إعلانات المنتدى


سلسلة ألفاظ قرآنية

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

اسامة مهاوش

مزمار فعّال
16 يناير 2013
217
5
0
الجنس
ذكر
بسم الله الرحمن الرحيم


أحمد الله رب العالمين وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما

نبدأ على بركة الله بهذه السلسلة سلسلة "ألفاظ قرآنية"


[h=2]لفظ (الخوف) في القرآن الكريم[/h]


1364888096_.jpg

(الخوف) حالة نفسية وجسدية تنتاب الإنسان عند توقع مكروه لدليل مظنون، أو معلوم، ويضاده الأمن، ويستعمل في الأمور الدنيوية والأخروية.

و(الخوف) من الله أجلُّ منازل العابدين، وكل واحد إذا خفته هربت منه إلا الله، فإنك إذا خفته هربت إليه. و(الخوف) من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب، كاستشعار الخوف من الأسد ونحوه، بل إنما يراد به الكف عن المعاصي واختيار الطاعات؛ ولذلك قيل: لا يُعَدُّ خائفاً من لم يكن للذنوب تاركاً. والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه ومحارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط.

ولفظ (الخوف) تردد في القرآن الكريم بكثرة، ونحاول فيما يلي التعرف على دلالته في القرآن، ونستبين المعاني التي ورد عليها، بادئين ببيان معناه اللغوي.

(الخوف) من حيث الأصل اللغوي يدل على الذعر والفزع؛ يقال: خفت الشيء خوفاً، وخيفة، ومخافة: إذا توقع حلول مكروه، أو فوت محبوب. ويقال: خافه على كذا، وخاف منه، وخاف عليه، فهو خائف. ويقال: تخوَّف الشيء: تنقَّصَه. وتخوَّف فلاناً حقه: تنقَّصَه حقه.

ولفظ (الخوف) ورد في القرآن الكريم في أربعة وعشرين ومائة موضع (124)، جاء في سبعة وثمانين منها (87) بصيغة الفعل، من ذلك قوله عز وجل: {إني أخاف الله رب العالمين} (المائدة:28)، وجاء في سبعة وثلاثين موضعاً (37) بصيغة الاسم، من ذلك قوله تعالى: {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم} (البقرة:38).

وقُرِنَ (الخوف) في مواضع كثيرة في القرآن بـ (لا) الناهية، وبـ (لا) النافية، فمثال الأول قوله عز وجل: {لا تخف نجوت من القوم الظالمين} (القصص:25)، ومثال الثاني قوله سبحانه: {فلا يخاف ظلما ولا هضما} (طه:112).

ولفظ (الخوف) ورد في القرآن الكريم على سبعة معان:

الأول: بمعنى الخوف من العدو، ومنه قوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف} (البقرة:155)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني خوف العدو. نظيره قوله تبارك وتعالى: {الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} (قريش:4)، قال مجاهد: آمنهم من كل عدو في حرمهم.

الثاني: بمعنى الحرب والقتال، ومنه قوله سبحانه: {فإذا جاء الخوف} (الأحزاب:19)، أي: إذا حضر البأس، وجاء القتال خافوا الهلاك والقتل. نظيره في الآية نفسها قوله تعالى: {فإذا ذهب الخوف} (الأحزاب:19)، أي: إذا انقطعت الحرب واطمأنوا، سلطوا ألسنتهم عليكم. قالابن عاشور: ولا يُعرف إطلاق (الخوف) على (الحرب) قبل القرآن.

الثالث: بمعنى القتل والهزيمة، ومنه قوله عز وجل: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف} (النساء:83)، ذكر البغوي أن {الخوف} في هذه الآية بمعنى: القتل أو الهزيمة. وقالالطبري: تخوفهم من عدوهم بإصابة عدوهم منهم.

الرابع: بمعنى العلم والدراية، وهذا كثير، منه قوله عز وجل: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} (البقرة:182)، قال البغوي: أي: عَلِمَ من موص. ومثله قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} (النساء:128)، قال الطبري: علمت من زوجها استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها.

الخامس: بمعنى الظن، ومنه قوله عز وجل: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} (البقرة:229)، أي: يظنا. وفي قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه: (إلا أن يظنا ألا يقيما حدود الله). نظيره قوله سبحانه: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله} (البقرة:229)، أي: ظننتم. قال الطبري: "العرب قد تضع (الظن) موضع (الخوف)، و(الخوف) موضع (الظن) في كلامها؛ لتقارب معنييهما.

السادس: بمعنى الخوف نفسه، ومنه قوله تعالى: {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (آل عمران:170)، قال الطبري : لا خوف عليهم؛ لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا. نظيره قوله عز وجل: {ألا تخافوا ولا تحزنوا} (فصلت:30)، أي: لا تخافوا ما تقدمون عليه من بعد مماتكم، قال السدي: لا تخافوا ما أمامكم، ولا تحزنوا على ما بعدكم. وقال مجاهد: لا تخافوا ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلَّفتم من دنياكم من أهل وولد؛ فإنا نخلفكم في ذلك كله. والأمثلة القرآنية بحسب هذا المعنى كثيرة.

السابع: بمعنى النقص، ومنه قوله سبحانه: {أو يأخذهم على تخوف} (النحل:47)، قالمجاهد: على تنقص، أي: ينقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء، حتى يهلك جميعهم، يقال: تخوفه الدهر وتخونه: إذا نقصه، وأخذ ماله وحشمه. ويقال: هذا لغة بني هزيل. وفي الآية معنى آخر ذكره ابن كثير، وهو أن يأخذهم الله في حال خوفهم من أَخْذِه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد حالة الأخذ؛ فإن حصول ما يُتوقع مع الخوف شديد. ولم يأت (الخوف) في القرآن بحسب هذا المعنى إلا في الآية التي ذكرناها.

وحاصل القول: إن لفظ (الخوف) جاء في القرآن الكريم على عدة معان، أهمها معنى (الحرب)، و(العدو)، و(العلم)، و(الظن)، وأكثر ما جاء بمعنى (الخوف) نفسه، وهو الحالة النفسية التي تنتاب الإنسان جراء توقع ما يَرِدُ من المكروه، أو يفوت من المحبوب.
 
  • أعجبني
التفاعلات: شخص واحد

اسامة مهاوش

مزمار فعّال
16 يناير 2013
217
5
0
الجنس
ذكر
رد: سلسلة ألفاظ قرآنية

لفظ (البر) في القرآن الكريم

1361959471_.jpg


ثمة ألفاظ في القرآن الكريم إذا طرقت سمعك فتحت لك آفاقاً واسعة من المعاني، وأفاضت عليك كثيراً من الدلالات، من ذلك لفظ (البر)، فما حقيقة هذا اللفظ لغة، وما هي الدلالات التي جاء عليها في القرآن الكريم؟ :

ذكر ابن فارس في "مقاييسه" أن مادة (برَّ) بتشديد الراء تفيد أربعة أصول:

الأول: الصدق. يقال: برَّ فلان، إذا صَدَق بقوله، أو بما وعد به. وبرَّت يمينه: صدقت. وأبرَّ بيمينه: أمضاها على الصدق. وتقول: برَّ الله حجك وأبره، وحجة مبرورة: قُبِلَت قَبول العمل الصادق. ومن ذلك قولهم: يَبَرُّ ربه، أي: يطيعه. وهو من الصدق. ومن هذا الباب قولهم: هو يَبَرُّ ذا قرابته، وأصله الصدق في المحبة. ويقال: رجل بِرٍّ وبار: رجل صِدْق. وأبرَّ الرجل: رُزق بأولاد أبرار. الجواد (المُبِرُّ) هو من هذا؛ لأنه إذا جرى صدق، وإذا حمل صدق.

