- 8 فبراير 2008
- 39
- 0
- 0
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- محمود خليل الحصري
(بسم الل)
:
:
أرجوا التثبيت
الصوم عمل إيجابي في حقيقته وروحه
وهذا الامتناع والترك إن بدا سلبيا في مظهره، فهو عمل إيجابي في حقيقته وروحه، إذ هو كف النفس عما تشتهيه بنية القربة إلى الله تعالى، فهو بهذا عمل نفسي إرادي له ثقله في ميزان الحق والخير والقبول عند الله.
النية إذن هي الفيصل في كل فعل وترك، وهل الدين إلا فعل وترك؟ فعل للمأمور به إيجابا أو استحبابا، وترك للمنهي عنه تحريما أو كراهة، بل هل الفضائل إلا فعل لما ينبغي، وترك لما لا ينبغي؟
والصيام عبادة قديمة عرفتها الأديان قبل الإسلام، وإن حرف الناس في كيفيته وبدلوا، قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).
ولكن صيام الإسلام يمتاز عن كل صيام سواه.
شهر الصيام المفروض
وقد اختار الله لهذا الصيام في الإسلام شهرا مباركا كريما، له في نفوس المسلمين مكان كريم، فهو الشهر الذي نزل فيه أول فوج من آيات القرآن العزيز، حملها الروح الأمين إلى قلب الرسول الكريم: (اقرأ باسم ربك الذي خلق..)
وجدير بشهر اصطفاه الله لنزل فيه أفضل كتبه إلى خيرة خلقه، أن يكون أهلا ليفرض فيه تلك العبادة السنوية "الصيام"، قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
من أسرار الصيام
لقد فرض الله علينا الصيام في رمضان، وما فرضه إلا لأسرار عليا، وحكم بالغة، نعرف منها ما نعرف ونجهل منها ما نجهل، ويكشف عن بعضها ما يكشف، فعلينا أن نتأمل حكمة الله من وراء هذا الجوع والعطش، وأن ندرك سره تعالى في الصوم حتى نؤديه كما أراده الله لا كما اشتهاه الناس.
الصوم تقوية للروح
ولن نستطيع أن ندرك سر هذا الصوم إلا إذا أدركنا سر هذا الإنسان.. فما الإنسان وما حقيقته؟
هل هو هذه الجثة القائمة، وهذا الهيكل المنتصب؟ هل هو هذه المجموعة من الأجهزة والخلايا واللحم والدم والعظم والعصب؟ إن كان الإنسان هو ذلك فما أحقره وما أصغره!!
نعم ليس الإنسان هو ذلك الهيكل المحسوس، إنما هو روح سماوي يسكن هذا الجسم الأرضي، وسر من الملأ الأعلى في غلاف من الطين!
ليست حقيقة الإنسان إلا هذه اللطيفة الربانية، والجوهرة الروحانية التي أودعها الله فيه، بها يعقل ويفكر، وبها يشعر ويتذوق، وبها يدبر ملك الأرض، ويتطلعه إلى ملكوت السماء، وبها أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم، لا لما فيه من حمأ مسنون، وطين معجون، (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين).
ذلكم هو الإنسان، روح علوي وجسد سفلي، فالجسد بيت، والروح صاحبه وساكنه، والجسد مطية، والروح راكب مسافر، ولم يخلق البيت لنفسه، ولا المطية لذاتها، ولكن البيت لمصلحة الساكن، والمطية لمنفعة الراكب، فما أعجب هؤلاء الآدميين الذين أهملوا أنفسهم وعنوا بمساكنهم وجعلوا من ذواتهم خداما لمطاياهم، وأهملوا أرواحهم وعبدوا أجسادهم، فللجسد وحده يعملون، ولإشباع غرائزه الدنيا ينشطون، وحول بطونهم وفروجهم يدورون، نشيدهم الدائم قول القائل:
إنما الدنيا طعام وشراب ومنام
فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام!
أولئك الذين وصفهم الله بقوله: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه؟ أفأنت تكون عليه وكيلا. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا).
ذلكم هو الإنسان روح وجسد، فلجسده مطالب من جنس عالمه السفلي، وللروح مطالب من جنس عالمها العلوي، فإذا أخضع الإنسان أشواق روحه لمطالب جسده، وحكم غريزته في عقله، استحال من ملاك رحيم إلى حيوان ذميم، وربما إلى شيطان رجيم، هذا الذي ناداه الشاعر المؤمن:
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران؟!
أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان!!
أما إذا عرف الإنسان قيمة نفسه، وأدرك سر الله فيه، وحكم جانبه السماوي في جانبه الأرضي، وعني بالراكب قبل المطية، وبالساكن قبل الجدران، وغلب أشواق الروح على نوازع الجسد، فقد صار ملاكا أو خيرا من الملاك (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية).
ومن هنا فرض الله الصيام ليتحرر الإنسان من سلطان غرائزه، وينطلق من سجن جسده، ويتغلب على نزعات شهوته، ويتحكم في مظاهر ـ حيوانيته، ويتشبه بالملائكة، فليس عجيبا أن يرتقي روح الصائم ويقترب من الملأ الأعلى، ويقرع أبواب السماء بدعائه فتفتح، ويدعو ربه فيستجيب له، ويناديه فيقول: لبيك عبدي لبيك، وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم.."
صوموا تصحوا
وإذا كان في الصيام فرصة أي فرصة لتقوية الروح، ففيه فرصة أي فرصة لتقوية البدن، فإن كثيرا مما يصيب الناس من أمراض إنما هو ناشئ من بطونهم التي يتخمونها بكل ما تشتهي غير مفرقين بين ما ينبغي وقد قال "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه".
وإذا كانت البطن مستنقع البلايا، وكانت المعدة بيت الداء، فإن الحمية (أي الامتناع عن الأكل) رأس الدواء، وليس كالصوم فرصة تستريح فيها المعدة، ويتخلص الجسم من كثير من فضلاته الضارة، وقد نشرت إحدى المجلات أن ثلاثمائة قد برئوا من البول السكري بعلاج الصوم وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "صوموا تصحوا".
الصوم تربية للإرادة
وفي الصوم تقوية للإرادة، وتربية على الصبر، فالصائم يجوع وأمامه شهي الغذاء، ويعطش وبين يديه بارد الماء، ويعف وبجانبه زوجته، لا رقيب عليه في ذلك إلا ربه، ولا سلطان إلا ضميره، ولا يسنده إلا إرادته القوية الواعية، يتكرر ذلك نحو خمس عشرة ساعة أو أكثر في كل يوم، وتسعة وعشرين يوما أو ثلاثين في كل عام، فأي مدرسة تقوم بتربية الإرادة الإنسانية وتعليم الصبر الجميل، كمدرسة الصيام التي يفتحها الإسلام إجباريا للمسلمين في رمضان، وتطوعا في غير رمضان؟! لقد كتب عالم نفساني ألماني بحثا عن تقوية الإرادة أثبت فيه أن أعظم وسيلة لذلك هي الصوم، أما الإسلام فقد سبق علماء النفس كما سبق من قبل أطباء الجسم، وحسبك أن تسمع نداء الرسول للشباب: "يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه لو وجاء".
ولأن رمضان يعلم الصبر نسبه الرسول إليه فقال: "صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، يذهبن وحر الصدر" وروي عنه في حديث آخر: "لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم، والصوم نصف الصبر".
وإنما كان الصوم نصف الصبر لأن في الإنسان قوى ثلاثا: قوة شهوية كالتي في البهائم، وقوة غضبية كالتي في السباع، وقوة روحية كالتي في الملائكة، فإذا تغلبت قوته الروحية على إحداهما كان ذلك نصف الصبر، وفي الصوم يتغلب المسلم على قوته الشهوانية من بطن وفرج فكان الصوم حقا نصف الصبر.
إن الإسلام ليس دين استسلام وخمول، بل هو دين جهاد وكفاح متواصل، وأول عدة للجهاد هو الصبر والإرادة القوية، فإن لم يجاهد نفسه هيهات أن يجاهد عدوا، ومن لم ينتصر على نفسه وشهواتها هيهات أن ينتصر على عدوه، ومن لم يصبر على جوع يوم هيهات أن يصبر على فراق أهل ووطن من أجل هدف كبير، والصوم ـ بما فيه من صبر وفطام للنفوس ـ من أبرز وسائل الإسلام في إعداد المؤمن الصابر المرابط المجاهد، الذي يتحمل الشظف والجوع والحرمان، ويرحب بالشدة والخشونة وقسوة العيش ما دام ذلك في سبيل الله.
