- 22 يوليو 2008
- 16,039
- 146
- 63
- الجنس
- أنثى
- علم البلد
-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخ من الرَّعيل الأول (المقرئ محمد بن علي بن خلف الحسيني الحداد)
ظلَّت عناية الأمة المحمدية بالقرآن الكريم مضرب الأمثال، جيلاً بعد جيل، على توالي القرون، من أبعد عهد في الإسلام إلى يوم الناس هذا، حتى في أشدِّ عصور الدَّولة ضعفاً.
فقد حَرَصَ علماء الأمة الإسلامية في كلِّ عصرٍ ومصرٍ أن يَلبَسوا بخدمة القرآن الكريم تاج الشرف؛ فوجهوا عنايتهم لخدمة كلِّ ما له صلة بهذا الكتاب الخالد من شتَّى نواحيه.
وقد شهد التاريخ للمصريين خاصة بطول الباع في العلوم القرآنية، لا سيَّما ومصرُ أولُ بلد إسلامي تقام فيه مشيخة للإقراء برئاسة عبد الرحمن بن هرمز الأعرج شيخ الإمام مالك صاحب المذهب المشهور.
ولم تزل مشيخة المقارئ المصرية منذ ذاك الحين بفضل الله تعالى في أيدي رجال مخلصين يقومون على نشر القرآن وما يدعو إليه من قيم وأخلاق، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، قياماً بواجب النصيحة لكتاب الله تعالى.
وكان ممن اصطفاهم الله تعالى لشَغل هذا المنصب الرفيع: العلامةُ المحقِّق، البحَّاثةُ المتقنُ المدقِّق، المقرئُ الفقيهُ الأصوليّ، الرسَّامُ النَّحْويّ، السَّيدُ الشَّريف: محمدُ بنُ عليِّ بنِ خلفٍ، الحُسَيْنيُّ، المالكيُّ، الصعيديُّ المصري، الشهيرُ بـ(الحدَّاد).
وُلِد رحمه الله تعالى في سنة (1282هـ)، بقرية (بني حُسَين) من أعمال محافظة (أسيوط) بصعيد مصر، وحفظ بها القرآن الكريم وجوَّده وعمره دون العشر، ثم رحل إلى القاهرة المحروسة في سنة (1294هـ)، فنزل بها على عمِّه العلامة الشيخ: حسن بن خلف الحُسيني، وأقام معه بمسكنه في منزل: عثمان أغا الرَّزّاز، بشارع التبّانة، من حي (الدَّرْب الأحمر)، ثم التحق بالأزهر الشريف، واندرج في سِلك طُلابه تحت رعاية عمِّه ، فحصَّلَ علوم المنقول والمعقول.
تتلمذ الإمام الحداد على كثير من أكابر عصره، منهم: شيخ الإسلام سليم البشري، والعلامة أبوالفضل الجيزاوي، والعلامة يوسف الحواتكي، والعلامة هارون بن عبدالرزاق، والعلامة إبراهيم الظواهري، والعلامة محمد النجدي، والعلامة عبدالفتاح بن أبي النجا، والعلامة محمد البحيري، والعلامة سالم بن عطاء الله البولاقي، والعلامة محمد البجيرمي. كما كان له حضورٌ عند الشيخين: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده.
أما في علوم القرآن خاصة؛ فكان اعتماده على عمِّهِ خاتمة المحققين، العلامة حسن بن خلف الحُسيني خير تلاميذ المتولي، فقد قرأ عليه ختمة برواية حفص، وأخذ عنه علم التجويد، وحفظ عليه (الشاطبية) و(الدُّرة)، ولازَمه في مجالس إقرائه بمسجد (خوند بركة)، فقرأ عليه ختمة كاملة بالقراءات العشر الصغرى، كما قرأ عليه ختمة ثالثة لحفص بما تضمنه نظم الإمام المتولي، المسمى: "النبذة المهذبة فيما لحفص من طريق الطيبة".
