إعلانات المنتدى


النعمة بين الشكران والكفران ..... سورة النحل

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

عمر محمود أبو أنس

عضو كالشعلة
3 ديسمبر 2020
376
165
43
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
عبد الباسط عبد الصمد
علم البلد
النعمة بين الشكران والكفران في سورة النحل

سورة النحل ... وتعرف أيضا بسورة النعم ، وذلك لما ذكر الله فيها من أصناف النعم التي أنعم بها على عباده ، ففي بدايات السورة تقرأ قوله تعالى :" وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ "

فنعم الله أكثر من أن تحصى ، ورغم ذلك يقابلها الانسان بالجحود والنكران ، وقد كانت الاشارة إلى ذلك في أكثر من موضع في السورة كقوله تعالى :" أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ" وقوله أيضا :" أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" ، وكذلك قوله تعالى :" يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ"

بل وتعلن السورة منذ مطلعها هذه الخصومة بين العبد الجاحد وربّه في قوله تعالى :" خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ "
وتعيب السورة على من كفر بالله وجحد نعمه من البشر ، والكون كله خاضع ساجد لعظمته - سبحانه وتعالى - :" أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ "

والمتأمل في النعم الواردة في سورة النحل يجدها شاملة و متنوعة ، فمن الخلْق العظيم للسماوات والأرض وما فيها من النجوم وتعاقب الليل والنهاروتسخير كل ذلك للمخلوق الضعيف الذي هو الانسان ، إلى احياء الأرض بالمطر لتزهو بالزروع وأنواع الثمر، ثم ذكرالأنعام التي تحمل الأثقال فتكون للركوب تارة وللزينة تارة أخرى ، ومن ركوبة البر إلى ركوبة البحر حيث تسخير الفلك لتجري على ظهره وتسخير الخيرات التي تستخرج من باطنه كالسمك وزينة اللؤلؤ، ثم انتقل السياق الى النعم التي يباشرها الانسان في كل يوم كنعمة المأوى والمسكن ، ثم الملبس والمشرب وأخيرا نعمة الجوارح وإنجاب الذريّة ثم يأتي التذييل بقوله تعالى " وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "

ومن اللافت في هذه السورة أنه جاء ذكر نوعين من الشراب ، الأول شراب اللبن وقد سمّاه النبي – صلى الله عليه وسلم – شراب الفطرة ، ليتناسب ذلك مع فطرة التوحيد الذي هي حق الله على عباده بعد أن تفضّل عليهم بكل هذه النعم ، وأما الشراب الثاني فشراب العسل الذي هو شفاء للناس والذي يستخرجه النحل باذن ربه وهذا متناسب مع اسم السورة أيضا.

وبعد سياق هذه النعم ، أوضحت السورة أن الناس فريقان تجاه هذه النعم ، فريق آمن بالله وشكر ، وفريق آخر جحد وكفر :" فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ"

ومن المتقابلات اللطيفة في سورة النحل ، وصف الله للمؤمنين الشاكرين أنهم يؤمنون بما أنزل الله ، ويحسنون في هذه الدنيا فيكون جزاؤهم الاحسان يوم القيامة :" وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ" في حين أن الكافرين الجاحدين يكفرون بما أنزل الله ويختلقون الأعذار الواهية لكفرهم وجحودهم :" وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ"

والمؤمنون طيّبوا النفس ، في الحياة وعند الوفاة :" الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" في حين الكافرون خبيثوا النفس ، ظلموا أنفسهم وأوردوها المهالك :" الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ" .

وفي ختام السورة ، تجد صورتين متقابلتين ، احداها مثالٌ للعابد الشاكر وهو ابراهيم عليه السلام :" إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ" ولأنه مثال الموحدين الشاكرين يأمر الله تعالى نبيّه الكريم والمؤمنين باتباع ملّته وهديه :" ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ".

وصورة أخرى للكافر الجاحد وهم بنوا اسرائيل الذين ابتدعوا الحيل ليصيدوا يوم السبت وقد نهوا عنه :" إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ"

وبين هاتين الصورتين ، وبين الجحود والشكر لأنعم الله ، يسير المؤمن في هذه الحياة داعيا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، لا يعوّقه عن ذلك من ضلّ ومن لم يستجب ، فالله أعلم بالمهتدين ، ويلتزم العدل منهجاً حتى مع الخصوم ، ويتخذ من الصبر زاداً له ، فلا يحزن أو يضيق صدره بمن كفَرومكَر ، لأنه يعلم تمام العلم أن الله يؤيده بمعيّـته إنْ هو اتّـقى وأحسن العمل . وتلك هي الرسالة التي ختمت بها السورة في قوله تعالى :

" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ"

جعلني الله وإياكم من عباده الشاكرين .... اللهم آمين

كتبه عمر محمود أبوأنس​



 
  • أعجبني
التفاعلات: أحمد النبوي

رشيد التلمساني

مشرف ركن مزامير المغرب الإسلامي
المشرفون
5 أبريل 2020
10,931
2,346
113
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
محمد صدّيق المنشاوي
علم البلد
بارك الله فيك وأثابك
 

سعــــــود

مشرف ركن مزامير جزيرة العرب والحرمين الشريفين
المشرفون
2 يونيو 2008
7,172
1,668
113
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
محمد صدّيق المنشاوي
علم البلد
جزاك الله خيرًا وبارك فيك
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع