- 6 يونيو 2008
- 2,850
- 27
- 0
- الجنس
- ذكر
مشاهدة خطبة المسجد الحرام
http://www.alharamain.gov.sa/index.cfm?do=cms.khutbah
وحدة الكلمة والحذر من الفرقة
ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "وحدة الكلمة والحذر من الفرقة"، والتي تحدَّث فيها عن أهمية الوحدة لأمة الإسلام على المنهَج الحقِّ، وأن ذلك سببًا في جلبِ كل خيرٍ على المُسلمين، كما أن الاقتراف والتنازُع سبب كل شرٍّ، وبيَّن أن المُطالَبة بالحقوق والإصلاح له ضوابِطُه وأساليبُه الشرعية التي ينبغي على الجميع سُلوكُها.
الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله فالقِ الإصباح، ومُجرِي السحابِ ومُرسِل الرياح، أحمده - سبحانه - وأشكرُه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ الحق والفوز والفلاح، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه أوضحَ معالِمَ الهُدى وهدَى إلى طريق الصلاح، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابِه وأزواجِه وأتباعه بإحسانٍ، ما أغطشَ ليلٌ وأضاءَ صباح، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -، ومن استطاعَ منكم أن يلقَى اللهَ خفيفَ الظهر من دماء المُسلمين، خميصَ البطن من أموالِهم، كافَّ اللسان عن أعراضِهم، لازِمًا لأمر جماعتِهم فليفعل.
واعلَموا أن من تركَ الحرامَ وهو قادرٌ عليه فهو الخائِف، ومن جدَّ في العمل واجتنبَ الأماني فهو الرَّاجِي، ومن ركنَ إلى حولِه وقوَّتِه ذلَّ، ومن أُعجِبَ بعمله ضلَّ، ومن اعتمدَ على ربِّه وركنَ إلى مولاه فما ذلَّ ولا ضلَّ،
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: 5، 6].
أيها المسلمون:
أسَّس نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - في المدينة النبوية المُنوَّرة أسَّس دولةَ الإسلام - بعد توحيد الله - أسَّسها على المُؤاخاة، فكان المُهاجِرون غرباء الدار إخوة الأنصار ممن تبوَّؤوا الإيمانَ والدار، وكان - عليه الصلاة والسلام - شديدَ الرعاية بهذه الأُخُوَّة، عظيمَ الغيرة عليها، سريعَ المُعالَجة لبوادِر الخروج عليها.
اختلفَ غُلامان في إحدى المغازِي، فقال أحدُهما: يا للمُهاجِرين! فقال الآخر: يا للأنصار! فبادرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قائلاً: «أبِدَعوى الجاهلية وأنا بين أظهُركم؟ دعُوها فإنها مُنتِنةٌ»؛ أخرجه البخاري.
مع أن لقبَ المُهاجِرين ولقبَ الأنصار ألقابٌ إسلاميَّةٌ كريمةٌ.
وحينما ضلَّ بنُو إسرائيل وعبَدوا العجلَ، قال موسى نبيُّ الله وكليمُه لأخيه هارون نبيِّ الله ووزير أخيه - عليهما السلام -: قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [طه: 92، 93]، فكان جوابُ هارون جوابًا لطيفًا رقيقًا حكيمًا: قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه: 94].
ومعاذ الله أن يُتَّهم نبيُّ الله هارون بانحِراف المنهَج، أو التقصير في المُوازنات، ثم يُقِرُّه أخوه مُوسَى وهو الذي دعا ربَّه: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه: 29- 32]، فأجابَه العليُّ الأعلَى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه: 36].
يقول الإمام البغوي - رحمه الله -: "بعثَ الله الأنبياءَ كلَّهم بإقامة الدين، والإلفَة والجماعة، وترك الفُرقة والمُخالَفة".
معاشر المُسلمين:
وليس أشدّ ضراوةً على الأمة وعلى استِقرار الديار من اختِلافِ الكلمة، وتنافُر القلوبِ، وتنازُع الآراء. وحدةُ الكلمة سببُ كلِّ خيرٍ، والفُرقةُ والخلافُ سببُ كل شرٍّ.
إن من كمال الدين وكياسَة العقل وسلامةَ الفهم: ألا ينساقَ المرءُ مع من يُريد تصديعَ وحدة الأمة، لما قد يرَى من ظُلمٍ قد وقعَ، أو حقٍّ قد انتُقِص؛ لأن من فقدَ بعضَ حقِّه في حالَة الوحدة سيفقِدُ كل حقِّه إذا وقعَت الفُرقة –معاذ الله -، ولن يأمَن - والله - على نفسه، ولا على أهله، ولا على عِرضه ولا على ماله.
