- 3 مارس 2005
- 3,672
- 21
- 0
- الجنس
- ذكر
بسم الله الرحمن الرحيم
1- ذكـر الـقـصـة :
هذه القصة مشهورة جدا – كما سيأتي - ، وتختلف المصادر والمراجع في حيثياتها وتفصيلاتها ، ولكن مفاد ما فيها :
(( أن ملك الروم قال لعبدالله بن حذافة – وهو أحد الصحابة – لما أسر : تنصّر ! وهدده بالقتل بإلقائه في بقرة ( إناء كبير مصنوع من نحاس ) ، فأبى الصحابي الجليل ، فأراد ملك الروم أن يعطي ابن حذافة درسا عمليا على عقاب الممتنع ، فدعا بالبقرة ، فملئت زيتا وأغليت ، ودعا برجل من أسرى المسلمين ، فعرض عليه النصرانية ، فأبى ، فألقاه في البقرة ، فإذا عظامه تلوح .
والتفت ملك الروم لعبدالله بن حذافة ، وقال له : تنصّر وإلا ألقيتك . فأبى الصحابي الجليل ، فأمر به أن يلقى ، فبكى عبدالله ، فقيل له : قد جزع ، قد بكى . قال ملك الروم : ردوه . فلما ردوه ، قال الصحابي الجليل : لا ترى أني بكيت جزعا مما تريد أن تصنع بي ، ولكني بكيت حيث ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله ، كنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعرة فيّ ، ثم تسلط علي فتفعل بي هذا .
فأعجب ملك الروم بهذه النفس الأبية ، وأحب أن يطلقه ، فقال : قبل رأسي وأطلقك . فأبى عبدالله بن حذافة ، فقال ملك الروم : قبل رأسي وأطلق معك ثمانين من المسلمين . قال عبدالله : أما هذه فنعم . فقبل رأسه ، وأطلقه وأطلق معه ثمانين من المسلمين .
فلما قدموا على عمر بن الخطاب – وكان خليفة للمسلمين - ، قام فقبل رأس عبدالله ، وقال : حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبدالله بن حذافة ، وأنا أبدأ . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمازحون عبدالله ، فيقولون : قبلت رأس علج . فيقول لهم : أطلق الله بتلك القبلة ثمانين من المسلمين )) .
هكذا يردد بعض الخطباء والوعاظ هذه القصة ، وقد أطلت النفس في تتبع مصادرها ، فلم أظفر بما يورده بعضهم في هذه القصة من تفصيلات ، وقمت بدراسة أسانيدها ، فلم أجد شيئا يفرح به ، مع أن هذه القصة فيها كثير من المعاني السامية ، والصبر على الابتلاء ، والتسامي على الأعداء ، ولكن هذا شيء والبحث العلمي والحقائق الثابتة بالأدلة الصحيحة شيء آخر .
2- شـهـرة الـقـصـة :
هذه القصة مشهورة جدا ، يرددها الوعاظ ، ويدونها من يكتب عن مآثر الأسلاف ، وبطولاتهم ، وامتحانهم ، وثباتهم ، وتعتني بها كتب التاريخ والتراجم ، فها هو ابن حجر يذكرها في ( الإصابة ) وتكلم عليها ، و ( التهذيب ) ، وقبله المزي في ( تهذيب الكمال ) ، وذكرها ابن الأثير في ( أسد الغابة ) ، وابن عبد البر في ( الاستيعاب ) ، والذهبي في ( السير ) و ( تاريخ الإسلام ) ، وقبلهم كثير ، ويذكرها بعض الفقهاء ، كابن ضويان في منار السبيل ، مستدلا بها على مشروعية شرب الخمر للمضطر ، وأن الأحسن الثبات وعدم ذلك . وذكرها أيضا ابن كثير في ( تفسيره ) النحل:106 ، وقال قبلها : والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ، ولو أفضى إلى قتله ، ثم ذكرها ، وتابعه من اختصره من المعاصرين ، مثل : شيخنا محمد نسيب الرفاعي - رحمه الله تعالى - ، ومحمد علي الصابوني .
