- 3 ديسمبر 2020
- 376
- 165
- 43
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- عبد الباسط عبد الصمد
- علم البلد
-
تعلن سورة الأنبياء في بداياتها دعوة التوحيد وأنها هي دعوة كل نبيّ ورسالة كل رسول ، قال تعالى :" وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ "
ثم تعرض السورة دلائل ألوهيته ووحدانيته ، وتفرّده تبارك وتعالى بالملك المطلق لهذا الكون ، فله ملك السماوات والأرض ، وكل ما فيها خاضع لأمره ، مستسلم لحكمه " وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ"
ثم تفصّل الأيات في خلق السماوات والأرض ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، كآيات شاهدات على قدرة الله في خلقه ، وإبداعه في عظيم صُنعه " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ "
وتنكر السورة على أولئك المشركين آلهتهم المزعومة ، وأنها لا تستحق المقام – مقام الألوهية والتوحيد – الذي لا يليق إلا بالله ، والذي لو كان زعمهم صحيحا لفسد نظام السماوات والأرض واختلت موازين الكون :" أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ"
وبالحجة والمنطق تعود الأيات لتطلب منهم دليلا على صدق دعواهم في عبادتهم لآلههتم من دون الله :" أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ "
بل إن هذه الألهة المزعومة لا تملك أن تنصر نفسها فضلاً عن أن تنفع أو تضرّ غيرها :" أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ"
وكيف تعبدونها من دون الله وهو الذي ينفعكم ويضركم ، ويحفظكم بالليل والنهار وفي حادثات الأيام :" قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ " وإذا قضى أو حكم فلا معقّب لحكمه وأمره – سبحانه وتعالى :" لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ "
ومن تمام وحدانيته أيضا – تبارك وتعالى – أنه واحدٌ ابتداءً فهو الأول ليس قبله شيء وأنه واحدٌ انتهاءً فهو الأخر ليس بعده شيء ، وكل هذا الكون إلى زوال ، وكل مخلوق دونه إلى فناء :" كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ "
ثم تعرض السورة مشاهد من قافلة الأنبياء الموحدين ، الذين رفعوا راية التوحيد على مرّ التاريخ وعلى امتداد الزمان والمكان :" إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ "
فتضرب مثلاً بإمام الموحّدين ابراهيم – عليه السلام – وهو يحاجج قومه في عبادة الأصنام والأوثان التي عبدها أبوه وقومه من دون الله :" وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ *إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ "
ولأنه سبحانه المتصرف في هذا الكون ، فهو يسخر ما فيه لنصرة عباده الموحّدين وأنبيائه المرسلين ، فهو إن شاء أجرى الأسباب على نواميسها وإن شاء غيّرها ، كما شاء حين جعل النار بردا وسلاما على ابراهيم بعد أن ألقاه قومه فيها " قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ "
وكما سخر الريح لسليمان عليه السلام :" وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ"
وكما وهب لزكريا عليه السلام الولد رغم كبرسنّه وعقم زوجه :" وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ"
وكما أمر الحوت أن يبتلع يونس عليه السلام دون أن يهلكه ، ولما دعا ربّه أنجاه :" وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ"
وحين دعا يونس عليه السلام ربّه كانت دعوته مستهلة بما حوت من إخلاص التوحيد :" لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ " ثم اعتراف بالخطأ في تذلل وخضوع :" إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" فكانت الإجابة سريعة " فاستجبنا له " وكانت الاجابة له ولكل من دعا بهذه الدعوة من المؤمنين إلى يوم الدين " وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ"
وكما جاء في الحديث الصحيح عن سعد بن أبي وقَّاص قال: قال رسولُ الله : دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظَّالمين، فإنَّه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطّ إلا استجاب اللهُ له) .