تعريف بالنعمة
ومن حكم الصوم أنه يعرف المرء بمقدار نعم الله عليه، فالإنسان إذا تكررت عليه النعم، قل شعوره بها، النعم لا تعرف إلا بفقدانها، فالحلو لا تعرف قيمته إلا إذا ذاقت المر، والنهار لا تعرف قيمته إلا إذا جن عليك الليل، وبضدها تتميز الأشياء.
ففي الصوم معرفة لقيمة الطعام والشراب والشبع والري، ولا يعرف ذلك إلا إذا ذاق الجسم حرارة العطش، ومرارة الجوع.
ومن أجل ذلك ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا، يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك".
تذكير بحرمان المحرومين
ومن أسرار الصيام الاجتماعية أنه تذكير علمي بجوع الجائعين، وبؤس البائسين، تذكير بغير خطبة بليغة ولا لسان فصيح، تذكير يسمعه الصائم من صوت المعدة، ونداء الأمعاء، فإن الذي نبت في أحضان النعمة لم يعرف طعم الجوع، ولم يذق مرارة العطش، لعله يظن أن الناس كلهم مثله، وأنه ما دام يجد فالناس يجدون، وما دام يطعم لحم طير مما يشتهي وفاكهة مما يتخير، فلن يحرم الناس الخبز والبقول! فلا غرو، أن جعل الله من الصوم مظهرا للاشتراكية الصحيحة، والمساواة الكاملة، وجعل الجوع ضريبة إجبارية، يدفعها الموسر والمعسر، ويؤديها من يملك القناطير المقنطرة ومن لا يملك قوت يومه، حتى يشعر الغني أن هناك معدات خاوية، وبطونا خالية، وأحشاء لا تجد ما يسد الرمق، ويطفئ الحرق، فحري بإنسانية الإنسان، وإسلام المسلم، وإيمان المؤمن، أن يرق قلبه، وأن يعطي المحتاجين، وأن يمد يده إلى المساكين، فإن الله رحيم، وإنما يرحم من عباده الرحماء، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". وقد روي أن يوسف عليه السلام كان يكثر الصيام وهو على خزائن الأرض، بيده المالية والتموين، فسئل في ذلك فقال: أخاف إذا شبعت أن أنسى جوع الفقير!".
العبودية الكاملة لله
وفي الصوم قبل ذلك وبعده تمام التسليم لله وكمال العبودية لرب الناس ملك الناس إله الناس، وهذه الحكمة هي القدر المشترك في كل عبادة، والهدف الأسمى من كل فريضة، ولن تكون العبادة عبادة، ولا العبد عبدا إلا بها: يقول رب العباد: أمرت ونهيت ويقول العباد: (سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير).
وما أظهر هذا التسليم والعبودية في الصوم خاصة، فالصائم يجوع ويعطش وأسباب الغذاء والري أمامه ميسرة لولا حب الله والرغبة في رضاه، وإيثار ما عنده، ولهذا نسب الله الصيام إلى حضرته وتولى جزاء الصائمين بنفسه فقال: "كل عمل ابن آدم له إلى الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه من أجلي، ويدع شرابه من أجلي، ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي".
ذلكم هو الصوم في الإسلام، لم يشرعه الله تعذيبا للبشر ولا انتقاما، كيف وقد ختم آية الصوم بقوله: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وإنما شرعه الله إيقاظا للروح وتصحيحا للجسد، وتقوية للإرادة، وتعويدا على الصبر، وتعريفا بالنعمة، وتربية لمشاعر الرحمة، وتدريبا على كمال التسليم لله رب العالمين.
المسلمون والصيام
تلك حكم يجب أن نرعاها حق رعايتها، وأن نضعها نصب أعيننا في صومنا حتى يكون صوما يؤدي مهمته ويفي بالغرض المقصود منه.
