- 6 يونيو 2008
- 2,850
- 27
- 0
- الجنس
- ذكر
من حراس الرسول صلي الله عليه وسلم أبو عبيدة بن الجراح
أمين هذه الأمة
كتب: رضا الجنايني
حارس هذا العدد صحابي جليل طويل القامة نحيف الجسم ، معروق الوجه ، خفيف اللحية ، أسلم علي يد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في الأيام الأولي للإسلام قبل أن يدخل الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم دار الأرقم ، أنـه أبو عبيدة بن الجراح هاجر إلي الحبشة في الهجرة الثانية ، ثم عاد منها ليقف إلي جوار رسوله في بدر وأحد وبقية المشاهد جميعها ، وظل كذلك بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم في صحبة خليفته أبي بكر ، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر ، نابذا الدنيا وراء ظهره في زهد وتقوي وصمود وأمانة .
هذا الحارس الأمين بايع رسول الله صلي الله عليه وسلم علي أن ينفق حياته في سبيل الله ، وهو يري أن حياته أمانة استودعها الله إياها لينفقها في سبيله وفي مرضاته ، وامسك النبي صلي الله عليه وسلم بيمين أبو عبيدة وأهداه وســاما عزيزا يتمناه كل مؤمن حينما قال صلي الله عليه وسـلم : (( أن لكل امة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح )) .
وفي غزوة أحد أحس أبو عبيدة من سير المعركة أن حرص المشركين ليس علي إحراز النصر في الحرب ، بل قبل ذلك ودون ذلك علي اغتيال حياة الرسول صلي الله عليه وسلم ، لذا اتفق أبو عبيدة مع نفسه أن يحـرس رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وأن لا تغيب عينه عن رؤية رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وأن يدفع عنه الأذى ، ومضي أبوعبيدة يضرب بسيفه الأمين مثله ، في جيش جاء باغيا وعاديا يريد أن يطفئ نور الله ، وحاول الأعداء استدراج هذا الحارس الأمين عن مكانه ، بعيدا عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ، لكنه كان يقاتل وعيناه لا تسيران في اتجاه ضرباته ، بل هما متجهتان إلي حيث يقف رسول الله صلي الله عليه وسلم ويقاتل ، ترقبانه في حرص وقلق ، وكلما تراءي إلي أبو عبيدة خطر يقترب من النبي صلي الله عليه وسلم انخلع من مكانه وقطع الأرض وثبا ، ودحض أعداء الله وردهم علي أعقابهم قبل أن ينالوا من رسول الله صلي الله عليه وسلم منالا .
وظل الحارس الأمين يدافع عن النور الذي أرسله الله للناس بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ، وفي أحدي جولاته تلك ، وقد بلغ القتال ذروة ضراوته أحاط بأبي عبيدة طائفة من المشركين ، وكانت عيناه كعادتهما تحدقان كعيني الصقر في موقع رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه إذ رأي سهما ينطلق من يد مشرك فيصيب الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم ، وعمل سيفه في الذين يحيطون به وكأنه مائة سيف ، حتى فرقهم عنه ، وطار صوب رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فرأي الدم الزكي يسيل من علي وجهه ، ورأي نبي الله محمد حارسه الأمين وهو يمسح الدم عنه بيمينه فقال صلي الله عليه وسلم : (( كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعهم إلي ربهم ؟
ياله من موقف ثقيل علي قلب كل محب لله ولرسوله ، لقد اشتد أذي المشركين علي رسول الله ، ورأي أبو عبيدة حلقتين من حلق المغفر الذي يضعه الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم فوق رأسه قد دخلتا في وجنتي النبي صلي الله عليه وسلم ، فلم يطق الحارس الأمين صبرا ، واقترب أبو عبيدة من رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وهو يري ما ألم برسول الله صلي الله عليه وسلم فذرفت عينا أبو عبيدة ، وانخلع من مكانه ، وقبض بثناياه علي حلقة منهما حتى نزعها من وجنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فسقطت ثنية لأبي عبيدة ، لكنه كان يشعر فقط بألم رسول الله صلي الله عليه وسلم ، لذا طار مرة أخري ونزع الحلقة الأخرى ، فسقطت ثنيته الثانية ، ليكون أجمل حارس أثرم في تاريخ الإسلام ، وما أجمل أن ندع الحديث للصديق أبو بكر يقص علينا قصة هذا المشهد بكلماته :
(( لما كان يوم أحد ، ورمي رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر ، أقبلت اسعي إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وإنسان قد اقبل من قبل المشرق يطير طيرانا ، فقلت اللهم اجعله طاعة ، حتى إذا توافينا إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وإذا هو أبو عبيدة بن الجراح قد سبقني ، فقال : أسألك بالله ياابا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلي الله عليه وسلم .
