إعلانات المنتدى


شرح علل الترمذي للإمام العالم الحافظ النّقّاد1

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

كمال المروش

مشرف سابق
2 يوليو 2006
8,191
128
63
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
سعود إبراهيم الشريم
علم البلد
(بسم الل) :x18: :x3:


كتاب العلل

* فضل ابتناء جامع الترمذي على عمل العلماء بالحديث *
قال أبو عيسى رحمه الله :
( جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به ،وقد أخذ به بعض أهل العلم ، ما خلا حديثين :
حديث ابن عباس : (( أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سقم )) .
وحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : (( إذا شرب الخمر فاجلدوه ، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه )) .
وقد بينا علة الحديثين جميعاً في هذا الكتاب ) .
كأن مراد الترمذي رحمه الله تعالى أحاديث الأحكام ، وقد سبق الكلام على هذين الحديثين اللذين أشار إليهما ههنا في موضعهما من الكتاب ، وذكرنا مسالك العلماء فيهما من النسخ وغيره ، وذكرنا أيضاً عن بعضهم بكل واحد منهما .
وقوله : (( قد بينا علة الحديثين جميعاً في الكتاب )) ، فإنما بين ما قد يستدل به للنسخ ، لا أنه بين ضعف إسنادهما .
وقد روى الترمذي في كتاب الحج حديث جابر في التلبية عن النساء ، ثم ذكر الإجماع أنه لا يلبي عن النساء ، فهذا ينبغي أن يكون حديثاً ثالثاً مما لا يؤخذ به عند الترمذي .
* فصل في سرد أحاديث اتفق العلماء على عدم العمل بها *
وقد وردت أحاديث أخر قد أدعى بعضهم أنه لم يعمل بها أيضاً . وقد ذكرنا علبها في هذا الكتاب ، فمنها ما خرجه الترمذي ، وأكثرها لم يخرجه :
فمنها حديث : (( من غسل ميتاً فليغتسل ، ومن حمله فليتوضأ )) .
وقد قال الخطابي : (( لا أعلم أحداً من العلماء قال بوجوب ذلك )) . ولكن القائل باستجابة يحمله على الندب ، وذلك عمل به .
ومنها حديث : (( أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ ثلاثاً وقال : (( من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم )) . وقد ذكر مسلم الإجماع على خلافه ,
ومنها حديث : التيمم إلى المناكب والآباط .
ومنها حديث : التيمم إلى نصف الذراعين .
ومنها حديث : الأكل إلى الصيام بعد الفجر .
قال الجوزجاني : (( هو حديث قد أعيى العلماء معرفته )) .
ومنها حديث أنس : في أكل البرد للصائم .
ومنها حديث ابن أم مكتوم وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرخص له في ترك الجماعة )) مع ذكره من ضرره وعدم قائد ، والسيول .
وقد ذكر بعضهم أنه لا يعلم أحداً أخذ بذلك .
ومنها : أحاديث (( النهي عن كري الأرض )) ، وهي أحاديث صحيحة ثابتة .
ومنها : أحاديث (( المسح على الخفين )) ذكره الطحاوي وغيره .
ومنها حديث أن (( في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه )) .
ومنها : حديث توريث المولى من أسفل , وقد ذكرنا الكلام عليه .
ومنها : حديث الرضاع : (( أنه لا يحرم إلا عشر رضعات )) .
ومنها : حديث جمع الطلاق الثلاث .
ومنها : حديث أسماء بنت عميس في إحداد المتوفى عنها ثلاث أيام .
ومنها : حديث سلمة بن المحبق فيمن وقع على جارية امرأته .
ومنها : حديث الذي تزوج امرأة فوجدها حبلى ، فجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لها المهر ، وقال : (( الولد عبد )) . لكن قال الخطابي : (( لا أعلم أحداً قال باسترقاق ولد الزنا ) .
ومنها أحاديث متعددة في الحج :
مثل حديث : النهي عن التمتع .
وحديث : أن المعتمر إذا مسح الركن حل .
وحديث : (( إن الوقوف بعرفة لا يفوت إلا بطلوع الشمس يوم النحر )) .
وحديث : (( إن التحلل الأول برمي الجمرة مشروط [أ-3] بطواف الإفاضة في بقية يوم النحر . وقد حكى عن عروة القول به .
وحديث : الاضطباع في السعي بين الصفا والمروة .

* فصل في أحاديث ادعي ترك العمل بها *
وليس كذلك
وقد ادعى بعضهم ترك العمل بأحاديث أخر ، وهو خطأ ظاهر ، ، كدعوى ابن قتيبة الإجماع على ترك العمل بأحاديث المسح على العمامة .
ودعوى بعضهم الإجماع على ترك العمل بأحاديث فسخ الحج إلى العمرة .
ودعوى بعضهم الإجماع على ترك العمل بحديث : (( إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع )) .
قال ابن المنذر : (( ما علمت أحداً قال بظاهره غير الشعبي )) .
وكحديث ابن عباس في دية المكاتب . قال الخطابي : (( لم يذهب إليه أحد سوى النخعي ، وقد روى في ذلك شئ عن علي )) .
وذكر الطحاوي الإجماع على ترك العمل بحديث : (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان ))
وعلى ترك العمل بحديث (( تحريق متاع الغال )) إلا عن مكحول .
والطحاوي من أكثر الناس دعوى لترك العمل بأحاديث كثيرة .
وعامة هذه الأحاديث قد ذكرناها في مواضعها من هذا الكتاب مع بسط الكلام عليها ، فمن أراد الوقوف عليها فليتبعها من مظانها من الكتاب .
وقد ذكر للثوري ما روي عن عمر قال : (( من لم يدرك الصلاة بجمع مع الإمام فلا حج له )) . فقال الثوري : (( قد جاءت أحاديث لا يؤخذ بها )) .
وسنذكر هذا المعنى مستوفي عند الكلام على الحديث الغريب إن شاء الله تعالى .
* فصل في مصادر الترمذي بأقوال العلماء *
في الفقه وعلل الحديث
قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله :
( وما ذكرنا في هذا الكتاب من اختيار الفقهاء :
فما كان فيه من قول سفيان الثوري فأكثره ما حدثنا به محمد بن عثمان الكوفي ثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان الثوري . ومنه ما حدثني أبو الفضل مكتوم بن العباس الترمذي ثنا محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان .
وما كان من قول مالك بن أنس ما حدثني به إسحاق بن موسى الأنصاري ثنا معن بن عيسى القزاز عن مالك بن أنس .
وما كان فيه من أبواب الصوم فأخبرنا به أبو مصعب المدني عن مالك بن أنس . وبعض كلام مالك ما أنا به موسى بن حزام أنا عبد الله ابن مسلمة القعنبي عن مالك بن أنس .
وما كان فيه من قول ابن المبارك فهو ما حدثنا به أحمد بن عبدة الآملي عن أصحاب ابن المبارك . ومنه ما روي عن أبي وهب محمد بن مزاحم عن ابن المبارك ومنه ما روي عن علي بن الحسن بن شقيق عن عبد الله ومنه ما روي عن عبدان عن سفيان عن عبد الملك عن ابن المبارك ، ومنه ما روي عن حبان بن موسى عن عبد الله بن المبارك .
وله رجال مسمون سوى من ذكرنا عن عبد الله بن المبارك .
وما كان فيه من قول الشافعي فأكثره ما أخبرني بن الحسن بن محمد الزعفراني عن الشافعي .
وما كان من الوضوء والصلاة فثنا به أبو الوليد المكي عن الشافعي ، ومنا ما ثنا به أبو إسماعيل الترمذي ثنا يوسف بن يحيى القرشي البويطي عن الشافعي ، وذكر منه أشياء عن الربيع عن الشافعي ، وقد أجاز لنا الربيع ذلك وكتب به إلينا .
وما كان فيه من قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فهو ما أنا به إسحاق بن منصور الكوسج عن أحمد وإسحاق ، إلا ما في أبواب الحج والديات والحدود فإني لم أسمعه من إسحاق بن منصور ، وأخبرني به محمد بن موسى الأصم عن إسحاق بن منصور عن أحمد وإسحاق . وبعض كلام إسحاق بن إبراهيم أنا به محمد بن أفلح عن إسحاق ، وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف
وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب (( التاريخ )) ، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل ، ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن وأبا زرعة وأكثر ذلك عن محمد ، وأقل شئ فيه عن عبد الله وأبي زرعة .
ولم أر أحداً بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحدٍ أعلم من محمد بن إسماعيل رحمه الله ) .
اعلم أن أبا عيسى رحمه الله ذكر في هذا الكتاب مذاهب كثير من فقهاء أهل الحديث المشهورين ، كسفيان وابن المبارك ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، وذكر فيه كثيراً من العلل والتواريخ والتراجم ولم يذكر أسانيد أكثر ذلك ، فذكر ههنا مجملة وإن كان لم يحصل بها الوقوف على حقيقة أسانيد ذلك ، حيث ذكر أن بعضه عن فلان وبعضه عن فلان ، ولم يبين ذلك البعض ولم يميزه .
وقد ذكر أنه بين ذلك على وجهه في كتابه الذي فيه الموقوف ، وكانه رحمه الله له كتاب مصنف أكبر من هذا فيه الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة مذكورة كلها بالأسانيد ، وهذا الكتاب وضعه للأحاديث المرفوعة ، وإنما يذكر فيه قليلاً من الموقوفات .
وأما التواريخ والعلل والأسماء ونحو ذلك فقد ذكر أن أكثر كلامه فيه استخرجه من كتاب تاريخ البخاري ، وهو كتاب جليل لم يسبق مثله رحمه الله ورضي الله عنه ، وهو جامع لذلك كله ،
ثم لما وقف عليه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله صنفا على منواله كتابين :
أحدهما : كتاب (( الجرح والتعديل )) وفيه ذكر الأسماء فقط ، وزاد على ما ذكره البخاري أشياء من الجرح والتعديل ، وفي كتابهما من ذلك شئ كثير لم يذكره البخاري .
والثاني : كتاب (( العلل )) أفردا فيه الكلام في العلل .
وقد ذكر الترمذي رحمه الله أنه لم ير بخراسان ولا بالعراق في معنى هذه العلوم كبير أحد أعلم بها من البخاري ، مع أنه رأى أبا زرعة وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وذاكرهما ، ولكن أكثر علمه في ذلك مستفاد من البخاري ، وكلامه كالصريح في تفضيل البخاري في هذا العلم على أبي زرعة والدارمي وغيرهما .
وقد صنف في هذا العلم كتب كثيرة غير مرتبة كترتيب كتاب البخاري وأبي حاتم وأبي زرعة ، منها ما هو منقول عن يحيى بن سعيد القطان ، ومنها عن علي بن المديني وابن معين ، ومنها عن أحمد ابن حنبل رحمه الله . وقد رتب أبو بكر الخلال العلل المنقولة عن أحمد على أبواب الفقه وأفردها ، فجاءت عدة مجلدات .
وقد ذكرنا فيما تقدم في كتاب العلم شرف علم العلل وعزته ، وأن أهله المتحقيقين به أفراد يسيرة من بين الحفاظ وأهل الحديث .
وقد قال أبو عبد الله بن منده الحافظ : (( إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفراً يسيراً من كثير ممن يدعي علم الحديث ، فأما سائر الناس ممن يدعي كثرة كتابة الحديث ، أو متفقه في علم الشافعي وأبي حنيفة ، أو متبع لكلام الحارث المحاسبي والجنيد وذي النون وأهل الخواطر فليس لهم أن يتكلموا في شئ من علم الحديث إلا من أخذه عن أهله وأهل المعرفة به فحينئذ يتكلم بمعرفته )) انتهى .
* سبب بيان الترمذي مذاهب الفقهاء وعلل الأحاديث *
قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله:
( وإنما حملنا على ما بينا في هذا الكتاب من قول الفقهاء وعلل الحديث ، لأنا سُئلنا عن ذلك فلم نفعله زماناً ، ثم فعلناه لما رجونا فيه من منفعة الناس ، لأنا وجدنا غير واحد من الأئمة تكلفوا من التصنيف ما لم يسبقوا إليه .
فمنهم : هشام بن حسان ، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وسعيد بن عروبة ، ومالك بن أنس ، وحماد بن سلمة ، وعبد الله ابن المبارك ، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، ووكيع بن الجراح ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وغيرهم من أهل العلم والفضل ، صنفوا فجعل الله تبارك وتعالى في ذلك منفعة كثيرة فنرجو لهم بذلك الثواب الجزيل من عند الله تعالى لما نفع الله المسلمين به ، فهم القدوة فيما صنفوا ) .
* فصل هام في تدوين الحديث *
اعلم أن العلم المتلقى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أقواله وأفعاله كان الصحابة رضي الله عنهم في زمن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم يتداولونه بينهم حفظاً له ورواية ، ومنهم من كان يكتب كما تقدم في كتاب العلم عن عبد الله بن عمرو ابن العاصي رضي الله عنه .
ثم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان بعض الصحابة يرخص في كتابة العلم عنه ، وبعضهم لا يرخص في ذلك ، ودرج التابعون أيضاً على مثل هذا الاختلاف . وقد ذكرنا كراهة الحديث والرخصة فيه مستوفى في كتاب العلم من هذا الكتاب .
والذي كان يكتب في زمن الصحابة والتابعين لم يكن تصنيفاً مرتباً مبوباً ، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط ، ثم إنه في عصر تابعي التابعين صنفت التصانيف ، وجمع طائفة من أهل العلم كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وبعضهم جمع كلام الصحابة ، قال عبد الرزاق : (( أول من صنف الكتب ابن جريج ، وصنف الأوزاعي حين قدم على يحيى بن أبي كثير كتبه )) خرجه ابن عدي وغيره .
وانقسم الذين صنفوا الكتب أقساماً :
منهم من صنف كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو كلامه وكلام الصحابة على الأبواب ، كما فعل مالك وابن المبارك وحماد بن سلمة وابن أبي ليلى ووكيع وعبد الرزاق ومن سلك سبيلهم في ذلك . ومنهم من جمع الحديث على مسانيد الصحابة كما فعله أحمد وإسحاق وعبد بن حميد ، والدارمي ، ومن سلك مسلكهم في ذلك .
قال ابن أبي خيثمة : (( ثنا الزبير بن بكار أخبرني محمد بن الحسن عن مالك بن أنس قال : (( أول من دوّن العلم ابن شهاب )) ، يعني الزهري ، ومحمد بن الحسن كأنه ابن زبالة لا يعتمد عليه . وقال ابن خراش : (( يقال : إن أول من صنف الكتب سعيد بن أبي عروبة )) .
وقال يعقوب بن شيبة : (( يقولون : إن أول من صنف الكتب بالكوفة يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، وبالبصرة حماد بن سلمة )) .
وقال عبد الله بن أحمد : قلت لأبي : (( أول من صنف الكتب من هو ؟ قال : (( ابن جريج ، وابن أبي عروبة ، يعني ونحو هؤلاء )) . وقال ابن جريج : (( ما صنف أحد العلم تصنيفي )) قال : وسمعت أبي يقول : (( قدم ابن جريج على أبي جعفر ، يعني المنصور فقال له : (( إني قد جمعت حديث جدك عبد الله بن عباس ، وما جمعه أحد جمعي )) ، أو نحو ذا ، فلم يعطه شيئاً .
وقال أبو محمد الرامهرمزي : (( أول من صنف وبوب فيما أعلم الربيع بن صبيح بالبصرة ، ثم سعيد بن أبي عروبة بها ، وخالد بن جميل الذي يقال له العبد ، ومعمر باليمن ، وابن جريج بمكة ، ثم سفيان الثوري بالكوفة ، وحماد بن سلمة بالبصرة ، وصنف ابن عيينة بمكة ، والوليد بن مسلم بالشام ، وجرير بن عبد الحميد بالري ، وابن المبارك بمرو وخراسان ، وهشيم بواسط ، وصنف في هذا العصر بالكوفة ابن أبي زائدة ، وابن فضيل ، ووكيع ، ثم صنف عبد الرزاق باليمن ، وأبو قرة موسى بن طارق )) .
* أول من صنف المسند *
قال ابن عدي : (( يقال : إن أول من صنف المسند بالكوفة يحيى الحِمَّاني ، وأول من صنف المسند بالبصر مسدد ، وأول من صنف المسند بمصر أسد السنة ، وأسد قبلهما وأقدم موتاً )) . وقال الحازمي : (( إسحاق ابن إدريس الأسواري يقال إنه أول من جمع المسند بالبصرة ، ويقال : أول من صنف المسند موسى بن قرة الزبيدي )) .
وقال الحاكم : (( أول من صنف المسند على تراجم الرجال في الإسلام عبيد الله بن موسى العبسي ، وأبو داود الطيالسي ، وبعدهما أحمد وإسحاق ، وأبو خيثمة والقواريري )) .
وذكر الحاكم في تاريخ نيسابور أن أبا جعفر ، عبد الله بن محمد المسندي شيخ البخاري إنما قيل له المسندي لأنه أول من جمع مسند الصحابة عن التراجم ، بما وراء النهر .
والذي صنفوا :
منهم من أفراد الصحيح كالبخاري ومسلم ومن بعدهما ، كابن خزيمة وابن حبان ، ولكن كتابهما لا يبلغ مبلغ كتاب الشيخين .
ومنهم من لم يشترط الصحة ، وجمع الصحيح ، وما قاربه وما فيه بعض لين وضعف ، وأكثرهم لم يثبتوا ذلك ولم يتكلموا على التصحيح والتضعيف .
وأول من علمناه بين ذلك أبو عيسى الترمذي رحمه الله ، وقد بين في كلامه هذا أنه لم يسبق إلى ذلك ، واعتذر بأن هؤلاء الأئمة الذين سماهم صنفوا ما لم يسبقوا إليه ، فإذا زيد في التصنيف بيان العلل ونحوها كان فيه تأس بهم في تصنيف ما لم يسبق إليه .
وقد صنف ابن المديني ويعقوب بن شيبة مسانيد معللة . وأما الأبواب المعللة فلا نعلم أحداً سبق الترمذي إليها ، وزاد الترمذي أيضاً ذكر كلام الفقهاء ، وهذا كان قد سبق إليه مالك في الموطأ وسفيان في الجامع . وكان أحمد يكره ذلك وينكره رضي الله عنه ، حتى أنه أمر بتجريد أحاديث الموطأ وأثاره عما فيه من الرأي الذي يذكره مالك من عنده ، وكره أحمد أيضاً أن يكتب مع الحديث كلام يفسره ويشرحه .
وكان ينكر على من صنف في الفقه كأبي عبيد وأبي ثور وغيرهما ، ورخص في غريب الحديث الذي صنفه أبو عبيد أولاً ، ثم لما بسطه أبو عبيد وطوله كرهه أحمد ، وقال : (( هو يشغل عما هو أهم منه )) . ولكن عند بعد العهد بكلام السلف وطول المدة وانتشار كلام المتأخرين في معاني الحديث والفقه انتشاراً كثيراً بما يخالف كلام السلف الأول ، فتعين ضبط كلام السلف من الأئمة وجمعه وكتابته والرجوع إليه ، ليتميز بذلك ما هو مأثور عنهم بما أحدث بعدهم مما هو مخالف لهم ، وكان ابن مهدي يندم على أن لا يكون كتب عقب كل حديث من حديثه تفسيره .
وكذا الكلام في العلل والتواريخ قد دونه أئمة الحفاظ ، وقد هجر في هذا الزمان ودس حفظه وفهمه ، فلولا التصانيف المتقدمة فيه لما عرف هذا العلم اليوم بالكلية ، ففي التصنيف فيه ونقل الكلام الأئمة المتقدمين مصلحة عظيمة جداً .
وقد كان السلف الصالح مع سعة حفظهم وكثرة الحفظ في زمانهم يأمرون بالكتابة للحفظ ، فكيف بزماننا هذا الذي هجرت فيه علوم سلف الأمة وأئمتها ، ولم يبق منها إلا ما كان مدوناً في الكتب ، لتشاغل أهل الزمان بمدارسة الأراء المتأخرة وحفظها .
قال أبو قلابة : (( الكتابة أحب إلىّ من النسيان )) .
وقال ابن المبارك : (( لولا الكتابة لما حفظنا )) .
وقال الخلال : (( أخبرني الميموني أنه قال لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل : قد كره قوم كتاب الحديث بالتأويل ؟ قال : (( إذا يخطئون إذا تركوا كتاب الحديث )) ، وقال : حدثونا قوم من حفظهم وقوم من كتبهم ، فكان الذي حدثونا من كتبهم أتقن )) .
وقال إسحاق بن منصور : (( قلت لأحمد : من كره كتاب العلم ؟ قال : كرهه قوم ورخص فيه قوم . قلت : لو لم يكتب ذهب العلم . قال أحمد : ولولا كتابته أي شئ كنا نحن ؟! )) .

* فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد *
وأن الإسناد من الدين
قال أبو عيسى رحمه الله :
( وقد عاب بعض من لا يفهم على أصحاب الحديث الكلام في الرجال ، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلموا في الرجال :
منهم : الحسن البصري وطاوس ، قد تكلما في معبد الجهني ، وتكلم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب ، وتكلم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي في الحارث الأعور .
وهكذا روي عن أيوب السختياني ، وعبد الله بن عون ، وسليمان التيمي ، وشعبة بن الحجاج ، وسفيان الثوري ، ومالك بن أنس ، والأوزاعي ، وعبد الله بن المبارك ، ويحي بن سعيد القطان ، ووكيع بن الجراح ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وغيرهم من أهل العلم أنهم تكلموا في الرجال وضعفوا فما حملهم على ذلك عندنا – والله أعلم – إلا النصيحة للمسلمين ، لا نظن أنهم أروادو الطعن على الناس أو الغيبة ، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعف هؤلاء لكي يعرفوا ، لأن بعضهم من الذين ضعفوا كتاب صاحب بدعة ، وبعضهم كان متهماً في الحديث ، وبعضهم كانوا أصحاب غفلة وكثرة خطأ ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم شفقة على الدين وتبييناً ، لأن الشهادة في الدين أحق أن يثبت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال ) .
مقصود الترمذي رحمه الله أن يبين أن الكلام في الجرح والتعديل جائز قد أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها ، لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السنن مما لا يجوز قبوله .
وقد ظن بعض من لا علم عنده أن ذلك من باب الغيبة ، وليس كذلك ، فإن ذكر عيب الرجل إذا كان فيه مصلحة ولو كانت خاصة كالقدح في شهادة شاهد الزور جائز بغير نزاع ، فما كان فيه مصلحة عامة للمسلمين أولى .
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن بهز بن أسد قال : (( لو أن لرجل على رجل دراهم ثم جحده أخذها منه إلا بشاهدين عدلين ، فدين الله أحق أن يؤخذ فيه بالعدول )) .
وكذلك يجوز ذكر العيب إذا كان فيه مصلحة خاصة ، كمن يستشير في نكاح أو معاملة ، وقد دل عليه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لفاطمة بنت قيس : (( أما معاوية فصعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه )) . وكذلك استشار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليًا وأسامة في فراق أهله ، لما قال أهل الإفك ما قالوا .
ولهذا كان شعبة يقول : (( تعالوا حتى نغتاب في الله ساعة )) . يعني نذكر الجرح والتعديل .
وذكر ابن المبارك رجلاً فقال : (( يكذب )) ، فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن (( تغتاب ! )) ، قال : (( اسكت ، إذ لم تبين كيف يعرف الحق من الباطل )) .
وكذا روي عن ابن عُلية أنه قال في الجرح : (( إن هذا أمانة ليس بغيبة )) .
وقال أبو زرعة الدمشقي (( سمعت أبا مسهر يسأل عن الرجل يغلط ويهم ويصحف ؟ فقال : بين أمره . فقلت لأبي مسهر : أترى ذلك غيبة ؟ قال : لا )) .
وروى أحمد بن مروان المالكي ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي ، فجعل أبي يقول : (( فلان ضعيف وفلان ثقة )) ، قال أبو أيوب : (( يا شيخ لا تغتب العلماء )) قال : فالتفت أبي إليه قال : (( ويحك ! هذا نصيحة ، ليس هذا غيبة )) .
وقال محمد بن بندار السباك الجرجاني : قلت لأحمد بن حنبل : إنه ليشتد علي أن أقول : فلان ضعيف فلان كذاب ؟ قال أحمد : (( إذا سكتَّ أنت وسكتُّ أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم )) .
وقال إسماعيل الخطبي : ثنا عبد الله بن أحمد قلت لأبي : (( ما يقول في أصحاب الحديث يأتون الشيخ لعله أن يكون مرجئاً أو شيعياً أو فيه شئ من خلاف السنة ، أيسعني أن اسكت عنه أم أحذر عنه ؟ فقال أبي : (( إن كان يدعو إلى بدعة وهو إمام فيها ويدعو إليها ، قال : نعم تحذر عنه )) .
وقد خرج ذلك كله أبو بكر الخطيب في كتابه الكفاية ، وغيره من أئمة الحفاظ ، وكلام السلف في هذا يطول ذكره جداً .
وذكر الخلال عن الحسن بن علي الاسكافي قال : سألت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل عن معنى الغيبة ؟ قال : (( إذا لم ترد عيب الرجل )) ، قلت : (( فالرجل يقول : (( فلان لم يسمع وفلان يخطئ ؟ )) قال : (( لو ترك الناس هذا لم يعرف الصحيح من غيره )) .
وخرّج البيهقي من طريق الحسن بن الربيع قال : قال ابن المبارك : (( المعلى بن هلال هو ، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب )) فقال له بعض الصوفية : (( يا أبا عبد الرحمن تغتاب ، قال : اسكت إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل ؟! ، أو نحو هذا .
وما ذكره الترمذي رحمه الله من تكلم الحسن في معبد فقد روى مرحوم بن عبد العزيز عن أبيه وعمه سمعا الحسن يقول : (( إياكم ومعبد الجهني فإنه ضال مضل )) . ورواه أيضاً حماد بن زيد عن أبي طلحة عن غيلان بن جرير سمعت الحسن يقول : (( لا تجالسوا معبداً ، فإنه ضال مضل )) ، وروى نعيم بن حماد عن ابن المبارك نا رباح بن زيد الصنعاني عن جعفر بن محمد بن عباد عن طاوس أنه قال لمعبد الجهني : (( أنت الذي تفتري على الله عزو جل ؟ فقال معبد : (( كذب عليّ )) .
وأما تكلم سعيد بن جبير في طلق : فمن طريق حماد بن زيد عن أيوب قال : رآني سعيد بن جبير مع طلق بن حبيب فقال : (( ألم أرك مع طلق ! لا تجالسه )) ، وكان طلق رجلاً صالحاً لكنه كان يرمي بالارجاء .
وأما تكلم الشعبي والنخعي في الحارث الأعور : فقد ذكره مسلم في مقدمة كتابه من طريق زائدة عن منصور والمغيرة عن إبراهيم (( أن الحارث اتهم )) . ومن طريق مغيرة عن الشعبي قال : (( حدثني الحارث الأعور وكان كذاباً)) .
قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله :
( أنا محمد بن إسماعيل نا محمد بن يحيى بن سعيد القطان ، حدثني أبي قال : سألت سفيان الثوري ، وشعبة ، ومالك بن أنس ، وسفيان بن عيينة ، عن الرجل يكون في تهمة أو ضعف أسكت أو أبين ؟ قالوا : بيّن ) .
هذا الأثر خرّجه البخاري في أول كتابه الضعفاء ، كما خرجه الترمذي ههنا عنه ، وخرجه مسلم في مقدمة كتابه عن عمرو بن علي الفلاس عن يحيى بن سعيد قال : (( سألت الثوري وشعبة ومالكا وابن عيينة عن الرجل لا يكون شيئاً في الحديث فيأتيني الرجل فيسألني عنه ؟ قالوا : أخبر عنه أنه ليس بثبت )) .
ورواه أبو بكر النجاد نا جعفر بن محمد الصائغ نا عفان بن يحيى ابن سعيد قال : سألت شعبة وسفيان ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ ؟ قالوا : (( بين أمره للناس )) . ورواه الإمام أحمد عن عفان أيضاً بنحوه .
وقال يعقوب بن شيبة ثنا موسى بن منصور حدثني أبو سلمة الخزاعي قال : سمعت حماد بن سلمة ومالك بن أنس وشريك بن عبد الله يقولون في الرجل يحدث : (( تخبر بأمره )) . يعنون ضعف من قوته ، وصدقه من كذبه . قال وقال شريك : (( كيف نعرف الضعيف من القوي إذا لم نخبر به )) .
قال الترمذي رحمه الله :
( حدثنا محمد بن رافع النيسابوري ثنا محمد بن يحيى قال : قيل لأبي بكر بن عياش : (( إن ناساً يجلسون ويجلس إليهم الناس ولا يستأهلون ؟ )) قال : فقال أبو بكر : (( كل من جلسَ جلسَ الناس إليه ، وصاحب السنة إذا مات أحيى الله ذكره ، والمبتدع لا يذكر ) .
قال ابن أبي الدنيا : نا أبو صالح المروزي سمعت رافع بن أشرس قال كان يقال : (( من عقوبة الكذاب أن لا يقبل صدقه . وأنا أقول : (( من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تذكر محاسنه )) .

