رد: حياكم الله في استراحة المنتدى مزامير
جزاك الله خيرا أخي الحبيب أبا همام، وكنت أود أن لو كانت الدعوة على أرض الواقع..إذن لرأيت مني ما يعجبكee4
موضوع جميل جدا...نحتاج أن نروح عن أنفسنا بدقائق ، فالهموم والمشغلات باتت تستهلك جل أوقاتنا.
اسمح لي أخي المكرّم - ولا يهونوا الإخوة - أن أشارك بهذه القصة التي وقعت لي بعنوان:
الحاشي
قبل سنوات كنت مقيما في السعودية...وكأي شخص يحل في مجتمع جديد لكم أن تتصورا حالي...لا شك أن هناك أشياء استجدت في حياتي ، ومن بينها بعض المأكولات...ورغم أنها لذيذة وشهية إلا أنها جديدة وتحتاج إلى فترة حتى تصير مألوفةٍ لدى معدتي – حفظها الله –
وذات يوم دعاني (أبو محمد) إلى وليمة، وكانت الدعوة يومها على (حاشي)...هكذا عرفت منه حينما ذهبنا سوياً قبلها بيوم مع أحد الإخوة المقيمين (أبو عبادة) إلى المسلخ، وطلب من الجزار قائلاً : نريد أن تجهز لنا غدا حاشي.... حاشي؟؟؟ أخشى أن الأخ أخطأ في الاسم...لا شك أنه يريد لحم (محاشي)....أو أن الاسم المتعارف عليه عندهم للمحاشي (حاشي) ، هذا ما دار في خـَلدي وأنا أسمعه يردد (محاشي)... المهم أن المقصود محاشي...ويا لله كم أحترم المحاشي، إذ لها في القلب مكانة لا يدانيها إلا (المنسف) - ومن ذاق عرف -...اللهم لا تحرمنا أكله ولا تفتنا بعده
...الليل عسعس...والصبح تنفس...ورحلت ساعاته الأولى ولم أتناول الفطور...
....ثم قام قائم الظهيرة والحال ( الرجال مواقف ، ولن يدرك البطـّال منازل الأبطال)
....مضى وقت الظهيرة وصار ظل كل لشيء مثليه وألم الجوع يزداد ساعة فساعة، وبدأت المعدة ترسل نداءات استغاثة عاجلة إلى الفم...لكن الجواب: لا...لابد من الصبر، لابد من المجاهدة...فالصبر مفتاح الفرج، ولا تـُنال اللذة حتى يعظم الجـَهد ، ودون المحاشي أبر الجوع
...رحلت الشمس وكادت قواي أن ترحل معها...ثم أذ ّن مؤذن العشاء الآخرة...ثم...دقت ساعة الصفر
اجتمع الناس...ورحت أنتظر المحاشي، وأقول في نفسي – وقد رأيت هذا العدد الهائل من المدعوين - : جزاك الله خيراً يا أم محمد...كم ساعة جلستِ تنقرين الكوسا والباذنجان وتلفين ورق العنب؟ أيـُعقل أنكِ في ليلة واحدة استطعتِ أن تصنعي هذا كله لهذا العدد الضخم من الناس؟ لا بدّ أنكِ استعنتِ بخادمات...إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا نحسن – معاشر الرجال - الإجابة عنها إلا بالأكل
ثم تقدم رجلان يحملان صحناً كبيراً مغطىً بورق القصدير ليضعاه أمامي حيث يجلس إلى جانبي أخي الحبيب ( أبو عبادة)
ثم تلاهما رجلان ورجلان حتى اكتمل ترتيب الصحون...وقال أبو محمد بلسان المرحّب : تفضلوا..."ما فيه شيء من واجبكم"...وكشف الغطاء...وليته لم يفعل...ماذا؟ كبسة؟؟؟ أين المحاشي؟؟ أين عاقبة صبري؟ أين موعودي؟ أفسحر هذا أم أنني لا أبصر؟...إلى هنا الأمر معقول وإن كان مرا ...لكن اللامعقول أبداً أن تكون الكبسة على ( حااااااااااشي) يعني جمل...هذا ما أخبرني به أبو عبادة حين سألته: ألسنا مدعوين على محاشي ...فقال وهو يكتم ضحكاته المتفجرة من حنايا قلبه : لا يا مسكين، حاشي وليست محاشي
عندها تمنيت ألو تنازلت عن شيءٍ من كبريائي وأكلت ما عساه يطفيء نار الجوع الذي اكتوت أمعائي بسياطه
المهم...أحلف بالله صادقا غير حانث أنني لم أذق سوى الرز واللبن...ثم حمدت الله ودعوت للمضيف ...وانا أردد في نفسي حديث الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة)
هل انتهت القصة؟؟ لا..
مضت سنون وانصرمت أعوام...فكان عام 1429هـ حيث قدر الله لي أن أحج...وقبل الذهاب إلى مكة...مررت بمكان إقامتي سابقاً...وكان المضيّف هذه المرة من؟ إنه شقيق الروح ( أبو عبادة) وكانت دعوته التي لا ترد...وجئنا إلى الدعوة...على ماذا؟ إنه الأوزي...يدخل القلب بلا اسئذان
...وضع الأوزي "ورحنا في ستين داهية" – عفوا – ورحنا نضرب أخماس بأسداس ..." الله لا يحطكم مكان الصحن"
...ثم حمدنا الله وشكرنا المضيف ودعونا له...ورجعت إلى المنزل...وبدأ الحراك، النزال، إنه المغص الشديد الذي لا يـُحتمل...وأنا أقول لشقيقي وقد أصابه ما أصابني :لا ضير، هذا برد الصحراء ينخر في العظم وأنت لا تشعر به
وبعد أيام التقيت بأبي عباده، وتصاعدت الضحكات تملأ المكان حين أخبرني الأوزي كان بلحم الحاشي..."تاني"؟ وبعد أن وضعت الحرب أوزارها اضطررت لأن أقول معترفاً: فعلا لحم الحاشي طيب...ومع ذلك فلا زال غريبا عليّ
وهل انتهت قصتي مع الحاشي؟ لا...
ذهبنا إلى مكة...وكان يوم عرفة – أسأل الله أن يعيده عليّ وعليكم أعواما عديدة وأزمنة مديدة فوالله لو وضع هذا اليوم في كفة وبقية أيام العمر في كفة لرحجت بها كفة عرفة وما أدراكم ما عرفة؟! – ونزلنا في مخيّم لأحد أصدقاء أخي وحبيبي (أبو عبد الرحمن ) ونعم الاخ والصديق ...ثم جاء وقت الغداء...قلت لشقيقي وقد اجتمع شملنا على ما لا يختلف عليه اثنان من ذوي البطون السليمة، قلت : أيعقل أن يكون هذا اللحم حاشي؟ رفعنا أيدينا وبلغت القلوب الحناجر...قال شقيقي متسائلاً: أسألكم بالله هل هذا حاشي؟؟
رد صاحبنا وقد فهم المراد على الفور: لا ، هذا ليس حاشي...الحمد لله...ومع ذلك فلا زال الشك يحوارني...ولكن الغلبة كانت للذة على حساب العقل
وبعد أن غسلنا أيدينا...نادى راعي الحملة قائلاً : من تغدَ معنا فليتوضأ، فأدركنا أنه الحاشي ...عندها هممنا بأمر سوء بصاحبنا...فابتدرنا : أنتم سألتموني هل هذا حاشي؟ وأنا قلت وصدقت : هذا ليس حاشي ...هذا لحم حاشي ، فمن غير المعقول أن يتربع الحاشي على صحن الطعام، صح؟؟ عندها قلت هذه المرة معترفاً : إن لحم الحاشي من أطيب ما أكلت
وهاأنذا أقولها اليوم: سقياً لأيامك أيها الحاشي ...لقد اشتقت إليك كثيراً
ملحوظة: كتبت في موقع آخر بقلم الفاعوري ولكن بمعرّف آخر