وأما المعاصرون فلا تقل شهرتها عندهم عمن قبلهم .
ومنهم :
1- محمود شيت خطاب ( قادة فتح الشام ومصر ) .
2- زياد أبو غنيمة ( مواقف بطولة من صنع الإسلام ) .
3- عبدالرحمن رأفت باشا ( صور من حياة الصحابة ) .
4- محمود شاكر الحرستاني ( بناة دولة الإسلام ج 11-20 ص 101-106 ) .
5- سليم الهلالي ( الثبات على الإسلام ) وذكرها كذلك في مقالته ( كرهت أن أشمتك في الإسلام ) المنشورة في ( مجلة الأصالة / العدد الرابع ) .
وغيرهم كثير .
3- تـخـريـجـهـا وطـرقـهـا :
لهذه القصة طرق كثيرة شديدة الضعف ، وهذا البيان :
الأول : أخرج أبو إسحاق الفزاري في ( السير ) ( رقم 354 ) ، قال : (( عن الأوزاعي قال : أسر عبدالله بن حذافة السهمي ………)) .
وهذا منقطع ، فإن الأوزاعي لم يدرك عبدالله بن حذافة ، ولم يشهد هذه الحادثة ، فأرسلها دون إسناد .
الـثـانـي : أخرج أبو العرب التميمي في كتاب ( المحن ) ( 383 – 384 ) ، قال : (( حدثني يحيى بن عبدالعزيز عن بقية بن مخلد عن عبيد الله بن عائشة ، قال : حدثني عبدالعزيز بن مسلم أن عبدالله بن محمد من ولد عبدالله بن حذافة أخبره (( أن عبدالله بن حذافة كان بالشام ………)) .
وهذا إسناد ضعيف جدا ، عبدالله بن محمد مجهول ، وعبيد الله بن عائشة مثله ، وهما غير معروفين بالرواية ، وللأخير ذكر في ترجمة عنه ( عبيد الله بن عمر بن موسى ) في ( الجرح والتعديل ) ( 5 / 327 ) ، إذ فيه أن هذا ( عم عبيد الله بن عائشة ) ، وكذا في ( التاريخ الكبير ) ( 5 / 395 ) مع سقط وقع فيه ، نبه عليه العلامة المعلمي اليماني – رحمه الله تعالى - .
وعبدالعزيز بن مسلم شيخ فيه جهالة ، وقواه بعضهم ، كذا في ( الميزان ) ( 2 / 635 ) .
الـثـالـث : أخرج ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) ( ص 133 – 134 / ترجمة عبدالله بن حذافة ، القسم المطبوع ) ، - ومن طريقه ابن الأثير ( أسد الغابة ) ( 3 / 143 ) - ، قال : ( أنبانا أبو سعد المطرز وأبو علي الحداد ، قالا : أنا أبو نعيم أنا ثابت بن بندار بن أسد نا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الاستراباذي نا عبدالملك بن محمد بن نعيم نا صالح بن علي النوفلي نا عبدالله بن محمد بن ربيعة القدامي نا عمر بن المغيرة عن عطاء بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : (( أسرت الروم عبدالله بن حذافة السهمي ……… )) .
وأخرجه ابن الجوزي في ( الثبات عند الممات ) ( ص 53 ) من طريق زاهر بن طاهر ثنا أبو نعيم عبدالملك بن محمد بن نعيم به .
وهذا إسناد ضعيف جدا ، مسلسل بالمجاهيل والضعفاء ، فيه عبدالله بن محمد بن ربيعة القدامي ، قال الذهبي في ( الميزان ) ( 2 / 488 ) : ( أحد الضعفاء ، أتى عن مالك بمصائب ) ، وقال : ( ضعفه ابن عدي وغيره ) .
وعمر بن المغيرة ، قال البخاري عنه : ( منكر الحديث ، مجهول ) ، كذا في ( الميزان ) ( 3 / 224 ) .
وعطاء بن عجلان متروك ، بل أطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب ، كما في ( التقريب ) ، وانظر : ( الميزان ) ( 3 / 75 ) .
فهذا الإسناد واه بمرة لا يفرح به البتة .
الرابع : أخرج ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) ( ص 134 – 135 ) ، قال : ( أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفرضي نا عبدالعزيز بن أحمد . ح واخبرنا أبو الحسن بن أبي الحديد أنا جدي أبو عبدالله ، قالا : أنا محمد بن عوف أنا محمد بن موسى بن الحسين الحافظ أنا محمد بن خريم نا هشام بن عمار نا يزيد بن سمرة نا سليمان بن حبيب ، أنه سمع الزهري قال : (( ما اختبر من رجل من المسلمين ما اختبر من عبدالله بن حذافة السهمي ………)) .
وهذا إسناد ضعيف جدا ، وفيه علل :
الأولى : الانقطاع بين الزهري وعبدالله بن حذافة .
الثانية : يزيد بن سمرة ، قال ابن حبان : (( ربما أخطأ )) .
الثالثة : هشام بن عمار ، فيه ضعف .
أفاده شيخنا الألباني في ( الإرواء ) ( 8 / 157 / رقم 2515 ) .
وللقصة طريق أخرى مقطوعة ، قال الذهبي في ( السير ) ( 2 / 15 ) : الوليد بن مسلم : حدثنا أبو عمرو ومالك بن أنس : (( أن أهل قيسارية أسروا ابن حذافة ………)) .
وقد روى ابن عائذ قصة ابن حذافة ، فقال : حدثنا الوليد بن محمد : (( أن ابن حذافة أسر ………)) .
فهذه الأسانيد جميعها ضعيفة ، لا تنهض بالقصة ، ولا تقوى على عدها حقيقة تاريخية لا شك فيها ، فهي شديدة الضعف ، ولذا لما سمع بعض العلماء راويا يحدث بها استغربها .
الخامس : أخرج ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) ( ص 132 – 133 ) ، قال : ( أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر ، أنا أحمد بن الحسين الحافظ ، أنا أبو الحسبن محمد بن الفضل القطان ، أنا أبو سهل بن زياد القطان ، نا سعيد بن عثمان الأهوازي ، نا عبدالله بن معاوية الجمحي . ح .
قال البيهقي : وأنا أبو نصر عمر بن عبدالعزيز بن عمر بن قتادة أنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي نا أبو الفضل أحمد بن سلمة نا عبدالله بن معاوية الجمحي نا عبدالعزيز بن مسلم القسملي نا ضرار بن عمرو عن أبي رافع ، قال : (( وجه عمر بن الخطاب جيشا إلى الروم وفيهم رجل يقال له عبدالله بن حذافة من أصحاب رسول النبي صلى الله عليه وسلم ، فأسره الروم ………)) .
ثم قال : (( قال أحمد بن سلمة : سألني عن هذا الحديث محمد بن مسلم ، ومحمد بن إدريس ، وقالا لي : ما سمعنا بهذا الحديث قط )) .
وهذا إسناد ضعيف جدا ، فيه ضرار بن عمرو ، وهو ضعيف جدا ، قال ابن معين : ( لا شيء ) ، وقال الدولابي : ( فيه نظر ) ، كذا في ( الميزان ) ( 2 / 328 ) ، وأخشى أن يكون عبدالعزيز بن مسلم قد وهم فيه ، وأدخل إسنادا في إسناد ، فإنه رواه كما أخرجه أبو العرب في ( المحن ) ( 383 – 384 ) عن عبدالله بن محمد من ولد عبدالله بن حذافة ، وعلى أي حال ، الإسناد ضعيف جدا ، ولا يستشهد به .
بقي أن أشير إلى مقولة أحمد بن سلمة في آخر هذا الطريق : (( سألني عن هذا الحديث محمد بن مسلم ، ومحمد بن إدريس ، وقالا لي : ما سمعنا بهذا الحديث قط )) . فيه إيماء إلى عدم شهرة هذه القصة واستغرابها ممن حدث بها ممن هو فوق أحمد بن سلمة من قبل حافظين كبيرين ، هما :
الأول : محمد بن مسلم ، وهو ابن وارة ( الإمام ، الحافظ ، المجود ، أحد الأعلام ) كما في ( السير ) ( 13 / 28 ) .
والآخر : محمد بن إدريس ، أبو حاتم الرازي ، ( الإمام ، الحافظ ، الناقد ، شيخ المحدثين ، كان من بحور العلم ، طوف البلاد ، وبرع في المتن والإسناد ، وجمع وصنف ، وجرح وعدل ، وصحح وعلل ) كذا في ( السير ) ( 13 / 247 ) .
4- ملاحظات مهمة :
وأخيرا نلفت نظر القارئ إلى الملاحظات التالية :
أولا : نصص شيخنا الألباني حفظه الله تعالى على ضعف القصة في كتابه القيم ( إرواء الغليل ) ( 8 / 156 – 157 / رقم 2515 ) ولم يعزها إلا لابن عساكر .
ثـانـيـا : لا يستلزم من ضعف القصة عدم أسر عبدالله بن حذافة من قبل الروم ، فقد ذكر ذلك خليفة في ( تاريخه ) ( 142 ) – وعنه الذهبي في ( تاريخ الإسلام ) ( ص 187 – عهد الخلفاء الراشدين ) - ، قال في أحداث سنة تسع عشرة : (( وفيها أسرت الروم عبدالله بن حذافة السهمي )) .
وأسند الحاكم في ( المستدرك ) ( 3 / 631 ) عقب حديث أبي سعيد الخدري ، قال : (( وكان الروم قد أسروه في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فأرادوه على الكفر ، فعصمه الله عز وجل حتى أنجاه الله تبارك وتعالى منهم )) .
وقد قال ابن سعد في ( الطبقات الكبرى ) ( 4 / 190 ) : (( قال محمد بن عمر : وكانت الروم قد أسرت عبدالله بن حذافة ، فكتب فيه عمر بن الخطاب إلى قسطنطين ، فخلى عنه ، ومات عبدالله بن حذافة في خلافة عثمان بن عفان )) .
ثـالـثـا : وفي مقولة الواقدي الأخيرة إضعاف ضمني لهذه القصة ، إذ فيها أن فكاك عبدالله بن حذافة من الأسر كان هو سبب كتابة عمر إلى ملك الروم ، وعبارة البلاذري في ( أنساب الأشراف ) ( 1 / 215 ) أوضح من ذلك ، قال : (( إن عمر بن الخطاب كتب إلى قسطنطين ملك الروم لما أسرته بشأنه ، فأطلق سراحه )) .
اللهم إلا أن يتكلف فيقال : ولعل امتحانه من قبل الروم وتخويفه واختبار إيمانه جاء عقب كتاب عمر ، ليرى ذلك ملك الروم !
ويغنينا عن كل ما قدمنا أن هذه القصة لو كانت ثابتة لوردت بأسانيد نظيفة ، فإن همم العدول والثقات تتداعى على حمل مثلها ، وحينئذ لا تفوت الحفاظ الكبار والأئمة العظام كأبي حاتم الرازي وغيره ، ولا يبعد أن مراد البخاري في ( التاريخ الكبير ) ( 5 / 8 ) ( ترجمة عبدالله بن حذافة ) في قوله : (( لا يصح حديثه ، مرسل )) ، هذه القصة ، وإن كان حملها ابن عدي في ( الكامل ) ( 4 / 1536 ) على حديث : (( إن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤذن في أهل منى في مؤذنين بعثهم : أن لا يصوم هذه الأيام أحد ، فإنها أيام طعم وشرب وذكر الله )) ، قال ابن عدي عقبه : (( وهو الذي أشار إليه البخاري لعبدالله بن حذافة ، لا يصح ))
. انتهـى من كتاب ( قصص لا تثبت / ج3 – مشهور بن حسن آل سلمان) بتصرف .
والحمد لله رب العالمين .
1- ذكـر الـقـصـة :
هذه القصة مشهورة جدا – كما سيأتي - ، وتختلف المصادر والمراجع في حيثياتها وتفصيلاتها ، ولكن مفاد ما فيها :
(( أن ملك الروم قال لعبدالله بن حذافة – وهو أحد الصحابة – لما أسر : تنصّر ! وهدده بالقتل بإلقائه في بقرة ( إناء كبير مصنوع من نحاس ) ، فأبى الصحابي الجليل ، فأراد ملك الروم أن يعطي ابن حذافة درسا عمليا على عقاب الممتنع ، فدعا بالبقرة ، فملئت زيتا وأغليت ، ودعا برجل من أسرى المسلمين ، فعرض عليه النصرانية ، فأبى ، فألقاه في البقرة ، فإذا عظامه تلوح .
والتفت ملك الروم لعبدالله بن حذافة ، وقال له : تنصّر وإلا ألقيتك . فأبى الصحابي الجليل ، فأمر به أن يلقى ، فبكى عبدالله ، فقيل له : قد جزع ، قد بكى . قال ملك الروم : ردوه . فلما ردوه ، قال الصحابي الجليل : لا ترى أني بكيت جزعا مما تريد أن تصنع بي ، ولكني بكيت حيث ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله ، كنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعرة فيّ ، ثم تسلط علي فتفعل بي هذا .
فأعجب ملك الروم بهذه النفس الأبية ، وأحب أن يطلقه ، فقال : قبل رأسي وأطلقك . فأبى عبدالله بن حذافة ، فقال ملك الروم : قبل رأسي وأطلق معك ثمانين من المسلمين . قال عبدالله : أما هذه فنعم . فقبل رأسه ، وأطلقه وأطلق معه ثمانين من المسلمين .
فلما قدموا على عمر بن الخطاب – وكان خليفة للمسلمين - ، قام فقبل رأس عبدالله ، وقال : حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبدالله بن حذافة ، وأنا أبدأ . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمازحون عبدالله ، فيقولون : قبلت رأس علج . فيقول لهم : أطلق الله بتلك القبلة ثمانين من المسلمين )) .
هكذا يردد بعض الخطباء والوعاظ هذه القصة ، وقد أطلت النفس في تتبع مصادرها ، فلم أظفر بما يورده بعضهم في هذه القصة من تفصيلات ، وقمت بدراسة أسانيدها ، فلم أجد شيئا يفرح به ، مع أن هذه القصة فيها كثير من المعاني السامية ، والصبر على الابتلاء ، والتسامي على الأعداء ، ولكن هذا شيء والبحث العلمي والحقائق الثابتة بالأدلة الصحيحة شيء آخر .
2- شـهـرة الـقـصـة :
هذه القصة مشهورة جدا ، يرددها الوعاظ ، ويدونها من يكتب عن مآثر الأسلاف ، وبطولاتهم ، وامتحانهم ، وثباتهم ، وتعتني بها كتب التاريخ والتراجم ، فها هو ابن حجر يذكرها في ( الإصابة ) وتكلم عليها ، و ( التهذيب ) ، وقبله المزي في ( تهذيب الكمال ) ، وذكرها ابن الأثير في ( أسد الغابة ) ، وابن عبد البر في ( الاستيعاب ) ، والذهبي في ( السير ) و ( تاريخ الإسلام ) ، وقبلهم كثير ، ويذكرها بعض الفقهاء ، كابن ضويان في منار السبيل ، مستدلا بها على مشروعية شرب الخمر للمضطر ، وأن الأحسن الثبات وعدم ذلك . وذكرها أيضا ابن كثير في ( تفسيره ) النحل:106 ، وقال قبلها : والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ، ولو أفضى إلى قتله ، ثم ذكرها ، وتابعه من اختصره من المعاصرين ، مثل : شيخنا محمد نسيب الرفاعي - رحمه الله تعالى - ، ومحمد علي الصابوني .