فتركته ،فأخذ أبو عبيدة بثنية أحدي حلقتي المغفر ، فنزعها ، وسقط علي الأرض وسقطت ثنيته معه ، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنية أخري فسقطت ، فكان أبو عبيدة في الناس أثرم )) .
وما أجمل إن تكون أثرما حبا في الله ورسوله ، وجزي الله هذا الحارس الأمين عن امة نبينا محمد خير الجزاء ، أنه لم يطق أن يمس نبيه أذي ، ولم يبالي مايتكبده جراء ذلك ، ولم ينتهي دور الحارس الأمين عند ذلك ، بل زادت مسئولياته وكان أبو عبيدة في مستواها بصدقه وإخلاصه وأمانته ، فقد أرسله النبي صلي الله عليه وسلم في غزوة الخبط أميرا علي ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المقاتلين ، وليس معهم سوي جراب من التمر ، والمهمة صعبة ن والسفر بعيد ، لكن الحارس الأمين مطيع لأمر قائده الذي يحبه ، واستقبل واجبه في إتقان وغبطه ، وراح هو وجنوده يقطعون الأرض ، وزاد كل فرد فيهم حفنة تمر ، حتى إذا أوشك التمر أن ينتهي ، يهبط نصيب كل واحد فيهم إلي تمرة واحدة في اليوم ، حتى إذا فرغ التمر جميعا راحوا يتصيدون الخبط ، وهو ورق الشجر بقسيهم ، يسحقونه ويشربون عليه الماء ، لذا سميت الغزوة بغزوة الخبط .
ومضي الحارس الأمين مع جنوده لا يبالون بجوع أو حرمان ، ولا يعنيهم إلا أن ينجزوا مع أميرهم المهمة الجليلة التي اختارهم لها رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وكانوا أحق بها وأهلها .
وتوالت مهام الحارس الأمين ، فعندما جاء وفد من نجران مسلمين ، وسألوا النبي صلي الله عليه وسلم أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والإسلام ، قال لهم رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( لأبعثن معكم رجلا أمينا ، حق أمين .. حق أمين )) وسمع الصحابة هذا الثناء فتمني كل منهم لو يكون هو الذي يقع عليه اختيار الرسول صلي الله عليه وسلم ، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه .
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أحببت الامارة قط ، حبي اياها يومئذ ، رجاء أن أكون صاحبها ، فرحت إلي الظهر مهجرا ، أي مبكرا ـ فلما صلي بنا رسول الله صلي الله عليه وسلم الظهر سلم ، ثم نظر عن يمينه ، وعن يساره ، فجعلت اتطاول له ليراني ، فلم يزل يلتمس ببصره حتي راي أبا عبيدة بن الجراح ، فدعاه ، فقال أخرج معهم ، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه ، فذهب بها ابا عبيدة .
يالها من مواقف نبيله وواجبات قام بتا هذا الحارس الأمين خير قيام حتي توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو راض عن حارسه الأمين أبو عبيدة بن الجراح ، وعاش ابو عبيدة بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم حارسا أمينا ايضا ، يحمل مسئولياته في أمانه تكفي أهل الأرض لو اغترفوا منها جميعا ، وسار تحت راية الأسلام جنديا في عهد ابا بكر الصديق ، ثم في عهد عمر بن الخطاب .