الثاني: خلاف البحر. يقال: أبرَّ الرجل: صار في البَرِّ، بعد أن كان راكباً في البحر. والعرب تستعمل ذلك نكرة، يقولون سافرت بَرًّا، وسافرت بحراً. والبرَّية: الصحراء. واعتبر الأصفهانيأن (البِرَّ) بكسر الباء مأخوذ من هذا الأصل بجامع التوسع، فبعد أن ذكر أن (البَرَّ) بفتح الباء خلاف البحر، قال: "تُصُوِّر منه التوسع، فاشتق منه البِرُّ، أي: التوسع في فعل الخير".

الثالث: حكاية صوت. وهو البربرة: كثرة الكلام، والجلبة باللسان. ويقال: لا يَعْرِف هِرًّا من بِرٍّ. (الهِرُّ) دعاء الغنم، و(البِرُّ) الصوت بها إذا سيقت. يقال لمن لا يَعْرِف من يكرهه ممن يَبَرُّه.

الرابع: اسم نبات. منه البُرُّ: وهي الحنطة، الواحدة: بُرَّة. يقال: أبرت الأرض: إذا كثر بُرُّها. ويقال للخبز: ابن بُرَّةُ، غير مصروف.

ولفظ (البر) ورد في القرآن الكريم في اثنين وثلاثين موضعاً، جاء في ثلاثين منها بصيغة الاسم، من ذلك قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} (البقرة:44)، وجاء في موضعين فقط بصيغة الفعل، الأول: قوله عز وجل: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا} (البقرة:224). والثاني: قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} (الممتحنة:8).

ولفظ (البر) ورد في القرآن الكريم على عدة معان، هي:

الأول: البَرُّ -بفتح الباء- خلاف البحر، جاء على هذا المعنى في عدة مواضع من ذلك قوله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر} (القصص:41). وقوله عز وجل: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} (المائدة:96). وأكثر ما جاء لفظ {البر} على هذا المعنى في القرآن الكريم.

الثاني: البَرُّ -بفتح الباء- اسم من أسماء الله، بمعنى اللطيف، جاء على هذا المعنى قوله تعالى: {إنه هو البر الرحيم} (الطور:28)، يعني: اللطيف بعباده. روى الطبري عن ابن عباسرضي الله عنهما، قوله: {إنه هو البر}، يقول: اللطيف. وليس غيره في القرآن الكريم على هذا المعنى.

الثالث: البَرُّ -بفتح الباء- الصدق في فعل ما أمر الله، وترك ما نهى عنه، من ذلك قوله تعالى: {إن كتاب الأبرار لفي عليين} (المطففين:18)، {الأبرار} جمع بَرٍّ: وهم الذين صدقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب محارمه. نظيره قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} (الانفطار:13)، أي: إن الذين صدقوا بأداء فرائض الله، واجتناب معاصيه لفي نعيم الجنان، ينعمون فيها. ومنه أيضاً قوله عز وجل: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا} (الإنسان:5)، يعني: المؤمنين الصادقين في إيمانهم، المطيعين لربهم.

الرابع: البِرُّ -بكسر الباء- بمعنى طاعة الله سبحانه وتعالى، من ذلك قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} (المائدة:2)، أي: تعاونوا على طاعة الله، وفعل ما يُرضيه. وعلى هذا المعنى أيضاً قوله عز وجل: {إن الأبرار لفي نعيم} (الانفطار:13)، أي: إن أهل طاعة الله في مقام النعيم. وقوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} (البقرة:44) مراد به هذا المعنى كما ذكر الطبري وغيره. ومن هذا القبيل أيضاً قوله عز وجل في وصف الملائكة: {كرام بررة} (عبس:16)، أي: مطيعين، جمع بار.

الخامس: البِرُّ -بكسر الباء- بمعنى الجنة، من ذلك قوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (البقرة:92)، روى وكيع في "تفسيره" عن عمرو بن ميمون، قال: {البر} الجنة. قالالطبري: "قال كثير من أهل التأويل: (البر) الجنة؛ لأن بِرَّ الله بعبده في الآخرة، إكرامه إياه بإدخاله الجنة". ونقل البغوي أقوالاً أُخر في معنى {البر} في الآية، والمعتمد ما ذكره الطبري؛ لأنه هو المروي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما.

السادس: البِرُّ -بكسر الباء- بمعنى فعل الخير، من ذلك قوله عز وجل: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} (البقرة:177)، قال البغوي: "{البر} كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة". وبحسب هذا المعنى قوله سبحانه: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس} (البقرة:224)، قال الطبري: عنى به فعل الخير كله؛ وذلك أن أفعال الخير كلها من (البر)، قال هذا تعقيباً على من حمل (البر) هنا على معنى صلة الرحم.

السابع: البِرُّ -بكسر الباء- بمعنى الإحسان إلى الغير، من ذلك قوله عز وجل: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} (الممتحنة:8)، قال ابن كثير: أي: تحسنوا إليهم. وعلى هذا قوله تعالى في وصف النبي يحيى عليه السلام: {وبرا بوالديه} (مريم:14)، أي: باراً لطيفاً بهما، محسناً إليهما. وبعضهم فسر (البر) في الآية الأخيرة بمعنى (الطاعة)، أي: كان مطيعاً لوالديه، غير عاقٍّ بهما. وهذا القول لازم القول بالإحسان إليهما.

وحاصل الأمر: أن تتبع لفظ {البر} في القرآن الكريم يُظْهِرُ أن هذا اللفظ جاء في أكثر مواضعه القرآنية بمعنى (البَّر) الذي هو خلاف البحر، وهو معنى مادي بحت. وجاء بمعانٍ أُخر، منها: فعل الخير، اسم من أسماء الله تعالى، اسم للجَنَّة، طاعة الله، الإحسان للغير، الصدق بالالتزام بما شرع الله فعلاً ونهياً.
 

اسامة مهاوش

مزمار فعّال
16 يناير 2013
217
5
0
الجنس
ذكر
رد: سلسلة ألفاظ قرآنية

لفظ (العبرة) في القرآن


1359531401_.jpg



لفظ (العبرة) في القرآن الكريم -كغيره من الألفاظ القرآنية- يستحث الباحث على التأمل في دلالته اللغوية، ويستوقف الناظر لمعرفة أبعاده القرآنية، ويُعدُّ بامتياز من المصطلحات القرآنية ذات الدلالات الخاصة.

وقبل تفصيل القول في دلالة هذا اللفظ في موارده القرآنية، نستبق ذلك ببيان دلالته من الناحية اللغوية.