فليت شعري هل فقه المسلمون أسرار الصيام وهل انتفعوا بشهر رمضان؟ أما أسلافنا فقد جنوا ثماره وتفيئوا ظلاله واستمدوا منه روح القوة وقوة الروح، كان نهارهم نشاطا وإنتاجا وإتقانا، وكان ليلهم تزاورا وتهجدا وقرآنا، وكان شهرهم كله تعلما وتعبدا وإحسانا، ألسنتهم صائمة فلا تلغو برفث أو جهل، وآذانهم صائمة فلا تسمع لباطل أو لغو، وأعينهم صائمة فلا تنظر إلى حرام أو فحش، وقلوبهم صائمة فلا تعزم على خطيئة أو إثم، وأيديهم صائمة فلا تمتد بسوء أو أذى.
أما مسلمو اليوم فمنهم من اتخذ رمضان موسما لطاعة الله، ومضاعفة الخيرات، صاموا نهاره فأحسنوا الصيام، وقاموا ليله فأحسنوا القيام، وشكروا نعمة الله عليهم، فلم ينسوا إخوانهم من الضعفاء والمحرومين، واقتدوا برسولهم الكريم الذي كان أجود ما يكون في رمضان، فهو أجرى بالخير من الريح المرسلة.
وبجوار هؤلاء المحسنين خلف سوء، لم ينتفعوا برمضان، ولم يستفيدوا بما فيه من صيام ولا قيام.
جعله الله للقلب والروح فجعلوه للبطن والمعدة، جعله الله للحلم والصبر فجعلوه للغضب والطيش، جعله الله للسكينة والوقار فجعلوه شهر السباب والشجار، جعله الله ليغيروا فيه من صفات أنفسهم فما غيروا إلا مواعيد أكلهم، جعله الله تهذيبا للغني الطاعم ومواساة للبائس المحروم فجعلوه معرضا لفنون الأطعمة والأشربة، تزداد فيه تخمة الغني بقدر ما تزداد حسرة الفقير!!
فلعلى المسلمين يصومون الصيام الذي يعدهم لتقوى الله كما أمر القرآن، حتى يخرجوا من رمضان مطهرين مغفوري الذنوب.
:
:أرجوا التثبيت
الصوم عمل إيجابي في حقيقته وروحه
وهذا الامتناع والترك إن بدا سلبيا في مظهره، فهو عمل إيجابي في حقيقته وروحه، إذ هو كف النفس عما تشتهيه بنية القربة إلى الله تعالى، فهو بهذا عمل نفسي إرادي له ثقله في ميزان الحق والخير والقبول عند الله.
النية إذن هي الفيصل في كل فعل وترك، وهل الدين إلا فعل وترك؟ فعل للمأمور به إيجابا أو استحبابا، وترك للمنهي عنه تحريما أو كراهة، بل هل الفضائل إلا فعل لما ينبغي، وترك لما لا ينبغي؟
والصيام عبادة قديمة عرفتها الأديان قبل الإسلام، وإن حرف الناس في كيفيته وبدلوا، قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).
ولكن صيام الإسلام يمتاز عن كل صيام سواه.
شهر الصيام المفروض
وقد اختار الله لهذا الصيام في الإسلام شهرا مباركا كريما، له في نفوس المسلمين مكان كريم، فهو الشهر الذي نزل فيه أول فوج من آيات القرآن العزيز، حملها الروح الأمين إلى قلب الرسول الكريم: (اقرأ باسم ربك الذي خلق..)
وجدير بشهر اصطفاه الله لنزل فيه أفضل كتبه إلى خيرة خلقه، أن يكون أهلا ليفرض فيه تلك العبادة السنوية "الصيام"، قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
من أسرار الصيام
لقد فرض الله علينا الصيام في رمضان، وما فرضه إلا لأسرار عليا، وحكم بالغة، نعرف منها ما نعرف ونجهل منها ما نجهل، ويكشف عن بعضها ما يكشف، فعلينا أن نتأمل حكمة الله من وراء هذا الجوع والعطش، وأن ندرك سره تعالى في الصوم حتى نؤديه كما أراده الله لا كما اشتهاه الناس.
الصوم تقوية للروح
ولن نستطيع أن ندرك سر هذا الصوم إلا إذا أدركنا سر هذا الإنسان.. فما الإنسان وما حقيقته؟
هل هو هذه الجثة القائمة، وهذا الهيكل المنتصب؟ هل هو هذه المجموعة من الأجهزة والخلايا واللحم والدم والعظم والعصب؟ إن كان الإنسان هو ذلك فما أحقره وما أصغره!!
نعم ليس الإنسان هو ذلك الهيكل المحسوس، إنما هو روح سماوي يسكن هذا الجسم الأرضي، وسر من الملأ الأعلى في غلاف من الطين!
ليست حقيقة الإنسان إلا هذه اللطيفة الربانية، والجوهرة الروحانية التي أودعها الله فيه، بها يعقل ويفكر، وبها يشعر ويتذوق، وبها يدبر ملك الأرض، ويتطلعه إلى ملكوت السماء، وبها أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم، لا لما فيه من حمأ مسنون، وطين معجون، (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين).
ذلكم هو الإنسان، روح علوي وجسد سفلي، فالجسد بيت، والروح صاحبه وساكنه، والجسد مطية، والروح راكب مسافر، ولم يخلق البيت لنفسه، ولا المطية لذاتها، ولكن البيت لمصلحة الساكن، والمطية لمنفعة الراكب، فما أعجب هؤلاء الآدميين الذين أهملوا أنفسهم وعنوا بمساكنهم وجعلوا من ذواتهم خداما لمطاياهم، وأهملوا أرواحهم وعبدوا أجسادهم، فللجسد وحده يعملون، ولإشباع غرائزه الدنيا ينشطون، وحول بطونهم وفروجهم يدورون، نشيدهم الدائم قول القائل:
إنما الدنيا طعام وشراب ومنام
فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام!
أولئك الذين وصفهم الله بقوله: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه؟ أفأنت تكون عليه وكيلا. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا).
ذلكم هو الإنسان روح وجسد، فلجسده مطالب من جنس عالمه السفلي، وللروح مطالب من جنس عالمها العلوي، فإذا أخضع الإنسان أشواق روحه لمطالب جسده، وحكم غريزته في عقله، استحال من ملاك رحيم إلى حيوان ذميم، وربما إلى شيطان رجيم، هذا الذي ناداه الشاعر المؤمن:
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران؟!
أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان!!
أما إذا عرف الإنسان قيمة نفسه، وأدرك سر الله فيه، وحكم جانبه السماوي في جانبه الأرضي، وعني بالراكب قبل المطية، وبالساكن قبل الجدران، وغلب أشواق الروح على نوازع الجسد، فقد صار ملاكا أو خيرا من الملاك (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية).
ومن هنا فرض الله الصيام ليتحرر الإنسان من سلطان غرائزه، وينطلق من سجن جسده، ويتغلب على نزعات شهوته، ويتحكم في مظاهر ـ حيوانيته، ويتشبه بالملائكة، فليس عجيبا أن يرتقي روح الصائم ويقترب من الملأ الأعلى، ويقرع أبواب السماء بدعائه فتفتح، ويدعو ربه فيستجيب له، ويناديه فيقول: لبيك عبدي لبيك، وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم.."
صوموا تصحوا
وإذا كان في الصيام فرصة أي فرصة لتقوية الروح، ففيه فرصة أي فرصة لتقوية البدن، فإن كثيرا مما يصيب الناس من أمراض إنما هو ناشئ من بطونهم التي يتخمونها بكل ما تشتهي غير مفرقين بين ما ينبغي وقد قال "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه".
وإذا كانت البطن مستنقع البلايا، وكانت المعدة بيت الداء، فإن الحمية (أي الامتناع عن الأكل) رأس الدواء، وليس كالصوم فرصة تستريح فيها المعدة، ويتخلص الجسم من كثير من فضلاته الضارة، وقد نشرت إحدى المجلات أن ثلاثمائة قد برئوا من البول السكري بعلاج الصوم وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "صوموا تصحوا".