وفي حياة هذا الحارس المخلص قصة أخري يقتدي به كل رجل أمن أو مسئول ، عندما كان خالد بن الوليد يقود جيوش المسلمين في أحدي المعارك الفاصلة الكبري ، واستهل امير المؤمنين عمر بن الخطاب عهده بتولية ابي عبيدة مكان خالد قائدا للجيوش ، وهو الذي كان جنديا من جنود قائده ، فاستقبل ابو عبيدة مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد ، واستكتمه الخبر ، وكتمه في نفسه طاويا عليه صدر زاهد فطن أمين ، حتي أتم القائد خالد فـتحه العظيم ، حتي لا تزرع نار الأضطراب أو الفرقة أو الفتنة في صفوف المسلمين ، حينئذ تقدم إلي قائده في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين ، ليسأله قائده خالد : يرحمك الله ياأبا عبيدة مامنعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب ؟
فيجيبه حارس رسول الله صلي الله عليه وسلم : اني كرهت أن اكسر عليك حربك ، وما سلطان الدنيا نريد ، ولا الدنيا نعمل ، كلنا في الله أخوة .
أنه حارس تعلم من رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يكون حارسا علي الأسلام ببدنه ، وحارسا علي قوله وفعله ، فلا يقول ألا ما يرضي الله ورسوله ، ولا يفعل ألا ما أمره به الله ورسوله ، حتي بعد أن ولاه عمر أمارة الشام ، وصار تحت أمرته أكثر جيوش الأسلام طولا وعرضا وعتادا وعددا ، فما كنت تحسبه حين تراه ألا واحدا من المقاتلين ، وفردا عاديا من المسلمين ، وعندما افتتن أهل الشام بقوته وعظمته خطب فيهم قائلا :
يا أيها الناس .. أني مسلم من قريش .. وما منكم من أحد أحمر ، ولا أسود يفضلني بتقوي ألا وددت أني في اهابه .
وتمر الأيام سريعا ، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المدينة يرعي شؤن المسلمين ، جاءه الناعي أن قد مات أبو عبيدة ، فغصت عيني عمر بالدموع ، ورحم علي صاحبه ، واعاد مقالته عنه : لو كنت متمنيا ، ما تمنيت ألا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة .
ومات الحارس الأمين ، تاركا وراءه تاريخا حافلا بالعطاء .
أمين هذه الأمة
كتب: رضا الجنايني
حارس هذا العدد صحابي جليل طويل القامة نحيف الجسم ، معروق الوجه ، خفيف اللحية ، أسلم علي يد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في الأيام الأولي للإسلام قبل أن يدخل الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم دار الأرقم ، أنـه أبو عبيدة بن الجراح هاجر إلي الحبشة في الهجرة الثانية ، ثم عاد منها ليقف إلي جوار رسوله في بدر وأحد وبقية المشاهد جميعها ، وظل كذلك بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم في صحبة خليفته أبي بكر ، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر ، نابذا الدنيا وراء ظهره في زهد وتقوي وصمود وأمانة .
هذا الحارس الأمين بايع رسول الله صلي الله عليه وسلم علي أن ينفق حياته في سبيل الله ، وهو يري أن حياته أمانة استودعها الله إياها لينفقها في سبيله وفي مرضاته ، وامسك النبي صلي الله عليه وسلم بيمين أبو عبيدة وأهداه وســاما عزيزا يتمناه كل مؤمن حينما قال صلي الله عليه وسـلم : (( أن لكل امة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح )) .
وفي غزوة أحد أحس أبو عبيدة من سير المعركة أن حرص المشركين ليس علي إحراز النصر في الحرب ، بل قبل ذلك ودون ذلك علي اغتيال حياة الرسول صلي الله عليه وسلم ، لذا اتفق أبو عبيدة مع نفسه أن يحـرس رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وأن لا تغيب عينه عن رؤية رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وأن يدفع عنه الأذى ، ومضي أبوعبيدة يضرب بسيفه الأمين مثله ، في جيش جاء باغيا وعاديا يريد أن يطفئ نور الله ، وحاول الأعداء استدراج هذا الحارس الأمين عن مكانه ، بعيدا عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ، لكنه كان يقاتل وعيناه لا تسيران في اتجاه ضرباته ، بل هما متجهتان إلي حيث يقف رسول الله صلي الله عليه وسلم ويقاتل ، ترقبانه في حرص وقلق ، وكلما تراءي إلي أبو عبيدة خطر يقترب من النبي صلي الله عليه وسلم انخلع من مكانه وقطع الأرض وثبا ، ودحض أعداء الله وردهم علي أعقابهم قبل أن ينالوا من رسول الله صلي الله عليه وسلم منالا .