* * *

* بدء التفتيش عن الأسانيد *
قال رحمه الله :
( حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق أنا النضر بن عبد الله الأصم أنا إسماعيل بن زكريا عن عاصم عن ابن سيرين قال : (( كان في الزمان الأول لا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد ، لكي يأخذوا حديث أهل السنة ، ويدعوا حديث أهل البدع ) .
هذا الأثر خرّجه مسلم في مقدمة كتابه عن محمد بن الصباح البزار عن إسماعيل بن زكريا به ولفظه : (( قال : لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلأى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم )) .
وخرّجه أبو بكر الخطيب من طريق أحمد بن سيار ثنا النضر ابن عبد الله المديني من مدينة الداخلة أبو عبد الله الأصم ثنا إسماعيل ابن زكريا فذكره . وخرّجه أيضاً من طريق محمد بن حميد الرازي عن جرير عن عاصم عن ابن سيرين بنحوه .
وابن سيرين رضي الله عنه هو أول من انتقد الرجال وميز الثقات من غيرهم ، وقد روي عنه من غير وجه أنه قال : (( إن هذا العلم دين فأنظروا عمن تأخذون دينكم )) وفي رواية عنه أنه قال : (( إن هذا الحديث دين فلينظر الرجل عمن يأخذ دينه )) .
قال يعقوب بن شيبة : قلت ليحيى بن معين : تعرف أحداً من التابعين كان ينتقي الرجال كما كان ابن سيرين ينتقيهم ؟ فقال برأسه ، أي : لا .
قال يعقوب (( وسمعت علي بن المديني يقول : (( كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد لا نعلم أحداً أول منه ،محمد بن سيرين ، ثم كان أيوب ، وابن عون ، ثم كان شعبة ، ثم كان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن . قلت لعلي : فمالك بن أنس ؟ فقال أخبرني سفيان بن عيينة قال : (( ما كان أشد انتقاء مالك الرجال )) .
وروى الإمام أحمد عن جابر بن نوح عن الأعمش عن إبراهيم قال : (( إنما سئل عن الإسناد أيام المختار )) .
وسبب هذا أنه كثر الكذب على عليّ في تلك الأيام ، كما روى شريك عن أبي إٍسحاق سمعت خزيمة بن نصر العبسي أيام المختار وهم يقولون ما يقولون من الكذب وكان من أصحاب علي قال : (( ما لهم قاتلهم الله ، أي عصابة شانوا وأي حديث أفسدوا ! )) .
وروى يونس عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر العبسي قال : (( قاتل الله المختار أي شيعة أفسد وأي حديث شان )) . خرجه الجوزجاني وقال : (( كان المختار يعطي الرجال الألف دينار والألفين على أن يروي له في تقوية أمره حديثاً )).
* مسألة في رواية المبتدع *
وهذه المسألة قد اختلف العلماء فيها قديماً وحديثاً ، وهي الرواية عن أهل الأهواء والبدع فمنعت طائفة من الرواية عنهم كما ذكره ابن سيرين ، وحكي نحوه عن مالك وابن عيينة والحميدي ويونس بن أبي إسحاق وعلي بن حرب وغيرهم ، وروى أبو إسحاق الفزاري عن زائدة عن هشام عن الحسن قال : (( لا تسمعوا من أهل الأهواء )) خرجه ابن أبي حاتم .
ورخصت طائفة في الرواية عنهم إذا لم يتهموا بالكذب . منهم أو حنيفة والشافعي ويحيى بن سعيد وعلي بن المديني : (( لو تركت أهل البصرة للقدر وتركت أهل الكوفة للتشيع لخربت الكتب )) .
وفرقت طائفة أخرى بين الداعية وغيره ، فمنعوا الرواية عن الداعية في البدعة دون غيره ، منهم ابن المبارك وابن مهدي وأحمد ابن حنبل ويحيى بن معين ، وروى أيضاً عن مالك .
والمانعون من الرواية لهم مأخذان :
أحدهما : تكفير أهل الأهواء أو تفسقيهم ، وفيه خلاف مشهور .
والثاني : الإهانة لهم والهجران والعقوبة بترك الرواية عنه ، وإن لم نحكم بكفرهم أو فسقهم .
ولهم مأخذ ثالث : وهو أن الهوى والبدعة لا يؤمن معه الكذب ، ولا سيما إذا كانت الرواية مما تعضد هوى الرواي .
وروى أبو عبد الرحمن المقرئ عن ابن ليهعة أنه سمع رجلاً من أهل البدع رجع عن بدعته وجعل يقول : (( انظرا هذا الحديث عمن تأخذونه ، فإنا كنا إذا رأينا رأياً جعلناه حديثاً )) . ورواه المعافى عن ابن ليهعة عن أبي الأسود حدثني المنذر بن الجهم ، فذكره بمعناه .
وقال علي بن حرب : (( من قدر أن لا يكتب الحديث إلا عن صاحب سنة ، فإنهم يكذبون ، كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي )) .
وعلى هذا المأخذ فقد يستثني من اشتهر بالصدق والعلم ، كما قال أبو داود : (( ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج . ثم ذكر عمران بن حطان وأبا حسان الأعرج )) .
وأما الرافضة فبالعكس ، قال يزيد بن هارون : (( لا يكتب عن الرافضة فإنهم يكذبون )) خرجه ابن أبي حاتم .
ومنهم من فرق بين من يغلو في هواه ومن لا يغلو ، كما ترك ابن خزيمة حديث عباد بن يعقوب لغلوه ، وسئل ابن الأخرم : لمَ ترك البخاري حديث ابن الطفيل ؟ قال : (( لأنه كان يفرط في التشيع )) . وقريب من هذا قول من فرق بين البدع المغلظة كالتجهم والرفض والخارجية والقدر ، والبدع المخففة ذات الشبه كالإرجاء .
قال أحمد في رواية أبي داود : (( احتملوا من المرجنة الحديث ، ويكتب عن القدري إذا لم يكن داعية )) . وقال المروزي : (( كان أبو عبد الله يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعياً . ولم نقف على نص في الجهمي أنه يروى عنه إذا لم يكن داعياً ، بل كلامه فيه عام أنه لا يروى عنه)) .
فيخرج من هذا أن البدع الغليظة يُردُ بها الرواية مطلقاً ، والمتوسطة كالقدر إنما يرد رواية الداعي إليها ، والخفيفة كالإرجاء هل يقبل معها الراوية مطلقاً ، أو يرد عن الداعية ، على روايتين .

* الإسناد في الدين *
قال رحمه الله :
( حدثنا محمد بن علي بن الحسن قال : سمعت عبدان يقول : قال عبد الله بن المبارك : (( الإسناد عندي من الدين ، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ، فإذا قيل له من حدثك ؟ بقي )) .
حدثنا محمد بن علي أنا حبان بن موسى قال ذكر لعبد الله حديث ، فقال : (( يحتاج لهذا أركان من آجر )) .
قال أبو عيسى : يعني أن ضعف إسناده ) .
أما قول عبد الله بن المبارك (( الإسناد من الدين )) فخرجه مسلم في مقدمة كتابه عن محمد بن عبدالله بن قهزاد المروزي عن عبدان عنه إلى قوله (( ما شاء )) ، وخرجه بتمامه ابن حبان في أول كتابه من طريق الحسين بن الفرج عن عبدان . وأما قوله الثاني ...
وذكر مسلم أيضاً : قال محمد بن عبد الله حدثني العباس ابن رزمة قال سمعت عبد الله يعني ابن المبارك يقول : (( بيننا وبن القوم القوائم )) يعني الإسناد .
قال وقال محمد : سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني يقول قلت لعبد الله بن المبارك : يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء (( إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك ؟ فقال عبد الله : يا أبا إسحاق عمن هذا ؟ قلت له : هذا من حديث شهاب بن خراش . قال ثقة ، عمن ؟ قلت : عن الحجاج بن دينار ، قال : ثقة ، عمن ؟ قلت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( يا أبا إسحاق ، إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ، ولكن ليس في الصدقة اختلاف )) .
وخرج ابن حبان وغيره من طريق الحسين بن الفرج عن عبد الصمد بن حبان سمعت الثوري يقول : (( الإسناد سلاح المؤمن ، إذا لم يكن معه سلاح فبأي شئ يقاتل ؟ )) .
وخرج أبو عمر بن عبد البر في أول التمهيد من طريق محمد بن خيرون ثنا محمد بن الحسين البغدادي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول سمعت يحيى ابن سعيد يقول : (( الإسناد من الدين )) . قال يحيى وسمعت شعبة يقول : (( إنما تعلم صحة الحديث بصحة الإسناد )) . وفي هذا الإسناد نظر . وخرج أيضاً بإسناده عن الأوزاعي قال : (( ما ذهاب العلم إلاذهاب الإسناد )) .
وبإسناده عن ابن عون قال : (( كان الحسن يحدثنا بأحاديث لو كان يسندها كان أحب إلينا )) .
وخرج البيهقي من طريق علي بن حجر قال ابن المبارك : (( لولا الإسناد لذهب الدين )) ولقال امرؤ ما شاء أن يقول ، ولكن إذا قلت عمن ؟ بقي ! )) .
قال وسمعت ابن المبارك يقول : (( إن الله حفظ الأسانيد على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم )) . ومن طريق الشافعي قاق قال سفيان بن عيينة : (( حدّث الزهري يوماً بحديث فقلت : هاته بلا إسناد ، فقال الزهري : أترقى السطح بلا سلّم )) .
وخرّج أبو بكر الخطيب من طريق مالك بن إسماعيل النهدي سمعت ابن المبارك يقول : (( طلب الإسناد المتصل من الدين )) . ومن طريق هلال بن العلاء عن أبيه سمع ابن عيينة وقال له أخوه : حدّثهم بغير إسناد ، فقال سفيان : (( انظروا إلى هذا يأمرني أن أصعد فوق البيت بغير درجة ! )) .
ومن طريق إبراهيم بن معدان قال قال ابن المبارك : (( مثل الذي يطلب دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلّم )) . من طريق ابن المديني قال أبو سعيد الحداد : (( الإسناد مثل الدرج ، مثل المراقي ، فإذا زلت رجلك عن المرقاة سقطت )) .
وروى الفضل بن موسى قال قال بقية : ذكرات حماد بن زيد أحاديث ، فقال : ما أجود أحاديثك لو كان لها أجنحة )) ، يعني الأسانيد .
وقال علي بن المديني : (( قال يحيى قال هشام بن عروة إذا حدثك رجل بحديث فقل : عمن هو وممن سمعته ، فإن الرجل يحدث عن آخر دونه . قال يحيى ، فعجبت من فطنته )) .
وقد روى عن ابن سيرين معنى ذلك ، خرج مسلم في مقدمة كتابه من طريق هشام عن ابن سيرين قال : إن هذا العلم دين ، فأنظروا عمن تأخذون دينكم ؟ )) .
وخرّجه العقيلي في مقدمة كتابه من طريق ابن عون عن ابن سيرين وزاد قال : (( وذكر عند محمد حديث عن أبي قلابة فقال : إنا لا نتهم أبي قلابة ، ولكن عمن أخذه أبو قلابة ؟ )) .
وفي رواية له أيضاً عن ابن عون قال : ذكر أيوب لمحمد حديثاً عن أبي قلابة ، قال فقال : (( أبو قلابة إن شاء الله رجل صالح ، ولكن عمن ذكره أبو قلابة ؟ )) .
ومن طريق أيوب عن ابن سيرين أنه كان إذا حدثه الرجل الحديث ينكره لم يُقبل عليه ذاك الإقبال ، ثم يقول : (( إني لا أتهمك ولا أتهم ذاك ،ولكن لا أدري من بينكم )) .
ومن طريق عبيد الله بن عمر قال قال محمد بن سيرين : (( إن الرجل ليحدثني بالحديث لا أتهمه ولكن أتهم من حدثه ، وإن الرجل ليحدثني بالحديث عن الرجل فما أتهم الرجل ، ولكن أتهم من حدثني )) .
وذكر أيضاً من طريق أن التيمي حدّث عن ابن سيرين بشئ ، فبلغ ابن سيرين فكذبه ، فقال التيمي : حدثنيه مؤذن لنا عن ابن سيرين )) . وخرجه غيره ، وعنده أن المؤذن سئل فقال : (( حدثني رجل عن ابن سيرين )) .
وروى الشافعي أنا عمي محمد بن علي عن هشام بن عروة عن أبيه قال : (( إني أسمع الحديث استحسنه ، فما يمنعني من ذكره إلا كراهة أن يسمعه سامع فيقتدي به ، أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق به ، وأسمعه من الرجل أثق به فيحدثه عمن لا أثق به )) .
وقد روى عن زيد بن أسلم أنه قال : (( إن هذا العلم دين فانظروا ممن تأخذون دينكم )) . خرجه ابن حبان ، وخرجه أيضاً من كلام الحسن ، وأنس بن سيرين ، والضحاك بن مزاحم ، والنخعي . وخرجه أيضاً بإسناد لا يصح عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما .
وخرجه ابن عدي من وجوه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا يصح منها شئ .
وروى أبو نعيم من طريق إسحاق بن بشر الرازي قال قال ابن المبارك : (( ليس جودة الحديث في قرب الإسناد ، ولكن جودة الحديث في صحة الرجال )) .
وخرّج الحاكم في المدخل بإسناده عن ضمرة عن ابن شوذب عن مطر الوراق في قوله تعالى [ أو أثارة من علم ] قال : إسناد الحديث .