كل ذلك ليعلم المؤمن أنه إن إخلص التوحيد لله ، كان الله معه يرعاه ، ويسخّر الأسباب لحفظه ونصرته ، وليطمئن قلبه ويثق بحتمية انتصار التوحيد على الشرك ، وغلبة الحق على الباطل :" بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ "
كما تعرض السورة صورتين متقابلتين ، الأولى تصوّرجزاء المشركين المعرضين عن التوحيد ، ومشاهد العذاب التي تنتظرهم ، والثانية تصوّرجزاء المؤمنين الموحدين بأن لهم النجاة والفوز بالجنات.
ولقد تميّزت سورة الأنبياء بعرض مشاهد القيامة بصورة حسية حتى لكأنّك تراها رأي العين ، فهاهي السماء تُطوى ، ويتبدّل خلقها إلى خلق آخر ليُبعث الناس في ساحة الحشر :" يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ"
وترى الذين كفروا تشخص أبصارهم ، خاضعة ذليلة ، لما يغشاها من الخوف والفزع :" وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ "
وترى الموازين تُنصب ، والأعمال تُحسب ، ولا ظلم يكون ولو بمثقال ذرّة :" وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ"
ويغشى العذاب الكافرين ، وتراهم وكأنّ النار قد أحاطت بهم من كل جانب ، وهم يدفعونها عن أنفسهم ولا يستطيعون :" لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ" ثم يُعذّبون فيها بل يصيرون حطباً ووقوداً لها ، هم وآلهتهم التي عبدوها من دون الله " إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ "
ثم تأتي الصورة المقابلة عن جزاء المؤمنين الموحّدين ، فتكون لهم النجاة ، فهم عن النار مبعدون ، ومن الفزع يومئذ آمنون :" إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ"
ثم يأتي ختام السورة ليؤكد أن العاقبة للمتقين الموحدّين مهما طال الطريق وعظم البلاء :" وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"
وأن دعوة محمد – صلى الله عليه وسلم – التي خُتمت بها الدعوات والرسالات كانت أيضا دعوة التوحيد كمن سبقه من الأنبياء والرسل :" قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ "
ولتستمر رحى الصراع بين التوحيد وجنده والشرك وأهله ، حتى يقضي الله ما شاء من نجاة الموحدّين وهلاك المشركين :" فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ "
ثم تعرض السورة دلائل ألوهيته ووحدانيته ، وتفرّده تبارك وتعالى بالملك المطلق لهذا الكون ، فله ملك السماوات والأرض ، وكل ما فيها خاضع لأمره ، مستسلم لحكمه " وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ"
ثم تفصّل الأيات في خلق السماوات والأرض ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، كآيات شاهدات على قدرة الله في خلقه ، وإبداعه في عظيم صُنعه " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ "
وتنكر السورة على أولئك المشركين آلهتهم المزعومة ، وأنها لا تستحق المقام – مقام الألوهية والتوحيد – الذي لا يليق إلا بالله ، والذي لو كان زعمهم صحيحا لفسد نظام السماوات والأرض واختلت موازين الكون :" أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ"
وبالحجة والمنطق تعود الأيات لتطلب منهم دليلا على صدق دعواهم في عبادتهم لآلههتم من دون الله :" أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ "
بل إن هذه الألهة المزعومة لا تملك أن تنصر نفسها فضلاً عن أن تنفع أو تضرّ غيرها :" أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ"
وكيف تعبدونها من دون الله وهو الذي ينفعكم ويضركم ، ويحفظكم بالليل والنهار وفي حادثات الأيام :" قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ " وإذا قضى أو حكم فلا معقّب لحكمه وأمره – سبحانه وتعالى :" لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ "
ومن تمام وحدانيته أيضا – تبارك وتعالى – أنه واحدٌ ابتداءً فهو الأول ليس قبله شيء وأنه واحدٌ انتهاءً فهو الأخر ليس بعده شيء ، وكل هذا الكون إلى زوال ، وكل مخلوق دونه إلى فناء :" كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ "
ثم تعرض السورة مشاهد من قافلة الأنبياء الموحدين ، الذين رفعوا راية التوحيد على مرّ التاريخ وعلى امتداد الزمان والمكان :" إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ "
فتضرب مثلاً بإمام الموحّدين ابراهيم – عليه السلام – وهو يحاجج قومه في عبادة الأصنام والأوثان التي عبدها أبوه وقومه من دون الله :" وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ *إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ "
ولأنه سبحانه المتصرف في هذا الكون ، فهو يسخر ما فيه لنصرة عباده الموحّدين وأنبيائه المرسلين ، فهو إن شاء أجرى الأسباب على نواميسها وإن شاء غيّرها ، كما شاء حين جعل النار بردا وسلاما على ابراهيم بعد أن ألقاه قومه فيها " قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ "
وكما سخر الريح لسليمان عليه السلام :" وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ"
وكما وهب لزكريا عليه السلام الولد رغم كبرسنّه وعقم زوجه :" وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ"
وكما أمر الحوت أن يبتلع يونس عليه السلام دون أن يهلكه ، ولما دعا ربّه أنجاه :" وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ"
وحين دعا يونس عليه السلام ربّه كانت دعوته مستهلة بما حوت من إخلاص التوحيد :" لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ " ثم اعتراف بالخطأ في تذلل وخضوع :" إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" فكانت الإجابة سريعة " فاستجبنا له " وكانت الاجابة له ولكل من دعا بهذه الدعوة من المؤمنين إلى يوم الدين " وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ"
وكما جاء في الحديث الصحيح عن سعد بن أبي وقَّاص قال: قال رسولُ الله : دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظَّالمين، فإنَّه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطّ إلا استجاب اللهُ له) .
كل ذلك ليعلم المؤمن أنه إن إخلص التوحيد لله ، كان الله معه يرعاه ، ويسخّر الأسباب لحفظه ونصرته ، وليطمئن قلبه ويثق بحتمية انتصار التوحيد على الشرك ، وغلبة الحق على الباطل :" بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ "
كما تعرض السورة صورتين متقابلتين ، الأولى تصوّرجزاء المشركين المعرضين عن التوحيد ، ومشاهد العذاب التي تنتظرهم ، والثانية تصوّرجزاء المؤمنين الموحدين بأن لهم النجاة والفوز بالجنات.
ولقد تميّزت سورة الأنبياء بعرض مشاهد القيامة بصورة حسية حتى لكأنّك تراها رأي العين ، فهاهي السماء تُطوى ، ويتبدّل خلقها إلى خلق آخر ليُبعث الناس في ساحة الحشر :" يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ"
وترى الذين كفروا تشخص أبصارهم ، خاضعة ذليلة ، لما يغشاها من الخوف والفزع :" وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ "
وترى الموازين تُنصب ، والأعمال تُحسب ، ولا ظلم يكون ولو بمثقال ذرّة :" وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ"
ويغشى العذاب الكافرين ، وتراهم وكأنّ النار قد أحاطت بهم من كل جانب ، وهم يدفعونها عن أنفسهم ولا يستطيعون :" لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ" ثم يُعذّبون فيها بل يصيرون حطباً ووقوداً لها ، هم وآلهتهم التي عبدوها من دون الله " إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ "
ثم تأتي الصورة المقابلة عن جزاء المؤمنين الموحّدين ، فتكون لهم النجاة ، فهم عن النار مبعدون ، ومن الفزع يومئذ آمنون :" إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ"
ثم يأتي ختام السورة ليؤكد أن العاقبة للمتقين الموحدّين مهما طال الطريق وعظم البلاء :" وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"
وأن دعوة محمد – صلى الله عليه وسلم – التي خُتمت بها الدعوات والرسالات كانت أيضا دعوة التوحيد كمن سبقه من الأنبياء والرسل :" قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ "
ولتستمر رحى الصراع بين التوحيد وجنده والشرك وأهله ، حتى يقضي الله ما شاء من نجاة الموحدّين وهلاك المشركين :" فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ "
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
كتبه عمر محمود أبوأنس
كتبه عمر محمود أبوأنس