تفيد معاجم اللغة أن الأصل في مادة (عبر) الدلالة على النفوذ والمضيِّ في الشيء. يقال: عبرت النهر عبوراً: قطعته من شاطئ إلى شاطئ. وكذلك الطريق: قطعته من جانب إلى جانب. ويقال: عَبَر الكتاب: إذا تدبره في نفسه، ولم يرفع صوته بقراءته. وعَبِرَ عَبَراً: جرت دمعته. وعَبَّر عما في نفسه: أعرب وبيَّن بالكلام. واعتبر الشيء: اختبره وامتحنه. واعتبر به: اتعظ. ويقال: استعبر فلان: إذا جرت عَبْرته. ومن الباب العَبْرَة: وهي الدمع؛ لأن الدمع يعبر، أي: ينفذ ويجري. ورجل عابر سبيل، أي: مار. ويقال: ناقة عَبْرُ أسفارٍ، أي: قوية على الأسفار. والعَبْر من النهر: شاطئه وجانبه. والعبرة: الاعتبار بما مضى.

ومن الباب: عَبَرَ الرؤيا عَبْراً: فسرها. ووجه القياس في هذا عبور النهر؛ لأنه يصير من جانب إلى جانب. كذلك مفسر الرؤيا يأخذ بها من وجه إلى وجه. و(الاعتبار) و(العبرة) مقيسان من عَبْري النهر -أي جانباه-؛ لأن كل واحد منهما عَبر مساو لصاحبه. فإذا قلت: اعتبرتُ الشيء، فكأنك نظرت إلى الشيء، فجعلت ما يعنيك عَبْرا لذاك، فتساويا عندك. فهذا أصل اشتقاق الاعتبار.

وواضح أن الأصل اللغوي لهذا اللفظ يدل على الانتقال من جهة إلى أخرى، إما انتقالاً ماديًّا، وإما انتقالاً معنويًّا. فما هي دلالته في القرآن الكريم؟

بتتبع مواضع لفظ (عبر) وما اشتق منه في القرآن الكريم نجد أنه جاء في تسعة مواضع، موضعين منها بصيغة الفعل، أحدهما: قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام ورؤيا ملك مصر: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} (يوسف:43). والثاني: قوله سبحانه: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} (الحشر:2). وجاء في سبعة مواضع بصيغة الاسم، من ذلك قوله عز وجل: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} (يوسف:111).

ولفظ (عبر) في القرآن الكريم بمشتقاته جاء على أربعة معان رئيسة:

المعنى الأول: بمعنى تعبير الرؤيا المنامية، وذلك في موضع واحد في القرآن، وهو قوله تعالى: {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون} (يوسف:43)، فملك مصر يطلب من حاشيته أن يُعبِّروا له ما رأه في منامه، أي: أخبروني بحكم هذه الرؤيا.

المعنى الثاني: بمعنى العبور في الطريق، جاء ذلك في موضع واحد في القرآن، هو قوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} (النساء:43). فـ (العابر السبيل) المجتازه مروراً. والمراد من الآية هنا نهي المؤمنين عن قربان المساجد حال الجنابة، لكن يجوز للجُنُب ومن في حكمه -كالحائض والنفساء- عبورها لقضاء حاجة، لا على سبيل المكث والإقامة.

المعنى الثالث: بمعنى الدليل، جاء ذلك في ثلاث آيات:

أولها: قوله عز وجل: {يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} (النور:44)، أي: إن في إنزال المطر والبَرَد، وتقليب الليل والنهار لدليلاً على عظمته تعالى.

ثانيها: قوله سبحانه: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} (النحل:66)، يقول سبحانه: إن لكم -أيها الناس- في هذه الأنعام التي سخرها لكم لآية ودلالة على قدرة خالقها، وحكمته، ولطفه، ورحمته.

ثالثها: قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون} (المؤمنون:21)، أي: وإن لكم -أيها الناس- في الأنعام لعبرة تعتبرون بها، فتعرفون بها أيادي الله عندكم، وقدرته على ما يشاء، وأنه الذي لا يمتنع عليه شيء أراده، ولا يعجزه شيء شاءه.

وهذه الآيات الثلاث بمعنى قوله عز وجل: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} (آل عمران:190).

المعنى الرابع: بمعنى الاعتبار والاتعاظ، وهو المعنى الأكثر حضوراً في القرآن، جاء ذلك في أربع آيات:

الأولى: قوله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} (الحشر:2). أي: انظروا -يا معشر أولي العقول والأفهام- إلى من فعل ما فعل، فعوقب بما عوقب به، فتجنبوا مثل صنيعهم؛ لئلا ينـزل بكم من البلاء مثل ما نزل بأولئك.

الثانية: قوله سبحانه: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} (آل عمران:13)، المعنى كما قال ابن كثير: إن في ذلك لَمُعْتَبَرًا لمن له بصيرة وفَهْم، يهتدي به إلى حكم الله وأفعاله، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.

الثالثة: قوله عز وجل: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} (يوسف:111)، أي: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف أنجينا المؤمنين، وأهلكنا الكافرين عبرة لأولي العقول السليمة يعتبرون بها، وموعظة يتعظون بها.

الرابعة: قوله تعالى: {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} (النازعات:26)، أي: إن في العقوبة التي عاقب الله بها فرعون في عاجل الدنيا، وفي أخذه إياه نكال الآخرة والأولى، عظة ومُعْتَبَرًا لمن يخاف الله، ويخشى عقابه.

والحاصل، أن لفظ (عبر) بمشتقاته ورد في القرآن الكريم على معنىً رئيس، هو معنى (الاعتبار) و(الاتعاظ) بما حصل للأقوام السابقة. وجاء بنحو أقل بمعنى (الدليل) على عظمة الله سبحانه وقدرته. وأقل ما جاء بمعنى تعبير (الرؤيا) المنامية، ومعنى (العبور) المادي. وكل هذه المعاني تشترك في أصل الدلالة اللغوية لهذا اللفظ، وهو معنى المضيِّ في الشيء، والانتقال منه إلى غيره، انتقالاً ماديًّا أو معنويًّا.

ونختم الحديث عن لفظ (العبرة) بما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "التفكر والاعتبار" عن الشيخ أبي سليمان الداراني، قال: إني لأخرج من منـزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة، أو لي فيه عبرة.
 

الماسه البيضاء

مشرفة سابقة
2 أبريل 2010
4,594
52
0
الجنس
أنثى
رد: سلسلة ألفاظ قرآنية

ماشاءالله موضوع رائع جزاكم الله خيراً
متابعة ان شاءالله
 

اسامة مهاوش

مزمار فعّال
16 يناير 2013
217
5
0
الجنس
ذكر
رد: سلسلة ألفاظ قرآنية

لفظ (الصدق) في القرآن


1356948333_.jpg



لفظ (الصدق) من الألفاظ المحورية في القرآن الكريم، وأصحاب الصدق من ذوي المرتب العالية بحسب القرآن الكريم القائل: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} (النساء:69). فـ(الصديقون): قوم دون الأنبياء في الفضيلة، ودرجتهم بعد درجة النبيين.

ولبيان المراد من لفظ (الصدق)، ولتبيين المعاني التي ورد عليها هذا اللفظ في القرآن الكريم، نخصص السطور التالية، بادئين بالمعنى اللغوي لمادة (صدق).