فلما استتمت ملَكاته العِلْمية؛ تقدَّمَ في سنة (1316هـ) للاختبار أمام لجنة مؤلَّفة من أكابر العلماء، كالإمام سليم البشري شيخ الجامع الأزهر، والأستاذ محمد عبده مفتي الديار المصرية، والشيخ محمد أبي الفضل، والشيخ محمد طمُّوم، والشيخ محمد النَّجدي، والشيخ محمد البُجيْرمي، والشيخ محمد راضي الكبير، فاتفقوا على منحه درجة (العالمية).
وهكذا انتقل الشيخ من دَوْر التعلُّم إلى دَوْر التعليم، بعد أن تمَّ اختباره في جميع العلوم المقرَّرة بالأزهر آنذاك، وهي: التفسير، والحديث، والفقه، والمنطق، والأصول، والنحو، والصرف، والبلاغة؛ فابتدأ حياته أستاذاً بتدريس أمَّهات الكتب، فأقرأ "مجموع الأمير" في فقه المالكية، و"المواهب اللَّدنيَّة" في الحديث، و"شرح الأشموني" في النحو، وغير ذلك من الكتب المفيدة في علوم عدَّة، حتى تولَّى مشيخة السادة المالكية بالجامع الأزهر.
كما عُيِّن شيخاً للإقراء بمسجد السيدة زينب رضي الله عنها، ورئيساً للجمعية العامة للمحافظة على القرآن الكريم.
وفي سنة (1323هـ) صدر أمر ملَكي بتوليته مشيخة القراء، فسار فيها سيراً حسناً، على الطريق السَّوي إلى آخر يومٍ من حياته رحمه الله.
وقد تتلمذ له غالب طبقته فمن دونهم من العلماء والقُرّاء، منهم: ولده العلامة أبو بكرالحدَّاد الصغير (حصل على العالمية من الأزهر وكان شيخاً لمسجد أبي الذهب) والعلامة عمران بن أبي زيد الإدفَوي، والعلامة الشيخ همام قطب عبدالهادي، والعلامة محمد دياب، والشيخ محمد بن أحمد المغربي، والشيخ سيد غريب، والشيخ أبوالخير علي، وأحمد صادق المجددي، والعلامة علي الضبّاع، والشيخ محمد قنديل الرحماني، والشيخ حسنين مخلوف، وغيرهم.
وكان رحمه الله تعالى من الصلاح بمكان، عظيم القدر عند العام والخاص، جُمِعَ له بين العلمِ والورع، وكان للقرَّاء على اختلاف طبقاتهم أباً رحيماً، ومُرشِداً حكيماً، وكان من دأبِهِ الاتصال بشيوخ القراء، والاجتهاد في مساعدتهم في أعمالهم.
ومن أعماله المشكورة أن كتب المصحف بيده الطاهرة على الطريقة الموافقة للرسم العثماني، فأقرَّته الحكومة المصرية، واتخذته مرجعاً، وأمر الملك (فؤاد الأوَّل) بطبعه، وأحبَّ أن يكافئه على ذلك، فأعطاه بوزن المصحف ذهباً، فردَّه عليه قائلاً: "نحن لا نشتري بآيات الله ثمناً قليلاً". كما عرض عليه أحد الأثرياء أن يشتري هذه النسخة مقابل (خمسين ألف جنيه)، فأبى!
وقد كان رحمه الله تعالى مرجع القُرّاء في الأقطار الإسلامية كلِّها، يستفتونه فيما أشكل عليهم من دقائق علوم القرآن ورسمه وضبطه وفنون قراءاته وعدِّ آياته؛ فيجيبهم بالجواب المسدَّد.
كما قام على تأسيس جمعيات المحافظة على القرآن الكريم، بالاشتراك مع علي بك حسن، ومحمد بك القاضي، وكان يحضر في لجان امتحانات مدرِّسيها وطلابها، كما كان يشرف على امتحان القرّاء الذين تُعيِّنهم وزارة الأوقاف لوظائفها، ولا يفوتني أن أنوّه بجهوده في تدعيم جمعية منع المسكرات، بالاشتراك مع الدكتور غلوش رئيس الجمعية آنذاك.
وكذلك طرق رحمه الله باب التأليف فكان متمكناً منه مجوِّداً فيه، متفاعلاً مع وقائع عصره فيما يتعلق باختصاصه، فما أن تُستَحدَث قضية تشغل الأذهان، حتى يبادر إلى كشف اللثام عن حقيقتها بمؤلَّف شاف، فمن مؤلفاته: "القول السديد في بيان حكم التجويد"، و"فتح المجيد في علم التجويد"، و"تحفة الراغبين في تجويد الكتاب المبين"، و"إرشاد الإخوان لهداية الصبيان"، و"إرشـاد الحـيران إلى معرفة ما يجب اتباعه في رسم القرآن"، و"خلاصة النصوص الجلية في نزول القرآن وجمعه ووجوب اتباع رسم المصاحف العثمانية"، و"السيوف الساحقة لمنكر نزول القراءات من الزنادقة"، و"الكواكب الدرية فيما يتعلق بالمصاحف العثمانية"، و"سعادة الدارين في بيان وعد آي معجز الثقلين"، و"المواهب الربانية فيما يتعلق بالمصاحف العثمانية"، و"شرح على الشاطبية" لم يكتمل.
ولم يقتصر رحمه الله على تأليف الكتب، بل كتب بعض مقالات حول القضايا القرآنية؛ فكان لرأيه الصدارة على غيره، كما راجع العديد من الكتب النافعة وأذن بتدريسها، ككتاب: "سمير الطالبين" للعلامة الضباع، وكتاب "البهجة الفريدة" للعلامة الرحماني، وغيرهما. وقد وفقني الله تعالى لجمع مؤلَّفاته ومقالاته وتحقيقها، وتطبع قريباً في صعيدٍ واحد بإذن الله.
هذا وقد بقيت مكتبته ودفاتره وأوراقه بعد وفاته عند ولده العلامة أبوبكر أحمد، وبعد وفاته باعها إخوته لصاحب مطبعة الحلبي بالقاهرة.
لقد تأكد أن سرَّ النجاح هو الثقة والإيمان، ومن لا ثقة له ولا إيمان فلا رجاء فيه، وقد كان علاّمتنا رحمه الله تعالى مملوءاً ثقة وإيماناً، دؤوباً على العمل المتواصل، يعمل على إعلاء كلمة الحق، ويفرض احترامها على من يعبث بعزتها، مما جعله يبلغ في نفوس العلماء والقرّاء مكانةً سامية؛ فلهجت ألسنة الناس بالثناء عليه، وذكر محاسنه وشمائله، فمن ذلك:
قال العلامة الضباع: "الإمام العالم العلامة، الثقة الثبت، الضابط المحقِّق... خيرُ من انتهت إليه في هذا العصر شياخة الإقراء بالديار المصرية".
وقال العلامة حبيب الله الشنقيطي: "فضيلة الأستاذ المحقِّق شيخ القرّاء والمقارئ المصرية، الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني الشهير بالحداد".
وقال العلامة الشيخ حسن الجريسي: "حضرة صاحب الفضيلة، العلامة الجليّ، الشيخ محمد عليّ، الشهير بالحدَّاد، ذي المجد والإرشاد، شيخ المقارئ الكبرى، بالديار المصرية الغَـرَّا".
وقال العلامة الشيخ محمد سعودي: "سيدنا ومولانا، الأستاذ العلامة، الشيخ محمد الحدّاد بن علي بن خلف الحسيني، شيخ القرّاء بالديار المصرية، ومن أكابر علماء السادة المالكية".
وقال الشيخ إبراهيم الإنبابي: "إمام القرّاء في مصره، وحجة أهل الأداء في عصره، السيد السند الثبت الأكمل، والعلامة الأبر الأمجد الأفضل، المتصل سنده ونسبه بسيد العباد، سيد الجميع وشيخهم: محمد الشهير بالحداد".
وبعد عمر ناهز الخمسة والسبعين عاماً، قضى جلَّها معلِّماً ومُفيداً وقائماً على خدمة الدِّين، تُوفيَ رحمه الله تعالى في ليلة الخميس: (20) من شهر ذي الحجة الحرام، سنة (1357هـ)، الموافق: (9) من فبراير، سنة (1939م)، مخلِّفاً تسعة من البنين، واثنتين من البنات، وصُلِّي عليه بالجامع الأزهر بمشهد عظيم، تغمَّده الله برحمته، وأسكنه فسيحَ جنَّته.
مجلة الفرقان
شيخ من الرَّعيل الأول (المقرئ محمد بن علي بن خلف الحسيني الحداد)
ظلَّت عناية الأمة المحمدية بالقرآن الكريم مضرب الأمثال، جيلاً بعد جيل، على توالي القرون، من أبعد عهد في الإسلام إلى يوم الناس هذا، حتى في أشدِّ عصور الدَّولة ضعفاً.
فقد حَرَصَ علماء الأمة الإسلامية في كلِّ عصرٍ ومصرٍ أن يَلبَسوا بخدمة القرآن الكريم تاج الشرف؛ فوجهوا عنايتهم لخدمة كلِّ ما له صلة بهذا الكتاب الخالد من شتَّى نواحيه.
وقد شهد التاريخ للمصريين خاصة بطول الباع في العلوم القرآنية، لا سيَّما ومصرُ أولُ بلد إسلامي تقام فيه مشيخة للإقراء برئاسة عبد الرحمن بن هرمز الأعرج شيخ الإمام مالك صاحب المذهب المشهور.
ولم تزل مشيخة المقارئ المصرية منذ ذاك الحين بفضل الله تعالى في أيدي رجال مخلصين يقومون على نشر القرآن وما يدعو إليه من قيم وأخلاق، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، قياماً بواجب النصيحة لكتاب الله تعالى.
وكان ممن اصطفاهم الله تعالى لشَغل هذا المنصب الرفيع: العلامةُ المحقِّق، البحَّاثةُ المتقنُ المدقِّق، المقرئُ الفقيهُ الأصوليّ، الرسَّامُ النَّحْويّ، السَّيدُ الشَّريف: محمدُ بنُ عليِّ بنِ خلفٍ، الحُسَيْنيُّ، المالكيُّ، الصعيديُّ المصري، الشهيرُ بـ(الحدَّاد).
وُلِد رحمه الله تعالى في سنة (1282هـ)، بقرية (بني حُسَين) من أعمال محافظة (أسيوط) بصعيد مصر، وحفظ بها القرآن الكريم وجوَّده وعمره دون العشر، ثم رحل إلى القاهرة المحروسة في سنة (1294هـ)، فنزل بها على عمِّه العلامة الشيخ: حسن بن خلف الحُسيني، وأقام معه بمسكنه في منزل: عثمان أغا الرَّزّاز، بشارع التبّانة، من حي (الدَّرْب الأحمر)، ثم التحق بالأزهر الشريف، واندرج في سِلك طُلابه تحت رعاية عمِّه ، فحصَّلَ علوم المنقول والمعقول.
تتلمذ الإمام الحداد على كثير من أكابر عصره، منهم: شيخ الإسلام سليم البشري، والعلامة أبوالفضل الجيزاوي، والعلامة يوسف الحواتكي، والعلامة هارون بن عبدالرزاق، والعلامة إبراهيم الظواهري، والعلامة محمد النجدي، والعلامة عبدالفتاح بن أبي النجا، والعلامة محمد البحيري، والعلامة سالم بن عطاء الله البولاقي، والعلامة محمد البجيرمي. كما كان له حضورٌ عند الشيخين: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده.
أما في علوم القرآن خاصة؛ فكان اعتماده على عمِّهِ خاتمة المحققين، العلامة حسن بن خلف الحُسيني خير تلاميذ المتولي، فقد قرأ عليه ختمة برواية حفص، وأخذ عنه علم التجويد، وحفظ عليه (الشاطبية) و(الدُّرة)، ولازَمه في مجالس إقرائه بمسجد (خوند بركة)، فقرأ عليه ختمة كاملة بالقراءات العشر الصغرى، كما قرأ عليه ختمة ثالثة لحفص بما تضمنه نظم الإمام المتولي، المسمى: "النبذة المهذبة فيما لحفص من طريق الطيبة".
فلما استتمت ملَكاته العِلْمية؛ تقدَّمَ في سنة (1316هـ) للاختبار أمام لجنة مؤلَّفة من أكابر العلماء، كالإمام سليم البشري شيخ الجامع الأزهر، والأستاذ محمد عبده مفتي الديار المصرية، والشيخ محمد أبي الفضل، والشيخ محمد طمُّوم، والشيخ محمد النَّجدي، والشيخ محمد البُجيْرمي، والشيخ محمد راضي الكبير، فاتفقوا على منحه درجة (العالمية).
وهكذا انتقل الشيخ من دَوْر التعلُّم إلى دَوْر التعليم، بعد أن تمَّ اختباره في جميع العلوم المقرَّرة بالأزهر آنذاك، وهي: التفسير، والحديث، والفقه، والمنطق، والأصول، والنحو، والصرف، والبلاغة؛ فابتدأ حياته أستاذاً بتدريس أمَّهات الكتب، فأقرأ "مجموع الأمير" في فقه المالكية، و"المواهب اللَّدنيَّة" في الحديث، و"شرح الأشموني" في النحو، وغير ذلك من الكتب المفيدة في علوم عدَّة، حتى تولَّى مشيخة السادة المالكية بالجامع الأزهر.
كما عُيِّن شيخاً للإقراء بمسجد السيدة زينب رضي الله عنها، ورئيساً للجمعية العامة للمحافظة على القرآن الكريم.
وفي سنة (1323هـ) صدر أمر ملَكي بتوليته مشيخة القراء، فسار فيها سيراً حسناً، على الطريق السَّوي إلى آخر يومٍ من حياته رحمه الله.
وقد تتلمذ له غالب طبقته فمن دونهم من العلماء والقُرّاء، منهم: ولده العلامة أبو بكرالحدَّاد الصغير (حصل على العالمية من الأزهر وكان شيخاً لمسجد أبي الذهب) والعلامة عمران بن أبي زيد الإدفَوي، والعلامة الشيخ همام قطب عبدالهادي، والعلامة محمد دياب، والشيخ محمد بن أحمد المغربي، والشيخ سيد غريب، والشيخ أبوالخير علي، وأحمد صادق المجددي، والعلامة علي الضبّاع، والشيخ محمد قنديل الرحماني، والشيخ حسنين مخلوف، وغيرهم.
وكان رحمه الله تعالى من الصلاح بمكان، عظيم القدر عند العام والخاص، جُمِعَ له بين العلمِ والورع، وكان للقرَّاء على اختلاف طبقاتهم أباً رحيماً، ومُرشِداً حكيماً، وكان من دأبِهِ الاتصال بشيوخ القراء، والاجتهاد في مساعدتهم في أعمالهم.
ومن أعماله المشكورة أن كتب المصحف بيده الطاهرة على الطريقة الموافقة للرسم العثماني، فأقرَّته الحكومة المصرية، واتخذته مرجعاً، وأمر الملك (فؤاد الأوَّل) بطبعه، وأحبَّ أن يكافئه على ذلك، فأعطاه بوزن المصحف ذهباً، فردَّه عليه قائلاً: "نحن لا نشتري بآيات الله ثمناً قليلاً". كما عرض عليه أحد الأثرياء أن يشتري هذه النسخة مقابل (خمسين ألف جنيه)، فأبى!
وقد كان رحمه الله تعالى مرجع القُرّاء في الأقطار الإسلامية كلِّها، يستفتونه فيما أشكل عليهم من دقائق علوم القرآن ورسمه وضبطه وفنون قراءاته وعدِّ آياته؛ فيجيبهم بالجواب المسدَّد.
كما قام على تأسيس جمعيات المحافظة على القرآن الكريم، بالاشتراك مع علي بك حسن، ومحمد بك القاضي، وكان يحضر في لجان امتحانات مدرِّسيها وطلابها، كما كان يشرف على امتحان القرّاء الذين تُعيِّنهم وزارة الأوقاف لوظائفها، ولا يفوتني أن أنوّه بجهوده في تدعيم جمعية منع المسكرات، بالاشتراك مع الدكتور غلوش رئيس الجمعية آنذاك.
وكذلك طرق رحمه الله باب التأليف فكان متمكناً منه مجوِّداً فيه، متفاعلاً مع وقائع عصره فيما يتعلق باختصاصه، فما أن تُستَحدَث قضية تشغل الأذهان، حتى يبادر إلى كشف اللثام عن حقيقتها بمؤلَّف شاف، فمن مؤلفاته: "القول السديد في بيان حكم التجويد"، و"فتح المجيد في علم التجويد"، و"تحفة الراغبين في تجويد الكتاب المبين"، و"إرشاد الإخوان لهداية الصبيان"، و"إرشـاد الحـيران إلى معرفة ما يجب اتباعه في رسم القرآن"، و"خلاصة النصوص الجلية في نزول القرآن وجمعه ووجوب اتباع رسم المصاحف العثمانية"، و"السيوف الساحقة لمنكر نزول القراءات من الزنادقة"، و"الكواكب الدرية فيما يتعلق بالمصاحف العثمانية"، و"سعادة الدارين في بيان وعد آي معجز الثقلين"، و"المواهب الربانية فيما يتعلق بالمصاحف العثمانية"، و"شرح على الشاطبية" لم يكتمل.
ولم يقتصر رحمه الله على تأليف الكتب، بل كتب بعض مقالات حول القضايا القرآنية؛ فكان لرأيه الصدارة على غيره، كما راجع العديد من الكتب النافعة وأذن بتدريسها، ككتاب: "سمير الطالبين" للعلامة الضباع، وكتاب "البهجة الفريدة" للعلامة الرحماني، وغيرهما. وقد وفقني الله تعالى لجمع مؤلَّفاته ومقالاته وتحقيقها، وتطبع قريباً في صعيدٍ واحد بإذن الله.
هذا وقد بقيت مكتبته ودفاتره وأوراقه بعد وفاته عند ولده العلامة أبوبكر أحمد، وبعد وفاته باعها إخوته لصاحب مطبعة الحلبي بالقاهرة.
لقد تأكد أن سرَّ النجاح هو الثقة والإيمان، ومن لا ثقة له ولا إيمان فلا رجاء فيه، وقد كان علاّمتنا رحمه الله تعالى مملوءاً ثقة وإيماناً، دؤوباً على العمل المتواصل، يعمل على إعلاء كلمة الحق، ويفرض احترامها على من يعبث بعزتها، مما جعله يبلغ في نفوس العلماء والقرّاء مكانةً سامية؛ فلهجت ألسنة الناس بالثناء عليه، وذكر محاسنه وشمائله، فمن ذلك:
قال العلامة الضباع: "الإمام العالم العلامة، الثقة الثبت، الضابط المحقِّق... خيرُ من انتهت إليه في هذا العصر شياخة الإقراء بالديار المصرية".
وقال العلامة حبيب الله الشنقيطي: "فضيلة الأستاذ المحقِّق شيخ القرّاء والمقارئ المصرية، الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني الشهير بالحداد".
وقال العلامة الشيخ حسن الجريسي: "حضرة صاحب الفضيلة، العلامة الجليّ، الشيخ محمد عليّ، الشهير بالحدَّاد، ذي المجد والإرشاد، شيخ المقارئ الكبرى، بالديار المصرية الغَـرَّا".
وقال العلامة الشيخ محمد سعودي: "سيدنا ومولانا، الأستاذ العلامة، الشيخ محمد الحدّاد بن علي بن خلف الحسيني، شيخ القرّاء بالديار المصرية، ومن أكابر علماء السادة المالكية".
وقال الشيخ إبراهيم الإنبابي: "إمام القرّاء في مصره، وحجة أهل الأداء في عصره، السيد السند الثبت الأكمل، والعلامة الأبر الأمجد الأفضل، المتصل سنده ونسبه بسيد العباد، سيد الجميع وشيخهم: محمد الشهير بالحداد".
وبعد عمر ناهز الخمسة والسبعين عاماً، قضى جلَّها معلِّماً ومُفيداً وقائماً على خدمة الدِّين، تُوفيَ رحمه الله تعالى في ليلة الخميس: (20) من شهر ذي الحجة الحرام، سنة (1357هـ)، الموافق: (9) من فبراير، سنة (1939م)، مخلِّفاً تسعة من البنين، واثنتين من البنات، وصُلِّي عليه بالجامع الأزهر بمشهد عظيم، تغمَّده الله برحمته، وأسكنه فسيحَ جنَّته.
مجلة الفرقان

