- 7 مارس 2009
- 9,308
- 27
- 0
- الجنس
- ذكر
حكم اللعب بالشطرنج
الحمدُ للهِ وبعدُ ؛ كما هو معلومٌ أن كثيراً من المسلمين قد انشغلوا بكثيرٍ من الملهياتِ وخاصةً في العصورِ المتأخرةِ بشكلٍ لا يخفى على كل ذي لبٍ ، ولو أحصيناها لم انتهينا من عدها ، ومن هذه الملهياتِ لعبةٌ معروفةٌ منذُ القدمِ ألا وهي " الشطرنج " ، وقد افتُتن بهذهِ اللعبةِ حتى بعضُ أهلِ الصلاحِ والاستقامةِ .وهنا نبين حكمُ الشرعِ فيها ، ونقلُ أقوالِ السلفِ بخصوصها ، وتقريراتُ شيخِ الإسلامِ وتلميذهِ ابنِ القيمِ بخصوص "الشطرنج"
الشطرنجُ في القرآنِ :
عند الرجوعِ إلى كتبِ التفسيرِ نجدُ أن بعضَ العلماءِ فسروا الأزلامَ في قولهِ تعالى : " وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ " [ المائدة : 3 ] بـ " الشطرنج " ، وقد نقل هذا القولَ الطبريُّ في " جامع البيان " (9/511) فقال : " قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَالَ لَنَا سُفْيَانُ بْن وَكِيع : هُوَ الشِّطْرَنْج .
قال المحدثُ أحمدُ شاكر تعليقاً على ذلك في تفسير الطبري : هذا قولٌ في غايةِ الغرابةِ !! كأنهُ كان يجهلُ ما الشطرنج = أو كأنه كان يرى أنهم يفعلون ذلك بقطع الشطرنج ، دون أن يكونَ هذا الفعلُ هو اللعبُ بالشطرنجِ .ا.هـ.
هل يثبتُ حديثٌ عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم في الشطرنجِ ؟
قال الشيخ بكر أبو زيد في كتاب " التحديث بما قيل : لا يصح فيه حديث " ( ص 182) :
لم يثبت في هذا الباب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال الإمام ابن القيم في " المنار المنيف " ( ص 134) : ومن ذلك : أحاديث اللعب بالشطرنج - إباحة وتحريما - كلها كذب على رسول اله صلى اله عليه وسلم ، وإنما يثبتُ فيه المنع عن الصحابة .ا.هـ.
الآثارُ الـواردةُ عن الصحابةِ وغيرهم :
لا يثبتُ شيءٌ عن الصحابةِ وغيرهم في اللعب بالشطرنجِ .
قال الإمام ابن القيم في كتاب " الفروسية " ( ص 311) : ولا يُعلم أحدٌ من الصحابةِ أحلها ، ولا لعب بها ، وقد أعاذهم الله من ذلك ، وكل ما نُسب إلي أحد منهم أنه لعب بها كأبي هريرة فافتراءٌ وبَهت على الصحابة ، ينكره كل عالم بأحوال الصحابة ، وكل عارف بالآثار .ا.هـ.
وقال الإمام ابن القيم في أيضا " الفروسية " ( ص 313) : وقد صح النهي عن عبد الله بن عباس ، وعن عبد الله بن عمر ، ولا يعلم لهما في الصحابة مخالف في ذلك البتة .ا.هـ.
وقال الزرقاني في شرح الموطأ (4/357) : وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَالشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ ، وَأَنَّ الشَّعْبِيَّ كَانَ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ غَيْرُ ثَابِتٍ , وَلَوْ ثَبَتَ لَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا النَّهْيَ وَأَغْفَلُوا النَّظَرَ وَأَخْطَئُوا فِيهِ .
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابِ إجَازَةُ اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ عَمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَإِنَّمَا هِيَ أَخْبَارٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا أَهْلُ الْبَطَالَةِ حِرْصًا عَلَى تَخْفِيفِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبَاطِلِ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .ا.هـ.
• الآثارُ الـواردةُ عن السلفِ في النهي عن اللعبِ بالشطرنجِ :
وردت جملةٌ من الآثارِ في كتاب " ذم الملاهي " لابن أبي الدنيا في النهي عن لعب الشطرنج ، أذكر منها ما صححه المحقق عمرو عبد المنعم سليم للكتاب ، واكتفي بذكر الأثر من غير السند :
1 - عن إسماعيل قال : سئل أبو جعفر عن الشطرنج ، فقال : دعونا من هذه المجوسية .
قال المحقق : إسناده حسن . أبوشهاب هو عبد ربه بن نافع ، وفي حفظه ضعف ، وإسماعيل هو ابن أبي خالد
والأثر أخرجه البيهقي في الكبرى (10/212) من طريق المصنف .
2 - عن عقبة بن صالح قال : قلت لإبراهيم : ما تقول في اللعب بالشطرنج فإني أحب اللعب بها ؟
قال : إنها ملعونة ، فلا تلعب بها . قال : قلت : إني لا أصبر عنها . قال : فاحلف لا تلعب بها سنة . قال : فحلفت ، فصبرت عنها . قال المحقق : إسناده صحيح .
3 - عن عبيد الله بن عمر قال : قيل للقاسم : هذه النردة تكرهونها ، فما بال الشطرنج ؟ ! قال : كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر . قال المحقق : إسناده صحيح .
4 - عن طلحة بن مصرف قال : كان إبراهيم وأصحابنا لا يسلمون على أحد إذا مروا به من أصحاب هذه اللعبة . قال المحقق : إسناده صحيح .
5 - قال مالك بن أنس : الشطرنج من النرد . بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم ، فأحرقها . قال المحقق : إسناده صحيح . والأثر أخرجه البيهقي في الكبرى (10/212) من طريق المصنف .
6 - عن عبيد الله بن عمر : سُئِل ابن عمر عن الشطرنج فقال : هي شر من النرد . قال المحقق : إسناده حسن
وبعد هذه الآثارِ فقد رد القرافي في " الذخيرة " (13/283) على من زعم أن بعضَ التابعين لعب بها ، بأن ذلك لا يصحُ عنهم .
تأصيلاتٌ قويةٌ لشيخِ الإسلامِ وابنِ القيمِ في تحريمِ اللعبِ بالشـطرنجِ : أصل كلٌ من شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ وتلميذهِ ابنِ القيم مسألةَ تحريمِ اللعبِ بالشطرنجِ تأصيلا قويا
نقسمه بما يلي :
المسألةُ الأولى :
سئل شيخ الإسلام في الفتاوى (32/216) سؤالا نصه : وَسُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ : أَحَرَامٌ هُوَ ؟ أَمْ مَكْرُوهٌ ؟ أَمْ مُبَاحٌ ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ : حَرَامٌ ; فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ؟ وَإِنْ قُلْتُمْ : مَكْرُوهٌ ; فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى كَرَاهَتِهِ ؟ أَوْ مُبَاحٌ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَتِهِ ؟
فَأَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . اللَّعِبُ بِهَا : مِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ : وَمِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ; وَمَكْرُوهٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ ; وَلَيْسَ مِنْ اللَّعِبِ بِهَا مَا هُوَ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ .ا.هـ.
شيخ الإسلام يقرر مسألة مهمة هنا وهي : أنه لم يقل أحدٌ من الأئمةِ بإباحةِ الشطرنجِ .
فالخلاف بين العلماء دائر بين التحريم - وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة - ، والكراهة - وهو قول الشافعي - .
ولهذا رد الإمام ابن القيم في الفروسية ( ص 313) قول من قال : أن مذهب الشافعي الإباحة بقوله :
وقد اتفق على تحريمها الأئمة الثلاثة وأتباعهم ، والشافعي لم يجزم بإباحتها ، فلا يجوز أن يقال : مذهب الشافعي إباحتها ؛ فإن هذا كذب عليه ، بل قال : " وأما الشطرنج فلم يتبين لي تحريمها " . فتوقف رضي الله عنه في التحريم ولم يفت بالإباحة .ا.هـ.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية معنى الكراهة عند السلف فقال في الفتاوى (32/241) :
قَالَ البيهقي : رَوَيْنَا فِي كَرَاهِيَةِ اللَّعِبِ بِهَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ سيرين ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ .
قُلْت : وَالْكَرَاهِيَةُ " فِي كَلامِ السَّلَفِ كَثِيرًا وَغَالِبًا يُرَادُ بِهَا التَّحْرِيمُ وَقَدْ صَرَّحَ هَؤُلاءِ بِأَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ .ا.هـ.
وقال أيضا (32/219) : وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَد وَأَصْحَابِهِ " تَحْرِيمُهَا " .
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ : أَكْرَهُ اللَّعِبَ بِهَا ; لِلْخَبَرِ ; وَاللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالْحَمَامِ بِغَيْرِ قِمَارٍ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ أَخَفُّ حَالًا مِنْ النَّرْدِ ، وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ مِمَّا مَضْمُونُهُ : أَنَّهُ يَكْرَهُهَا وَيَرَاهَا دُونَ النَّرْدِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ كَرَاهَتَهُ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ ; فَإِنَّهُ قَالَ : لِلْخَبَرِ . وَلَفْظِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ هُوَ عَنْ مَالِكٍ " مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ " فَإِذًا كَرِهَ الشِّطْرَنْجَ وَإِنْ كَانَتْ أَخَفَّ مِنْ النَّرْدِ .ا.هـ.
المسألةُ الثانيةُ :
هل قال أحد بإباحة اللعب بالشطرنج ؟
الإجماعُ منعقدٌ بين الأئمةِ أن الشطرنجَ إذا كان بعوضٍ فإنهُ محرمٌ .
نقل شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ في الفتاوى (23/216) الإجماعَ عن ابنِ عبدِ البر فقال : فَإِنْ اشْتَمَلَ اللَّعِبُ بِهَا عَلَى الْعِوَضِ كَانَ حَرَامًا بِالاتِّفَاقِ ; قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إمَامُ الْمَغْرِبِ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّعِبَ بِهَا عَلَى الْعِوَضِ قِمَارٌ لا يَجُوزُ .ا.هـ. وأما إن كان بغير عوض فقد ذكرنا الخلاف آنفا .
المسألةُ الثالثةُ :
أيهما أشد : النرد أم الشطرنج ؟
فصل شيخ الإسلام في هذه المسألة تفصيلا جيدا فقال في الفتاوى (32/242) : وَمَذْهَبُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ أَنَّ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ حَرَامٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِعِوَضِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُمَا : إنَّ الشِّطْرَنْجَ شَرٌّ مِنْ النَّرْدِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ : النردشير شَرٌّ مِنْ الشِّطْرَنْجِ .
وَكِلا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ ; فَإِنَّ النَّرْدَ إذَا كَانَ بِعِوَضِ وَالشِّطْرَنْجَ بِغَيْرِ عِوَضٍ : فَالنَّرْدُ شَرٌّ مِنْهُ وَهُوَ حَرَامٌ حِينَئِذٍ بِالإِجْمَاعِ . وَأَمَّا إنْ كَانَ كِلاهُمَا بِعِوَضِ أَوْ كِلاهُمَا بِلا عِوَضٍ فَالشِّطْرَنْجُ شَرٌّ مِنْ النَّرْدِ ; لأَنَّ الشِّطْرَنْجَ يَشْغَلُ الْقَلْبَ وَيَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ أَكْثَرَ مِنْ النَّرْدِ . وَلِهَذَا قِيلَ : الشِّطْرَنْجُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْقَدَرِ ، وَالنَّرْدُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْجَبْرِ .ا.هـ.
ومقصود شيخ الإسلام بالعبارة الأخيرة وهي : " وَلِهَذَا قِيلَ : الشِّطْرَنْجُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْقَدَرِ ، وَالنَّرْدُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْجَبْرِ " أن صاحب النرد يرمي ويحسب بعد ذلك ، وأما صاحب الشطرنج فإنه يقدَّر ويفكر ويحسب حسابات النقلات قبل النقل .
الحمدُ للهِ وبعدُ ؛ كما هو معلومٌ أن كثيراً من المسلمين قد انشغلوا بكثيرٍ من الملهياتِ وخاصةً في العصورِ المتأخرةِ بشكلٍ لا يخفى على كل ذي لبٍ ، ولو أحصيناها لم انتهينا من عدها ، ومن هذه الملهياتِ لعبةٌ معروفةٌ منذُ القدمِ ألا وهي " الشطرنج " ، وقد افتُتن بهذهِ اللعبةِ حتى بعضُ أهلِ الصلاحِ والاستقامةِ .وهنا نبين حكمُ الشرعِ فيها ، ونقلُ أقوالِ السلفِ بخصوصها ، وتقريراتُ شيخِ الإسلامِ وتلميذهِ ابنِ القيمِ بخصوص "الشطرنج"
الشطرنجُ في القرآنِ :
عند الرجوعِ إلى كتبِ التفسيرِ نجدُ أن بعضَ العلماءِ فسروا الأزلامَ في قولهِ تعالى : " وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ " [ المائدة : 3 ] بـ " الشطرنج " ، وقد نقل هذا القولَ الطبريُّ في " جامع البيان " (9/511) فقال : " قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَالَ لَنَا سُفْيَانُ بْن وَكِيع : هُوَ الشِّطْرَنْج .
قال المحدثُ أحمدُ شاكر تعليقاً على ذلك في تفسير الطبري : هذا قولٌ في غايةِ الغرابةِ !! كأنهُ كان يجهلُ ما الشطرنج = أو كأنه كان يرى أنهم يفعلون ذلك بقطع الشطرنج ، دون أن يكونَ هذا الفعلُ هو اللعبُ بالشطرنجِ .ا.هـ.
هل يثبتُ حديثٌ عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم في الشطرنجِ ؟
قال الشيخ بكر أبو زيد في كتاب " التحديث بما قيل : لا يصح فيه حديث " ( ص 182) :
لم يثبت في هذا الباب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال الإمام ابن القيم في " المنار المنيف " ( ص 134) : ومن ذلك : أحاديث اللعب بالشطرنج - إباحة وتحريما - كلها كذب على رسول اله صلى اله عليه وسلم ، وإنما يثبتُ فيه المنع عن الصحابة .ا.هـ.
الآثارُ الـواردةُ عن الصحابةِ وغيرهم :
لا يثبتُ شيءٌ عن الصحابةِ وغيرهم في اللعب بالشطرنجِ .
قال الإمام ابن القيم في كتاب " الفروسية " ( ص 311) : ولا يُعلم أحدٌ من الصحابةِ أحلها ، ولا لعب بها ، وقد أعاذهم الله من ذلك ، وكل ما نُسب إلي أحد منهم أنه لعب بها كأبي هريرة فافتراءٌ وبَهت على الصحابة ، ينكره كل عالم بأحوال الصحابة ، وكل عارف بالآثار .ا.هـ.
وقال الإمام ابن القيم في أيضا " الفروسية " ( ص 313) : وقد صح النهي عن عبد الله بن عباس ، وعن عبد الله بن عمر ، ولا يعلم لهما في الصحابة مخالف في ذلك البتة .ا.هـ.
وقال الزرقاني في شرح الموطأ (4/357) : وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَالشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ ، وَأَنَّ الشَّعْبِيَّ كَانَ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ غَيْرُ ثَابِتٍ , وَلَوْ ثَبَتَ لَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا النَّهْيَ وَأَغْفَلُوا النَّظَرَ وَأَخْطَئُوا فِيهِ .
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابِ إجَازَةُ اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ عَمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَإِنَّمَا هِيَ أَخْبَارٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا أَهْلُ الْبَطَالَةِ حِرْصًا عَلَى تَخْفِيفِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبَاطِلِ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .ا.هـ.
• الآثارُ الـواردةُ عن السلفِ في النهي عن اللعبِ بالشطرنجِ :
وردت جملةٌ من الآثارِ في كتاب " ذم الملاهي " لابن أبي الدنيا في النهي عن لعب الشطرنج ، أذكر منها ما صححه المحقق عمرو عبد المنعم سليم للكتاب ، واكتفي بذكر الأثر من غير السند :
1 - عن إسماعيل قال : سئل أبو جعفر عن الشطرنج ، فقال : دعونا من هذه المجوسية .
قال المحقق : إسناده حسن . أبوشهاب هو عبد ربه بن نافع ، وفي حفظه ضعف ، وإسماعيل هو ابن أبي خالد
والأثر أخرجه البيهقي في الكبرى (10/212) من طريق المصنف .
2 - عن عقبة بن صالح قال : قلت لإبراهيم : ما تقول في اللعب بالشطرنج فإني أحب اللعب بها ؟
قال : إنها ملعونة ، فلا تلعب بها . قال : قلت : إني لا أصبر عنها . قال : فاحلف لا تلعب بها سنة . قال : فحلفت ، فصبرت عنها . قال المحقق : إسناده صحيح .
3 - عن عبيد الله بن عمر قال : قيل للقاسم : هذه النردة تكرهونها ، فما بال الشطرنج ؟ ! قال : كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر . قال المحقق : إسناده صحيح .
4 - عن طلحة بن مصرف قال : كان إبراهيم وأصحابنا لا يسلمون على أحد إذا مروا به من أصحاب هذه اللعبة . قال المحقق : إسناده صحيح .
5 - قال مالك بن أنس : الشطرنج من النرد . بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم ، فأحرقها . قال المحقق : إسناده صحيح . والأثر أخرجه البيهقي في الكبرى (10/212) من طريق المصنف .
6 - عن عبيد الله بن عمر : سُئِل ابن عمر عن الشطرنج فقال : هي شر من النرد . قال المحقق : إسناده حسن
وبعد هذه الآثارِ فقد رد القرافي في " الذخيرة " (13/283) على من زعم أن بعضَ التابعين لعب بها ، بأن ذلك لا يصحُ عنهم .
تأصيلاتٌ قويةٌ لشيخِ الإسلامِ وابنِ القيمِ في تحريمِ اللعبِ بالشـطرنجِ : أصل كلٌ من شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ وتلميذهِ ابنِ القيم مسألةَ تحريمِ اللعبِ بالشطرنجِ تأصيلا قويا
نقسمه بما يلي :
المسألةُ الأولى :
سئل شيخ الإسلام في الفتاوى (32/216) سؤالا نصه : وَسُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ : أَحَرَامٌ هُوَ ؟ أَمْ مَكْرُوهٌ ؟ أَمْ مُبَاحٌ ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ : حَرَامٌ ; فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ؟ وَإِنْ قُلْتُمْ : مَكْرُوهٌ ; فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى كَرَاهَتِهِ ؟ أَوْ مُبَاحٌ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَتِهِ ؟
فَأَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . اللَّعِبُ بِهَا : مِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ : وَمِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ; وَمَكْرُوهٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ ; وَلَيْسَ مِنْ اللَّعِبِ بِهَا مَا هُوَ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ .ا.هـ.
شيخ الإسلام يقرر مسألة مهمة هنا وهي : أنه لم يقل أحدٌ من الأئمةِ بإباحةِ الشطرنجِ .
فالخلاف بين العلماء دائر بين التحريم - وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة - ، والكراهة - وهو قول الشافعي - .
ولهذا رد الإمام ابن القيم في الفروسية ( ص 313) قول من قال : أن مذهب الشافعي الإباحة بقوله :
وقد اتفق على تحريمها الأئمة الثلاثة وأتباعهم ، والشافعي لم يجزم بإباحتها ، فلا يجوز أن يقال : مذهب الشافعي إباحتها ؛ فإن هذا كذب عليه ، بل قال : " وأما الشطرنج فلم يتبين لي تحريمها " . فتوقف رضي الله عنه في التحريم ولم يفت بالإباحة .ا.هـ.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية معنى الكراهة عند السلف فقال في الفتاوى (32/241) :
قَالَ البيهقي : رَوَيْنَا فِي كَرَاهِيَةِ اللَّعِبِ بِهَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ سيرين ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ .
قُلْت : وَالْكَرَاهِيَةُ " فِي كَلامِ السَّلَفِ كَثِيرًا وَغَالِبًا يُرَادُ بِهَا التَّحْرِيمُ وَقَدْ صَرَّحَ هَؤُلاءِ بِأَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ .ا.هـ.
وقال أيضا (32/219) : وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَد وَأَصْحَابِهِ " تَحْرِيمُهَا " .
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ : أَكْرَهُ اللَّعِبَ بِهَا ; لِلْخَبَرِ ; وَاللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالْحَمَامِ بِغَيْرِ قِمَارٍ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ أَخَفُّ حَالًا مِنْ النَّرْدِ ، وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ مِمَّا مَضْمُونُهُ : أَنَّهُ يَكْرَهُهَا وَيَرَاهَا دُونَ النَّرْدِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ كَرَاهَتَهُ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ ; فَإِنَّهُ قَالَ : لِلْخَبَرِ . وَلَفْظِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ هُوَ عَنْ مَالِكٍ " مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ " فَإِذًا كَرِهَ الشِّطْرَنْجَ وَإِنْ كَانَتْ أَخَفَّ مِنْ النَّرْدِ .ا.هـ.
المسألةُ الثانيةُ :
هل قال أحد بإباحة اللعب بالشطرنج ؟
الإجماعُ منعقدٌ بين الأئمةِ أن الشطرنجَ إذا كان بعوضٍ فإنهُ محرمٌ .
نقل شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ في الفتاوى (23/216) الإجماعَ عن ابنِ عبدِ البر فقال : فَإِنْ اشْتَمَلَ اللَّعِبُ بِهَا عَلَى الْعِوَضِ كَانَ حَرَامًا بِالاتِّفَاقِ ; قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إمَامُ الْمَغْرِبِ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّعِبَ بِهَا عَلَى الْعِوَضِ قِمَارٌ لا يَجُوزُ .ا.هـ. وأما إن كان بغير عوض فقد ذكرنا الخلاف آنفا .
المسألةُ الثالثةُ :
أيهما أشد : النرد أم الشطرنج ؟
فصل شيخ الإسلام في هذه المسألة تفصيلا جيدا فقال في الفتاوى (32/242) : وَمَذْهَبُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ أَنَّ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ حَرَامٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِعِوَضِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُمَا : إنَّ الشِّطْرَنْجَ شَرٌّ مِنْ النَّرْدِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ : النردشير شَرٌّ مِنْ الشِّطْرَنْجِ .
وَكِلا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ ; فَإِنَّ النَّرْدَ إذَا كَانَ بِعِوَضِ وَالشِّطْرَنْجَ بِغَيْرِ عِوَضٍ : فَالنَّرْدُ شَرٌّ مِنْهُ وَهُوَ حَرَامٌ حِينَئِذٍ بِالإِجْمَاعِ . وَأَمَّا إنْ كَانَ كِلاهُمَا بِعِوَضِ أَوْ كِلاهُمَا بِلا عِوَضٍ فَالشِّطْرَنْجُ شَرٌّ مِنْ النَّرْدِ ; لأَنَّ الشِّطْرَنْجَ يَشْغَلُ الْقَلْبَ وَيَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ أَكْثَرَ مِنْ النَّرْدِ . وَلِهَذَا قِيلَ : الشِّطْرَنْجُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْقَدَرِ ، وَالنَّرْدُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْجَبْرِ .ا.هـ.
ومقصود شيخ الإسلام بالعبارة الأخيرة وهي : " وَلِهَذَا قِيلَ : الشِّطْرَنْجُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْقَدَرِ ، وَالنَّرْدُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْجَبْرِ " أن صاحب النرد يرمي ويحسب بعد ذلك ، وأما صاحب الشطرنج فإنه يقدَّر ويفكر ويحسب حسابات النقلات قبل النقل .