قال ابن فارس: الصاد، والدال، والقاف أصل يدل على قوة في الشيء، قولاً وغيره؛ من ذلك: الصدق خلاف الكذب، سمي لقوته في نفسه؛ ولأن الكذب لا قوة له هو باطل. وأصل هذا من قولهم: شيء صِدْق، أي: صُلب. ورمح صدق، أي: يصيب هدفه من غير أن يخطئه. ويقال: صدقوهم القتال، وفي خلاف ذلك: كذبوهم.

والصَّداق -بفتح الصاد وكسرها- والصَّدُقة: مهر المرأة؛ سمي بذلك لقوته، وأنه حق يلزم. ومن الباب الصدقة: ما يتصدق به المرء عن نفسه وماله. والمُصَدِّق: الذي يُصَدِّقُكَ في حديثك، والذي يأخذ صدقات الغنم. ويقال: هو رجل صِدْقٌ. والصداقة مشتقة من الصدق في المودة. ويقال: صديق للواحد، وللاثنين، وللجماعة، وللمرأة. وربما قالوا: أصدقاء، وأصادق. والصِّدِّيق: الرجل الكثير الصدق.

و(الصدق) في الاصطلاح: مطابقة القولَ الضميرَ والمُخْبَر عنه معاً. ومتى انخرم شرط من ذلك لا يكون صدقاً تاماً.

وقد ورد لفظ (الصدق) في القرآن الكريم في ثلاثة وخمسين ومائة (153) موضع، جاء في واحد وثلاثين (31) بصيغة الفعل، نحو قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده} (آل عمران:152). وجاء في اثنين وعشرين ومائة (122) موضع بصيغة الاسم، من ذلك قوله سبحانه: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} (الزمر:33). وأكثر ما ورد لفظ (الصدق) بصيغة جمع المذكر السالم المنصوب أو المجرور، حيث جاء في خمسين موضعاً (50)، من ذلك قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} (التوبة:119).

وأكثر ما ورد لفظ (الصدق) باشتقاقاته المختلفة وصفاً للمؤمنين، أو فعلاً من أفعال عباده الصالحين. وجاء من هذه المادة أيضاً بدرجة أقل بمعنى (الصدقة) و(التصدق) بمعنى بذل المال على سبيل الوجوب أو الندب، وورد أيضاً بنحو أقل من المعنيين المتقدمين (الصَّدُقات) بضم الدال، بمعنى مهر المرأة.

والحديث هنا ينصب بشكل رئيس على لفظ (الصدق) بالمعنى الأول، وهو المعنى الذي يفيد صدق القول والفعل. فـ (الصدق) بحسب هذا المراد جاء في القرآن على معان هي وفق التالي:

(الصادقون) بمعنى (النبيين)، و(الصدق) بمعنى (التبليغ)، جاء على هذا المعنى قوله عز وجل: {ليسأل الصادقين عن صدقهم} (الأحزاب:8)، أي: ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم. روي عن مجاهد قال: المبلغين المؤدين من الرسل. وقال القرطبي: ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم. وفي هذا تنبيه للعباد؛ أنه إذا كان الأنبياء يُسألون فكيف مَنْ سواهم.

(الصادقون) بمعنى الموحدين و(الصدق) بمعنى التوحيد، جاء على هذا المعنى قوله عز وجل: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} (المائدة:119)، قال ابن عباس: يوم ينفع الموحدين توحيدهم. ويُحمل على هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به} (الزمر:33)، قال الطبري: كل من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسله، والعمل بما ابتعث به رسوله من بين رسل الله وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال: الصدق هو القرآن، وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصدق به: المؤمنون بالقرآن، من جميع خلق الله كائناً من كان من نبي الله وأتباعه.

(الصادقون) بمعنى الذين صدَّقت أقوالَهم أفعالُهم، جاء على هذا قوله سبحانه: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} (الحشر:8)، قال ابن كثير: أي: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات المهاجرين. وعلى هذا المعنى قوله عز وجل: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} (الحجرات:15).

(الصادقون) بمعنى لزوم الصدق، جاء على هذا قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} (التوبة:119)، قال ابن كثير: اصدقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله وتنجوا من المهالك ويجعل لكم فرجا من أموركم، ومخرجاً. وأكثر ما جاء لفظ (الصدق) في القرآن على هذا المعنى.

(الصادقون) بمعنى العباد المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، و(الصدق) بمعنى العهد، من ذلك قوله تعالى: {ليجزي الله الصادقين بصدقهم} (الأحزاب:24)، قال الطبري: ليثيب الله أهل الصدق بصدقهم الله بما عاهدوه عليه، ووفائهم له به. ومن هذا القبيل قوله عز وجل: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} (الأحزاب:23)، أي: حققوا العهد بما أظهروه من أفعالهم.

و(الصدق) يقال لما تجافى عنه الإنسان من حقه، جاء على هذا المعنى قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له} (المائدة:45)، أي: من تجافى عنه وتنازل فهو كفارة له عن ذنوبه. وعلى هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم} (البقرة:280)، فإنه أجرى ما يسامح به المعسر مجرى الصدقة.

وقد أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق، فقال: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} (الإسراء:80). وأخبر عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه سأله أن يجعل له {لسان صدق في الآخرين} (الشعراء:84). وبشر عباده أن لهم قدم صدق، فقال: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} (يونس:2). وبشرهم أيضاً أنهم {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} (القمر:55). فهذه خمسة أشياء: مُدخل الصدق، ومُخرج الصدق، ولسان الصدق، ومقعد الصدق، وقدم الصدق.

أما (مُدخل الصدق) و(مُخرجه) فقد تعددت الأقوال في المراد منهما، ورجح الطبري أن المراد: أدخلني (المدينة) {مدخل صدق}، وأخرجني من مكة {مخرج صدق}، وهذا قول ابن عباسرضي الله عنهما وغيره من التابعين.

وأما (لسان الصدق) فهو الثناء الحسن من سائر الأمم بالصدق ليس بالكذب. قال ابن كثير: أي: واجعل لي ذكراً جميلاً بعدي، أُذكر به، ويُقتدى بي في الخير.

و(قدم الصدق) ذكر الطبري في المراد منه أقوالاً، ورجح أن المراد أن لهم أعمالاً صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثواب. قال: وذلك أنه محكي عن العرب: "هؤلاء أهل القدم في الإسلام"، أي: هؤلاء الذين قدموا فيه خيراً، فكان لهم فيه تقديم. ويقال: له عندي قدم صدق، وقدم سوء، وذلك ما قدم إليه من خير أو شر.

و(مقعد الصدق) هو الجنة عند ربهم تبارك وتعالى، قال ابن كثير : أي: في دار كرامة الله ورضوانه وفضله، وامتنانه وجوده وإحسانه.

نخلص مما تقدم، أن لفظ (الصدق) من الألفاظ المحورية التي تواتر ذكرها في القرآن الكريم باشتقاقات مختلفة وتصريفات متعددة، وقد ورد هذا اللفظ -في الأغلب- وصفاً للمؤمنين بالله حق الإيمان، مع الإشارة إلى أن ألفاظ (الصدقة)، و(التصدق)، و(المتصدقين)، ونحو ذلك من الألفاظ التي تدخل تحت لفظ (الصدق)، قد جاءت في مواضع عديدة من القرآن الكريم تفيد معنى البذل والعطاء.
 

اسامة مهاوش

مزمار فعّال
16 يناير 2013
217
5
0
الجنس
ذكر
رد: سلسلة ألفاظ قرآنية

لفظ (النجم) في القرآن

1335950685_.jpg



من الأجرام السماوية التي تكرر ذكرها في القرآن، وجعلها سبحانه آيات لخلقه، وعلامات يهتدي الناس بنورها، جِرم (النجم)، فما هي دلالات هذا اللفظ في القرآن؟

تقول معاجم العربية: أصل النجم: الكوكب الطالع، يجمع على: نجوم. ونَجَمَ نجوماً ونجماً: طلع، فصار النجم مرة اسماً، ومرة مصدراً. ومنه شبه به طلوع النبات، والرأي، فقيل: نجم النبت، ونجم لي رأي نجماً ونجوماً، بمعنى ظهر وبان. ونجم فلان على السلطان: صار عاصياً، ونجَّمت المال عليه: إذا وزعته، كأنك فرضت أن يدفع عند طلوع كل نجم نصيباً. وأشهر النجوم عند العرب بإطلاق نجم (الثريا)؛ لأنهم كانوا يؤقتون بأزمان طلوعها مواقيت الفصول، ونضج الثمار.

ولفظ (النجم) ورد في القرآن الكريم في ثلاثة عشر موضعاً فقط، ورد في جميع مواضعه بصيغة الاسم، ولم يرد بصيغة الفعل. وقد ورد في أربعة مواضع بصيغة اسم جنس جمعي، منها قوله تعالى: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} (النحل:16). وورد في تسعة مواضع في صيغة الجمع، منها قوله عز وجل: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها} (الأنعام:97).

ولفظ (النجم) ورد في القرآن الكريم على ثلاثة معان:

المعنى الأول: الكوكب المعروف الذي يظهر في السماء، من هذا قوله تعالى: {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} (الأعراف:54)، فـ (النجوم) في الآية هي النجوم المعهودة للناس، وهي التي تزين السماء، وتهدي الناس في ظلمات البر والبحر. وأكثر مجيء هذا اللفظ في القرآن على هذا المعنى.

المعنى الثاني: نزول القرآن مفرقاً، جاء بحسب هذا المعنى قوله سبحانه: {والنجم إذا هوى} (النجم:1)، عن مجاهد، قال: القرآن إذا نزل. وقال الراغب الأصفهاني: القرآن المنزل المنجم قدَرَاً فقدَرَاً، ويعني بقوله: {هوى }: نزوله. وهذا على قول في تفسير الآية. وجاء على هذا أيضاً قوله عز وجل: {فلا أقسم بمواقع النجوم} (الواقعة:75)، روى الطبري عن ابن عباسرضي الله عنهما، قال: نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين بعدُ. وتلا ابن عباس رضي الله عنهما هذه الآية: {فلا أقسم بمواقع النجوم}، قال: نزل متفرقاً.

وروى الطبري أيضاً عن عكرمة، في قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم}، قال: أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات، وأربع آيات، وخمس آيات. وهذا أيضاً على قول في تفسير الآية.

المعنى الثالث: بمعنى النبت الذي لا ساق له، وبحسب هذا المعنى فُسِّر قوله تعالى: {والنجم والشجر يسجدان} (الرحمن:6)، قالوا: فـ (النجم): ما لا ساق له. و(الشجر): كل نبت له ساق. عنى بالنجم في هذا الموضع: ما نَجَم من الأرض، مما ينبسط عليها، ولم يكن على ساق، مثل البقل ونحوه. وقد روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله: {والنجم}، قال: ما يبسط على الأرض. وروي أيضاً عن سعيد، قال: النجم كل شيء ذهب مع الأرض فرشاً. وروي عن السدي، قال: النجم: نبات الأرض. وهذا على قول في تفسير الآية.

وقد رجح الطبري هذا القول، فقال: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عني بـ (النجم): ما نَجم من الأرض من نبت؛ لعطف (الشجر) عليه، فكان بأن يكون معناه لذلك: ما قام على ساق، وما لا يقوم على ساق يسجدان لله، بمعنى: أنه تسجد له الأشياء كلها، المختلفة الهيئات من خلقه، أشبه وأولى بمعنى الكلام من غيره. وقد حمل بعضهم قوله تعالى: {والنجم إذا هوى} على هذا المعنى.

والحاصل مما تقدم: أن لفظ (النجم) ورد في القرآن الكريم بمعنى الجِرم السماوي المعهود، وفُسر في بعض مواضع وروده في القرآن بغير معناه الأصلي، ففُسر تارة بمعنى نزول القرآن على فترات ودفعات، وفُسر أخرى بمعنى النبات الذي لا ساق به. وهذان التفسيران للفظ (النجم) خُرج بهما عن أصل معنى هذا اللفظ؛ لما ثبت من الآثار وكلام العرب، ولما اقتضاه السياق القرآني نفسه.
 

اسامة مهاوش

مزمار فعّال
16 يناير 2013
217
5
0
الجنس
ذكر
رد: سلسلة ألفاظ قرآنية

لفظ (الأرض) في القرآن


(الأرض) وثيقة الصلة بالإنسان، فمنها خُلق، وعليها يحيا، ومنها يُبعث يوم القيامة. وقد اختارها سبحانه - من بين الكواكب العديدة والمديدة التي بثها في هذا الكون - ليعيش عليها الإنسان، ويبتلي الله عليها عباده من أحسن عملاً، ومن أضل سبيلاً.

ولفظ (الأرض) من حيث الدلالة اللغوية، يفيد ثلاثة أصول: الأول: كل شيء يسفل، ويقابل السماء، يقال لأعلى الفرس: سماء، ولقوائمه: أرض. الثاني: الزكمة، يقال: رجل مأروض، أي: مزكوم. الثالث: الرعدة، يقال: بفلان أَرَضٌ، أي: رعدة. ومما ألحق بهذه الأصول قولهم: أرض أريضة: حسنة النبات، زكية معجبة للعين. والأُِرضة، بكسر الهمزة وضمها: الكلأ الكثير. وأرضت الأرض: كثر كلؤها. والتأريض: تشذيب الكلام، وتهذيبه، والتثقيل، والإصلاح. ورجل أريض للخير، أي، خليق له، شبه بالأرض الأريضة. وجاء فلان يتأرض لي، مثل يتعرض لي. ويقال: فلان ابن أرض: إذا كان غريباً. والأَرَضة: دويبة بيضاء تشبه النملة.

ولفظ (الأرض) يجمع على (أرضون)، و(أرضات)، و(أروض). ولم يأت في القرآن الكريم بصيغة الجمع، بل جاء في جميع مواضعه مفرداً، قالوا: لثقل وزنه والنطق به، بخلاف لفظ (السماوات).

