- 11 أبريل 2008
- 3,981
- 153
- 63
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- محمد صدّيق المنشاوي
لقد تعلمنا ومن خلال التجارب ان في ايام المحن الكبيرة التي تطال امتنا الاسلامية والعربية تكثر الاجتهادات وتطلق الهتافات وفي النتيجة القليل ممن يفقه كيف يتعامل مع الابتلاء تمر المحن تترى ومنذ ان احتلت فلسطين قبل العشرات من السنين ثم تلى ذلك محنة افغنستان ومن ثم البلاء الاكبر احتلال بلد من بلاد الاسلام ومن يصدق العراق وقبلها محن عظيمة اصابت الامة في عقر دارها (الغزو الفكري من الداخل )ضعفت الامة عن ان تمسك دواعي النفس الامارة بالسوء ولما لم يكن لها العزيمة في معالجة الامر من الاساس بدات تجد لها مبررا لتتخلص من عقدة الذنب فمرة تلقي اللوم على العدو ومرة على من يملك بعض زمام الامر ولو كان الذي يرمي غيره بالتقصير مكان من رماه بالتقصير ماكان في الامكان ابدع مما كان والامر لله وحده ولو اخذنا عينات من المجتمع المسلم في عصر رسولنا الاكرم وكيف ان الاسر الفاضلة كانت تحاسب على الدقيق من الذنوب وتامل معي معاتبة الصحابي لزوجته حينما تكلمت على السيدة عائشة فقال لها لو كنت مكانها اكنت فاعلة فقالت لا فقال كذالك الله اي مجتمع هذا يراقب الله في كل ما ياتي ويذر اقول ليس كلامي ان التقصير كله نلقيه على شعوب الامة وندعي ان من يملك زمام الامر برئ ولكنها سنة الله في خلقة وصدق من قال كيفما تكونوا يولى عليكم الامر مركب من تقصير الامة باجمعها ولكن لنبدئ الاصلاح من الاساس لا من فوق اليك هذا البحث الممتع الذي يحدد معنى البلاء واسبابه وكيف للامة ان تخرج منه مستفيدة العبر والدروس بدلا من وسائل قد تضر بالقضية اكثر مما ينفعها وارجو من عدم منه الثناء على البحث فلا اقل من ان يدعو لصاحبه بالغفرة على تقصيره فوالله ان في القلب كمدا وحزنا لايعلمه الا الله كيف لا وانا ابن بلاد الرافدين وقد اكتوينا من اعظم انواع البلاء مما يفوف حصار غزة باضعاف مضاعفة ولله الامر من قبل ومن بعد :
كيف نتعامل مع البلاء
الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإسلام بالهدى ،ونكت في قلوب أهل الطغيان فلا تعي الحكمة أبدا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها أحدا، فردا صمدا ،وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ما أكرمه عبدا وسيدا، وأطهره مضجعا ومولدا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى ،والتابعين لهم بإحسان إلى يوم أن نبعث غدا :
فإن ديننا قد علمنا كل شيء في هذه الحياة ، ومما علمنا المخرج من الفتن وكيفية التعامل مع الأزمات؛ لأن الفتنة تجعل الحليم حيرانا - فكيف بغيره؟ - ، فأردت بهذه الكلمات أن أذكر نفسي وإخواني بفقه الابتلاء وأصول التعامل مع الفتن كهذه الفتن التي تمر بها الأمة الآن:
أولا:الابتلاء سنة كونية :
عباد الله : هذه الدنيا دار للابتلاء والامتحان وسنة الله تعالى فيها ابتلاء الجميع ،قال سبحانه :(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)[العنكبوت:2-3] ،
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)[البقرة:214]،
(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[آل عمران:186]،
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)[محمد:31]،
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ()الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ()أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)[البقرة:155-157].
ولا يستثنى أحد من الابتلاء ،ولو استثني أحد لكان النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه ابتلي بجميع أنواع الابتلاء من جوع وخوف وتهديد وسب وشتم وتشويه سيرته ومحاولات اغتيال وحصار ومقاطعة وتهجير من بلده وطعن في عرضه وموت أبنائه وأحبابه وغير ذلك من أنواع البلاء .
عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ :يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟قَالَ :(الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ) ،
ونستفيد من هذا الحديث أن الابتلاء قد يكون علامة محبة ؛ وذلك إذا ما كان الرجل من أهل الصلاح ، وأما إذا كان من أصحاب المعاصي فقد يكون عقوبة.
- حكمة الابتلاء:
1/معرفة الصادق بإيمانه من الكاذب: كما قال سبحانه في آية العنكبوت السابقة {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ }العنكبوت3 ، فإن بعض الناس يجعل عبادته لله في السراء فقط وأما في الضراء فإنه ينقلب على عقبيه؛قال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }الحج11 ،
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – في تفسير قوله سبحانه {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ }الحج11 - قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ فَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قَالَ :هَذَا دِينٌ صَالِحٌ ،وَإِنْ لَمْ تَلِدْ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ : هَذَا دِينُ سُوءٍ) .
2/تكفير الذنوب : فإن العبد كثير الذنوب سريع الخطا إلى الخطا ،وقد علم الله أن توباتنا لا تكفي حوباتنا فجعل الله للعبد أنهارا كثيرة لتكفير ذنوبه ، ومن هذه الأنهار الابتلاءات ، كما في حديث سعد السابق (...فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ)،وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ[تعب] وَلَا وَصَبٍ [مرض]وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا – وفي رواية مسلم (حتى الهم يهمه)- إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ).
3/رجوع الناس إلى ربهم :
فإن الإنسان إذا كان في أمان دائم وغنى جاثم فإنه قد ينسى ربه بل قد يتكبر أن يرفع يديه بالتضرع والدعاء ، ولسان حاله لماذا أدعو وأنا عندي كل شيء ؟! قال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى(*)أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)[العلق:6-7]، فيأتي البلاء ليكشف له غرور نفسه وحاجته الدائمة لربه فيلقى نفسه في محراب التضرع والتوبة والدعاء والإنابة ، قال سبحانه (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)[الأنعام:42].
4/تذكير الغني بحال الفقير ، والمعافى بحال المبتلى :
فإن أحس الغني بالجوع مرة والمعافى بالمرض مرة ، فإن هذا قد يذكره بمن كان الهم لصيقه والمرض رفيقه ، ومن كان ليس له جليس إلا الجوع ولا أنيس إلا الدموع ، فيتذكرهم بالإحسان والصدقة والإعانة.
5/تزهيد الناس في الدنيا وتعليق القلب في الجنة:
فإذا كانت الدنيا كثيرة البلاء ، مليئة بالهموم والأكدار ،طافحة بالأوصاب والأحزان ، وأيقن العبد بمدى قصرها وكثرة أنكادها ، اشتاقت نفسه إلى الخلود الأبدي في دار السلام السالمة من كل هم وحزن وكدر ووصب ونصب ونكد وبلية ، بل كل ما فيه حسن، نسأل الله من فضله.
- المخرج من المحن والابتلاءات:
- المخرج الأول :عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر : هذه العقيدة التي تكسب المسلم السعادة ، وتورثه الطمأنينة ، وتبث في نفسه الراحة ،وتجلله بالأمان ،وتطرد عنه الهموم ،وتبعد عنه الغموم ،وتسليه من الأحزان ، من آمن بهذه العقيدة فقد أعطي مفاتح أبواب السعادة في الدنيا والآخرة التي تنوء بها العصبة أولو القوة،ومن تخلى عنها طرفة عين ابتلعه حوت الأحزان وأغرقه طوفان الهموم وجرفه إعصار التعاسة،قال تعالى(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ …)[التغابن:11]، (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)[التوبة:51]،
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ) [أحمد،حسن]،
وعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :(عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَه)[مسلمُ]، وعن أنس أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ) [أحمد،حسن]؛فإذا كان الله لا يقضي للمؤمن شيئا إلا وهو خير له فلم الجزع إذن.
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَقَالَ :( يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ؛ احْفَظ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ) [الترمذي،حسن].
اللهم اجعلنا من الراضين بقضائك المسلمين لقدر والمنقادين لحكمك المتدبرين لحكمتك.
