- 22 سبتمبر 2013
- 65
- 7
- 0
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- مصطفى إسماعيل
فقه : هل ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأمـر يدل على عدم جواز فعله ؟
يستدل الكثير على عدم جواز أمور كثيرة يقوم بها المسلمون بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها وأصحابه رضى الله عنهم، فهل ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأمـر يدل على عدم جواز فعله ؟
إن موضوع هذا السؤال ألّف فيه الشيخ العلامة السيد عبد الله بن الصديق الغماري رسالة سماها «حسن التفهم والدرك لمسألة الترك»، وقد افتتحها بأبيات جميلة حيث قال :
الترك ليس بحجة في شـرعنا *** لا يقتضي منعـًا ولا إيجابـًا
فمن ابتغى حظرًا بترك نبينا *** ورآه حكمـًا صادقًا وصوابـًا
قد ضل عن نهج الأدلة كلها *** بل أخطأ الحكم الصحيح وخابا
لا حظر يمكن إلا إن نهي أتى *** متوعـدا لمخالفيه عذابـًا
أو ذم فعـل مؤذن بعقـوبة *** أو لفـظ تحريم يواكب عابا
ولقد اتفق علماء المسلمين سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا على أن الترك ليس مسلكًا للاستدلال بمفرده، فكان مسلكهم لإثبات حكم شرعي بالوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو الحرمة هو :
1- ورود نص من القرآن. 2- ورود نص من السنة.
3- الإجماع على الحكم. 4- القياس.
واختلفوا في مسالك أخرى لإثبات الحكم الشرعي منها :
5- قول الصحابي. 6- سد الذريعة.
7- عمل أهل المدينة. 8- الحديث المرسل.
9- الاستحسان.
10- الحديث الضعيف، (بشروط) ، وغير ذلك من المسالك التي اعتبرها العلماء، والتي ليس بينها الترك.
فالترك لا يفيد حكمًا شرعيًا بمفرده، وهذا محل اتفاق بين المسلمين، وهناك من الشواهد والآثار على أن الصحابة رضى الله عنهم لم يفهموا من تركه صلى الله عليه وسلم التحريم ولا حتى الكراهة، وذلك ما فهمه الفقهاء عبر العصور. وقد رد ابن حزم على احتجاج المالكية والحنفية على كراهة صلاة الركعتين قبل المغرب بسبب أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يصلونها، حيث قال ما نصه : «وهذا لا شيء; أول ذلك أنه منقطع; لأن إبراهيم لم يدرك أحدًا ممن ذكرناه, ولا ولد إلا بعد قتل عثمان بسنين, ثم لو صح لما كانت فيه حجة; لأنه ليس فيه أنهم رضى الله عنهم نهوا عنهما, ولا أنهم كرهوهما, ونحن لا نخالفهم في أن ترك جميع التطوع مباح»( المحلى بالآثار)، فلم يتوقف كثيرًا ابن حزم أمام ترك الصحابة لصلاة الركعتين، وقال أن تركهم تلك الصلاة لا شيء، طالما أنهم لم يصرحوا بكراهتها، ولم ينقلوا ذلك.
وهذا مسلكه مع ترك الصحابة لعبادة، وكان ذلك عين موقفه من ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبادة أصلها مشروع حيث قال في الكلام على ركعتين بعد العصر : «وأما حديث علي بن أبي طالب فلا حجة فيه أصلا; لأنه ليس فيه إلا إخباره رضى الله عنه بما علم; من أنه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاهما, وهو الصادق في قوله, وليس في هذا نهي عنهما, ولا كراهة لهما; [وما] صام عليه السلام قط شهرًا كاملًا غير رمضان; وليس هذا بموجب كراهية صوم [شهر كامل تطوعا]»( المحلى بالآثار)، فلقد فهم من ترك النبي صلى الله عليه وسلم صيام شهر كامل غير رمضان، لا يدل على حرمة ولا كراهة صيام شهر كامل غير رمضان، حتى وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الخطبة على المنبر، وخطب على الجذع، ولم يفهم الصحابة أن الخطابة على المنبر بدعة ولا حرام، فقاموا بصنع منبر، له صلى الله عليه وسلم (أخرجه أحمد ، الترمذي ، والدارمي ، والبيهقي ، وابن أبي شيبة ، والطبراني ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وعقبه ورجاله موثقون)، وما كانوا لهم أن يقدموا على فعل حرمه النبي صلى الله عليه وسلم ، فعلم أنهم كانوا لا يرون الترك بدعة.
وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم في الصـلاة بعد رفع الرأس من الركوع : «ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا ... إلى آخر الحديث، ولم يفهم الصحابي أن مجرد تركه للدعاء في الصلاة يوجب الحظر، وإلا كيف يقدم على شيء وهو يعتقد حرمته، ولم يعاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على المسلك فلم يقل له مثلا: «أحسنت ولا تعد» أو نهاه عن إنشاء أدعية أخرى في الصلاة، وكما نعلم فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والحديث رواه رفاعـة بن رافع الزرقي، قال : كنا يوما نصلى وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعـة قال : « سمع الله لمن حمده ». قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمـد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال : «من المتكلم». قال : أنا. قال «رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول »( أخرجه أحمد ، والبخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، ومالك في الموطأ، والبيهقي).
ولم يفهم سيدنا بلال رضى الله عنه من ترك النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة ركعتين بعد الوضوء عدم جواز ذلك، بل قام بذلك، ولم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما لما سأله النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا : « يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة» . قال : ما عملت عملاً أرجى عندي، أنى لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلى» قال أبو عبد الله : دف نعليك يعنى تحريك»( أخرجه البخاري).
فنحن نعلم أن الصلاة بعد الوضوء سارت سنة بعد إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لها، ولكن نستدل بفهم الصحابة بجواز إنشاء أدعية وصلوات في أوقات تركها النبي صلى الله عليه وسلم ، ونستدل كذلك بعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المسلك والأسلوب، وعدم نهيهم عنه في المستقبل.
فمما سبق نعلم أن مطلق الترك من النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وحتى القرون الثلاثة الخيرية، لا يفيد شيئًا، لا تحريم ولا كراهة ولا غيرهما، وهذا ما فهمه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، ولم ينكر عليهم صلى الله عليه وسلم فهمهم، وفهمه العلماء من بعدهم، نسأل الله أن يفهمنا ديننا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلى وأعلم.
من كتاب البيان لما يشغل الأذهان .. فضيلة العلامة الدكتور على جمعه مفتى الديار المصرية السابق
يستدل الكثير على عدم جواز أمور كثيرة يقوم بها المسلمون بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها وأصحابه رضى الله عنهم، فهل ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأمـر يدل على عدم جواز فعله ؟
إن موضوع هذا السؤال ألّف فيه الشيخ العلامة السيد عبد الله بن الصديق الغماري رسالة سماها «حسن التفهم والدرك لمسألة الترك»، وقد افتتحها بأبيات جميلة حيث قال :
الترك ليس بحجة في شـرعنا *** لا يقتضي منعـًا ولا إيجابـًا
فمن ابتغى حظرًا بترك نبينا *** ورآه حكمـًا صادقًا وصوابـًا
قد ضل عن نهج الأدلة كلها *** بل أخطأ الحكم الصحيح وخابا
لا حظر يمكن إلا إن نهي أتى *** متوعـدا لمخالفيه عذابـًا
أو ذم فعـل مؤذن بعقـوبة *** أو لفـظ تحريم يواكب عابا
ولقد اتفق علماء المسلمين سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا على أن الترك ليس مسلكًا للاستدلال بمفرده، فكان مسلكهم لإثبات حكم شرعي بالوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو الحرمة هو :
1- ورود نص من القرآن. 2- ورود نص من السنة.
3- الإجماع على الحكم. 4- القياس.
واختلفوا في مسالك أخرى لإثبات الحكم الشرعي منها :
5- قول الصحابي. 6- سد الذريعة.
7- عمل أهل المدينة. 8- الحديث المرسل.
9- الاستحسان.
10- الحديث الضعيف، (بشروط) ، وغير ذلك من المسالك التي اعتبرها العلماء، والتي ليس بينها الترك.