ولفظ (الأرض) في القرآن الكريم ورد في ثمانية وخمسين وأربع مائة موضع، جاء في جميع تلك المواضع بصيغة الاسم، نحو قوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة} (البقرة:30)، وجاء في كثير من مواضعه مقروناً مع لفظ (السماوات)، نحو قوله تعالى: {إني أعلم غيب السماوات والأرض} (البقرة:33).

وقد ورد لفظ (الأرض) في القرآن الكريم على عدة معان، منها:

(الأرض) بمعنى (الجنة)، من ذلك قوله سبحانه: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} (الأنبياء:105)، روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}، قال: أرض الجنة. ونحو ذلك قوله تعالى: {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض} (الزمر:74)، روى الطبري عنقتادة وغيره، قوله: {وأورثنا الأرض}، قال: أرض الجنة.

(الأرض) بمعنى أرض (مكة)، من ذلك قوله سبحانه: {قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض} (النساء:97)، قال البغوي: يعني أرض مكة. ونحو ذلك قوله تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} (الإسراء:76)، المراد بـ (الأرض) هنا مكة على أصح الأقوال، وقيل: المدينة.

(الأرض) بمعنى أرض (المدينة)، من ذلك قوله سبحانه: {قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} (النساء:97)، قال القرطبي: المراد بـ (الأرض) في الآية: المدينة. ونحو ذلك قوله تعالى: {إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} (العنكبوت:56)، قال مجاهد: إن أرضي المدينة واسعة، فهاجروا، وجاهدوا فيها.

(الأرض) بمعنى أرض (الشام)، من ذلك قوله سبحانه: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها} (الأعراف:137)، قال قتادة و الحسن البصري: هي أرض الشام. ومن هذا القبيل، قوله عز وجل: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} (الأنبياء:71)، قال الطبري: هي أرض الشام، فارق صلوات الله عليه قومه ودينهم، وهاجر إلى الشام.

(الأرض) بمعنى أرض (مصر)، من ذلك قوله سبحانه: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} (الأعراف:128)، قال القرطبي: أطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر. وعلى هذا المعنى قوله تعالى: {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} (يوسف:55)، قالسعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس رضي الله عنه، يقول: مصر خزانة الأرض. وثمة العديد من الآيات التي ورد فيها لفظ (الأرض) مرادٌ منه أرض مصر.

(الأرض) بمعنى (الأرضين السبع)، من ذلك قوله سبحانه: {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} (سبأ:1)، قال الطبري: الحمد التام كله للمعبود الذي هو مالك جميع ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع. ونحو ذلك قوله عز وجل: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} (الطلاق:12). ولفظ (الأرض) بحسب هذا المعنى كثير في القرآن.

وورد لفظ (الأرض) في القرآن الكريم بمعان أخر، أغلبها مستفاد من السياق، كقوله تعالى: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} (المائدة:26)، فالمراد هنا أرض التيه، التي تاه فيها بنو إسرائيل. ونحو ذلك قوله تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها} (الأحزاب:27)، والمراد بـ (الأرض) هنا ما فتحه الله على المسلمين من أراضي فارس والروم وغيرهما.
 

اسامة مهاوش

مزمار فعّال
16 يناير 2013
217
5
0
الجنس
ذكر
رد: سلسلة ألفاظ قرآنية

لفظ (الآية) في القرآن



1336298244_.jpg





(الآية) -كما يقول أهل اللغة- هي العلامة الظاهرة. والصحيح في اشتقاقها أنها من (التأيي)، الذي هو التثبت. قال في (اللسان): يقال: قد تأييت، أي: تلبثت وتحسبت. وتفيد أيضاً معنى الإقامة على الشيء. وذكر ابن فارس في (مقاييس اللغة) أن أصل هذه الكلمة يفيد معنى النظر، يقال: تأيَّا يتأيَّا تأيياً، أي: تمكث. واستشهد لهذا الأصل بقول الكميت:

قف بالديار وقوف زائر وتأيَّ إنك غير صاغر

ونقل ابن فارس عن بعض أهل اللغة قوله: تأييت الأمر: انتظرت إمكانه. وذكر أيضاً، أن لهذا اللفظ أصل آخر، وهو التعمد، يقال: تآييت، على وزن تفاعلت، أي: تعمدت آيته وشخصه.

وقالوا: هذه آية مأياة، كقولك: علامة معلمة.

ثم إن لفظ (الآية) ورد في القرآن الكريم في اثنين وثمانين وثلاثة مائة موضع (382)، جاء في مواضعه كافة بصيغة الاسم، فجاء مفرداً في ستة وثمانين موضعاً، من ذلك قوله تعالى: {ما ننسخ من آية} (البقرة:106). وجاء مثنى في موضع واحد، وهو قوله سبحانه: {وجعلنا الليل والنهار آيتين} (الإسراء:12). وجاء جمعاً في خمسة وتسعين ومائتين موضع، من ذلك قوله تعالى: {ويريكم آياته لعلكم تعقلون} (البقرة:73).

ومجيء (الآية) بصيغة المفرد (آية) في بعض المواضع، ومجيئها في مواضع أخر بصيغة الجمع (آيات)، إنما كان ذلك لمعنى مخصوص، يفيده السياق، ويقتضيه المقام.

وقد ذكر بعض أهل التفسير، أن لفظ (الآية) جاء في القرآن الكريم على عدة معان، هي:

أولاً: بمعنى الحجة والدليل، من ذلك قوله تعالى: {ومن آياته منامكم بالليل والنهار} (الروم:23)، قال الطبري: ومن حججه عليكم تقديره الساعات والأوقات، ومخالفته بين الليل والنهار. ونحو ذلك قوله سبحانه: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} (فصلت:39)، أي: ومن حجج الله تعالى وأدلته على قدرته، أنك ترى الأرض لا نبات بها ولا زرع، ثم الله يحييها بالغيث. فـ (الآية) في هاتين الآيتين ونحوهما بمعنى الدليل والحجة. وقد وجدنا الطبري كثيراً ما يفسر لفظ (الآية) في القرآن بمعنى الحجة والدليل.

ثانياً: بمعنى الآية من القرآن، من ذلك قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها} (البقر:106)، فالمراد هنا الآية القرآنية، وهي الجزء من القرآن. ومن هذا القبيل، قوله عز وجل: {وإذا بدلنا آية مكان آية} (النحل:101)، والمقصود هنا أيضاً الآية من القرآن.

ثالثاً: بمعنى المعجزة، من ذلك قوله تعالى: {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات} (القصص:36)، أي: ما آتاه الله من المعجزات الباهرة والدلالات القاهرة، على صدقه فيما أخبر عن الله عز وجل من توحيده، واتباع أوامره. ومثل ذلك قوله سبحانه: {وإن يروا آية يعرضوا} (القمر:2)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: انشق القمر حتى رأوا شقيه. ومجيء (الآية) على هذا المعنى كثير في القرآن.

رابعاً: بمعنى العبرة والعظة، من ذلك قوله تعالى: {ولنجعله آية للناس} (مريم:21)، قالالبغوي: أي: عبرة ودلالة على البعث بعد الموت. قاله أكثر المفسرين. ونحو ذلك قوله عز وجل: {وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية} (الفرقان:37). أي: جعلنا إغراقنا إياهم، وإهلاكنا لهم عظة وعبرة للناس، يعتبرون بها.