* كلام الأئمة في الرجال *
قال الترمذي رحمه الله :
( حدثنا أحمد بن عبده نا وهب بن زمعة عن عبد الله بن المبارك : أنه ترك حديث الحسن بن عمارة ، والحسن بن دينار ، وإبراهيم بن محمد الأسلمي ، ومقاتل بن سليمان ، وعثمان البري ، وروح بن مسافر وأبي شيبة الواسطي ، وعمرو بن ثابت ، وأيوب بن خوط ، وأيوب بن سويد ، ونصر بن طريف أبي جزي ، والحكم ، وحبيب بن حجر ، والحكم روى له حديثاً في كتاب الرقائق ثم تركه ، وحبيب لا أدري .
قال أحمد بن عبده وسمعت عبدان يقول : كان عبد الله بن المبارك قرأ أحاديث بكر بن خنيس ، فكان آخراً إذا أتى عليها أعرض عنها ولم يذكرها .
حدثنا أحمد ثنا أبو وهب قال سموا لعبد الله بن المبارك رجلاً يتهم في الحديث ، فقال : (( لأن أقطع الطريق أحب إلىّ من أن أحدث عنه )) ) .
قال الإمام أحمد : ثنا حسن بن عيسى قال : (( ترك ابن المبارك الحسن بن دينار ، وعمرو بن ثابت ، وأيوب بن خوط ، ومحمد بن سالم ، وعبيدة والسري بن إسماعيل )) ، يعني أنه ترك الحديث عنهم .
وذكر حرب الكرماني في كتابه قال : (( بلغني أن ابن المبارك ترك حديث عباد بن كثير ، والحسن بن دينار ، والحسن بن عمارة ، وروح بن مسافر ، وابن سمعان ، وعمرو بن ثابت )) .
وقال ابن المبارك : (( ما يسوي حديث عباد بن كثير عندي كفا من تراب )) .
وهؤلاء الذين سماهم الترمذي في روايته مشهورون بالضعف ، وقد سبق ذكرهم مفرقاً في الكتاب في مواضع متعددة .
وإبراهيم بن محمد الأسلمي : هو ابن أبي يحيى المدني .
وعثمان البري : هو بصري ضعيف معتزلي أحاديثه مناكير ، قال أحمد : (( حديث منكر ، وكان رأيه رأي سوء )) .
وأبو شيبة الواسطي : هو إبراهيم بن عثمان ، جدُ بني أبي شيبة .
وعمرو بن ثابت : هو ابن أبي المقدام الكوفي .
وأيوب بن سويد : هو الرملي .
وأما الحكم : فالظاهر أنه عبد الله بن سعد الأيلي ، وقد حكى البخاري وابن حبان وغيرهما هن ابن المبارك أنه كان يحمل عليه .
وحكى ابن أبي حاتم عن أبيه أن ابن المبارك كان تركه ، وكذا ذكر ابن عدي في ترجمة الحكم الأيلي ( عن الحسين بن يوسف نا أبو عيسى الترمذي نا أحمد بن عبده نا وهب بن زمعة عن عبد الله بن المبارك ) أنه ترك حديث الحكم .
وأما حبيب بن حجر فهو حُبَيِّب بن حجر بالتشديد ، تصغير حبيب ، كذا قاله يزيد بن هارون وموسى بن إسماعيل ، ورويا عنه ، وكناه يزيد أبا حجر ، وكناه موسى أبا يحيى ، وهو قيسي بصري ، وقال ابن المبارك : هو حبيَّب أو حبيب ، شك في ضبطه وهو يروي عن ثابت البناني والأزرق بن قيس .
وقد ذكرنا له حديثاً في كتاب الأدب ، في باب السلام على الصبيان ، وروى عنه أيضاً وكيع ويونس وروح وابن المبارك ، وكناه روح أبا حجر أيضاً ، وذكره ابن حبان في ثقاته .
وقال يحيى بن معين : (( ليس به بأس )) .
وقد ذكر ابن عدي أن ابن المبارك إنما ترك حُبيِّب بن حبيب أخا حمزة الزيات ، فأنه ذكره في كتابه ثم قال : (( نا حسين بن يوسف البندار ثنا أبو عيسى الترمذي ثنا أحمد بن عبدة الآملي نا وهب بن زمعة عن ابن المبارك أنه ترك حُبيّب بن حبيب ، وذكر عن ابن معين أنه قال : (( لا أعرفه )) وعن عثمان بن أبي شيبة أنه روى عنه وقال : ((كان ثقة )) وقد وثقه ابن معين في رواية أخرى عنه ، ويعقوب بن شيبة ، وقال : (( ليس ممن يعتمد على تثبته )) ، وقال أبو زرعة : (( واهي الحديث )) .
وقد تكلم ابن المبارك في غير هؤلاء ، فذكر مسلم في مقدمة كتابه عن إسحاق بن رواهويه قال قا ل: سمعت بعض أصحاب عبد الله . قال : قال ابن المبارك : (( نعم الرجل بقية لولا أنه يكنى الأسامي ، ويسمى الكنى ، قال : كان دهراً يحدثنا عن أبي سعيد الوحاطي فنظرنا فإذا هو عبد القدوس )) .
قال مسلم ونا أحمد بن يوسف الأزدي سمعت عبد الرزاق يقول : (( ما رأيت ابن المبارك يفصح بقوله كذاب إلا لعبد القدوس فإني سمعته يقول له : (( كذاب )) .
قال : وحدثني محمد بن عبد الله بن قهزاذ قال سمعت أبا إسحاق الطالقاني يقول : سمعت ابن المبارك يقول : (( لو خيرت بين أن أدخل الجنة ، وبين أن ألقى عبد الله بن محرر لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة ، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلىّ منه )) .
قال : وسمعت الحسن بن عيسى يقول : قال لي ابن المبارك : (( إذا قدمت على جرير فاكتب علمه كلة ، إلا حديث ثلاثة : لا تكتب حديث عبيدة بن معتب ، والسري بن إسماعيل ، ومحمد بن سالم )) . قال : وحدثني محمد بن عبد الله بن قهزاذ أخبرني علي بن حسين بن واقد قال قال عبد الله بن المبارك : قلت لسفيان الثوري : إن عباد بن كثير من تعرف حاله ، فإذا حدث جاء بأمر عظيم ، فترى أن أقول للناس : لا تأخذوا عنه ؟ قال سفيان : بلى . قال عبد الله فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد . أثنيت عليه في دينه ، وأقول : (( لا تأخذوا عنه )) .
قال الترمذي رحمه الله :
( أخبرني موسى بن حزام نا يزيد بن هارون قال : (( لا يحل لأحد أن يروي عن سليمان بن عمرو النخعي الكوفي ) .
سليمان هذا هو أبو داود النخعي وهو مشهور بالكذب ووضع الحديث . وقال أحمد : (( كان كذاباً ، سئل شريك عنه فقال : ذاك كذاب النخع )) .
وقال قتيبة : (( هو معروف باالكذب )) . ونسبه إلى ( الوضع ) أحمد وإسحاق ويحيى وغيرهم . قال ابن عدي : (( اجمعوا علي أنه يضع الحديث )) .