فالترك لا يفيد حكمًا شرعيًا بمفرده، وهذا محل اتفاق بين المسلمين، وهناك من الشواهد والآثار على أن الصحابة رضى الله عنهم لم يفهموا من تركه صلى الله عليه وسلم التحريم ولا حتى الكراهة، وذلك ما فهمه الفقهاء عبر العصور. وقد رد ابن حزم على احتجاج المالكية والحنفية على كراهة صلاة الركعتين قبل المغرب بسبب أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يصلونها، حيث قال ما نصه : «وهذا لا شيء; أول ذلك أنه منقطع; لأن إبراهيم لم يدرك أحدًا ممن ذكرناه, ولا ولد إلا بعد قتل عثمان بسنين, ثم لو صح لما كانت فيه حجة; لأنه ليس فيه أنهم رضى الله عنهم نهوا عنهما, ولا أنهم كرهوهما, ونحن لا نخالفهم في أن ترك جميع التطوع مباح»( المحلى بالآثار)، فلم يتوقف كثيرًا ابن حزم أمام ترك الصحابة لصلاة الركعتين، وقال أن تركهم تلك الصلاة لا شيء، طالما أنهم لم يصرحوا بكراهتها، ولم ينقلوا ذلك.
وهذا مسلكه مع ترك الصحابة لعبادة، وكان ذلك عين موقفه من ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبادة أصلها مشروع حيث قال في الكلام على ركعتين بعد العصر : «وأما حديث علي بن أبي طالب فلا حجة فيه أصلا; لأنه ليس فيه إلا إخباره رضى الله عنه بما علم; من أنه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاهما, وهو الصادق في قوله, وليس في هذا نهي عنهما, ولا كراهة لهما; [وما] صام عليه السلام قط شهرًا كاملًا غير رمضان; وليس هذا بموجب كراهية صوم [شهر كامل تطوعا]»( المحلى بالآثار)، فلقد فهم من ترك النبي صلى الله عليه وسلم صيام شهر كامل غير رمضان، لا يدل على حرمة ولا كراهة صيام شهر كامل غير رمضان، حتى وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الخطبة على المنبر، وخطب على الجذع، ولم يفهم الصحابة أن الخطابة على المنبر بدعة ولا حرام، فقاموا بصنع منبر، له صلى الله عليه وسلم (أخرجه أحمد ، الترمذي ، والدارمي ، والبيهقي ، وابن أبي شيبة ، والطبراني ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وعقبه ورجاله موثقون)، وما كانوا لهم أن يقدموا على فعل حرمه النبي صلى الله عليه وسلم ، فعلم أنهم كانوا لا يرون الترك بدعة.
وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم في الصـلاة بعد رفع الرأس من الركوع : «ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا ... إلى آخر الحديث، ولم يفهم الصحابي أن مجرد تركه للدعاء في الصلاة يوجب الحظر، وإلا كيف يقدم على شيء وهو يعتقد حرمته، ولم يعاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على المسلك فلم يقل له مثلا: «أحسنت ولا تعد» أو نهاه عن إنشاء أدعية أخرى في الصلاة، وكما نعلم فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والحديث رواه رفاعـة بن رافع الزرقي، قال : كنا يوما نصلى وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعـة قال : « سمع الله لمن حمده ». قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمـد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال : «من المتكلم». قال : أنا. قال «رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول »( أخرجه أحمد ، والبخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، ومالك في الموطأ، والبيهقي).
ولم يفهم سيدنا بلال رضى الله عنه من ترك النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة ركعتين بعد الوضوء عدم جواز ذلك، بل قام بذلك، ولم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما لما سأله النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا : « يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة» . قال : ما عملت عملاً أرجى عندي، أنى لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلى» قال أبو عبد الله : دف نعليك يعنى تحريك»( أخرجه البخاري).
فنحن نعلم أن الصلاة بعد الوضوء سارت سنة بعد إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لها، ولكن نستدل بفهم الصحابة بجواز إنشاء أدعية وصلوات في أوقات تركها النبي صلى الله عليه وسلم ، ونستدل كذلك بعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المسلك والأسلوب، وعدم نهيهم عنه في المستقبل.
فمما سبق نعلم أن مطلق الترك من النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وحتى القرون الثلاثة الخيرية، لا يفيد شيئًا، لا تحريم ولا كراهة ولا غيرهما، وهذا ما فهمه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، ولم ينكر عليهم صلى الله عليه وسلم فهمهم، وفهمه العلماء من بعدهم، نسأل الله أن يفهمنا ديننا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلى وأعلم.
من كتاب البيان لما يشغل الأذهان .. فضيلة العلامة الدكتور على جمعه مفتى الديار المصرية السابق