الصوم تربية للإرادة
وفي الصوم تقوية للإرادة، وتربية على الصبر، فالصائم يجوع وأمامه شهي الغذاء، ويعطش وبين يديه بارد الماء، ويعف وبجانبه زوجته، لا رقيب عليه في ذلك إلا ربه، ولا سلطان إلا ضميره، ولا يسنده إلا إرادته القوية الواعية، يتكرر ذلك نحو خمس عشرة ساعة أو أكثر في كل يوم، وتسعة وعشرين يوما أو ثلاثين في كل عام، فأي مدرسة تقوم بتربية الإرادة الإنسانية وتعليم الصبر الجميل، كمدرسة الصيام التي يفتحها الإسلام إجباريا للمسلمين في رمضان، وتطوعا في غير رمضان؟! لقد كتب عالم نفساني ألماني بحثا عن تقوية الإرادة أثبت فيه أن أعظم وسيلة لذلك هي الصوم، أما الإسلام فقد سبق علماء النفس كما سبق من قبل أطباء الجسم، وحسبك أن تسمع نداء الرسول للشباب: "يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه لو وجاء".
ولأن رمضان يعلم الصبر نسبه الرسول إليه فقال: "صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، يذهبن وحر الصدر" وروي عنه في حديث آخر: "لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم، والصوم نصف الصبر".
وإنما كان الصوم نصف الصبر لأن في الإنسان قوى ثلاثا: قوة شهوية كالتي في البهائم، وقوة غضبية كالتي في السباع، وقوة روحية كالتي في الملائكة، فإذا تغلبت قوته الروحية على إحداهما كان ذلك نصف الصبر، وفي الصوم يتغلب المسلم على قوته الشهوانية من بطن وفرج فكان الصوم حقا نصف الصبر.
إن الإسلام ليس دين استسلام وخمول، بل هو دين جهاد وكفاح متواصل، وأول عدة للجهاد هو الصبر والإرادة القوية، فإن لم يجاهد نفسه هيهات أن يجاهد عدوا، ومن لم ينتصر على نفسه وشهواتها هيهات أن ينتصر على عدوه، ومن لم يصبر على جوع يوم هيهات أن يصبر على فراق أهل ووطن من أجل هدف كبير، والصوم ـ بما فيه من صبر وفطام للنفوس ـ من أبرز وسائل الإسلام في إعداد المؤمن الصابر المرابط المجاهد، الذي يتحمل الشظف والجوع والحرمان، ويرحب بالشدة والخشونة وقسوة العيش ما دام ذلك في سبيل الله.
تعريف بالنعمة
ومن حكم الصوم أنه يعرف المرء بمقدار نعم الله عليه، فالإنسان إذا تكررت عليه النعم، قل شعوره بها، النعم لا تعرف إلا بفقدانها، فالحلو لا تعرف قيمته إلا إذا ذاقت المر، والنهار لا تعرف قيمته إلا إذا جن عليك الليل، وبضدها تتميز الأشياء.
ففي الصوم معرفة لقيمة الطعام والشراب والشبع والري، ولا يعرف ذلك إلا إذا ذاق الجسم حرارة العطش، ومرارة الجوع.
ومن أجل ذلك ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا، يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك".
تذكير بحرمان المحرومين
ومن أسرار الصيام الاجتماعية أنه تذكير علمي بجوع الجائعين، وبؤس البائسين، تذكير بغير خطبة بليغة ولا لسان فصيح، تذكير يسمعه الصائم من صوت المعدة، ونداء الأمعاء، فإن الذي نبت في أحضان النعمة لم يعرف طعم الجوع، ولم يذق مرارة العطش، لعله يظن أن الناس كلهم مثله، وأنه ما دام يجد فالناس يجدون، وما دام يطعم لحم طير مما يشتهي وفاكهة مما يتخير، فلن يحرم الناس الخبز والبقول! فلا غرو، أن جعل الله من الصوم مظهرا للاشتراكية الصحيحة، والمساواة الكاملة، وجعل الجوع ضريبة إجبارية، يدفعها الموسر والمعسر، ويؤديها من يملك القناطير المقنطرة ومن لا يملك قوت يومه، حتى يشعر الغني أن هناك معدات خاوية، وبطونا خالية، وأحشاء لا تجد ما يسد الرمق، ويطفئ الحرق، فحري بإنسانية الإنسان، وإسلام المسلم، وإيمان المؤمن، أن يرق قلبه، وأن يعطي المحتاجين، وأن يمد يده إلى المساكين، فإن الله رحيم، وإنما يرحم من عباده الرحماء، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". وقد روي أن يوسف عليه السلام كان يكثر الصيام وهو على خزائن الأرض، بيده المالية والتموين، فسئل في ذلك فقال: أخاف إذا شبعت أن أنسى جوع الفقير!".
