- 7 مارس 2006
- 5,489
- 17
- 0
- القارئ المفضل
- عبد الباسط عبد الصمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لم يزلْ البحر يدفنُ أوجاع بني البشرْ تمامًا كاحتضانهِ قرصَ الشمس في لحظة مغيب
هي لوحة أدبيّة مقيّدة بحرف وصورة
قرأتها قبل مدّة وكلما عدت إليها وجدت فيها أشياء جديدة
أتمنى تنال إعجابكم :
كان أول شكل تعلمت صنعه من الورق .. سفينة .
أصنعها بقطعة ورق أقصها على عجلٍ من أقرب دفترٍ ..
ثم أسرع إلى أبي و أريه إياها في حبور ..
كان يبتسم في أسى شفيف ، يحاول أن يلهيني بأي شيء آخر .. غير السُفن
لم أكن أفهم الكثير وقتها، .
لكن بمقدوري أن أفهم الآن ..
أنك لم تكن تريدني يا أبي ، مُسكونة بالبحر و الملح .. و الرحيل ..
كنت صغيرةً ..
و كان انعكاسُ الغيمِ على حدقتي يبدو أبعدَ بكثيرٍ من هدير الموجِ في أذني .
كنت صغيرةً ..
و أتمنّى لو أنَّ البحر يموجُ في الأعلى مكانَ السَّماء ..
أتمنّى ذلك بصدق لا يشبه كثيراً طفولتي ، كلَّما مرَّت فوق رأسي طائرة عوضَ سفينة ..
كنت أتمنَّى ذلك ..
كيْ يغدو بإمكانِي أن أرفعَ سبابتي إلى البحر كلَّما مرت سفينة و أخبرَ أخي في لهفة .. اسمَع ، إنّه أبي !
و كَبُر أخي ، فاختارَ السَّماءْ ..
و كبرت أنا الأخرى كما يبدو .. دون أن أختار شيئاً مما أنا عليه .
فقط بتّ أتمنى لو بمقدوري العيش في نقطةٍ بعيدةٍ من الأفق ..
حيث يعانق البحرُ السماء ..
حيث بإمكاني أن أقترب من أبي و أخي .. على بُعدهما .
ثم حين كبرتُ أكثر ..
أدركتُ - ضمن ما أدركت - أن الأفق ليس سوى خدعة بصرية ..
حينها .. تمنيّت لو أنّ السَّفر و الرحيل و تلويحات الوداع أيضاً ، لم تكن هي الأخرى سوى خدعة بشرية !
و حين كبرت أكثر من ذلك ..
تكلَّس البحر على وسادةِ أبي ،
و انكسر جناح أخي فارتطم من السماء على الأرض في صمت .. و غُبن .
و نسيت أنا الطريق إلى أشياء كثيرة من بينها .. البحر و الطفولة و الأمنيات .
لم أعد صغيرةً ..
لكنّي أصبحتُ أتحايل على ذاكرتي بالصُّور ..
أقنعني بأني شفيتُ و نسيت ..
و أنا لم أزلَ أنا .. تِلك التِّي كتبت يوماً :
ليتني لَم أنم ليلتها متوسِّدة الرِّمال .. لأسمعَ نبضات قلبهم فقط لأنّهم أخبروني أنَّ البحرَ يختزلُ.. حياتهم ،
ليتَ البحرَ لَم يسكنّي من يومها .. فأفسَد حياتي ،
فبتّ كلّما وضعتُ اصبعيّ بأذني حين يتصاعدُ الضجيجُ من حولي أسمعُ هديرهُ ـ ذاك البحر ـ قوياً .. كما ليلتها !
و كلَّما هاج ـ نفس ذلك البحر ـ .. فاضَ ملحاً من أحداقي !
أتحايلُ على الحقيقةِ بالوهم ..
و أقسم بأنّ البحر بالنسبة لي لم يعُد سوى .. وجه صديق قديم .
.
.
الكاتبة : ضياء القمر
لم يزلْ البحر يدفنُ أوجاع بني البشرْ تمامًا كاحتضانهِ قرصَ الشمس في لحظة مغيب
هي لوحة أدبيّة مقيّدة بحرف وصورة
قرأتها قبل مدّة وكلما عدت إليها وجدت فيها أشياء جديدة
أتمنى تنال إعجابكم :
كان أول شكل تعلمت صنعه من الورق .. سفينة .
أصنعها بقطعة ورق أقصها على عجلٍ من أقرب دفترٍ ..
ثم أسرع إلى أبي و أريه إياها في حبور ..
كان يبتسم في أسى شفيف ، يحاول أن يلهيني بأي شيء آخر .. غير السُفن
لم أكن أفهم الكثير وقتها، .
لكن بمقدوري أن أفهم الآن ..
أنك لم تكن تريدني يا أبي ، مُسكونة بالبحر و الملح .. و الرحيل ..
كنت صغيرةً ..
و كان انعكاسُ الغيمِ على حدقتي يبدو أبعدَ بكثيرٍ من هدير الموجِ في أذني .
كنت صغيرةً ..
و أتمنّى لو أنَّ البحر يموجُ في الأعلى مكانَ السَّماء ..
أتمنّى ذلك بصدق لا يشبه كثيراً طفولتي ، كلَّما مرَّت فوق رأسي طائرة عوضَ سفينة ..
كنت أتمنَّى ذلك ..
كيْ يغدو بإمكانِي أن أرفعَ سبابتي إلى البحر كلَّما مرت سفينة و أخبرَ أخي في لهفة .. اسمَع ، إنّه أبي !
و كَبُر أخي ، فاختارَ السَّماءْ ..
و كبرت أنا الأخرى كما يبدو .. دون أن أختار شيئاً مما أنا عليه .
فقط بتّ أتمنى لو بمقدوري العيش في نقطةٍ بعيدةٍ من الأفق ..
حيث يعانق البحرُ السماء ..
حيث بإمكاني أن أقترب من أبي و أخي .. على بُعدهما .
ثم حين كبرتُ أكثر ..
أدركتُ - ضمن ما أدركت - أن الأفق ليس سوى خدعة بصرية ..
حينها .. تمنيّت لو أنّ السَّفر و الرحيل و تلويحات الوداع أيضاً ، لم تكن هي الأخرى سوى خدعة بشرية !
و حين كبرت أكثر من ذلك ..
تكلَّس البحر على وسادةِ أبي ،
و انكسر جناح أخي فارتطم من السماء على الأرض في صمت .. و غُبن .
و نسيت أنا الطريق إلى أشياء كثيرة من بينها .. البحر و الطفولة و الأمنيات .
لم أعد صغيرةً ..
لكنّي أصبحتُ أتحايل على ذاكرتي بالصُّور ..
أقنعني بأني شفيتُ و نسيت ..
و أنا لم أزلَ أنا .. تِلك التِّي كتبت يوماً :
ليتني لَم أنم ليلتها متوسِّدة الرِّمال .. لأسمعَ نبضات قلبهم فقط لأنّهم أخبروني أنَّ البحرَ يختزلُ.. حياتهم ،
ليتَ البحرَ لَم يسكنّي من يومها .. فأفسَد حياتي ،
فبتّ كلّما وضعتُ اصبعيّ بأذني حين يتصاعدُ الضجيجُ من حولي أسمعُ هديرهُ ـ ذاك البحر ـ قوياً .. كما ليلتها !
و كلَّما هاج ـ نفس ذلك البحر ـ .. فاضَ ملحاً من أحداقي !
أتحايلُ على الحقيقةِ بالوهم ..
و أقسم بأنّ البحر بالنسبة لي لم يعُد سوى .. وجه صديق قديم .
.
.
الكاتبة : ضياء القمر