* * *
قال الترمذي رحمه الله :
( حدثنا محمود بن غيلان ثنا أبو يحيى الحمَّاني سمعت أبا حنيفة يقول : (( ما رأيت أحداً أكذب من جابر الجعفي ، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح )) .
سمعت الجارود يقول سمعت وكيعاً يقول : (( لولا جابر الجعفي لكان أهل الكوفة بغير حديث ، ولولا حماد لكان أهل الكوفة بغير فقه )) .
هذا يوجد في بعض النسخ ولا يوجد في بعض .
وجابر الجعفي قد سبق ذكره مستوفي في أبواب الأذان وما ذكره وكيع غلو غير مقبول ، فأين أبو إسحاق ، والأعمش ، ومنصور وغيرهم من أهل الثقة والصدق والأمانة ، وأين إبراهيم وغيره من أهل الفقه والعلم ؟! وإسقاط هذا من الكتاب أولى ، مع أن الترمذي قد ذكره في غير هذا الموضع من كتابه أيضاً .
* * *
* رواية الضعفاء والرواية عنهم *
قال [ أبو عيسى ] رحمه الله :
( سمعت أحمد بن الحسن يقول : كنا عند أحمد بن حنبل فذكروا من تجب عليه الجمعة ، فذكر فيه عن بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم ، فقلت : (( فيه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديث )) . فقال : عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ! ؟ قلت : نعم ، حدثنا حجاج بن نصير أنا المعارك بن عباد عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( الجمعة على من أواه الليل إلى أهله )) ، قال فغضب أحمد وقال : (( استغفر ربك ، استغفر ربك )) ، مرتين .
قال أبو عيسى : وإنما فعل أحمد هذا لأنه لم يصدق هذا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لضعف إسناده [ و ] لأنه لا يعرفه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . والحجاج بن نصير يضعف في الحديث ، وعبد الله بن سعيد المقبري ضعفه يحيى بن سعيد القطان جداً في الحديث .
فكل من روى عنه حديث ممن يتهم و يضعف لغفلته أو لكثرة خطئه ولا يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه فلا يحتج به ) .
هذه الحكاية عن أحمد بن الحسن عن أحمد بن حنبل قد ذكرها الترمذي أيضاً في كتابه الجمعة ، وسبق ذكر هذا الحديث هناك وبيان ضعفه ، وفيه ثلاثة من الضعفاء : حجاج بن نصير ، الفساطيطي ، ومعارك بن عباد ، وعبد الله بن سعيد المقبري وهو أبو عباد ، وقد سبق ذكره وذكر حجاج أيضاً ومعارك في الكتاب في غير موضع ، وكان الثوري يروي عن أبي عباد هذا ويقول : (( استبان لي كذبه في مجلس )) . وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه ، وقال يحيى ابن معين : (( لا يكتب حديثه )) . وقال البخاري : (( تركوه )) .
وأما ما ذكره الترمذي أن الحديث إذا انفرد به من هو متهم بالكذب ، أو [ من ] هو ضعيف في الحديث لغفلته وكثرة خطئه ولم يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه فإنه لا يحتج به : فمراده أنه لا يحتج به في الأحكام الشرعية ، والأمور العلمية ، وإن كان قد يروي حديث بعض هؤلاء في الرقائق والترغيب والترهيب ، فقد رخص كثير من الأئمة في رواية الأحاديث الرقاق ونحوها عن الضعفاء . منهم ابن مهدي وأحمد بن حنبل .
وقال رواد بن الجراح سمعت سفيان الثوري يقول : (( لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان ، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ .
[ و ] قال ابن أبي حاتم ثنا أبي عبدة قال : قيل لابن المبارك – وروى عن رجل حديثاً – فقيل : هذا رجل ضعيف ! فقال : يحتمل أن يروي عنه هذا القدر أو مثل هذه الأشياء .
قلت لعبدة : مثل أي شئ كان ؟ قال : في أدب في موعظة في زهد .
وقال ابن معين في موسى بن عيينة يكتب من حديثه الرقاق )) .
وقال ابن عيينة : (( لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة ، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره )) .
وقال أحمد في ابن إسحاق : (( يكتب عنه المغازي وشبهها )) .
وقال ابن معين في زيادٍ البكائي : (( لا بأس في المغازي ، وأما في غيرها فلا )) .
وإنما يروي في الترغيب والترهيب والزهد والآداب أحاديث أهل الغفلة الذين لا يتهمون بالكذب ، فأما أهل التهمة فيطرح حديثهم ، كذا قال ابن أبي حاتم وغيره .
وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه يقتضي أنه لا تروى أحاديث الترغيب والترهيب إلا عمن تروى عنه الأحكام .
قال الترمذي رحمه الله :
( وقد روى غير واحد من الأئمة عن الضعفاء وبينوا أحوالهم للناس :
حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن المنذر الباهلي بن عبيد قال : قال لنا سفيان الثوري : (( التقوا الكلبي ، قال : فقيل له : فإنك تروي عنه ؟ قال : أنا أعرف صدقه من كذبه )) .
وأخبرني محمد بن إسماعيل حدثني يحيى بن معين ثنا عفان عن أبي عوانة قال : (( لما مات الحسن البصري رحمه اله اشتهيت كلامه ، فتتبعته عن أصحاب الحسن ، فأتيت به أبان بن أبي عياش ، فقرأه عليّ كله عن الحسن ، فما أستحل أن أروي عنه شيئاً )) .
قال أبو عيسى : وقد روي عن أبان بن أبي عياش غير واحد من الأئمة ، وإن كان فيه من الضعف والغفلة ما وصفه أبو عوانة وغيره ، فلا تغتروا برواية الثقات عن الناس ، لأنه يروي عن ابن سيرين أنه قال : إن الرجل ليحدثني فماأتهمه ، ولكن أتهم من فوقه )) .
وقد روي غير واحد عن إبراهيم النخعي أن عبد الله بن مسعود كان يقنت في وتره قبل الركوع ، وروي أبان ابن أبي عياش عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقنت في وتره قبل الركوع ، هكذا روى سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش ، وروى بعضهم عن أبان بن أبي عياش بهذا الإسناد نحو هذا وزاد فيه : قال عبد الله ابن مسعود : (( وأخبرتني أمي أنها باتت عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرأت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقنت في وتره قبل الركوع )) .
قال أبو عيسى : وأبان بن أبي عياش – وإن كان قد وصف بالعبادة والاجتهاد – فهذه حاله في الحديث ، والقوم كانوا أصحاب حفظ ، فرب رجل – وإن كان صالحاً – لا يقيم الشهادة ولا يحفظها .
فكل من كان متهماً في لحديث بالكذب ، أو كان مغفلاً يخطئ الكثير فالذي اختاره أهل الحديث من الأئمة أن لا يشتغل بالرواية عنه ، ألا ترى أن عبد الله بن المبارك حدث عن قوم من أهل العلم ، فلما تبين له أمرهم ترك الرواية عنهم .
أخبرني موسى بن حزام سمعت صالح بن عبد الله يقول : (( كنا عند أبي مقاتل السمرقندي ، فجعل يوري عن عون بن أبي شداد الأحاديث الطوال التي كان - يروي في وصية لقمان ، وقتل سعيد ابن جبير وما أشبه هذه الأحاديث . فقال ابن أخ لأبي مقاتل (( يا عم لا تقل حدثنا فإنك لم تسمع هذه الأشياء )) . قال : (( يا بني هو كلام حسن )) .
وسمعت الجارود يقول : كنا عند أبي معاوية ، فذكر له حديث أبي مقاتل عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي ظبيان قال : سئل علي عن كور الزنانير قال : (( لا بأس به ، هو بمنزلة صيد البحر )) فقال أبو معاوية : ما أقول : إن صاحبكم كذاب ، ولكن هذا الحديث كذب ) .
ما ذكره الترمذي رحمه الله يتضمن مسائل من علم الحديث
إحداها : إن رواية الثقة عن رجل لا تدل على توثيقه
فإن كثيراً من الثقات رووا عن الضعفاء ، كسفيان الثوري وشعبة وغيرهما ، وكان شعبة يقول : (( لو لم أحدثكم إلا عن الثقات لم أحدثكم إلا عن نفر يسير )) .
قال يحيى القطان : (( إن لم أرو إلا عمن أرضى ما رويت]إلا [عن خمسة أو نحو ذلك )) .
وقد اختلف الفقهاء وأهل الحديث في رواية الثقة عن رجل غير معروف ، هل هو تعديل له أم لا ؟ وحكى أصحابنا عن أحمد في ذلك روايتين . وحكوا عن الحنفية أنه تعديل ،
وعن الشافعية خلاف ذلك ، والمنصوص عن أحمد يدل على أنه من عرف منه أنه لا يروي إلا عن ثقة فروايته عن إنسان تعديل له ، ومن لم يعرف منه ذلك فليس بتعديل ، وصرح بذلك طائفة من المحققين من أصحابنا وأصحاب الشافعي .
قال أحمد – في رواية الأثرم - : (( إذا روى الحديث عبد الرحمن ابن مهدي عن رجل فهو حجة ، ثم قال : كان عبد الرحمن أولاً يتساهل في الرواية عن غير واحد ثم تشدد بعدها ، وكان يروي عن جابر ثم تركه )) .
وقال في رواية أبي زرعة : (( مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف فهو حجة )) .
وقال في رواية ابن هانئ : (( ما روى مالك عن حد إلا وهو ثقة ، كل من ورى عنه مالك فهو ثقة )) .
وقال الميموني ، سمعت أحمد غير مرة يقول : (( كان مالك من أثبت الناس ، ولا تبال أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك ، ولا سيما مديني )) . قال الميموني : وقال لي يحيى بن معين : (( لا تريد أن تسأل عن رجال مالك ، كل من حدث عنه ثقة إلا رجلاً أو رجلين )) .

* بحث في المجهول وقولهم غير مشهور *
وقال يعقوب بن شيبة : قلت ليحيى بن معين : (( متى يكون الرجل معروفاً ؟ إذا روى عنه كم ؟ )) قال : (( إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي ، وهؤلاء أهل العلم فهو غير مجهول )) . قلت : (( فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق ؟ )) . قال : (( هؤلاء يروون عن مجهولين )) انتهى .
وهذا تفصيل حسن ، وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي الذي تبعه عليه المتأخرون أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعداً عنه .
وابن المديني يشترط أكثر من ذلك ، فإنه يقول فيمن يروي عنه ابن أبي كثير وزيد بن أسلم معاً : (( أنه مجهول )) ، ويقول فيمن يروي عنه شعبة وحده : (( إنه مجهول )) .
وقال فيمن يروي عنه ابن المبارك ووكيع وعاصم : (( هو معروف )) . وقال فيمن روى عنه عبد الحميد بن جعفر وابن ليهعة : (( ليس بالمشهور )) . وقال فيمن يروي عنه المقبري وزيد بن أسلم : (( معروف )) . وقال في يُسيع الحضرمي : (( معروف )) . وقال مرة أخرى : (( مجهول روى عنه ذَرٌ وحده )) . وقال فيمن روى عنه مالك وابن عيينة : (( معروف )) .
وقد قسم المجهولين من شيوخ أبي إسحاق إلى طبقات متعددة ، والظاهر أنه ينظر إلى اشتهار الرجل بين العلماء ، وكثرة حديثه ونحو ذلك ، لا ينظر إلى مجرد رواية الجماعة عنه . وقال في داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص : (( ليس بالمشهور )) ، مع أنه روى عنه جماعة .
وكذا قال أبو حاتم الرازي في إسحاق بن أسيد الخراساني ، (( ليس بالمشهور )) مع أنه روى عنه جماعة من المصريين لكنه لم يشتهر حديثه بين العلماء .
وكذا قال أحمد في حصين بن عبد الرحمن الحارثي : (( ليس بعرف )) ما روى عنه غير حجاج بن أرطأة وإسماعيل بن أبي خالد روى عنه حديثاً واحداً )) .
وقال في عبد الرحمن بن وعلة : (( إنه مجهول )) مع أنه روى عنه جماعة ، لكن مراده أنه لم يشتهر حديثه ولم ينتشر بين العلماء .
وقد صحح حديث بعض من ورى عنه واحد ولم يجعله مجهولاً ، قال في خالد بن سمير : (( لا أعلم عنه أحد سوى الأسود بن شيبان ولكنه حسن الحديث )) . وقال مرة أخرى : (( حديثه عندي صحيح )) .
وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة ، إنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات .
وذكر ابن عبد البر في استذكاره : إن من روى عنه ثلاثة فليس بمجهول ، قال : وقيل : اثنان .
وقد سئل مالك عن رجل فقال : (( لو كان ثقة لرأيته في كتبي )) ذكره مسلم في مقدمته من طريق بشر بن عمر عن مالك .
وقال ابن أبي خيثمة : سمعت يحيى بن معين يقول : سمعت ابن عيينة يقول : (( إنا كنا نتبع آثار مالك بن أنس وننظر الى الشيخ إن كان مالك بن أنس كتبه عنه ، وإلا تركناه )) .
قال القاضي إسماعيل : (( إنما يعتبر بمالك في أهل بلده ، فأما الغرباء فليس يحتج به فيهم )) ، وبنحو هذا اعتذر غير واحد عن ( مالك في روايته ) عن عبد الكريم أبي أمية وغيره من الغرباء .
* رواية الثقات عن غير ثقة *
قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقوية ؟ )) . قال : (( إذا كان معروفاً بالضعف لم تقوه روايته عنه ، وإن كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه )) .
قال وسمعت أبي يقول : (( إذا رأيت شعبة يحدث عن رجل فأعلم أنه ثقة إلا نفر بأعيانهم )) . وسألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن الرجل مما يقوى حديثه ؟ قال : (( أي لعمري ! )) .
قلت : (( الكلبي روى عنه الثوري ؟ )) . قال : (( إنما ذاك إذا لم يتكلم فيه العلماء ، وكان الكلبي يُتَكلم فيه )) . قلت : فما معنى رواية الثوري عنه وهو غير ثقة عنده ؟ )) . قال : (( كان الثوري يذكر الرواية عن الرجل عن الإنكار والتعجب فيعقلون عنه روايته عنه ، ولم يكن روايته عن الكلبي قبوله له )) .
وذكر العقيلي بإسناد له عن الثوري قال : (( إني لأروي الحديث على ثلاثة أوجه : أسمع الحديث من الرجل أتخذه ديناً ، وأسمع الحديث من الرجل أوقف حديثه وأسمع الحديث من الرجل لا أعبأ بحديثه وأحب معرفته )) .
المسألة الثانية : الرواية عن الضعفاء
من أهل التهمة بالكذب والغفلة وكثرة الغلط

وقد ذكر الترمذي للعلماء في ذلك قولين :
أحدهما : جواز الرواية عنهم حكاه عن سفيان الثوري ، لكن كلامه في روايته عن الكلبي يدل على أنه لم يكن يحدث إلا بما يعرف أنه صدق .
والثاني : الامتناع من ذلك ، ذكره عن أبي عوانة وابن المبارك ، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل الحديث من الأئمة .
وقد ذكر الحاكم المذهب الأول عن مالك والشافعي أبي حنيفة ، واعتمد في حكايته عن مالك على روايته عن عبد الكريم أبي أمية ، ولكن قد ذكرنا عذره في روايته عنه ، وفي حكايته عن الشافعي على روايته عن إبراهيم بن أبي يحيى ، وأبي داود سليمان بن عمرو النخعي ، وغيرهما من المجروحين ، وفي حكايته عن أبي حنيفة على روايته عن جابر الجعفي وأبي العطوف الجزري .
قال : وحدث أبو يوسف ومحمد بن الحسن عن الحسن بن عمارة وعبد الله بن محرر وغيرهما من المجروحين .
قال : وكذلك من بعدهم من أئمة المسلمين قرناً بعد قرن ، وعصراً بعد عصر إلى عصرنا هذا ، لم يخل حديث إمام من أئمة الفريقين عن مطعون فيه المحدثين .
وللأئمة في ذاك غرض ظاهر :
وهو أن يعرفوا الحديث من أين مخرجه ، والمنفرد به عدل أو مجروح . ثم روى بإسناده عن الأثرم قال : (( رأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين بصنعاء يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس ، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه ، فقال له أحمد : تكتب صحيفة معمر عن أبان وتعلم أنها موضوعة ! ؟ فلو قال لك قائل : أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه ! ؟ )) .
فقال : (( رحمك الله يا أبا عبد الله ، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها وأعلم أنه موضوعة ، حتى لا يجئ بعده إنسان فيجعل بدل أبان ثابتاً ، ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس ، فأقول له : كذبت ! إنما هي عن معمر عن أبان لا عن ثابت )) .
وذكر أيضاً من طريق أحمد بن علي الأبار قال : قال يحيى ابن معين : (( كتبنا عن الكذابين وسجرنا به التنور وأخرجنا به خبزاً نضيجاً )) .
وخرّج العقيلي من طريق أبي غسان قال : (( جاءني علي بن المديني فكتب عن عبد السلام بن حرب أحاديث إسحاق ابن أبي فروه ، فقلت : أي شئ تصنع بها ؟ قال : أعرفها حتى لا تقلب )) .
قلت : فرق بين كتابة حديث وبين روايته :
فإن الأئمة كتبوا أحاديث الضعفاء لمعرفتها ولم يرووها ، كما قال يحيى : سجرنا بها التنور ، وكذلك أحمد ( خرق حديث خلق ممن كتب حديثهم ولم يحدث به ، وأسقط من المسند حديث خلق من المتروكين ) لم يخرجه فيه مثل قايد أبي الورقاء وكثير ابن عبد الله المزني وأبان بن أبي عياش وغيرهم ، وكان يحدث عمن دونهم في الضعف .
قال في رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ : (( قد يحتاج الرجل يحدث عن الضعيف مثل عمرو بن مرزوق ، وعمرو بن حكام ، ومحمد بن معاوية ، وعلي بن الجعد ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، ولا يعجبني أن يحدث عن بعضهم )) .
وقال في روايته أيضاً – وقد سأله ترى أن تكتب الحديث المنكر ؟ - إليهم في وقت )) ، كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأساً .
وقال – في رواية ابن القاسم - : (( ابن ليهعة ما كان حديثه بذاك ، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال ، إنما قد أكتب حديث الرجل كأني استدل به مع حديث غيره يشده لا أنه حجة إذا انفرد )) .
وقال في رواية المروذي : (( كنت لا أكتب حديث جابر الجعفي ( ثم كتبته أعتبر به ) .
وقال في – رواية مهنا وسأله لمَ تكتب حديث أبي بكر بن أبي كريم وهو ضعيف – قال : (( أعرفه )) .
وقال محمد بن رافع النيسابوري : (( رأيت أحمد بين يدي يزيد ابن هاترون وفي يده كتاب لزهير عن جابر الجعفي وهو يكتبه ، قلت : يا أبا عبد الله : تنهونا عن جابر وتكتبوه ؟ ! قال : نعرفه )) .
وكذا قال]أحمد [في حديث عبيد الله الوصافي : (( إنما أكتبه للمعرفة )) .
والذي يتبين من عمل الإمام أحمد وكلامه أنه يترك الرواية عن المتهمين [ والذين غلب عليهم الخطأ ] للغفلة وسوء الحفظ ، ويحدث عمن دونهم في الضعف ، مثل من في حفظه شئ أو يتختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه .
وكذلك كان أبو زرعة الرازي يفعل .
وأما الذين كتبوا حديث الكذابين – من أهل المعرفة والحفظ – فإنما كتبوه لمعرفته ، وهذا كما ذكروا أحاديثهم في كتب الجرح والتعديل .
ويقول بعضهم في كثير من أحاديثهم : لا يجوز ذكرها إلا ليبيّن أمرها أو معنى ذلك .
وقد سبق عن أبي حاتم أنه يجوز رواية حديث من كثرت غفلته في غير الأحكام ، وأما رواية أهل التهمة بالكذب فلا تجوز إلا مع بيان حاله ، وهذا هو الصحيح ، والله أعلم .