- المخرج الثاني:التوكل على الله تعالى : وهي ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر ، وهذه العبادة قد أمرنا الله تعالى بها {وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }آل عمران122 ، {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً }النساء81 ، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ)[النمل:79]، والتوكل : هو تفويض الأمر لله والاعتماد عليه وثقة القلب به بعد فعل الأسباب، فالمؤمن يجمع بين فعل السبب والاعتماد على المسبب وهو الله تعالى (اعقلها وتوكل ) [الترمذي،حسن]، فالاعتماد على السبب شرك وترك السبب قدح في العقل، وقد ضمن الله سبحانه للمتوكل الكفاية له من كل ما أهمه {يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }الطلاق3 يعني كافيه.
وانظر كيف نجى الله إبراهيم من النار فجعلها له بردا وسلاما عندما قال (حسبنا الله ونعم الوكيل)[البخاري] ، وفلق البحر لموسى عندما قال {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }الشعراء62 ، ونجى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر من العدو المحاصر للغار عندما قال صلى الله عليه وسلم {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}التوبة40 ، و شق الصخر لأم إسماعيل وأخرج منه بئر زمزم عندما قالت (إذن لا يضيعنا)[البخاري].
- المخرج الثالث:الإكثار من الطاعة في أوقات الفتن والأزمات:
وذلك أنه في وقت الفتن يختلط الحق بالباطل وتشتبه الأمور على الناس ، فالفتن تجعل الحليم حيران ، فما بالك بغيره من الناس، لهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعبادة ، فإنه إذا توقف دليل العقل والبصيرة احتاج العبد إلى دليل رباني وهادية إلهية تلهمه رشده ، فأقرب ما يكون الإنسان منها إذا كان كثير العبادة؛ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ)[مسلم ]، والعبادة تملأ القلب بالسكينة فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والعبادة تأتي بالفرج من الله (صنائع المعروف تقي مصارع السوء)، ومن أنواع العبادة:
- قراءة القرآن : فإن السكينة تنزل عند قراءة القرآن.
- الصلاة : فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، ويقول : أقم الصلاة يا بلال أرحنا بالصلاة .
- الدعاء: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا}الفرقان77 وكان صلى الله عليه وسلم يحض علـــى دعاء المكروب : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) ، وكان يقول في الشدائد ( الله الله ربي لا أشرك به شيئا ) ويردد : (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا هو رب العرش العظيم، لا إله إلا هو رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم ) ، وكان يقول : من قــال ( بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ) إذا أصبح لم يضره شيء ذلك اليوم حتى يمسي ، وفي المساء حتى يصبح ، وكان يكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله .
- الاستغفار: قال تعالى {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }الأنفال33، وقال صلى الله عليه وسلم: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب).
- المخرج الرابع: الصبر : وهو أوسع عطاء يعطاه المؤمن ، فادخل في حصنه الحصين ، وأغلق عليك بابه المتين ، ولا تدع الجزع يدخل عليك ، فأنت بالصبر قوي على كل مصيبة ، قال تعالى {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ }البقرة45، فإن كان الله معك فما الذي تخافه.
- المخرج الخامس:التوبة من كل الذنوب: قال سبحانه : {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ }الشورى30،قال كثير السلف:ما نزل بلاء إلا بذنب و لا رفع إلا بتوبة.
- عباد الله: الناس تخاف من الفتن لأمرين ؛ الموت وقلة الرزق ، وهذان الأمران قد فرغ منهما ، فالأجل مكتوب والرزق محفوظ، فلن يموت الإنسان قبل يومه {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }الأعراف34 ، والرزق قد كفله الله لنا بل لكل حي {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }هود6،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :(قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ …)[أخرجه مسلم]،
بل إن هذين الأمرين قد فرغ منهما والإنسان في بطن أمه ؛
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ : (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ...)[متفق عليه]،
فإذا كانت الآجال مكتوبة والأرزاق مقسومة فلم الخوف إذن؟.
