- 3 ديسمبر 2020
- 376
- 165
- 43
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- عبد الباسط عبد الصمد
- علم البلد
-
بسم الله الرحمن الرحيم
تتنقّل بك سورة النمل عبر سياقها من مملكة إلى مملكة ، وفي كل مملكة قصة وعبرة ، وتستهل السورة الحديث بمملكة فرعون ، فتصفها بالفسق والفجور ، والظلم والطغيان رغم كل الآيات البينات التي جاءهم بها موسى – عليه السلام - ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ) وما ذلك إلا لفساد قلوبهم وعقولهم التي عرفت الحق ولكنها كذبته جحوداً واستكباراً ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)
وبعدها يأتي الحديث عن مملكة مؤمنة ، ملكها نبي صالح هو سليمان عليه السلام ، الذي أوتي ملكا لم يؤت أحد مثله ، هذا الملك العظيم يسمع نملة صغيرة تحذّر بني جنسها من جنده أن يدوسوهم من حيث لا يشعرون ( حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)
وما أبلغ خطاب هذه النملة ، فقد جاء فيه : نداء ( يَا أَيُّهَا النَّمْلُ) وأمْر ( ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) وتنبيه وتحذير ( لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ) واعتذاروإعذار ( وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)
وتأمّل معي خوف النّملة على فصيلها ، واستشعارها المسئولية بإنذارهم وتحذيرهم ، وشفقتها عليهم أن يصيبهم الأذى والخسف ، وهذه والله صفات الدعاة إلى الله المشفقين على الناس ، الحريصين على هدايتهم الى ما فيه خيرهم ونجاتهم .
فما كان ردّ سليمان إلا أن تبسّم من قولها ، واستشعر نعمة الله عليه وطلب منه سبحانه أن يعينه على شكرها ( فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ )
ثم تأخذك السورة إلى خبر آخر عن مملكة أخرى كافرة ، تلك مملكة سبأ وملكتها بلقيس ، هذا الخبر يأتي به هدهدٌ تأخر عن مجلس سليمان ، متحمّلا في ذلك كل النتائج والعواقب ، ليخبر نبي الله بكفر هذه الملكة وقومها ،ويذّكره بواجبه في دعوتهم إلى التوحيد ( وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)
وتلك والله غيْرة حريٌّ بكل مسلم أن يتحلّى بها ، فيغار على دين الله ، ولا يرضى ان تُنتهك حرماته في الأرض ، فهذا هدهد لم يرض أن يُعبد غير الله في أرضه ، وأدّى ما عليه في إيصال الخبر إلى سليمان ، ليكون هذا الهدهد سبباً بعد ذلك في هداية هذه الملكة وقومها فيسلموا جميعاً مع سليمان لله رب العالمين .
ومرّة أخرى يتكرّر الشكر في قصة سليمان حين رأى قصر بلقيس قائماً أمامه في طرفة عين ( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ )
إنه المُلك الذي يريد الله من عباده أن يقيموه في الأرض ، مُلك يقوم على الرحمة والعدل ، وشكر النعمة لا على الظلم والطغيان والبطر والاستعلاء في الأرض .
ثم تنتقل السورة للحديث عن المملكة الربانية الكبرى في هذا الكون الفسيح الذي خلقه الله ، فتعرض السورة مشاهد من مظاهر قدرة الله في خلقه ، وفي ثنايا عرضها يتكرّر قوله تعالى ( أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) أي : في ذلك دليل ساطع وبرهان واضح على ربوبيته وألوهيّته ، ومن يتأمّل نهايات الأيات في هذه المقاطع يجد غفلة المعرضين ، وضلال المكذّبين ، وكيف يعيب الله عليهم كفرهم وتكذيبهم بغير حجة ولا برهان ، كقوله تعالى ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ( قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) ( تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ( بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ).
وبعد ذلك كله فإنّ الرسالة التي توصلها سورة النمل - من شفقة النملة إلى غيْرة الهدهد - أن يحمل الدعاة إلى الله هدي هذا القرآن ليبلّغوه للناس ، ويعمروا به هذه الأرض عبادة ًوإحسانا ( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
ويرغّبوا الناس في رحمة الله ( لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )
ولا يبالون بمكر أعدائهم ( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) لأنّ الله سيردّ عليهم مكرهم ( وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)
ولذلك يأخذون عدّتهم من التوكل على الله ( فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ )
ويعلمون أن الله سيجازيهم على إحسانهم ولن يضيع أجر أعمالهم ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ )
ويوقنون أنّ العاقبة والتمكين ستكون للمتقين ( وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
كتبه عمر محمود أبوأنس
كتبه عمر محمود أبوأنس