خامساً: بمعنى الكتاب (القرآن)، من ذلك قوله تعالى: {يسمع آيات الله تتلى عليه} (الجاثية:8)، أي: يسمع آيات كتاب الله تقرأ عليه. ونحو ذلك قوله عز وجل: {قد كانت آياتي تتلى عليكم} (المؤمنون:66)، أي: كانت آيات كتابي تقرأ عليكم.
سادساً: بمعنى الأحكام الشرعية، من ذلك قوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم آياته} (البقرة:242)، أي: أُبيِّن لكم سائر الأحكام في آياتي التي أنزلتها. ومن هذا القبيل قوله سبحانه: {كذلك يبين الله لكم الآيات} (البقرة:266)، أي: يعرفكم أحكامها، وحلالها، وحرامها. و(الآية) بحسب هذا المعنى كثيرة الورود في القرآن.

سابعاً: بمعنى العلامة والدلالة، من ذلك قوله تعالى: {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية} (سبأ:15)، أي: علامة دالة على أن لهم خالقاً خلقهم. ونحو ذلك قوله سبحانه: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا} (آل عمران:13)، يعني: علامة ودلالة على صدق ما أقول: إنكم ستغلبون.

وليس ثمة ما يمنع أن يفسر لفظ (الآية) في القرآن الكريم بأكثر من معنى من المعاني المتقدمة، أو بمعنى من المعاني التي ذكرنا؛ إذ إن معظم معاني لفظ (الآية) الآنفة الذكر متداخلة ومترابطة، وهي تعود في معناها إلى أصلها اللغوي، وهو معنى العلامة؛ لذا نجد بعض المفسرين يذكرون معنى من هذه المعاني للفظ (الآية)، في حين نجد بعضاً آخر يفسره بمعنى ثان، ومرد ذلك إلى ما بيناه.
 

اسامة مهاوش

مزمار فعّال
16 يناير 2013
217
5
0
الجنس
ذكر
رد: سلسلة ألفاظ قرآنية

لفظ (السماء) في القرآن


1335864576_.jpg




لفظ (السماء) من الألفاظ المحورية في القرآن الكريم، وقد أقسم الله بها في مواضع عديدة من كتابه العزيز، ما يدل على قيمة هذا الجِرم الكوني وأهميته في حياة الكون عموماً، وحياة الإنسان خصوصاً؛ حيث أودع الله فيها عجائب خلقه، وعظيم قدرته، ولطيف صنعه.

يدل لفظ (السماء) في الأصل على العلو، والارتفاع، وهو مأخوذ من السمو، يقال: سموت، إذا علوت. وسما بصره: علا. وسما لي شخص: ارتفع حتى استثبته. وسماوة الهلال وكل شيء: شخصه، والجمع سماو. والعرب تسمي السحاب سماء. والسماءة: الشخص. والسماء: سقف البيت. وكل عال مطل سماء، حتى يقال لظهر الفرس: سماء. وقد توسعت العرب في استعمال هذا اللفظ، حتى سموا (المطر) سماء، قال الشاعر:

إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا

ولفظ (السماء) ورد في القرآن الكريم في عشرة وثلاثة مائة موضع، ورد في جميعها بصيغة الاسم، فجاء في تسعين ومائة موضع بصيغة الجمع (السموات)، من ذلك قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} (البقرة:107). وجاء بصيغة المفرد في عشرين ومائة موضع، منها قوله سبحانه: {وأنزل من السماء ماء} (البقرة:22). ولم يرد لفظ (السماء) بصيغة الفعل في القرآن.

ولفظ (السماء) جاء معرفاً بالألف واللام في جميع مواضعه في القرآن الكريم، سوى خمسة مواضع، جاء فيها من غير تعريف، وبصيغة الجمع، أحدها: قوله سبحانه: {فسواهن سبع سماوات} (البقرة:29).

ولفظ (السماء) يقابل لفظ (الأرض)، وقد اقترن هذان اللفظان في القرآن الكريم في واحد وتسعين ومائة موضع، اقترن منها لفظ (السماء) مفرداً بلفظ (الأرض) في تسعة عشر موضعاً، منها قوله تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض} (يونس:31). واقترن لفظ (السموات) جمعاً بلفظ (الأرض) في اثنين وسبعين ومائة موضع، منها قوله سبحانه: {له ما في السماوات والأرض} (البقرة:116). وقد تقدم لفظ (السماء) على لفظ (الأرض) فرداً وجمعاً في جميع تلك المواضع، سوى أربعة منها، تقدم فيها لفظ (الأرض) على لفظ (السماء)، أحدها: قوله عز وجل: {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} (آل عمران:5).

ولفظ (السماء) ورد في القرآن الكريم على خمسة معان، هي:

أولاً: بمعنى السقف، ومنه قوله تعالى: {فليمدد بسبب إلى السماء} (الحج:15). قال الطبري: يعني سماء البيت، وهو سقفه. وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وغيره. وهذا القول هو الأولى في المراد من لفظ (السماء) في هذه الآية، كما ذكر ذلك ابن كثير.

ثانياً: بمعنى السحاب، من ذلك قوله سبحانه: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر} (المؤمنون:18). قال الطبري: وأنزلنا من السحاب الذي أنشأناه بالرياح من فوقكم أيها الناس ماء. ونحو ذلك قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} (لقمان:10).

ثالثاً: بمعنى المطر، من ذلك قوله سبحانه: {يرسل السماء عليكم مدرارا} (هود:52). قالالقرطبي: يريد المطر الكثير، عبر عنه بـ (السماء)؛ لأنه من السماء ينزل. ونحو هذا قوله تعالى: {وأرسلنا السماء عليهم مدرارا} (الأنعام:6).

رابعاً: بمعنى السماء نفسها، من ذلك قوله سبحانه: {الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء} (البقرة:22). وأكثر ما ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم على هذا المعنى. وهو المراد عند الإطلاق.

خامساً: بمعنى سماوات الجنة والنار، وذلك قوله تعالى في حق الأشقياء: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} (هود:107). وكذلك قوله سبحانه في حق السعداء: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} (هود:108). قال الضحاك: ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما. وهذا على قول في تفسير المراد من الآيتين. وليس غيرهما في القرآن على هذا المعنى.
 

اسامة مهاوش

مزمار فعّال
16 يناير 2013
217
5
0
الجنس
ذكر
رد: سلسلة ألفاظ قرآنية

لفظ (الغيب) في القرآن الكريم


1346743289_.jpg




لفظ (الغيب) في أصل اللغة يدل على تستر الشيء عن العيون، ثم يقاس عليه. من ذلك الغيب: ما غاب مما لا يعلمه إلا الله. ويقال: غابت الشمس تغيب غيبة وغيوباً وغيباً. وغاب الرجل عن بلده. وأغابت المرأة فهي مغيبة، إذا غاب عنها زوجها، وفي الحديث: (لا تدخلوا على المغيبات) رواه الدارمي. ووقعنا في غيبة وغيابة، أي: هبطة من الأرض يغاب فيها. قال الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: {وألقوه في غيابة الجب} (يوسف:10). والغابة: الأجمة، والجمع غابات وغاب. سميت بذلك؛ لأنه يغاب فيها. والغِيبة: الوقيعة في الناس مأخوذة من هذا؛ لأنها لا تقال إلا في غَيبة المُستغاب.