- والواجب على الدعاة تجاه الناس أمور :
1/مد قلوب الناس بالأمل وسكب البشرى في أفئدتهم :
وهذه كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الفتن فعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ : أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ : (كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ،وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)[البخاري]،
وفي غزوة الأحزاب عندما بلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنونا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشرهم بكنوز فارس والروم .
2/ربط الناس بالقيادة العلمية الراسخة : حتى لا تختلف الآراء وتتشعب الأقوال وتحصل الفرقة فتفشل الأمة وتذهب ريحها {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }الأنفال46.
3/أحداث العالم لا ينبغي أن تشغلنا عن مشاريعنا الدعوية والعلمية والخيرية ، فمن كان في حلقة قرآن أو طلب علم أو تربية شباب أو مشروع خيري أو نصرة شعب أو أي سبيل خير فلا ينبغي أن يتوقف بحجة أننا نمر في فتنة ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان في يده فسلة وقامت عليه القيامة أن يغرسها[أحمد،صحيح] ، فلا فتنة أشد من فتنة يوم القيامة وغرس الزرع من المباحات ،فما بالك بفعل الطاعات في فتنة أقل بكثير من فتنة يوم القيامة، ثم إن ترك هذه الأعمال الخيرية لن يغير الفتنة ، وفعل هذه الطاعات داخل في المخرج الثالث وهو كثرة العبادة في زمن الفتن.
أسأل الله العلي العظيم أن يحفظ المسلمين وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.
كيف نتعامل مع البلاء
الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإسلام بالهدى ،ونكت في قلوب أهل الطغيان فلا تعي الحكمة أبدا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها أحدا، فردا صمدا ،وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ما أكرمه عبدا وسيدا، وأطهره مضجعا ومولدا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى ،والتابعين لهم بإحسان إلى يوم أن نبعث غدا :
فإن ديننا قد علمنا كل شيء في هذه الحياة ، ومما علمنا المخرج من الفتن وكيفية التعامل مع الأزمات؛ لأن الفتنة تجعل الحليم حيرانا - فكيف بغيره؟ - ، فأردت بهذه الكلمات أن أذكر نفسي وإخواني بفقه الابتلاء وأصول التعامل مع الفتن كهذه الفتن التي تمر بها الأمة الآن:
أولا:الابتلاء سنة كونية :
عباد الله : هذه الدنيا دار للابتلاء والامتحان وسنة الله تعالى فيها ابتلاء الجميع ،قال سبحانه :(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)[العنكبوت:2-3] ،
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)[البقرة:214]،
(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[آل عمران:186]،
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)[محمد:31]،
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ()الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ()أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)[البقرة:155-157].
ولا يستثنى أحد من الابتلاء ،ولو استثني أحد لكان النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه ابتلي بجميع أنواع الابتلاء من جوع وخوف وتهديد وسب وشتم وتشويه سيرته ومحاولات اغتيال وحصار ومقاطعة وتهجير من بلده وطعن في عرضه وموت أبنائه وأحبابه وغير ذلك من أنواع البلاء .
عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ :يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟قَالَ :(الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ) ،
ونستفيد من هذا الحديث أن الابتلاء قد يكون علامة محبة ؛ وذلك إذا ما كان الرجل من أهل الصلاح ، وأما إذا كان من أصحاب المعاصي فقد يكون عقوبة.
- حكمة الابتلاء:
1/معرفة الصادق بإيمانه من الكاذب: كما قال سبحانه في آية العنكبوت السابقة {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ }العنكبوت3 ، فإن بعض الناس يجعل عبادته لله في السراء فقط وأما في الضراء فإنه ينقلب على عقبيه؛قال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }الحج11 ،
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – في تفسير قوله سبحانه {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ }الحج11 - قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ فَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قَالَ :هَذَا دِينٌ صَالِحٌ ،وَإِنْ لَمْ تَلِدْ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ : هَذَا دِينُ سُوءٍ) .
2/تكفير الذنوب : فإن العبد كثير الذنوب سريع الخطا إلى الخطا ،وقد علم الله أن توباتنا لا تكفي حوباتنا فجعل الله للعبد أنهارا كثيرة لتكفير ذنوبه ، ومن هذه الأنهار الابتلاءات ، كما في حديث سعد السابق (...فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ)،وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ[تعب] وَلَا وَصَبٍ [مرض]وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا – وفي رواية مسلم (حتى الهم يهمه)- إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ).
3/رجوع الناس إلى ربهم :
فإن الإنسان إذا كان في أمان دائم وغنى جاثم فإنه قد ينسى ربه بل قد يتكبر أن يرفع يديه بالتضرع والدعاء ، ولسان حاله لماذا أدعو وأنا عندي كل شيء ؟! قال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى(*)أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)[العلق:6-7]، فيأتي البلاء ليكشف له غرور نفسه وحاجته الدائمة لربه فيلقى نفسه في محراب التضرع والتوبة والدعاء والإنابة ، قال سبحانه (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)[الأنعام:42].
4/تذكير الغني بحال الفقير ، والمعافى بحال المبتلى :
فإن أحس الغني بالجوع مرة والمعافى بالمرض مرة ، فإن هذا قد يذكره بمن كان الهم لصيقه والمرض رفيقه ، ومن كان ليس له جليس إلا الجوع ولا أنيس إلا الدموع ، فيتذكرهم بالإحسان والصدقة والإعانة.
5/تزهيد الناس في الدنيا وتعليق القلب في الجنة:
فإذا كانت الدنيا كثيرة البلاء ، مليئة بالهموم والأكدار ،طافحة بالأوصاب والأحزان ، وأيقن العبد بمدى قصرها وكثرة أنكادها ، اشتاقت نفسه إلى الخلود الأبدي في دار السلام السالمة من كل هم وحزن وكدر ووصب ونصب ونكد وبلية ، بل كل ما فيه حسن، نسأل الله من فضله.
- المخرج من المحن والابتلاءات:
- المخرج الأول :عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر : هذه العقيدة التي تكسب المسلم السعادة ، وتورثه الطمأنينة ، وتبث في نفسه الراحة ،وتجلله بالأمان ،وتطرد عنه الهموم ،وتبعد عنه الغموم ،وتسليه من الأحزان ، من آمن بهذه العقيدة فقد أعطي مفاتح أبواب السعادة في الدنيا والآخرة التي تنوء بها العصبة أولو القوة،ومن تخلى عنها طرفة عين ابتلعه حوت الأحزان وأغرقه طوفان الهموم وجرفه إعصار التعاسة،قال تعالى(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ …)[التغابن:11]، (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)[التوبة:51]،
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ) [أحمد،حسن]،
وعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :(عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَه)[مسلمُ]، وعن أنس أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ) [أحمد،حسن]؛فإذا كان الله لا يقضي للمؤمن شيئا إلا وهو خير له فلم الجزع إذن.
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَقَالَ :( يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ؛ احْفَظ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ) [الترمذي،حسن].
دع المقادير تجري في أعنتها ولا تبيتن إلا خالي البالِ
ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حالِ.
- المخرج الثاني:التوكل على الله تعالى : وهي ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر ، وهذه العبادة قد أمرنا الله تعالى بها {وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }آل عمران122 ، {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً }النساء81 ، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ)[النمل:79]، والتوكل : هو تفويض الأمر لله والاعتماد عليه وثقة القلب به بعد فعل الأسباب، فالمؤمن يجمع بين فعل السبب والاعتماد على المسبب وهو الله تعالى (اعقلها وتوكل ) [الترمذي،حسن]، فالاعتماد على السبب شرك وترك السبب قدح في العقل، وقد ضمن الله سبحانه للمتوكل الكفاية له من كل ما أهمه {يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }الطلاق3 يعني كافيه.
وانظر كيف نجى الله إبراهيم من النار فجعلها له بردا وسلاما عندما قال (حسبنا الله ونعم الوكيل)[البخاري] ، وفلق البحر لموسى عندما قال {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }الشعراء62 ، ونجى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر من العدو المحاصر للغار عندما قال صلى الله عليه وسلم {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}التوبة40 ، و شق الصخر لأم إسماعيل وأخرج منه بئر زمزم عندما قالت (إذن لا يضيعنا)[البخاري].