وأما المعاصرون فلا تقل شهرتها عندهم عمن قبلهم .
ومنهم :
1- محمود شيت خطاب ( قادة فتح الشام ومصر ) .
2- زياد أبو غنيمة ( مواقف بطولة من صنع الإسلام ) .
3- عبدالرحمن رأفت باشا ( صور من حياة الصحابة ) .
4- محمود شاكر الحرستاني ( بناة دولة الإسلام ج 11-20 ص 101-106 ) .
5- سليم الهلالي ( الثبات على الإسلام ) وذكرها كذلك في مقالته ( كرهت أن أشمتك في الإسلام ) المنشورة في ( مجلة الأصالة / العدد الرابع ) .
وغيرهم كثير .
3- تـخـريـجـهـا وطـرقـهـا :
لهذه القصة طرق كثيرة شديدة الضعف ، وهذا البيان :
الأول : أخرج أبو إسحاق الفزاري في ( السير ) ( رقم 354 ) ، قال : (( عن الأوزاعي قال : أسر عبدالله بن حذافة السهمي ………)) .
وهذا منقطع ، فإن الأوزاعي لم يدرك عبدالله بن حذافة ، ولم يشهد هذه الحادثة ، فأرسلها دون إسناد .
الـثـانـي : أخرج أبو العرب التميمي في كتاب ( المحن ) ( 383 – 384 ) ، قال : (( حدثني يحيى بن عبدالعزيز عن بقية بن مخلد عن عبيد الله بن عائشة ، قال : حدثني عبدالعزيز بن مسلم أن عبدالله بن محمد من ولد عبدالله بن حذافة أخبره (( أن عبدالله بن حذافة كان بالشام ………)) .
وهذا إسناد ضعيف جدا ، عبدالله بن محمد مجهول ، وعبيد الله بن عائشة مثله ، وهما غير معروفين بالرواية ، وللأخير ذكر في ترجمة عنه ( عبيد الله بن عمر بن موسى ) في ( الجرح والتعديل ) ( 5 / 327 ) ، إذ فيه أن هذا ( عم عبيد الله بن عائشة ) ، وكذا في ( التاريخ الكبير ) ( 5 / 395 ) مع سقط وقع فيه ، نبه عليه العلامة المعلمي اليماني – رحمه الله تعالى - .
وعبدالعزيز بن مسلم شيخ فيه جهالة ، وقواه بعضهم ، كذا في ( الميزان ) ( 2 / 635 ) .
الـثـالـث : أخرج ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) ( ص 133 – 134 / ترجمة عبدالله بن حذافة ، القسم المطبوع ) ، - ومن طريقه ابن الأثير ( أسد الغابة ) ( 3 / 143 ) - ، قال : ( أنبانا أبو سعد المطرز وأبو علي الحداد ، قالا : أنا أبو نعيم أنا ثابت بن بندار بن أسد نا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الاستراباذي نا عبدالملك بن محمد بن نعيم نا صالح بن علي النوفلي نا عبدالله بن محمد بن ربيعة القدامي نا عمر بن المغيرة عن عطاء بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : (( أسرت الروم عبدالله بن حذافة السهمي ……… )) .
وأخرجه ابن الجوزي في ( الثبات عند الممات ) ( ص 53 ) من طريق زاهر بن طاهر ثنا أبو نعيم عبدالملك بن محمد بن نعيم به .
وهذا إسناد ضعيف جدا ، مسلسل بالمجاهيل والضعفاء ، فيه عبدالله بن محمد بن ربيعة القدامي ، قال الذهبي في ( الميزان ) ( 2 / 488 ) : ( أحد الضعفاء ، أتى عن مالك بمصائب ) ، وقال : ( ضعفه ابن عدي وغيره ) .
وعمر بن المغيرة ، قال البخاري عنه : ( منكر الحديث ، مجهول ) ، كذا في ( الميزان ) ( 3 / 224 ) .
وعطاء بن عجلان متروك ، بل أطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب ، كما في ( التقريب ) ، وانظر : ( الميزان ) ( 3 / 75 ) .