المسألة الثالثة :
* من ضعف من أهل العبادة لسوء حفظه *

ذكر الترمذي : أنه رب رجل صالح مجتهد في العبادة ، ولا يقيم الشهادة ولا يحفظها ، وكذلك الحديث لسوء حفظه وكثرة غفلته ، وقد سبق قول ابن المبارك في عباد بن كثير وعبد الله بن محرر .
وروى مسلم في مقدمة كتابه من طريق محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن أبيه قال : (( لن ترى الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث )) .
قال مسلم : (( يقول : يجري الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدون الكذب )) .
وروى أيضاً بإسناد له عن أيوب قال : (( إن لي جاراً ثم ذكر من فضله ، ولو شهد [ عندي ] على تمرتين ما رأيت شهادته جائزة )) .
وروى ابن عدي بإسناده عن أبي عاصم النبيل قال : (( ما رأيت الصالح يكذب في شئ أكثر من الحديث )) .
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي أسامة قال : (( إن الرجل يكون صالحاً ويكون كذاباً )) ، يعني يحدث بما لا يحفظ .
وروى عمرو الناقد سمعت وكيعاً يقول وذكر له حديث يرويه وهب بن إسماعيل فقال : (( ذاك رجل صالح ، وللحديث رجال )) .
وروى أبو نعيم بإسناده عن ابن مهدي قال : (( فتنة الحديث أشد من فتنة المال وفتنة الولد ، ولا تشبه فتنتة فتنة ، كم من رجل يظن به الخير قد حمله فتنة الحديث على الكذب )) .
يشير إلى أن من حدث من الصالحين من غير إتقان وحفظ ، فإنما حمله على ذلك حب الحديث والتشبه بالحفاظ ، فوقع في الكذب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو لا يعلم ، ولو تورع واتقى الله لكف على ذلك فسلم .
قال أبو قلابه : عن علي بن المديني : سئل يحيى بن سعيد عن مالك بن دينار ، ومحمد بن واسع ، وحسان بن أبي سنان فقال : (( ما رأيت الصالحين فس شئ أكذب منهم في الحديث ، لأنهم يكتبون عن كل ما يلقون لا تمييز لهم فيه )) .
وقال الجوزجاني : سمعت أبا قدامة يقول سمعت يحيى بن سعيد يقول : (( رب رجل صالح لو لم يحدث كان خيراً له ، إنما هو أمانة ، تأدية الأمانة في الذهب والفضة أيسر منه في الحديث )) .
ويروي عن أبي عبد الله ابن منده قال : (( إذا رأيت في حديث ثنا فلان الزاهد فاغسل يدك منه )) .
وقال ابن عدي : (( الصالحون قد وسموا بهذا الاسم إن يرووا أحاديث في فضائل الأعمال موضوعة بواطيل ، ويتهم جماعة منهم بوضعها )) انتهى .

وهؤلاء المشتغلون بالتعبد
الذين يترك حديثهم على قسمين :
منهم من شغلته العبادة عن الحفظ :
فكثر الوهم في حديثه ، فرفع الموقوف ، ووصل المرسل . وهؤلاء مثل أبان بن أبي عياش ، ويزيد الرقاشي ، وقد كان شعبة يقول في كل واحد منهما : (( لأن أزني أحب إلىّ من أن أحدث عنه!! ))
ومثل جعفر بن الزبير ، ورشدين بن سعد ، وعباد بن كثير ، وعبد الله بن محرر ، والحسن بن أبي جعفر وغيرهم .
ومنهم من كان يتعمد الوضع ويتعبد بذلك :
كما ذكر عن أحمد بن محمد بن غالب غلام خليل ، وعن زكريا بن يحيى الوقار المصري .
وقد ذكر الترمذي من أهل العبادة المتروكين رجلين :
أحدهما : أبان بن أبي عياش :
وذكر حكاية أبي عوانة عنه ، أنه جمع حديث الحسن ثم أتى به إليه فقرأه كله عليه ، يعني أنه رواه له كله عن الحسن ، ولم يتوقف في ذلك .
وقال أحمد قال لي عفان : (( أول من أهلك أبان بن أبي عياش أبو عوانة ، جمع حديث الحسن عامته فجاء به إلى أبان فقرأه عليه )) .
وقال مسلم في أول كتابه (( ثنا الحسن الحلواني سمعت عفان قال : سمعت أبا عوانة يقول : (( ما بلغني عن الحسن إلا أتيت به أبان بن أبي عياش فقرأه عليّ )) .
ثنا سويد بن سعيد ثنا علي بن مسهر قال : سمعت أنا وحمزة الزيات من أبان بن أبي عياش نحواً من ألف حديث . قال علي : (( فلقيت حمزة فأخبرني أنه رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المنام فعرض عليه ما سمع من أبان فما عرف منها إلا شيئاً يسيراً : خمسة أو ستة )) .
وذكر العقيلي هذه الحكاية ثم قال : وقال لنا أحمد بن علي الأبار – وكان شيخاً صالحاً - : (( وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المنام فقلت : يا رسول الله أترضى أبن بن أبي عياش ؟ قال : لا )) .
وذكر له الترمذي حديث القنوت في الوتر فإنه رفعه ، والناس يقفونه علي ابن مسعود ، وربما وقف على إبراهيم ، وقد سبق ذكره في أبواب الوتر من كتاب الصلاة .
وكان أبان لسوء حفظه يفعل ذلك كثيراً : يرفع الموقوف ويصل المرسل . قال أبو زرعة : (( لم يكن يتعمد الكذب كان يسمع الحديث من أنس ومن شهر بن حوشب ومن الحسن فلا يميز بينهم .
قال ابن عدي : (( قد حدث عنه الثوري ، ومعمر ، وابن جريج ، وإسرائيل ، وحماد بن سلمة ، وغيرهم ، وأرجو أنه ممن لا يتعمد الكذب إلا أنه يشبه عليه ويغلط ، وعامة ما أتي من جهة الرواة عنه لا من جهته ، لأنه قد روى عنه قوم مجهولون . وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق ، كما قال شعبة )) .
وذكر أنه شعبة حدث عنه بحديث قنوت الوتر ، فقيل له : تقول فيه ما قلت ثم تحدث عنه ؟ قال : (( إني لم أجد هذا الحديث إلا عنده )) ذكرها من وجه منقطع . والمعروف أن شعبة قيل له : لم سمعت منه هذا الحديث ؟ قال : ومن يصبر على هذا ؟ ! ، أخرجه العقيلي وغيره .
الرجل الآخر : أبو مقاتل السمرقندي :
واسمه حفص بن سلم الفزاري ، وهو من العباد ، يروي عن الكوفيين كأبي حنيفة ، ومسعر ، والثوري ، وعن البصريين كأيوب ، والتيمي ، وعن الحجازيين كهشام بن عروة ، وعبيد الله ابن عمر ، وسهيل .
قال أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد : (( هو مشهور بالصدق والعلم ، غير مخرج في الصحيح ، وكان ممن يفتي في أيامه ، وله في العلم والفقه محل ، يعتنى بجمع حديثه )) .
وذكره الحاكم في تاريخ نيسابور وقال : (( يروي المناكير )) ، وسئل عنه إبراهيم بن طهمان فقال : خذوا عنه عبادته وحسبكم )) . وقد أفحش قتيبة بن سعيد وغيره القول فيه ، مات سنة ثمان ومائتين
وذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء وقال : (( كان صاحب تقشف وعبادة ولكنه كان يأتي بالأشياء المنكرة التي يعلم من كتب الحديث أنه ليس لها أصل يرجع إليه . سئل ابن المبارك عنه فقال : خذوا عن أبي مقاتل عبادته وحسبكم )) .
وكان قتيبة بن سعيد يحمل عليه شديداً ويضعفه بمرة ، وقال : كان لا يدري ما يحدث به . وكان عبد الرحمن بن مهدي يكذبه .
قال نصر بن حاجب المروزي : (( ذكرت أبا مقاتل لعبد الرحمن ابن مهدي فقال : والله لا تحل الرواية عنه ، فقلت له : عسى أن يكون كذب له في كتابه وجهل ذلك . فقال : يكتب في كتابه الحديث ؟! فكيف بما ذكرت عنه أنه قال : ماتت أمي بمكة فأردت الخروج منها فتكاربت فلقيت عبيد الله بن عمر فأخبرته بذلك ، بذلك فقال : حدثني نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( من زار قبر أمه كان كعمرة )) .
قال : فقطعت الكري وأقمت ، فكيف يكتب هذا في كتابه . وكذلك وكيع بن الجراح كان يكذبه ، وليس لهذا الحديث أصل يرجع إليه انتهى ما ذكره ابن حبان .
وذكره ابن عدي في كتابه وذكر بإسناده عن قتيبة [ ابن سعيد ] أنه سئل عن حديث كور الزنانير فقال : (( نا أبو مقاتل السمرقندي عن سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان سئل عليٌّ عن كور الزنانير فقال : هم من هذا البحر )) لا بأس به . قال فقلت : يا أبا مقاتل هو موضوع . قال بابا هو في كتابي تقول هو موضوع ؟ قال فقلت : نعم وضعوه في كتابك )) .
وذكر بإسناده عن الجوزجاني قال : (( أبو مقاتل السمرقندي كان فيما حدثت ينشئ للكلام الحسن إسناداً )) ثم خرج له ابن عدي أحاديث منكرة ثم قال : (( أبو مقاتل هذا له أحاديث كثير ويقع في أحاديثه مثل ما ذكرته وأعظم منه ، وليس هو ممن يعتمد على رواياته .
وذكره الإدريسي في تاريخ سمرقند وغير واحد من العلماء .
ووقع لابن أبي حاتم في ذكره غير وهم فإنه قال : (( حفص ابن سليمان أبو مقاتل ، روى عن عون بن أبي شداد ، روى عنه موسى بن إسماعيل الختلي )) . كذا قال . وقوله : (( ابن سليمان )) وهم ، وإنما هو (( ابن سليم )) . ثم قال : (( حفص بن مسلم أبو مقاتل السمرقندي ، روى عن الثوري وجويبر وعمر بن عبيد ، وروى عنه أبو تميلة وإبراهيم بن شماس ، سمعت أبي يقول بعض ذلك )) .
فقوله : (( ابن مسلم )) وهم أيضاً ، ووهم أيضاً حيث جعل الراوي عن عون بن أبي شداد غير هذا ، وهما رجل واحد .

