُيَسَّرَةَ الْأَمْرِ، مُنْشَرِحَةَ الصَّدْرِ، وَفي الآخِرَةِ تَدْخُلُ جَنَّةَ رَبِّهَا وَتَنْعَمُ بِالجَوَاهِرِ وَيَزِيدُ جَمَالُهَا أَضْعَافَ مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآنَ، كَيْفَ لَا؟! وَهِيَ في جَنَّةٍ: فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ إِنْسَانٍ.
وَلْتَعْلَمِي: أَنَّكِ إِنْ أَعْرَضْتِ عَنْ أَمْرِ الله؛ فَسَوْفَ تَتَحَمَّلِينَ إِثْمَ كُلِّ رَجُلٍ نَظَرَ إِلَيْكِ، وَسَوْفَ تَبُوئِينَ بِغَضَبٍ مِنَ الله -تَعَالَى-، وَسَتَتَحَوَّلُ حَيَاتُكِ إِلَى جَحِيمٍ، يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]... فَلَا أَنْتِ نَعِمْتِ في الدُّنْيَا، وَلَا سَلِمْتِ في الآخِرَةِ.
خِتَامًا... يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لهم الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، فَإِذَا أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ أَمْرًا وَقَضَاهُ عَلَى عِبَادِهِ؛ فَلَا يَكُونُ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْأَمْرَ مَبْحَثًا لِلْاخْتِيَارِ، فَإِنْ شَاءَ قَبِلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَل، فَالخِيْرَةُ مَا اخْتَارَ اللهُ لِعَبَادِهِ، فَالْبِدَارَ البِدَارَ.. وَالتَّوْبَةَ التَّوْبَةَ... جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكِ مِنْ أَصْحَابِ الجَّنَّةِ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ...
* * *