ولفظ (الغيب) ورد في القرآن الكريم في ستين موضعاً، جاء في جميعها بصيغة الاسم سوى موضع واحد جاء بصيغة الفعل، وهو قوله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضا} (الحجرات:12)، ومن الآيات التي ورد فيها بصيغة الاسم قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب} (البقرة:3). وكثيراً ما يقترن لفظ (الغيب) في القرآن الكريم بلفظ الشهادة، نحو قوله سبحانه: {عالم الغيب والشهادة} (الأنعام:73).

وجاء لفظ (الغيب) في القرآن الكريم بمعان مختلفة، حاصلها ما يلي:

{الغيب} كل ما غيَّبه الله سبحانه عن عباده، وبه فُسر قوله عز وجل: {الذين يؤمنون بالغيب}، قال الطبري: آمنوا بالجنة والنار، والبعث بعد الموت، وبيوم القيامة، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وقيل: الغيب هنا: هو الله سبحانه، أي: يؤمنون بالله. وقيل: الغيب هنا: القرآن. وقيل: الغيب: القدر. قال ابن كثير: كل هذه الأقوال متقاربة في معنى واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من {الغيب} الذي يجب الإيمان به. ونظير هذا قوله عز وجل: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا} (الجن:26). وأكثر ما ورد لفظ {الغيب} في القرآن الكريم على هذا المعنى.

{الغيب} بمعنى الوحي والقرآن، من ذلك قوله سبحانه: {وما هو على الغيب بضنين} (التكوير:24)، فـ {الغيب} هنا -كما قال المفسرون- هو: القرآن. قال قتادة: إن هذا القرآن غيب، فأعطاه الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فبذله، وعلمه، ودعا إليه، والله ما ضنَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{الغيب} بمعنى حوادث القدر، من ذلك قوله عز وجل: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير} (الأعراف:188)، أي: لو كنتُ أعلم ما هو كائن مما لم يكن بعد، لفعلت الكثير من الخير. ومن هذا القبيل قوله عز وجل: {وعنده مفاتح الغيب} (الأنعام:59)، قال الطبري: فأخبر الله تعالى ذكره أن عنده علم كل شيء كان ويكون، وما هو كائن مما لم يكن بعد، وذلك هو {الغيب}. وفَسَّرَ مجاهد {الغيب} هنا، بـ: الموت.

{الغيب} بمعنى عِلْم الغيب، وهذا غير قليل في القرآن، من ذلك قوله سبحانه: {أم عندهم الغيب فهم يكتبون} (الطور:41)، قال الطبري: أم عندهم علم الغيب، فهم يكتبون ذلك للناس، فينبئونهم بما شاءوا، ويخبرونهم بما أرادوا. وقال ابن كثير: أي: ليس الأمر كذلك، فإنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله. ونحو هذا قوله عز وجل: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا} (الجن:26)، قال ابن كثير: إنه يعلم الغيب والشهادة، وإنه لا يطلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا مما أطلعه تعالى عليه.

{الغيب} بمعنى غيبة الزوج، وعلى هذا المعنى قوله سبحانه: {حافظات للغيب بما حفظ الله} (النساء:34)، قال السدي وغيره: تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله. وقال الطبري: حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن عنهن، في فروجهن وأموالهم، وللواجب عليهن من حق الله في ذلك. ونظيره قوله عز وجل: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} (يوسف:52)، قالالطبري: لم أفعل معها فاحشة في حال غيبته عني. وإذا لم يكن منه ذلك بمغيبه، فهو في حال مشهده إياه أحرى أن يكون بعيداً من فعل فاحشة معها.

{الغيب} بمعنى قعر البئر، وعليه قوله تعالى: {وألقوه في غيابة الجب} (يوسف:10)، أي: ألقوه في قعر الجب، حيث يغيب خبره، ولا يُعلم أثره. ونظيره قوله عز من قائل: {وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب} (يوسف:15). وليس غيرهما على هذا المعنى في القرآن. وفُسَّرَ بعضهم (الغيابة) في الآيتين بمعنى: الظلمة، أي: ظلمة البئر. والمعنى قريب، بل هو لازم المعنى الأول.

{الغيب} بمعنى الظن، ومنه قوله تعالى: {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} (سبأ:53)، قال ابن كثير: {بالغيب} بالظن. يعني أنهم يرجمون محمداً صلى الله عليه وسلم، وما أتاهم من كتاب الله بالظنون والأوهام، فيقول بعضهم: هو ساحر، وبعضهم شاعر، وغير ذلك. ونظيره قوله سبحانه: {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب} (الكهف:22)، أي: قذفاً بالظن غير يقين علم.

{الغيب} بمعنى كل ما غاب عن حواس الإنسان وعلمه، من ذلك قوله تعالى: {وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} (النمل:20)، يقول القرآن على لسان سليمان: أخطأه بصري، فلا أراه، وقد حضر، أم هو غائب فيما غاب من سائر أجناس الخلق، فلم يحضر.

{الغيب} بمعنى ملازمة العذاب الكفار، وعلى هذا قوله عز من قائل: {وما هم عنها بغائبين} (الانفطار:16)، قال ابن كثير: لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة، ولو يوماً واحداً. وارتأى الطبري أن المعنى هنا: وما هؤلاء الفجار من الجحيم بخارجين أبداً، فغائبين عنها، ولكنهم فيها مخلدون ماكثون، وكذلك الأبرار في النعيم، وذلك نحو قوله: {وما هم منها بمخرجين} (الحجر:48).

{الغيب} بمعنى أنه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وعلى هذا قوله تعالى: {وما كنا غائبين} (الأعراف:7)، قال ابن كثير: يخبر تعالى عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا، من قليل وكثير، وجليل وحقير؛ لأنه تعالى شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يغفل عن شيء، بل هو {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} (فاطر:19)، كما قال: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} (الأنعام:59).

{الغيب} بمعنى أحداث يوم القيامة والآخرة، من ذلك قوله عز وجل: {الذين يخشون ربهم بالغيب} (الأنبياء:49)، قال الطبري: يعني يخافون في الدنيا أن يعاقبهم في الآخرة إذا قدموا عليه بتضييعهم ما ألزمهم من فرائضه، فهم من خشيته، يحافظون على حدوده وفرائضه، وهم من الساعة التي تقوم فيها القيامة مشفقون، حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم قد فرطوا في الواجب عليهم لله، فيعاقبهم من العقوبة بما لا قِبَلَ لهم به. ونظيره قوله تعالى: {أطلع الغيب} (مريم:78)، قال ابن كثير: أعلم ما له في الآخرة حتى حلف على ذلك.

والمتأمل في مجمل المعاني التي ورد عليها لفظ {الغيب} في القرآن الكريم، يجد أنها تدور على معنى ما استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن عباده، وما جاء على غير هذا المعنى، فهو صادر منه، وراجع إليه.
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع