- 4 يوليو 2007
- 7,874
- 13
- 0
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- عبد الباسط عبد الصمد
(بسم الل)
حقيقة الإيمان : فروق وتأسيس الحلقة الرابعة إعداد / ابو المقداد
تقدم لنا معرفة الإيمان بحقيقته المتقدمة وأنه ليس شيئاً واحداً لا يتبعض ولا يتجزءا وإنما هو مركب مشتمل على أقسام ومراتب وشعب
وبناءا على ذلك ذهب جمهور أهل السنة على أن الإيمان يزيد وينقص ، كما اجمعوا على أن أهله يتفاضلون فيه .
أولا : أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من القرآن والسنة : .
وقد وردت نصوص كثيرة من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة تدل على ذلك. .
فمن القرآن الكريم : قوله تعالى ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ) [الفتح : 4] وقال الله عزوجل : ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً) [الأنفال : 2 ] وقال سبحانه : وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون ) [التوبة : 124] وقال جل شأنه : ( ويزداد الذين آمنوا إيماناً) [المدثر : 31 ] ، وقال تبارك وتعالى : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) [آل عمران : 173] .
وهذه الآيات صريحة بزيادة الإيمان وبثبوتها يثبت المقابل فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة .[فتح الباري ( 1/47 )] .
وأما الأحاديث فكثيرة جداً منها : قوله صلى الله عليه وسلم : ( يخرج من النار من قال لا إله الله ، وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير ) رواه البخاري وقال : قال أبان حدثنا قتادة حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من إيمانٍ ) مكانٍ (من خير ) .
وقال عليه الصلاة والسلام : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطيع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي . .
قال الحليمي – رحمه الله - ( فدّل هذا القول على أن حسن الخلق إيمانا وأن عدمه نقصان إيمان ، وأن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم فبعضهم أكمل إيمانا من بعض) [المنهاج في شعب الإيمان ( 1/61)] وهناك نصوص كثيرة تبين أن أهل الجنة متفاوتون في الدرجات حتى أنهم يتراءون أهل عليين يرون غرفهم من فوقهم كما يري الكوكب في الأفق الشرقي أو الغربي ، ومتفاوتون في الأزواج ، ومتفاوتون في الفواكه من المطعوم والمشروب ، ومتفاوتون الفرش والملبوسات ، و متفاوتون في الملك ، ومتفاوتون في الحسن والجمال والنور ، ومتفاوتون في قربهم من الله عزوجل ، ومتفاوتون في تكثير زيارتهم إياه ، ومتفاوتون في مقاعدهم يوم المزيد ، ومتفاوتون تفاوتاً لايعلمه إلا الله عزوجل . .
وفي أحاديث الشفاعة أن عصاة الموحدين الذين تمسهم النار بقدر ذنوبهم متفاوتون تفاوتاً بعيداً : متفاوتون في مقدار ما تأخذ منهم ، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حقويه ، ومنهم من تأخذه كله إلا مواضع السجود .
كذلك يتفاوتون في مقدار لبثهم فيها وسرعة خروجهم منها لأنهم يتتفاوتون في الإيمان والتوحيد الذي بسببه يخرجون منها ولولاه لكانوا مع الكافرين خالدين مخلدين أبداً
فيقال للشفعاء : أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان ثم من كان في قلبه نصف دينار من إيمان ثم من كان في قلبه وزن برة من إيمان ثم من كان في قلبه ذرة إيمان ، ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان . [راجع معارج القبول ( 2/335 وما بعده )]. .
ولهذا كان جمهور السلف والأئمة ممن ذهبوا إلى أن الإيمان قول وعمل يقولون إن الإيمان يزيد وينقص وإن أهله يتفاضلون فيه . .
قال شيخ الإسلام بن تيمية : ( ولهذا كان أهل السنة والحديث على أن يتفاضل ، وجمهورهم يقول : يزيد وينقص ) . [مجموع الفتاوى ( 7/ 223]
وقال ابن بطال : ( مذهب جماعة من أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الأيمان قول وعمل يزيد وينقص ) .[عمدة القارى ( 1/ 107 )]. .
وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان في الإيمان عن الصحابة ولم يعرف فيه مخالف منهم ، ثبت عن عمر بن الخطاب ، وعلي وابن مسعود و معاذ وأبي الدرداء وابن عباس وابن عمر ، وعمار وأبى هريرة وحذيفة وسلمان وعبدالله بن رواحة وأبي أمامة وجندب بن عبدالله وعمير بين حبيب ، وعائشة رضي الله تعالى عنهم . كما ثبت عن عدد كبير من التابعين والأئمة أعظم من أن يحصر في هذه الصفحات [راجع مجموع فتاوى ابن تيمية (7/224-227) و ( 7/309-312 ) ، عمدة القاري (1/107-111)] .
ثانيا : مجالات الزيادة والنقصان : .
عرفنا أن الإيمان يزيد وينقص وأنه عند السلف قول وعمل وأن القول يشمل قول القلب واللسان وأن العمل يشمل عمل القلب والجوارح ، فهل الزيادة والنقص في الإيمان وتفاضل أهله فيه يرجع إلى التفاوت في العمل الظاهر فقط ؟. .
الصحيح أن الإيمان يتفاوت ويتفاضل ويزيد وينقص في جميع عناصره فدرجة التصديق القلبي تتفاوت من إنسان لأخر ودرجة اليقين في قلب المرء نفسه تختلف من وقت لآخر ومن حال لحال وأما عمل القلب من المحبة والخشية والرجاء والتوكل فما أكثر ما يتفاوت البشر في ذلك ؟! وما أكثر ما تختلف حال القلب الواحد من فترة لأخرى حسب الوضع الإيماني ومدى القرب أو البعد عن الله عزوجل ؟! وهذه حال يعلمها كل إنسان من نفسه . .
وأما عن التفاوت في الأعمال الظاهرة ، فلا نحسب أن أحداً يجادل فيها فالعمل الظاهر ما هو إلا انعكاس لعمل القلب – كما سيأتي إن شاء الله -يقول ابن رجب الحنبلي – رحمه الله : ( التصديق القائم بالقلوب يتفاضل وهذا هو الصحيح ... فإن إيمان الصديقين الذي يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخله الشك ) [جامع العلوم والحكم ص 28 ] .
هذا وقد عرض شيخ الإسلام بن تيمية لشمول الزيادة والنقص لجميع عناصر الإيمان من عدة وجوه
أبرزها اختصاراً ما يلي : .
الوجه الأول : .
إن الإيمان المأمور به الناس يتفاوت من جهة ما وقع منهم إجمالاً وتفصيلاً . فمن طلب علم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم تفصيلاً ، فآمن به وعمل به فإيمانه اكمل ممن عرف ما وجب عليه فألتزمه ، وأقر به ، لكنه لم يعمل بذلك كله وإن كان معترفاً بذنبه خائفاً من عقوبته على ترك العمل وهذا الأخير إيمانه أكمل من إيمان من لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ولا عمل بذلك ، ولا هو خائف أن يعاقب بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه مقر بنبوته باطناً وظاهراً . .
فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه ، وما أمر به فالتزمه، كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك ، وإن كان معه التزام عام وإقرار عام . .
الوجه الثاني : .
إن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت ويكون بعضه أقوى من بعض واثبت وأبعد عن الشك وذلك شأن سائر صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك . .
فكما أن الحس الظاهر بالشئ الواحد مثل رؤية الناس الهلال ، يتفاضل ويتفاوت وان اشتراك الجميع فيها فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض ، وكما أن سماع الصوت الواحد وشم الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من الطعام ، كل ذلك يتفاوت الناس فيه ويتفاضلون ، فكذلك معرفة القلب وتصديقه ، يتفاضل أعظم من ذلك . .
بل أن الإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومة يتفاضل حالة فيه كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعة ورؤيته لمرئيه وقدرته على مقدوره وحبه لمحبوب هو بغضه لبغيضه ، ورضاء بمرضية وسخط لمسخوط وإرادته لمراده وكراهيته لمكروه. .
الوجه الثالث : .
إن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به .
فالعلم بالمحبوب مثلا يستلزم طلبه والعلم بالمخوف يستلزم الهرب منه ، فإذا لم يحصل اللازم دلّ على ضعف الملزوم ، ويكون ذلك لانشغال القلب عن تصور المخبر به وإن كان مصدقاً به فذا ما عاينه حصل في قلبه من تصور المخبر به ما لم يكن عند سماع الخبر فيكون التصديق هنا اكمل من التصديق الأول ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ليس الخبر كالمعاينة ) رواه أحمد رواه الحاكم والطبراني صحيح الجامع ( 5373) . .
الوجه الرابع : .
إن أعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله وخشية الله ورجائه ونحو ذلك هي كلها من الإيمان كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلاً عظيماً فمن الأمور التي يجدها كل مؤمن في نفسه أن الناس يتفاضلون في حب الله وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب ونحو ذلك كما أن المؤمن يجد من نفسه أنه قد يكون الشيئ لواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة .
الوجه الخامس : .
إن الأعمال الظاهرة هي أيضا من الأيمان ، والناس يتفاضلون فيها وتزيد وتنقص ، وهنا مما اتفق الناس على دخول الزيادة والنقص . ولكن التفاضل في الأعمال الظاهرة يقتضي التفاضل في موجب ذلك ومقتضيه وهو الأعمال القلبية سواء أعتبر الظاهر لازماً أو جزءاً منه . .
الوجه السادس : .
إن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها فإن الشيئ كلما قويت أسبابه تعددت وانقطعت موانعه واضمحلت ، كان أوجب لكماله وقوته وتمامه ، فكلما زادت أدلة التصديق والمحبة قويت ،وكلما ظهر فساد الشبهات وبطلان الحجج المعارضة، كلما أزداد اليقين والمحبة في قلب المؤمن . .
الوجه السابع : .
إن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته وذكر استحضاره كما يحصل النقص من جهة الغفلة والإعراض ، فالعلم والتصديق والحب والتعظيم وغير ذلك مما في القلب هي صفات وأعراض وأحوال تحصل بحصول أسبابها وتدوم بدوامها . .
والعلم وإن كان في القلب فالغفلة تنافي تحققه والعالم بالشيء في حال غفلته عنه دون العالم بالشيء في ذكره له [راجع في ذلك : مجموع فتاوى ابن تيمية ( 7/232-237 ) ] .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
حقيقة الإيمان : فروق وتأسيس الحلقة الرابعة إعداد / ابو المقداد
تقدم لنا معرفة الإيمان بحقيقته المتقدمة وأنه ليس شيئاً واحداً لا يتبعض ولا يتجزءا وإنما هو مركب مشتمل على أقسام ومراتب وشعب
وبناءا على ذلك ذهب جمهور أهل السنة على أن الإيمان يزيد وينقص ، كما اجمعوا على أن أهله يتفاضلون فيه .
أولا : أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من القرآن والسنة : .
وقد وردت نصوص كثيرة من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة تدل على ذلك. .
فمن القرآن الكريم : قوله تعالى ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ) [الفتح : 4] وقال الله عزوجل : ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً) [الأنفال : 2 ] وقال سبحانه : وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون ) [التوبة : 124] وقال جل شأنه : ( ويزداد الذين آمنوا إيماناً) [المدثر : 31 ] ، وقال تبارك وتعالى : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) [آل عمران : 173] .
وهذه الآيات صريحة بزيادة الإيمان وبثبوتها يثبت المقابل فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة .[فتح الباري ( 1/47 )] .
وأما الأحاديث فكثيرة جداً منها : قوله صلى الله عليه وسلم : ( يخرج من النار من قال لا إله الله ، وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير ) رواه البخاري وقال : قال أبان حدثنا قتادة حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من إيمانٍ ) مكانٍ (من خير ) .
وقال عليه الصلاة والسلام : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطيع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي . .
قال الحليمي – رحمه الله - ( فدّل هذا القول على أن حسن الخلق إيمانا وأن عدمه نقصان إيمان ، وأن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم فبعضهم أكمل إيمانا من بعض) [المنهاج في شعب الإيمان ( 1/61)] وهناك نصوص كثيرة تبين أن أهل الجنة متفاوتون في الدرجات حتى أنهم يتراءون أهل عليين يرون غرفهم من فوقهم كما يري الكوكب في الأفق الشرقي أو الغربي ، ومتفاوتون في الأزواج ، ومتفاوتون في الفواكه من المطعوم والمشروب ، ومتفاوتون الفرش والملبوسات ، و متفاوتون في الملك ، ومتفاوتون في الحسن والجمال والنور ، ومتفاوتون في قربهم من الله عزوجل ، ومتفاوتون في تكثير زيارتهم إياه ، ومتفاوتون في مقاعدهم يوم المزيد ، ومتفاوتون تفاوتاً لايعلمه إلا الله عزوجل . .