فهذا الإسناد واه بمرة لا يفرح به البتة .
الرابع : أخرج ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) ( ص 134 – 135 ) ، قال : ( أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفرضي نا عبدالعزيز بن أحمد . ح واخبرنا أبو الحسن بن أبي الحديد أنا جدي أبو عبدالله ، قالا : أنا محمد بن عوف أنا محمد بن موسى بن الحسين الحافظ أنا محمد بن خريم نا هشام بن عمار نا يزيد بن سمرة نا سليمان بن حبيب ، أنه سمع الزهري قال : (( ما اختبر من رجل من المسلمين ما اختبر من عبدالله بن حذافة السهمي ………)) .
وهذا إسناد ضعيف جدا ، وفيه علل :
الأولى : الانقطاع بين الزهري وعبدالله بن حذافة .
الثانية : يزيد بن سمرة ، قال ابن حبان : (( ربما أخطأ )) .
الثالثة : هشام بن عمار ، فيه ضعف .
أفاده شيخنا الألباني في ( الإرواء ) ( 8 / 157 / رقم 2515 ) .
وللقصة طريق أخرى مقطوعة ، قال الذهبي في ( السير ) ( 2 / 15 ) : الوليد بن مسلم : حدثنا أبو عمرو ومالك بن أنس : (( أن أهل قيسارية أسروا ابن حذافة ………)) .
وقد روى ابن عائذ قصة ابن حذافة ، فقال : حدثنا الوليد بن محمد : (( أن ابن حذافة أسر ………)) .
فهذه الأسانيد جميعها ضعيفة ، لا تنهض بالقصة ، ولا تقوى على عدها حقيقة تاريخية لا شك فيها ، فهي شديدة الضعف ، ولذا لما سمع بعض العلماء راويا يحدث بها استغربها .
الخامس : أخرج ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) ( ص 132 – 133 ) ، قال : ( أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر ، أنا أحمد بن الحسين الحافظ ، أنا أبو الحسبن محمد بن الفضل القطان ، أنا أبو سهل بن زياد القطان ، نا سعيد بن عثمان الأهوازي ، نا عبدالله بن معاوية الجمحي . ح .
قال البيهقي : وأنا أبو نصر عمر بن عبدالعزيز بن عمر بن قتادة أنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي نا أبو الفضل أحمد بن سلمة نا عبدالله بن معاوية الجمحي نا عبدالعزيز بن مسلم القسملي نا ضرار بن عمرو عن أبي رافع ، قال : (( وجه عمر بن الخطاب جيشا إلى الروم وفيهم رجل يقال له عبدالله بن حذافة من أصحاب رسول النبي صلى الله عليه وسلم ، فأسره الروم ………)) .
ثم قال : (( قال أحمد بن سلمة : سألني عن هذا الحديث محمد بن مسلم ، ومحمد بن إدريس ، وقالا لي : ما سمعنا بهذا الحديث قط )) .
وهذا إسناد ضعيف جدا ، فيه ضرار بن عمرو ، وهو ضعيف جدا ، قال ابن معين : ( لا شيء ) ، وقال الدولابي : ( فيه نظر ) ، كذا في ( الميزان ) ( 2 / 328 ) ، وأخشى أن يكون عبدالعزيز بن مسلم قد وهم فيه ، وأدخل إسنادا في إسناد ، فإنه رواه كما أخرجه أبو العرب في ( المحن ) ( 383 – 384 ) عن عبدالله بن محمد من ولد عبدالله بن حذافة ، وعلى أي حال ، الإسناد ضعيف جدا ، ولا يستشهد به .
بقي أن أشير إلى مقولة أحمد بن سلمة في آخر هذا الطريق : (( سألني عن هذا الحديث محمد بن مسلم ، ومحمد بن إدريس ، وقالا لي : ما سمعنا بهذا الحديث قط )) . فيه إيماء إلى عدم شهرة هذه القصة واستغرابها ممن حدث بها ممن هو فوق أحمد بن سلمة من قبل حافظين كبيرين ، هما :
الأول : محمد بن مسلم ، وهو ابن وارة ( الإمام ، الحافظ ، المجود ، أحد الأعلام ) كما في ( السير ) ( 13 / 28 ) .
