- 8 ديسمبر 2006
- 8,690
- 58
- 0
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- محمود خليل الحصري
هكذا كانوا في الليل
كان زمعة العابد يقوم فيصلي ليلاً طويلاً فإذا كان السَحَر نادى بأعلى صوته: (يا أيها الركب المعرسون، أَكُلّ هذا الليل ترقدون؟ ألاَ تقومون فترحلون)، فإذا طلع الفجر نادى: (عند الصباح يحمد القوم السرى).
ليلة بينهم..
دعني أريك ليلهم، بل دعني وإياك نقضي ليلة معهم.. هذا أبو هريرة رضي الله عنه (كان هو وامرأته وخادمه يُقسِّمون الليل ثلاثًا، يُصلي هذا ثم يوقظ هذا). فالليل كلّه صلاة ومناجاة، ودموع وخشوع، وذكر وشكر، والشعار لا للفرش الوثيرة، والنوم اللذيذ. إنّهم الموصوفون بأبلغ قول وأعظم صورة في قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} السجدة16:، حيث يرسم القرآن لهم (صورة المضاجع في الليل تدعو الجُنُوب إلى الرقاد والراحة والتذاذ المنام ولكن هذه الجُنوب لا تستجيب؛ لأن لها شغلاً عن المضاجع اللينة والرقاد اللذيذ شغلاً بربّها، شغلاً بالوقوف في حضرته، والتوجه إليه في خشية وفي طمع يتنازعها الخوف والرجاء.
لا أنامَ الله عيني..
استمع إلى يزيد الرقاشي وهو يقول: (إذا نِمتُ فاستيقظتُ ثمّ عدتُ في النوم فلاَ أنامَ الله عيني''، وتأمل هذا الحوار مع الفراش حيث كان عبد العزيز بن أبي رواد (يُفرش له فراشه لينام عليه بالليل، فكان يضع يده على الفراش ويتحسّسه ثم يقول: ما ألينك، ولكن فراش الجنّة ألين منك، ثمّ يقوم إلى صلاته. هؤلاء القوم مشغولون عن النوم المريح اللذيذ بما هو أروح منه وأمتع، مشغولون بالتوجه إلى ربّهم، وتعليق أرواحهم وجوارحهم به، ينام النّاس وهم قائمون ساجدون، ويخلُد النّاس إلى الأرض وهُم يتطلّعون إلى عرش الرّحمن ذي الجلال والإكرام).