وفي أحاديث الشفاعة أن عصاة الموحدين الذين تمسهم النار بقدر ذنوبهم متفاوتون تفاوتاً بعيداً : متفاوتون في مقدار ما تأخذ منهم ، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حقويه ، ومنهم من تأخذه كله إلا مواضع السجود .
كذلك يتفاوتون في مقدار لبثهم فيها وسرعة خروجهم منها لأنهم يتتفاوتون في الإيمان والتوحيد الذي بسببه يخرجون منها ولولاه لكانوا مع الكافرين خالدين مخلدين أبداً
فيقال للشفعاء : أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان ثم من كان في قلبه نصف دينار من إيمان ثم من كان في قلبه وزن برة من إيمان ثم من كان في قلبه ذرة إيمان ، ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان . [راجع معارج القبول ( 2/335 وما بعده )]. .
ولهذا كان جمهور السلف والأئمة ممن ذهبوا إلى أن الإيمان قول وعمل يقولون إن الإيمان يزيد وينقص وإن أهله يتفاضلون فيه . .
قال شيخ الإسلام بن تيمية : ( ولهذا كان أهل السنة والحديث على أن يتفاضل ، وجمهورهم يقول : يزيد وينقص ) . [مجموع الفتاوى ( 7/ 223]
وقال ابن بطال : ( مذهب جماعة من أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الأيمان قول وعمل يزيد وينقص ) .[عمدة القارى ( 1/ 107 )]. .
وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان في الإيمان عن الصحابة ولم يعرف فيه مخالف منهم ، ثبت عن عمر بن الخطاب ، وعلي وابن مسعود و معاذ وأبي الدرداء وابن عباس وابن عمر ، وعمار وأبى هريرة وحذيفة وسلمان وعبدالله بن رواحة وأبي أمامة وجندب بن عبدالله وعمير بين حبيب ، وعائشة رضي الله تعالى عنهم . كما ثبت عن عدد كبير من التابعين والأئمة أعظم من أن يحصر في هذه الصفحات [راجع مجموع فتاوى ابن تيمية (7/224-227) و ( 7/309-312 ) ، عمدة القاري (1/107-111)] .
ثانيا : مجالات الزيادة والنقصان : .
عرفنا أن الإيمان يزيد وينقص وأنه عند السلف قول وعمل وأن القول يشمل قول القلب واللسان وأن العمل يشمل عمل القلب والجوارح ، فهل الزيادة والنقص في الإيمان وتفاضل أهله فيه يرجع إلى التفاوت في العمل الظاهر فقط ؟. .
الصحيح أن الإيمان يتفاوت ويتفاضل ويزيد وينقص في جميع عناصره فدرجة التصديق القلبي تتفاوت من إنسان لأخر ودرجة اليقين في قلب المرء نفسه تختلف من وقت لآخر ومن حال لحال وأما عمل القلب من المحبة والخشية والرجاء والتوكل فما أكثر ما يتفاوت البشر في ذلك ؟! وما أكثر ما تختلف حال القلب الواحد من فترة لأخرى حسب الوضع الإيماني ومدى القرب أو البعد عن الله عزوجل ؟! وهذه حال يعلمها كل إنسان من نفسه . .
وأما عن التفاوت في الأعمال الظاهرة ، فلا نحسب أن أحداً يجادل فيها فالعمل الظاهر ما هو إلا انعكاس لعمل القلب – كما سيأتي إن شاء الله -يقول ابن رجب الحنبلي – رحمه الله : ( التصديق القائم بالقلوب يتفاضل وهذا هو الصحيح ... فإن إيمان الصديقين الذي يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخله الشك ) [جامع العلوم والحكم ص 28 ] .