والآخر : محمد بن إدريس ، أبو حاتم الرازي ، ( الإمام ، الحافظ ، الناقد ، شيخ المحدثين ، كان من بحور العلم ، طوف البلاد ، وبرع في المتن والإسناد ، وجمع وصنف ، وجرح وعدل ، وصحح وعلل ) كذا في ( السير ) ( 13 / 247 ) .
4- ملاحظات مهمة :
وأخيرا نلفت نظر القارئ إلى الملاحظات التالية :
أولا : نصص شيخنا الألباني حفظه الله تعالى على ضعف القصة في كتابه القيم ( إرواء الغليل ) ( 8 / 156 – 157 / رقم 2515 ) ولم يعزها إلا لابن عساكر .
ثـانـيـا : لا يستلزم من ضعف القصة عدم أسر عبدالله بن حذافة من قبل الروم ، فقد ذكر ذلك خليفة في ( تاريخه ) ( 142 ) – وعنه الذهبي في ( تاريخ الإسلام ) ( ص 187 – عهد الخلفاء الراشدين ) - ، قال في أحداث سنة تسع عشرة : (( وفيها أسرت الروم عبدالله بن حذافة السهمي )) .
وأسند الحاكم في ( المستدرك ) ( 3 / 631 ) عقب حديث أبي سعيد الخدري ، قال : (( وكان الروم قد أسروه في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فأرادوه على الكفر ، فعصمه الله عز وجل حتى أنجاه الله تبارك وتعالى منهم )) .
وقد قال ابن سعد في ( الطبقات الكبرى ) ( 4 / 190 ) : (( قال محمد بن عمر : وكانت الروم قد أسرت عبدالله بن حذافة ، فكتب فيه عمر بن الخطاب إلى قسطنطين ، فخلى عنه ، ومات عبدالله بن حذافة في خلافة عثمان بن عفان )) .
ثـالـثـا : وفي مقولة الواقدي الأخيرة إضعاف ضمني لهذه القصة ، إذ فيها أن فكاك عبدالله بن حذافة من الأسر كان هو سبب كتابة عمر إلى ملك الروم ، وعبارة البلاذري في ( أنساب الأشراف ) ( 1 / 215 ) أوضح من ذلك ، قال : (( إن عمر بن الخطاب كتب إلى قسطنطين ملك الروم لما أسرته بشأنه ، فأطلق سراحه )) .
اللهم إلا أن يتكلف فيقال : ولعل امتحانه من قبل الروم وتخويفه واختبار إيمانه جاء عقب كتاب عمر ، ليرى ذلك ملك الروم !
ويغنينا عن كل ما قدمنا أن هذه القصة لو كانت ثابتة لوردت بأسانيد نظيفة ، فإن همم العدول والثقات تتداعى على حمل مثلها ، وحينئذ لا تفوت الحفاظ الكبار والأئمة العظام كأبي حاتم الرازي وغيره ، ولا يبعد أن مراد البخاري في ( التاريخ الكبير ) ( 5 / 8 ) ( ترجمة عبدالله بن حذافة ) في قوله : (( لا يصح حديثه ، مرسل )) ، هذه القصة ، وإن كان حملها ابن عدي في ( الكامل ) ( 4 / 1536 ) على حديث : (( إن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤذن في أهل منى في مؤذنين بعثهم : أن لا يصوم هذه الأيام أحد ، فإنها أيام طعم وشرب وذكر الله )) ، قال ابن عدي عقبه : (( وهو الذي أشار إليه البخاري لعبدالله بن حذافة ، لا يصح ))
. انتهـى من كتاب ( قصص لا تثبت / ج3 – مشهور بن حسن آل سلمان) بتصرف .
والحمد لله رب العالمين .