وظل الحارس الأمين يدافع عن النور الذي أرسله الله للناس بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ، وفي أحدي جولاته تلك ، وقد بلغ القتال ذروة ضراوته أحاط بأبي عبيدة طائفة من المشركين ، وكانت عيناه كعادتهما تحدقان كعيني الصقر في موقع رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه إذ رأي سهما ينطلق من يد مشرك فيصيب الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم ، وعمل سيفه في الذين يحيطون به وكأنه مائة سيف ، حتى فرقهم عنه ، وطار صوب رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فرأي الدم الزكي يسيل من علي وجهه ، ورأي نبي الله محمد حارسه الأمين وهو يمسح الدم عنه بيمينه فقال صلي الله عليه وسلم : (( كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعهم إلي ربهم ؟
ياله من موقف ثقيل علي قلب كل محب لله ولرسوله ، لقد اشتد أذي المشركين علي رسول الله ، ورأي أبو عبيدة حلقتين من حلق المغفر الذي يضعه الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم فوق رأسه قد دخلتا في وجنتي النبي صلي الله عليه وسلم ، فلم يطق الحارس الأمين صبرا ، واقترب أبو عبيدة من رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وهو يري ما ألم برسول الله صلي الله عليه وسلم فذرفت عينا أبو عبيدة ، وانخلع من مكانه ، وقبض بثناياه علي حلقة منهما حتى نزعها من وجنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فسقطت ثنية لأبي عبيدة ، لكنه كان يشعر فقط بألم رسول الله صلي الله عليه وسلم ، لذا طار مرة أخري ونزع الحلقة الأخرى ، فسقطت ثنيته الثانية ، ليكون أجمل حارس أثرم في تاريخ الإسلام ، وما أجمل أن ندع الحديث للصديق أبو بكر يقص علينا قصة هذا المشهد بكلماته :
(( لما كان يوم أحد ، ورمي رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر ، أقبلت اسعي إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وإنسان قد اقبل من قبل المشرق يطير طيرانا ، فقلت اللهم اجعله طاعة ، حتى إذا توافينا إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وإذا هو أبو عبيدة بن الجراح قد سبقني ، فقال : أسألك بالله ياابا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلي الله عليه وسلم .
فتركته ،فأخذ أبو عبيدة بثنية أحدي حلقتي المغفر ، فنزعها ، وسقط علي الأرض وسقطت ثنيته معه ، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنية أخري فسقطت ، فكان أبو عبيدة في الناس أثرم )) .
وما أجمل إن تكون أثرما حبا في الله ورسوله ، وجزي الله هذا الحارس الأمين عن امة نبينا محمد خير الجزاء ، أنه لم يطق أن يمس نبيه أذي ، ولم يبالي مايتكبده جراء ذلك ، ولم ينتهي دور الحارس الأمين عند ذلك ، بل زادت مسئولياته وكان أبو عبيدة في مستواها بصدقه وإخلاصه وأمانته ، فقد أرسله النبي صلي الله عليه وسلم في غزوة الخبط أميرا علي ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المقاتلين ، وليس معهم سوي جراب من التمر ، والمهمة صعبة ن والسفر بعيد ، لكن الحارس الأمين مطيع لأمر قائده الذي يحبه ، واستقبل واجبه في إتقان وغبطه ، وراح هو وجنوده يقطعون الأرض ، وزاد كل فرد فيهم حفنة تمر ، حتى إذا أوشك التمر أن ينتهي ، يهبط نصيب كل واحد فيهم إلي تمرة واحدة في اليوم ، حتى إذا فرغ التمر جميعا راحوا يتصيدون الخبط ، وهو ورق الشجر بقسيهم ، يسحقونه ويشربون عليه الماء ، لذا سميت الغزوة بغزوة الخبط .