- المخرج الثالث:الإكثار من الطاعة في أوقات الفتن والأزمات:
وذلك أنه في وقت الفتن يختلط الحق بالباطل وتشتبه الأمور على الناس ، فالفتن تجعل الحليم حيران ، فما بالك بغيره من الناس، لهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعبادة ، فإنه إذا توقف دليل العقل والبصيرة احتاج العبد إلى دليل رباني وهادية إلهية تلهمه رشده ، فأقرب ما يكون الإنسان منها إذا كان كثير العبادة؛ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ)[مسلم ]، والعبادة تملأ القلب بالسكينة فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والعبادة تأتي بالفرج من الله (صنائع المعروف تقي مصارع السوء)، ومن أنواع العبادة:
- قراءة القرآن : فإن السكينة تنزل عند قراءة القرآن.
- الصلاة : فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، ويقول : أقم الصلاة يا بلال أرحنا بالصلاة .
- الدعاء: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا}الفرقان77 وكان صلى الله عليه وسلم يحض علـــى دعاء المكروب : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) ، وكان يقول في الشدائد ( الله الله ربي لا أشرك به شيئا ) ويردد : (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا هو رب العرش العظيم، لا إله إلا هو رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم ) ، وكان يقول : من قــال ( بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ) إذا أصبح لم يضره شيء ذلك اليوم حتى يمسي ، وفي المساء حتى يصبح ، وكان يكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله .
- الاستغفار: قال تعالى {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }الأنفال33، وقال صلى الله عليه وسلم: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب).
- المخرج الرابع: الصبر : وهو أوسع عطاء يعطاه المؤمن ، فادخل في حصنه الحصين ، وأغلق عليك بابه المتين ، ولا تدع الجزع يدخل عليك ، فأنت بالصبر قوي على كل مصيبة ، قال تعالى {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ }البقرة45، فإن كان الله معك فما الذي تخافه.
- المخرج الخامس:التوبة من كل الذنوب: قال سبحانه : {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ }الشورى30،قال كثير السلف:ما نزل بلاء إلا بذنب و لا رفع إلا بتوبة.
- عباد الله: الناس تخاف من الفتن لأمرين ؛ الموت وقلة الرزق ، وهذان الأمران قد فرغ منهما ، فالأجل مكتوب والرزق محفوظ، فلن يموت الإنسان قبل يومه {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }الأعراف34 ، والرزق قد كفله الله لنا بل لكل حي {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }هود6،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :(قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ …)[أخرجه مسلم]،
بل إن هذين الأمرين قد فرغ منهما والإنسان في بطن أمه ؛
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ : (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ...)[متفق عليه]،
فإذا كانت الآجال مكتوبة والأرزاق مقسومة فلم الخوف إذن؟.
- والواجب على الدعاة تجاه الناس أمور :
1/مد قلوب الناس بالأمل وسكب البشرى في أفئدتهم :
وهذه كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الفتن فعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ : أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ : (كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ،وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)[البخاري]،
وفي غزوة الأحزاب عندما بلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنونا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشرهم بكنوز فارس والروم .
2/ربط الناس بالقيادة العلمية الراسخة : حتى لا تختلف الآراء وتتشعب الأقوال وتحصل الفرقة فتفشل الأمة وتذهب ريحها {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }الأنفال46.
3/أحداث العالم لا ينبغي أن تشغلنا عن مشاريعنا الدعوية والعلمية والخيرية ، فمن كان في حلقة قرآن أو طلب علم أو تربية شباب أو مشروع خيري أو نصرة شعب أو أي سبيل خير فلا ينبغي أن يتوقف بحجة أننا نمر في فتنة ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان في يده فسلة وقامت عليه القيامة أن يغرسها[أحمد،صحيح] ، فلا فتنة أشد من فتنة يوم القيامة وغرس الزرع من المباحات ،فما بالك بفعل الطاعات في فتنة أقل بكثير من فتنة يوم القيامة، ثم إن ترك هذه الأعمال الخيرية لن يغير الفتنة ، وفعل هذه الطاعات داخل في المخرج الثالث وهو كثرة العبادة في زمن الفتن.
أسأل الله العلي العظيم أن يحفظ المسلمين وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