العبودية الكاملة لله
وفي الصوم قبل ذلك وبعده تمام التسليم لله وكمال العبودية لرب الناس ملك الناس إله الناس، وهذه الحكمة هي القدر المشترك في كل عبادة، والهدف الأسمى من كل فريضة، ولن تكون العبادة عبادة، ولا العبد عبدا إلا بها: يقول رب العباد: أمرت ونهيت ويقول العباد: (سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير).
وما أظهر هذا التسليم والعبودية في الصوم خاصة، فالصائم يجوع ويعطش وأسباب الغذاء والري أمامه ميسرة لولا حب الله والرغبة في رضاه، وإيثار ما عنده، ولهذا نسب الله الصيام إلى حضرته وتولى جزاء الصائمين بنفسه فقال: "كل عمل ابن آدم له إلى الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه من أجلي، ويدع شرابه من أجلي، ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي".
ذلكم هو الصوم في الإسلام، لم يشرعه الله تعذيبا للبشر ولا انتقاما، كيف وقد ختم آية الصوم بقوله: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وإنما شرعه الله إيقاظا للروح وتصحيحا للجسد، وتقوية للإرادة، وتعويدا على الصبر، وتعريفا بالنعمة، وتربية لمشاعر الرحمة، وتدريبا على كمال التسليم لله رب العالمين.
المسلمون والصيام
تلك حكم يجب أن نرعاها حق رعايتها، وأن نضعها نصب أعيننا في صومنا حتى يكون صوما يؤدي مهمته ويفي بالغرض المقصود منه.
فليت شعري هل فقه المسلمون أسرار الصيام وهل انتفعوا بشهر رمضان؟ أما أسلافنا فقد جنوا ثماره وتفيئوا ظلاله واستمدوا منه روح القوة وقوة الروح، كان نهارهم نشاطا وإنتاجا وإتقانا، وكان ليلهم تزاورا وتهجدا وقرآنا، وكان شهرهم كله تعلما وتعبدا وإحسانا، ألسنتهم صائمة فلا تلغو برفث أو جهل، وآذانهم صائمة فلا تسمع لباطل أو لغو، وأعينهم صائمة فلا تنظر إلى حرام أو فحش، وقلوبهم صائمة فلا تعزم على خطيئة أو إثم، وأيديهم صائمة فلا تمتد بسوء أو أذى.
أما مسلمو اليوم فمنهم من اتخذ رمضان موسما لطاعة الله، ومضاعفة الخيرات، صاموا نهاره فأحسنوا الصيام، وقاموا ليله فأحسنوا القيام، وشكروا نعمة الله عليهم، فلم ينسوا إخوانهم من الضعفاء والمحرومين، واقتدوا برسولهم الكريم الذي كان أجود ما يكون في رمضان، فهو أجرى بالخير من الريح المرسلة.
وبجوار هؤلاء المحسنين خلف سوء، لم ينتفعوا برمضان، ولم يستفيدوا بما فيه من صيام ولا قيام.
جعله الله للقلب والروح فجعلوه للبطن والمعدة، جعله الله للحلم والصبر فجعلوه للغضب والطيش، جعله الله للسكينة والوقار فجعلوه شهر السباب والشجار، جعله الله ليغيروا فيه من صفات أنفسهم فما غيروا إلا مواعيد أكلهم، جعله الله تهذيبا للغني الطاعم ومواساة للبائس المحروم فجعلوه معرضا لفنون الأطعمة والأشربة، تزداد فيه تخمة الغني بقدر ما تزداد حسرة الفقير!!
فلعلى المسلمين يصومون الصيام الذي يعدهم لتقوى الله كما أمر القرآن، حتى يخرجوا من رمضان مطهرين مغفوري الذنوب.