ومضي الحارس الأمين مع جنوده لا يبالون بجوع أو حرمان ، ولا يعنيهم إلا أن ينجزوا مع أميرهم المهمة الجليلة التي اختارهم لها رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وكانوا أحق بها وأهلها .
وتوالت مهام الحارس الأمين ، فعندما جاء وفد من نجران مسلمين ، وسألوا النبي صلي الله عليه وسلم أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والإسلام ، قال لهم رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( لأبعثن معكم رجلا أمينا ، حق أمين .. حق أمين )) وسمع الصحابة هذا الثناء فتمني كل منهم لو يكون هو الذي يقع عليه اختيار الرسول صلي الله عليه وسلم ، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه .
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أحببت الامارة قط ، حبي اياها يومئذ ، رجاء أن أكون صاحبها ، فرحت إلي الظهر مهجرا ، أي مبكرا ـ فلما صلي بنا رسول الله صلي الله عليه وسلم الظهر سلم ، ثم نظر عن يمينه ، وعن يساره ، فجعلت اتطاول له ليراني ، فلم يزل يلتمس ببصره حتي راي أبا عبيدة بن الجراح ، فدعاه ، فقال أخرج معهم ، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه ، فذهب بها ابا عبيدة .
يالها من مواقف نبيله وواجبات قام بتا هذا الحارس الأمين خير قيام حتي توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو راض عن حارسه الأمين أبو عبيدة بن الجراح ، وعاش ابو عبيدة بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم حارسا أمينا ايضا ، يحمل مسئولياته في أمانه تكفي أهل الأرض لو اغترفوا منها جميعا ، وسار تحت راية الأسلام جنديا في عهد ابا بكر الصديق ، ثم في عهد عمر بن الخطاب .
وفي حياة هذا الحارس المخلص قصة أخري يقتدي به كل رجل أمن أو مسئول ، عندما كان خالد بن الوليد يقود جيوش المسلمين في أحدي المعارك الفاصلة الكبري ، واستهل امير المؤمنين عمر بن الخطاب عهده بتولية ابي عبيدة مكان خالد قائدا للجيوش ، وهو الذي كان جنديا من جنود قائده ، فاستقبل ابو عبيدة مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد ، واستكتمه الخبر ، وكتمه في نفسه طاويا عليه صدر زاهد فطن أمين ، حتي أتم القائد خالد فـتحه العظيم ، حتي لا تزرع نار الأضطراب أو الفرقة أو الفتنة في صفوف المسلمين ، حينئذ تقدم إلي قائده في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين ، ليسأله قائده خالد : يرحمك الله ياأبا عبيدة مامنعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب ؟
فيجيبه حارس رسول الله صلي الله عليه وسلم : اني كرهت أن اكسر عليك حربك ، وما سلطان الدنيا نريد ، ولا الدنيا نعمل ، كلنا في الله أخوة .
أنه حارس تعلم من رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يكون حارسا علي الأسلام ببدنه ، وحارسا علي قوله وفعله ، فلا يقول ألا ما يرضي الله ورسوله ، ولا يفعل ألا ما أمره به الله ورسوله ، حتي بعد أن ولاه عمر أمارة الشام ، وصار تحت أمرته أكثر جيوش الأسلام طولا وعرضا وعتادا وعددا ، فما كنت تحسبه حين تراه ألا واحدا من المقاتلين ، وفردا عاديا من المسلمين ، وعندما افتتن أهل الشام بقوته وعظمته خطب فيهم قائلا :
يا أيها الناس .. أني مسلم من قريش .. وما منكم من أحد أحمر ، ولا أسود يفضلني بتقوي ألا وددت أني في اهابه .
وتمر الأيام سريعا ، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المدينة يرعي شؤن المسلمين ، جاءه الناعي أن قد مات أبو عبيدة ، فغصت عيني عمر بالدموع ، ورحم علي صاحبه ، واعاد مقالته عنه : لو كنت متمنيا ، ما تمنيت ألا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة .
ومات الحارس الأمين ، تاركا وراءه تاريخا حافلا بالعطاء .