هذا وقد عرض شيخ الإسلام بن تيمية لشمول الزيادة والنقص لجميع عناصر الإيمان من عدة وجوه
أبرزها اختصاراً ما يلي : .
الوجه الأول : .
إن الإيمان المأمور به الناس يتفاوت من جهة ما وقع منهم إجمالاً وتفصيلاً . فمن طلب علم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم تفصيلاً ، فآمن به وعمل به فإيمانه اكمل ممن عرف ما وجب عليه فألتزمه ، وأقر به ، لكنه لم يعمل بذلك كله وإن كان معترفاً بذنبه خائفاً من عقوبته على ترك العمل وهذا الأخير إيمانه أكمل من إيمان من لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ولا عمل بذلك ، ولا هو خائف أن يعاقب بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه مقر بنبوته باطناً وظاهراً . .
فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه ، وما أمر به فالتزمه، كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك ، وإن كان معه التزام عام وإقرار عام . .
الوجه الثاني : .
إن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت ويكون بعضه أقوى من بعض واثبت وأبعد عن الشك وذلك شأن سائر صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك . .
فكما أن الحس الظاهر بالشئ الواحد مثل رؤية الناس الهلال ، يتفاضل ويتفاوت وان اشتراك الجميع فيها فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض ، وكما أن سماع الصوت الواحد وشم الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من الطعام ، كل ذلك يتفاوت الناس فيه ويتفاضلون ، فكذلك معرفة القلب وتصديقه ، يتفاضل أعظم من ذلك . .
بل أن الإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومة يتفاضل حالة فيه كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعة ورؤيته لمرئيه وقدرته على مقدوره وحبه لمحبوب هو بغضه لبغيضه ، ورضاء بمرضية وسخط لمسخوط وإرادته لمراده وكراهيته لمكروه. .
الوجه الثالث : .
إن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به .
فالعلم بالمحبوب مثلا يستلزم طلبه والعلم بالمخوف يستلزم الهرب منه ، فإذا لم يحصل اللازم دلّ على ضعف الملزوم ، ويكون ذلك لانشغال القلب عن تصور المخبر به وإن كان مصدقاً به فذا ما عاينه حصل في قلبه من تصور المخبر به ما لم يكن عند سماع الخبر فيكون التصديق هنا اكمل من التصديق الأول ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ليس الخبر كالمعاينة ) رواه أحمد رواه الحاكم والطبراني صحيح الجامع ( 5373) . .
الوجه الرابع : .
إن أعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله وخشية الله ورجائه ونحو ذلك هي كلها من الإيمان كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلاً عظيماً فمن الأمور التي يجدها كل مؤمن في نفسه أن الناس يتفاضلون في حب الله وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب ونحو ذلك كما أن المؤمن يجد من نفسه أنه قد يكون الشيئ لواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة .
الوجه الخامس : .
إن الأعمال الظاهرة هي أيضا من الأيمان ، والناس يتفاضلون فيها وتزيد وتنقص ، وهنا مما اتفق الناس على دخول الزيادة والنقص . ولكن التفاضل في الأعمال الظاهرة يقتضي التفاضل في موجب ذلك ومقتضيه وهو الأعمال القلبية سواء أعتبر الظاهر لازماً أو جزءاً منه . .
الوجه السادس : .
إن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها فإن الشيئ كلما قويت أسبابه تعددت وانقطعت موانعه واضمحلت ، كان أوجب لكماله وقوته وتمامه ، فكلما زادت أدلة التصديق والمحبة قويت ،وكلما ظهر فساد الشبهات وبطلان الحجج المعارضة، كلما أزداد اليقين والمحبة في قلب المؤمن . .
الوجه السابع : .
إن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته وذكر استحضاره كما يحصل النقص من جهة الغفلة والإعراض ، فالعلم والتصديق والحب والتعظيم وغير ذلك مما في القلب هي صفات وأعراض وأحوال تحصل بحصول أسبابها وتدوم بدوامها . .
والعلم وإن كان في القلب فالغفلة تنافي تحققه والعالم بالشيء في حال غفلته عنه دون العالم بالشيء في ذكره له [راجع في ذلك : مجموع فتاوى ابن تيمية ( 7/232-237 ) ] .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