* الاختلاف في قوم من جلة أهل الحديث *

قال [ أبو عيسى ] رحمه الله :
( وقد تكلم بعض أهل الحديث في قوم من جلة أهل العلم ، وضعفوهم من قبل حفظهم ، ووثقهم آخرون لجلالتهم وصدقهم ، وإن كانوا قد وهموا في بعض ما رووا .
وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في محمد بن عمرو ثم روى عنه :
حدثنا أبو بكر عبد القدوس محمد العطار البصري ثنا علي بن المديني قال : سألت يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو بن علقمة فقال : (( تريد العفو أو تشدد ؟ )) . فقلت : لا بل أشدد ، فقال : (( ليس هو ممن تريد ، كان يقول : أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب )) .
قال يحيى : وسألت مالك بن أنس عن محمد بن عمرو ؟ فقال فيه نحو ما قلت ، قال علي : قال يحيى : ومحمد بن عمرو أعلى من سهيل بن أبي صالح وهو عندي فوق عبد الرحمن بن حرملة .
قال علي : (( فقلت ليحيى : ما رأيت من عبد الرحمن بن حرملة ؟ )) قال : (( لو شئت أن ألقنه لفعلت ، قلت : كان يلقن . قال : نعم )) .
قال علي : (( ولم يرو يحيى عن شريك ولا عن أبي بكر بن عياش ولا عن الربيع بن صبيح ولا عن المبارك بن فضلة )) .
قال أبو عيسى :
وإن كان يحيى بن سعيد القطان قد ترك الرواية عن هؤلاء ، فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب ، ولكنهم تركهم لحال حفظهم .
وذكر عن يحيى بن سعيد أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا – لا يثبت على رواية واحدة – تركه .
وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان عبد الله بن المبارك ، ووكيع بن الجراح ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وغيرهم من الأئمة ) .

* أقسام الرواة وأحكامها *
إعلم أن الرواة أقسام :
فمنهم : من يتهم بالكذب .
ومنهم : من غلب حديثه المناكير ، لغفلته وسوء حفظه . وقد سبق ذكر هذين القسمين ، وحكم الرواية عنهما .
وقسم ثالث : أهل صدق وحفظ ، ويندر الخطأ والوهم في حديثهم أو يقل ، وهؤلاء هم الثقات المتفق على الاحتجاج بهم .
وقسم رابع : وهم أيضاً أهل صدق وحفظ :
ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيراً ، لكن ليس هو الغالب عليهم وهذا هو القسم الذي ذكره الترمذي ههنا ، وذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه ترك حديث هذه الطبقة .
وعن ابن المبارك وابن مهدي ووكيع وغيرهم أنهم حدثوا عنهم ، وهو أيضاً رأي سفيان وأكثر أهل الحديث المصنفين منهم في السنن والصحاح ، كمسلم بن الحجاج وغيره ، فإنه ذكر في مقدمة كتابه : أنه لا يخرج حديث من هو متهم عند أهل الحديث أو عند أكثرهم ، ولا من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط ، وذكر قبل ذلك أنه يخرج حديث أهل الحفظ والاتقان وأنهم على ضربين :
أحدهما : من لم يوجد في حديثه اختلاف شديد ولا تخليط فاحش .
والثاني : من هو دونهم في الحفظ والاتقان ، ويشملهم اسم الصدق والستر وتعاطي العلم ، كعطاء بن السائب ، ويزيد بن أبي زياد ، وليث بن أبي سليم .
فقيل : إنه أدركته المنية قبل تخريج حديث هؤلاء ، وقيل : إنه خرج لهم في المتابعات ، وذلك كان مراده .
وعلى هذا المنوال نسج أبو داود والنسائي والترمذي ، مع أنه خرّج لبعض من هو دون هؤلاء ، وبين ذلك ولم يسكت عنه .
وإلى طريقة يحيى بن سعيد يميل عليّ بن المديني وصاحبه البخاري ، وكان علي بن المديني – فيما نقله عنه يعقوب بن شيبة – لا يترك حديث رجل حتى يجتمع على تركه ابن مهدي ويحيى القطان ، فإن حدث عنه أحدهما وتركه الآخر حدث عنه .
* الغلط الذي يرد به الراوي أو يترك *
قال أحمد بن سنان : (( كان ابن مهدي لا يترك حديث رجل إلا رجلاً متهماً بالكذب أو رجلاً الغالب عليه الغلط )) .
وقال أبو موسى محمد بن المثنى سمعت ابن مهدي يقول : (( الناس ثلاثة : رجل حافظ متقن ، فهذا لا يختلف فيه ، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك حديثه ، وآخر يهم – والغالب على حديثه الوهم – فهذا يترك حديثه )) .
وقال أبو بكر بن خلاد سمعت ابن مهدي يقول : (( ثلاثة لا يؤخذ عنهم : المتهم بالكذب ، وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته ، والرجل الغالي عليه الوهم والغلط )) .
وقال إسحاق بن عيسى : سمعت ابن المبارك يقول : (( يكتب الحديث إلا عن أربعة : غلاّط لا يرجع ، وكذاب ، وصاحب هوى يدعو إلى بدعته ، ورجل لا يحفظ فيحدث من حفظه )) .
وقال الوليد بن شجاع سمعت الأشجعي يذكر عن سفيان الثوري قال : (( ليس يكاد يفلت من الغلط أحد : إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط ، وإذا كان الغالب عليه الغلط ترك )) .
وقال الحسين بن منصور أبو علي السلمي النيسابوري : سئل أحمد عمن يكتبه حديثه ؟ فقال : (( عن الناس كلهم إلا عن ثلاثة : صاحب هوى يدعو إليه ، أو كذاب ، أو رجل يغلط في الحديث فيرد عليه فلا يقبل )) .
وقال الربيع بن سليمان قال الشافعي : (( من كثر غلطه من المحدثين – ولم يكن له أصل كتاب صحيح – لم يقبل حديثه ، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم تقبل شهادته )) . وكذا ذكر الحميدي ، وهذا قد يكون موافقاً لقول يحيى بن سعيد ومن تابعه .
وروى نعيم بن حماد ابن مهدي قال : سئل شعبة حديث من يترك ؟ قال : (( من يكذب في الحديث ، ومن يكثر الغلط ، ومن يخطئ في حديث مجتمع عليه فيقيم على غلطه ولا يرجع ، ومن روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون )) .
وذكر أبو حاتم الرازي نا سليمان بن أحمد الدمشقي قال : قلت لعبد الرحمن بن مهدي : (( أكتب عمن يغلط في عشرة ؟ قال : نعم ، قيل له : يغلط في عشرين ؟ قال : نعم ، قيل له : فثلاثين ؟ قال : نعم ، قيل له : فخمسين ؟ قال : نعم )) .
وقال حمزة السهمي : سألت الدار قطني عمن يكون كثير الخطأ قال : (( إن نبهوه عليه ورجع عنه فلا يسقط ، وإن لم يرجع سقط )) . خرج ذلك كله أبو بكر الخطيب في كتاب الكفاية .
وقال ابن أبي حاتم : حدثني أبي عن أحمد الدورقي نا ابن مهدي قال : قيل لشعبة : متى يترك حديث الرجل ؟ قال : (( إذا حدث عن المعروفين ما لا يعرف المعروفون ، وإذا أكثر الغلط ، وإذا اتهم بالكذب ، وإذا روى حديثاً غلطاً مجتمعاً عليه فلم يتهم نفسه فيتركه طرح حديثه . وما كان غير ذلك فارووا عنه )) .
قال : ونا أبي سليمان بن أحمد الدمشقي قال قلت لابن مهدي : (( أكتب عمن يغلط في مائة ؟ قال : لا ، مائة كثير )) .
وهذه الرواية عن ابن مهدي توافق قول شعبة ويحيى والشافعي : إن كثرة الغلط ترد به الرواية . وتخالف رواية ابن المثنى وأحمد بن سنان عنه : إن الاعتبار في ذلك بالأغلب ، وكلام الإمام أحمد يدل على مثل قول ابن المبارك ومن وافقه فإنه حدث عن أبي سعيد مولى بني هاشم ، وقد قال فيه : (( كان كثير الخطأ ))،ولم يترك حديثه،وحدث عن زيد بن الخباب ، وقال فيه : ((كان كثير الخطأ)) .
وقال أبو عثمان البرذعي : نا محمد بن يحيى النيسابوري قال : (( قلت لأحمد بن حنبل في علي بن عاصم ، وذكرت له خطأه ؟ فقال لي أحمد : (( كان حماد بن سلمة يخطئ – وأوما أحمد بيده – خطأ كثيراً ولم ير بالرواية عنه بأساً )) .
وقال إسحاق بن منصور : قلت لأحمد : متى يترك حديث الرجل ؟ قال : (( إذا كان الغالب عليه الخطأ )) .
وكلام الترمذي هاهنا يحتمل مثل قول شعبة ويحيى ومن وافقهما ، حيث ذكر : (( أن من كان مغفلاً يخطئ الكثير فإنه لا يشتغل بالرواية عنه ، عند أكثر أهل الحديث )) .
وذكر أيضاً قبل ذلك أن من ضعف لغفلته وكثرة خطئه لا يحتج بحديثه ، فلم يعتبر إلا كثرة الخطأ . ويحتمل أن يكون مراده سقوط حديث من جمع بين الوصفين معاً : الغفلة وكثرة الخطأ دون من كان فيه أحدهما ، أما الغفلة المجردة مع قلة الخطأ ، أو كثرة الخطأ لسوء دون الغفلة ، ويكون ذلك قولاً ثالثاً في المسألة ، والله أعلم .

* * *
* تراجم طائفة من جلة أهل الحديث *
تكلم فيه من جهة حفظهم

وأما محمد بن عمرو :
الذي تكلم فيه يحيى ، فهو : محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي . وقد تكلم فيه يحيى ومالك ، وقال أحمد : (( كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها ويسندها لأقوام آخرين .
قال : وهو مضطرب الحديث ، والعلاء أحب إلىّ منه )) .
وقال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول : (( ما زال الناس يتقون حديث محمد بن عمرو ، قيل له : ما علة ذلك ؟ قال : كان مرة يحدث عن أبي سلمة بالشئ رأيه ، ثم يحدث به مرة أخرى عن سلمة عن أبي هريرة )) . ووثقه ابن معين في رواية أخرى ، ونقل إسحاق بن حكيم عن يحيى القطان أنه قال فيه : (( رجل صالح ، ليس بأحفظ الناس للحديث )) .
وقد ذكر الترمذي : أن يحيى بن سعيد روى عنه ، وكذلك روى عنه مالك في الموطأ ، وخرج حديثه مسلم متابعة ، وخرجه البخاري مقروناً .
وقد قال يحيى بن سعيد : (( هو فوق سهيل بن أبي صالح )) . وخالفه الإمام أحمد ، وقال : (( ليس كما قال يحيى . قال أحمد : ولم يرو شعبة عن محمد بن عمرو إلا حديثاً واحداً )) .

وأما عبد الرحمن بن حرملة :
الذي ذكر يحيى القطان أن محمد بن عمرو فوقه فهو مديني ، كان القطان يضعفه ولا يرضاه .
وقال ابن المديني : (( راددت يحيى في ابن حرملة فقال : ليس هو عندي مثل يحيى بن سعيد الأنصاري ، قال : سمعت سعيد بن المسيب . قال يحيى : لو شئت أن ألقنه أشياء [ قال ] قلت : كان يلقن ؟ قال : نعم )) .
وقال أحمد ابن حرملة : (( هو كذا وكذا يضعفه )) . وقال ابن معين : لا بأس به ، قيل له : يقولون : سمع من ابن المسيب وهو صغير ، قال : لا . وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين عن يحيى عن ابن حرملة قال : (( كنت سئ الحفظ ، فسألت سعيد بن المسيب فرخص لي في الكتاب .
وأما شريك فهو ابن عبد الله النخعي :
قاضي الكوفة ، وكان كثير الوهم ، ولا سيما بعد أن ولي القضاء وكان فيه أيضاً في تلك الحال تيه وكبر ، واحتقار للأئمة والصالحين . وقد خرج حديثه مسلم مقروناً بغيره .
ومن الأوهام المتعلقة بترجمته أن مسلماً ذكر في الكتاب الكنى أن أحمد سمع منه ، وهو وهم ، لم يسمع منه أحمد ، وإنما سمع من أصحابه .
وأما أبو بكر بن عياش :
فهو المقرئ الكوفي ، وهو رجل صالح ، لكنه كثير الوهم ، ومع هذا فقد خرج البخاري حديثه ، وأنكر عليه ابن حبان تخريج حديثه وتركه لحماد بن سلمة .
وأما الربيع بن صبيح
ومبارك بن فضالة :
فلم يخرّج لهما في الصحيح . وقد وثق المبارك عفان ، وأبو زرعة ، وغيرهما .
وقال شعبة : (( هو أحب إلىّ من الربيع ، وسوى ابن معين بينهما في الضعف .
وقال أحمد : (( ما أقربهما )) ، وقال مرة : (( مبارك أحب إلىّ إذا قال : سمعت الحسن )) ، يشير إلى أنه يدلس ، .
وقال نعيم : (( كان ابن مهدي لا يكتب للمبارك شيئاً إلا شيئاً يقول فيه : سمعت الحسن )) .
وقال الفلاس : (( كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن مبارك )) .
وقال ابن معين : (( لم يرو عنه يحيى )) .
وقال أحمد : (( تركه عبد الرحمن لأنه كان يروي أقاويل الحسن يأخذها من الناس ، قال : وكان عبد الرحمن يروي عن الربيع بن صبيح ، وكان الربيع رجلاً صالحاً .
قال الفلاس : (( كان عبد الرحمن يحدث عن الربيع ، وكان يحيى لا يحدث عنه )) .
* * *
قال أبو عيسى رحمه الله :
( وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي صالح ، ومحمد بن إسحاق ، وحماد بن سلمة ، ومحمد بن عجلان .
وأشباه هؤلاء من الأئمة إنما تكلموا فيهم من قبل حفظهم في بعض ما رووا ، وقد حدث عنهم الأئمة
حدثنا الحسن بن علي الحلو ثنا علي بن المديني قال : قال لنا سفيان بن عيينة ، كنا نعد سهيل بن أبي صالح ثبتاً في الحديث .
وحدثنا ابن أبي عمر قال قال سفيان بن عيينة : (( كان محمد بن عجلان ثقة مأموناً في الحديث )) .
قال أبو عيسى : وإنما تكلم يحيى بن سعيد القطان عندنا في رواية محمد بن عجلان عن سعيد المقبري:
حدثنا أبوبكر عن علي بن عبد الله قال قال يحيى بن سعيد قال محمد بن عجلان : (( أحاديث سعيد المقبري بعضها عن سعيد عن أبي هريرة ، وبعضها عن سعيد عن رجل عن أبي هريرة ، فاختلطت عليّ قصيرتها عن سعيد عن أبي هريرة .
وإنما تكلم يحيى بن سعيد عندنا في ابن عجلان لهذا . وقد روى يحيى عن ابن عجلان الكثير ) .
وأما سهيل بن أبي صالح السمان :
فقد تكلم فيه جماعة من الأئمة ، قال أبي خيثمة : سمعت يحيى بن معين يقول : (( لم يزل أصحاب الحديث يتقون حديث سهيل )) ، قال : وسئل ابن معين مرة أخرى عن سهيل ؟ فقال : (( ليس بذاك )) ، وسئل مرة أخرى ؟ فقال : (( سهيل ضعيف )) .
وحكى عباس الدوري قال : سئل يحيى بن معين عن حديث سهيل والعلاء بن عبد الرحمن ؟ فقال : حديثهما قريب من السواء ، وليس حديثهما بالحجة )) ، قال : وسمعت يحيى يقول : (( سهيل صويلح وفيه لين . قال : ومحمد بن عمرو أكبر من هؤلاء )) . يعني من سهيل والعلاء ، وعاصم بن عبيد الله ، وابن عقيل .
وقد سبق قول يحيى بن سعيد : إن محمد بن عمرو أعلى من سهيل ، وأنكر ذلك عليه أحمد وقال : (( لم يكن ليحيى بسهيل علم ، وكان قد جالس محمد بن عمرو ، قال : وسهيل صالح . وقال أيضاً : (( لم يصنع يحيى شيئاً ، الناس عندهم سهيل ليس مثل محمد بن عمرو )) . فقيل له : (( سهيل عندهم أثبت ؟ )) قال : (( نعم )) .
وقال أحمد أيضاً : (( سهيل ما أصلح حديثه . قال : والعلاء بن عبد الرحمن عندي فوق سهيل ، وفوق محمد بن عمرو )) .
وقال عبد الله : سألت أبي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ، وعن سهيل عن أبيه ؟ فقال : (( ما سمعت أحداً يذكر العلاء إلا بخير )) ، وقدم أبا صالح على العلاء ، كذا في المسند ، وإنما كان السؤال عن سهيل لا عن أبيه !
وقد ذكر الترمذي هنا عن ابن عيينة أنه قال : (( كنا نعد سهيلاً ثبتاً في الحديث )) .
وقال ابن معين في رواية عباس في موضع آخر عنه : (( سهيل ثقة )) . ووثقه العجلي وقال النسائي : (( ليس به بأس )) .
وقال ابن عدي : (( هو عندي ثبت لا بأس به ، مقبول الأخبار )) .
قال أبو زرعة : (( سهيل أشبه وأشهر من العلاء بن عبد الرحمن )) .
وقال أبو حاتم : ( هو أحب إلىّ من أبي العلاء ، وأحب إلى من عمرو بن أبي عمرو ، ويكتب حديثه ولا يحتج به )) .
وقد روى عنه الأئمة : مالك ، وشعبة ، والثوري .
وخرّج له مسلم في صحيحه والبخاري مقروناً بغيره .
وأما محمد بن عجلان المدني الفقيه الصالح :
فقد روى عنه شعبة ومالك والقطان وخلق ، وقد وثقه ابن عيينة وأحمد وابن معين ،وخرج مسلم حديثه مقروناً .
وتكلم جماعة في حفظه :
قال ابن أبي خيثمة : سمعت يحيى بن معين يقول : (( كان يحيى بن سعيد لا يرضى محمد بن عجلان . قال : وسمعت يحيى بن سعيد يقول : (( لو جرّبت من أروى عنه لم أرو إلا عن قليل ! )) .
قال : وفي كتاب علي بن المديني قال يحيى بن سعيد : (( قال ابن عجلان : كان سعيد المقبري يحدث عن أبيه عن أبي هريرة ، وعن رجل عن أبي هريرة ، فاختلط عليّ فجعلته عن أبي هريرة ، قال يحيى : سمعته منه أو حدثته عنه ، ولا أعلم إلا أني سمعته منه )) .
وقال أحمد : (( كان ثقة إلا أنه اختلط عليه حديث المقبري : كان عن رجل ، جعل يصيره عن أبي هريرة )) .
وقال ابن عيينة : (( حدثنا محمد بن عجلان وكان ثقة )) .
وروى أبو بكر بن خلاد عن يحيى بن سعيد قال : (( كان ابن عجلان مضطرب الحديث في حديث نافع )) ، ولم يكن له تلك القيمة عنده .
وروى محمد الرامهرمزي في كتابه من طريق يحيى بن سعيد : (( قدمت الكوفة وبها ابن عجلان ، وبها من يطلب الحديث : مليح بن وكيع ، وحفص بن غياث ، وعبد الله بن إدريس ، ويوسف بن خالد السمتي . قلنا : نأتي ابن عجلان ؟ فقال يوسف بن خالد : نقلب على هذا الشيخ حديثه نتظر فهمه ؟ قال : فقلبوا ، فجعلوا ما كان عن سعيد عن أبيه ، وما كان عن أبيه عن سعيد ، ثم جئنا إليه ، لكن ابن إدريس تورّع وجلس بالباب ، وقال : لا أستحل ، وجلست معه .
ودخل حفص ويوسف بن خالد ومليح ، فسألوه ، فمر فيها ، فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ ، فقال : أعد العرض ، فعرض عليه ، فقال : ما سألتموني عن أبي ؟ فقد حدثني به سعيد ، وما سألتموني عن سعيد ؟ فقد حدثني به أبي .
ثم أقبل على يوسف بن خالد فقال : إن كنت أردت شيني وعيبي فسلبك الله الإسلام ! وأقبل على حفص : فقال : ابتلاك في دينك ودنياك ! ، وأقبل عني مليح فقال : لا نفعك الله بعلمك !
قال يحيى : فمات مليح ولم ينتفع به ، وابتلى حفص في بدنه بالفالج ، وبالقضاء في دينه ! ولم يمت يوسف حتى اتهم بالزندقة !! )) .
وأما محمد بن إسحاق بن يسار :
صاحب المغازي ، فيطول ذكر ترجمته على وجهها ، وقد وثقه جماعة .
قال أحمد : (( هو حسن الحديث )) ، وقال مرة : (( يكتب من حديثه هذه الأحاديث )) ، كأنه يعني المغازي . وقال مرة : (( هو صالح الحديث واحتج به أنا أيضاً )) .
وقال ابن عيينة : (( ما سمعت أحداً يتكلم في محمد بن إسحاق إلا في قوله في القدر )) . وقال ابن المديني : (( حديثه عندي صحيح )) ، وقال ابن معين [ مرة ] : (( هو ثقة وليس بحجة )) .
وتكلم فيه آخرون ، وكان يحيى بن سعيد شديد الحمل عليه ، وكان لا يحدث عنه ، ذكره عنه الإمام أحمد وقال : (( ما رأيت يحيى أسوأ رأياً منه في محمد بن إسحاق وليث وهمام لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم )) .
وكان ابن مهدي يحدث عن رجل عنه . وكذبه مالك ، وهشام ابن عروة ، والأعمش .
ولا ريب أنه كان يتهم بأنواع من البدع : من التشيع والقدر وغيرهما ، وكان يدلس عن غير الثقات ، وربما دلس عن أهل الكتاب ما يأخذه عنهم من الأخبار . قال أحمد : (( هو كثير التدليس جداً )) . قيل له : فإذا قال : لنا أو أنا فهو ثقة ؟ قال : (( هو يقول : أخبرني فيخاف )) ، يشير إلى أنه يصرح بالتحديث والإخبار ويخالف الناس في حديثه مع ذلك .
وقال الجوزجاني : (( يمضغ حديث الزهري بمنطقة حتى يعرف من رسخ في علمه أنه خلاف راويه أصحابه عنه )) .
وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، وشعبة والحمادان ، والسفيانان ، وخلق . وخرج مسلم حديثه مقروناً بغيره .
وأما حماد بن سلمة :
فهو أرفع من هؤلاء كلهم ، وهو الإمام الرباني ، العالم بالله والعالم بأمر الله أبو سلمة : حماد بن سلمة البصري الفقيه الزاهد العابد .
وقد روى عنه الأئمة الكبار ، مثل : يحيى القطان ، وابن مهدي ، وابن المبارك ، ومالك ، والثوري ، وهما من أقرانه ، وشعبة ، وهو أسن منه .
وهو ثقة ثقة ، من أصلب الناس في السنة ، ولذلك قال ابن معي : (( من ذكره بسوء فاتهمه على الإسلام )) . وأثنى عليه الأئمة ثناء عظيماً .
وفصل القول في رواياته أنه من أثبت الناس في بعض شيوخه الذين لزمهم كثابت البناني وعلي بن زيد ، ويضطرب في بعضهم الذين لم يكثر ملازمتهم كقتادة وأيوب وغيرهما ، وسنذكر ذلك مستوفى فيما بعد إن شاء الله تعالى .
وقد خرّج له مسلم الكثير في صحيحه ، واستشهد به البخاري . وقيل : إنه خرج له حديثاً واحداً في الرقاق .
وأنكر ابن حبان ذلك عليه فقال : (( لم ينصف من جانب حديث حماد بن سلمة واحتج أبو بكر بن عياش في كتابه ، وبابن أخي الزهري وبعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، فإن كان تركه إياه لما كان يخطئ فغيره من أقرانه مثل الثوري وشعبة وذويهما كانوا يخطئون .
فإن زعم أن خطأه قد كثر من تغير حفظه ، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجوداً ، وأنى يبلغ أبو بكر حماد ابن سلمة ؟ في إتقانه ؟ أم في جمعه ؟ أو في ضبطه ؟ ، ولم يكن من أقران حماد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل والدين والنسك والعلم والكتبة والجمع والصلابة في السنة والقمع لأهل البدع ، ولم يكن يثلبه في أيامه إلا معتزلي قدري أو مبتدعي جهمي ، لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي تنكرها المعتزلة )) .
 

الداعية

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
11 نوفمبر 2005
19,977
75
48
الجنس
أنثى
رد: شرح علل الترمذي للإمام العالم الحافظ النّقّاد1

اسطر شكري لك اخي الكريم محب الشريم ولي عودة لاتمام قراءة الموضوع القيم جزاك الله الجنة اخي الفاضل
 

ابوعمرالشهري

مزمار داوُدي
4 أبريل 2007
6,384
9
0
الجنس
ذكر
رد: شرح علل الترمذي للإمام العالم الحافظ النّقّاد1

احسنت اخي محب الشريم



احسن الله اليك
 

*رضا*

إداري قدير سابق وعضو شرف
عضو شرف
4 يونيو 2006
41,911
118
63
الجنس
ذكر
رد: شرح علل الترمذي للإمام العالم الحافظ النّقّاد1

جزاك الله خير الجزاء والإحسان أخي الكريم على هذا الطرح الطيّب ونفع بك الإسلام والمسلمين
 

ابومالك الازدي

مزمار داوُدي
2 يونيو 2007
3,474
2
0
الجنس
ذكر
رد: شرح علل الترمذي للإمام العالم الحافظ النّقّاد1

بارك الله فيك اخي محب الشريم
 

العفو عند المقدرة

مزمار داوُدي
4 يوليو 2007
7,874
13
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
عبد الباسط عبد الصمد
رد: شرح علل الترمذي للإمام العالم الحافظ النّقّاد1

احسنت اخي الكريم بارك الله فيك
 

كمال المروش

مشرف سابق
2 يوليو 2006
8,191
128
63
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
سعود إبراهيم الشريم
علم البلد
رد: شرح علل الترمذي للإمام العالم الحافظ النّقّاد1

وفيكم بارك
 

كريمة النفس

عضو كالشعلة
29 مايو 2007
317
0
0
رد: شرح علل الترمذي للإمام العالم الحافظ النّقّاد1

(بسم الل) :x18: احسنت :x3: جزاك الله خير الجزاء والاحسان

لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
 

داوود1111

مزمار نشيط
5 يوليو 2007
35
0
0
الجنس
ذكر
رد: شرح علل الترمذي للإمام العالم الحافظ النّقّاد1

اثابك الرحمان على هذا النقل بارك الله فيك و نفع بك
 

آل البيت

مزمار داوُدي
19 يونيو 2007
4,562
13
38
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
سعد سعيد الغامدي
علم البلد
رد: شرح علل الترمذي للإمام العالم الحافظ النّقّاد1

جزاك الله خير الجزاء ولى عودة إن شاء الله تعالى .
 

محمد الطنجي

مشرف سابق
28 يوليو 2006
8,170
6
0
الجنس
ذكر
رد: شرح علل الترمذي للإمام العالم الحافظ النّقّاد1

بسم الله الرحمان الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته



[align=center]بارك الله فيك اخي الكريم و جعل الله هذا العمل في ميزان حسناتك[/align]
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع