هذا جزء من محاضرة للشيخ محمد إسماعيل المقدم نقلتها للفائدة
وسائل علاج ظاهرة السرقة عند الأطفال
ترسيخ مفهوم الملكية الخاصة والعامة في محيط الطفل
من أهم العلاجات في هذه الحالة: تكوين اتجاه إيجابي واتجاه سلبي، اتجاه إيجابي من ناحية الأمانة، فنرسخ فيه مفهوم الأمانة وندعمه، وفي نفس الوقت ننشئ عنده اتجاهاً سلبياً من ناحية السرقة، وذلك يكون باحترام حقوق الطفل فيما يملكه من لعب ومن أدوات خاصة. ومن الخطأ التربوي أن تكون الأشياء مشاعة للجميع في البيت، فلا نقول للطفل: العب أنت وإخوانك، وهذه اللعبة لكم كلكم، بل يجب أن نخصه بلعبة حتى ننمي فيه احترام الملكية الخاصة وملكية الآخرين، وبالمقابل يمكن أن تكون هناك أشياء مشتركة لا يستطيع أن يلعبها إلا بمشاركة الآخرين، فمثلاً: الأرجوحة التي يلعب فيها اثنان لن يقدر أن يلعب بها إذا كانت بمشاركة آخرين، وهذه اللعبة تعتبر تربوية؛ لأنها تنمي الروح الجماعية عند الطفل. فمن الأمور المهمة جداً: أن نحترم حقوقه فيما يملكه، سواء كانت لعباً أو أدوات خاصة، أو فرشاة أسنان أو ملابس خاصة به. كذلك عندما يأتي الأب ويفتح حصّالة ابنه، ويأخذ منها المال بدون إذنه، وبدون أن يردها إليه، ففي هذه الحالة هذا الطفل أتوقع أنه سيكره الأمانة، ويمكن أن يفهم أن السرقة شيء مشروع إذا كان أبوه أخذ منه ماله، ففي هذه الحالة إن كان ولا بد فعلى الوالد أن يستأذن الولد أولاً كنوع من التدريب، ويعده أنه سوف يرد إليه هذا المال، ثم يرده بالفعل؛ حتى يشعره أن هذه ملكيته الخاصة، وأنه ليس هناك مَنْ سيعتدي عليه.
وجود القدوة الحسنة في حياة الطفل والمتمثلة في الوالدين
كما أشرنا إلى أن الوالدين هما قدوة حسنة وأسوة يحتذي بها الطفل، فهو يمتص من الوالدين مواقفهما، إذ ليس هناك شيء اسمه حصة التربية، ولن يحضر الوالد في وقت معين ويقول لولده: تعال لكي أربيك، فهو في الليل والنهار يتربى بسلوكيات الأب وسلوكيات الأصدقاء، وسلوكيات الإخوة، والإعلام فهذه كلها تصنع الطفل، فالتربية ليست وظيفة لها وقت دون وقت آخر، وإنما في كل السلوكيات هو يتربى؛ لذلك ينبغي للأب والمربي أن يكون في غاية الحذر من تصرفاته أمام الأطفال؛ لأنهم يتلقنون منه سلوكياتِهِ شاء أم أبى، فعندما يأتي شخص يتصل بالهاتف يسأل عن الأب فيقول الوالد لابنه: قل له: إنه ليس هنا، فيقول: إنه ليس هنا، فنكون حذرين جداً من هذا السلوك!! إن الطفل يمتص من خلال السلوكيات التي يراها أمامه أسوة، فيرى موقف الأب والأم من احترام حقوق الآخرين ويقلد ذلك السلوك، فلو سمع مثلاً أن أباه استولى على أموال إخوانه الصغار بعدما مات جده مثلاً، وأنه تمكن من نهب هذه الأموال، ويحكيها كذكاء أو مكسب، فهذا يعتبر درساً، والوالد هنا قدوة، فلا يعاتبه بعد ذلك إذا فعل نفس الشيء.
إشاعة روح التعاون والتضحية في حياة الطفل
كذلك إلى جانب تنمية الشعور بالملكية الخاصة لا بد أن ينمى في الطفل روح التعاون، والأخذ والعطاء مع الآخرين، صحيح أن تقول له: هذه الأشياء ملكك أنت، هذه لعبك.. هذه ملابسك.. هذه أدواتك، لكن في نفس الوقت تقول له: عندما يحتاج أخوك منك شيئاً ويستأذنك عليك أن تعطيه، أو تقول له: حين تجد صاحبك محتاجاً إلى شيء كطعام مثلاً أو أدوات فعليك أن تعطيه. كل هذا الفعل حتى ننمي فيه روح التعاون مع الآخرين، بحيث لا يتطور موضوع الملكية الخاصة إلى درجة من درجات الأنانية، فلابد أن يتدرب على التمييز بين الشيء الذي يملكه، والشيء الذي يملكه غيره، ونحن نعرف أن هناك غريزة حب التملك، وهي غريزة من غرائز البشر، فهذه الغريزة قوية في كثير من الأطفال، بل لديهم ميل إلى ادعاء ملكية أي شيء يحبونه، يقول: هذا لي، بالرغم من أنه ليس ملكه، لكن لأنه أحبه فهو يريد أن يستحوذ عليه، لكن يجب أن نضع له الحدود ونقول له: ليس كل ما تحبه يكون ملكك، بل لا بد أن تنظر هو ملك من؟ وكيف يمكنك امتلاك هذا الشيء؟ وهذا مثال في إشاعة روح التعاون بدلاً من الأنانية: إذا أراد الطفل أن يلعب بلعب أخيه، نقول: استأذن أخاك أولاً؛ لأنها ملكه هو، فإن أذن لك العب معه، وبالمقابل شجع أخاه وقل له: أعطه اللعبة؛ لأنكم إخوة وأنت كذا... إلى آخره، فهو لن يتنازل عن ملكيته الخاصة قهراً، وإنما سيتعود على الأخذ والعطاء بالتراضي بين الاثنين، لكن لو أن كل الأشياء ملكيتها مشاعة بين الأولاد كلهم فسيحصل اختلاط الأدنى والأقصى، وسيختلط عليه الأصل، وبالتالي السلوك الذي تعلَّمه داخل البيت: أنه ليس هناك شيء اسمه ملكية خاصة، سينقله إلى خارج المنزل في المجتمع، فيكون كلما أراد شيئاً يأخذه، حتى لو لم يكن ملكاً له؛ لأنه لم يتعود في البيت على احترام الحدود بين ما يملكه هو وما يملكه الآخرون.
عدم التعجل في اتهام الطفل بالسرقة وتقصي ملابسات قيامه بهذا الفعل
الأمر المهم ألا نتعجل في وصم طفل بالسرقة، ولا ينفع أن تعلق عليه وتصفه بالكذب، وتقول: تعال يا كذاب، اذهب يا كذاب! فأنت بهذا تحطمه، فكل طفل يخطئ، أنت عندما كنت في نفس سنه أكيد أنك كنت ترتكب نفس الأخطاء، فكوننا نصم الطفل بالسرقة وهو في مرحلة التكوين هذا فيه نوع من الظلم، وزيادة المشكلة وليس حلها، فالسرقة عندما تحصل من الأطفال قبل سن الخامسة لا تكون سرقة بالمعنى المفهوم عندنا، فإذا حصل عندنا شك في أن هذا الطفل يسرق فلا بد أولاً: أن يحصل نوع من المراقبة لسلوكه لبضعة أيام؛ حتى نحدد متى يسرق؟ وماذا يسرق؟ وهل يأخذ الشيء معه عندما يسرق أم يتركه؟ هل يحتفظ به أم يجلس بجانبه؟ عندما يسرق هل ينظر إن كان أحد يراه أم لا؟ هل يضع الشيء المسروق في جيبه أم يمسكه في يده؟ هل يخفي الشيء المسروق في مكان معين؟ هل يعترف بالسرقة عندما يستجوب أم أنه ينزعج؟ هل يقول: هذا ملكي يخصني، أم أنه يقول: إنما أخذته بالصدفة؟ وهل عندما يأخذ شيئاً يعيده إلى صاحبه أم أنه يرفض؟ وهل يسرق أشياء صغيرة تدخل في الجيب أم أشياء كبيرة، أم يسرق أجزاء من أشياء كبيرة؟ هل يسرق ممتلكات زملائه أم أدواتهم المدرسية أم يسرق طعاماً أم نقوداً؟! وكما أشرنا لا بد أن نعرف هل السرقة عارضة أم أنها متكررة؟ لأنها لو كانت متكررة فستكون بداية احتراف، ويكون هذا مشروع مجرم في المستقبل. هل هو في سلوك السرقة يقلد أشخاصاً آخرين أم لا يقلد؟ هل السرقة تؤدي وظيفة نفسية معينة أم تسد بعض احتياجاته التي أشرنا إليها من قبل؟
عدم المبالغة في ترك المال في متناول الطفل
بعض الناس يجعل المال متاحاً للطفل ليسهل عليه الوصول إليه، حتى إن بعض الآباء -جهلاً منهم- يقول: أنا أرمي المال تحت قدميه؛ كي يتحصن من السرقة ولا يفكر فيها. طبعاً هذا خطأ، والمثل العامي يقول: (المال السائب يعلم السرقة) فالمال المتاح يكون فيه نوع من الإغراء، والطفل ليس عنده النضج الكافي ليقاوم إغراء المال خاصة إذا كان محتاجاً إليه، ففي هذه الحالة المال يوضع في مكان محفوظ. وهذا لا يتعارض مع ما قررناه سابقاً من خطأ بعض الآباء عندما يبالغون في حفظ كل شيء حتى الأشياء التافهة؛ لأن ذلك يغرس فيه حب الاستطلاع ليستكشف هذا الشيء، لكن كلامنا هنا على أن المال يكون متاحاً بصورة سهلة جداً، والذي يقول: أنا أرمي المال تحت رجليه؛ حتى يتحصن من السرقة، فهذا سوف يؤدي إلى انعدام الدافعية لتحصيل المال عندما يكبر؛ لأن المال تحت رجليه طوال العمر، فإذا كبر سينعدم الدافع لكي يجتهد في تحصيل المال، ويؤدي أيضاً إلى أنه يستهين بصرف المال في الأوجه المفيدة، والطفل إذا رأى المال أمامه طوال الوقت فإنه في هذه الحالة ستدخل عليه الوسوسة ليقدم على السرقة بطريقة تدريجية. في بعض الأحيان يحصل نوع من التدعيم للسلوكيات المنحرفة، فمثلاً: يعود الطفل على الغش في حياته اليومية، كما حصل من بعض المدرسين: حيث قام الأولاد يغشون في الامتحان، ويتناقلون الأوراق مع بعضهم البعض، والمراقب يقول لهم: لا بأس! لا بأس! فنحن كنا نعمل مثلكم، فطبعاً هذا تدعيم للسلوك المنحرف، فالولد يرجع إلى البيت ويقول: كان هناك غش في اللجنة، فيستحسن الوالدان ذلك باعتبار أنه فك الأزمة التي هو فيها عن طريق الغش، فهذا تحطيم للطفل، بل بالعكس! يجب أن تقول له: إذا سقطت في الامتحان أهون عندي من أن تغش؛ لأنك ستحترم نفسك وأنت كذا وكذا!! فمن وسائل تدعيم سلوك التعود على الغش في الحياة اليومية أن يقوم الأب بمدح ابنه لمهارته في الغش في الامتحان أو ما شابه ذلك. فتكوين صفة الأمانة يتم في السنوات الأولى من حياة الطفل، فنستغل دائماً أي فرصة يعتدي فيها الطفل على ملكيات الآخرين ونوجهه إلى ما يجب عمله في مثل هذه المناسبات: هذه ليست ملكك، هذا ملكه هو، ولا بد أن تذهب إلى زميلك وترجع إليه المسطرة أو ترجع إليه القلم... إلى آخره.