لنا إخوةٌ أعِزَّة في بلادٍ مُجاورة - لطفَ الله بهم وحفِظَهم، وأعانَهم على ما يُعانُون - تفرَّقَت كلمتُهم، وفقَدوا استقرارَهم، وانفرَط عِقدُ وحدتهم؛ ففارقُوا ديارَهم، وتشرَّدوا مُخلِّفين وراءَهم دُورَهم وأموالَهم وزُروعَهم وتجاراتهم، تركُوا الغاليَ والنفيس، ينشُدون الأمنَ والاستِقرار، يعيشُون مُغترِبين مُعدَمين.
مع التشرُّد والخوف والفُرقة لا قيمةَ للدُّور ولا للقُصور ولا للأموال ولا للضِّياع، أتُراهم ينزَحون من ديارِهم لو وجَدوا مُستقرًّا وأمنًا؟!
حين فقَدوا استِقرارَ الدولة حلَّت في ديارهم الفوضَى، وفي أجواء الفوضَى يتفرَّق الجمع، ويتخاصمُ الحُلفاء، ويتخندقُ الفُرقاء، ومن ثمَّ يُصبِحُ الفشلُ مُحيطًا بالجميع، ويصيرُ العجزُ هو النتيجةَ التي يتحمَّلها الجميع.
معاشر الأحِبَّة:
في أجواء الفوضَى تُولَد التكتُّلات، وتنبُت المُخالفات، وتلكم هي معاوِلُ الهدم، وقوةُ الهدم أقوَى من قوَّة البناء وأبلغُ وأسرع.
في الفوضَى وعدم الاستِقرار تذوب المعايير الضابِطة، وتغيبُ السياساتُ العاقِلة، وتذهلُ الآراءُ الواعِية، ويكونُ التناقض هو المُسيطر، والاضطرابُ هو السائِد، والضياعُ هو المُهيمِن.
إن غوغائيَّة الجماهير هي الطريقُ السريعُ إلى الفوَى، ونعوذُ بالله من فتنٍ تدَعُ الحليمَ حيرانًا، فالإنسانُ في أجواء الفتن قد يظنُّ أن لديه إيمانًا يعصِمُه، أو عقلاً إلى رُشدٍ يهدِيه، ولكن مع الفتنِ وبخاصَّةٍ في تقنيَّات العصر الجارِفة، ووسائلِه الطاغِية، وتغريداتِه المُضطرِبة لا يشعُر إلا وقلبُه قد تشرَّبَ ما تشرَّب، فإذا هو قد زُجَّ في نارها، وغرِقَ في لُجَّتها، وأحرقَه لهيبُها.
ونعوذُ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطَن.
ألم تفقَهوا توجيهَ نبيِّنا محمدٍ - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو يُحذِّرُ من فتنةِ المسيح الدجَّال، مع أنه قد بيَّن لنا أوصافَه وذكرَ لنا علاماته بما لا يلتبِسُ ولا يشتبِهُ، ومع هذا كلِّه فإننا نستعيذُ بالله منه في صلواتِنا كلِّها، وقال: «إن خرجَ وأنا فيكم فأنا حَجيجُه، وإلا فكلٌّ حَجيجُ نفسه».
فلا حول ولا قوة إلا بالله.
معاشر المسلمين:
وليس مخرجًا من الفتن إذا استحكمَت، والبلايا إذا ادلهمَّت إلا لُزومُ الجماعة، والتزامُ الطاعة، وقد قال ذلك نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وآله وسلم - لحُذيفة - رضي الله عنه -: «تلزمُ جماعةَ المُسلمين وإمامَهم».
ومن أرادَ بَحبُوحَة الجنة فليلزَم الجماعة.
ولُزومُ الطاعة والتمسُّك بالجماعة ليس مُجاملةً، ولا مُمالأةً، ولا ضعفًا، ولا مُداهنةً، ولا مُعاوَضةً، ولكنَّه - والله - من أجل الحِفاظ على الدين، وعلى الأمة، وعلى الأمن والاستِقرار، وعلى الأهل والأنفُس، «من رأى من أميرِه ما يكرَه فليصبِر؛ فإن من فارقَ الجماعةَ شبرًا فماتَ ماتَ ميتةً جاهليَّةً»؛ متفق عليه.
إخوتي في الله:
ونحن في هذه البلاد المُباركة في رحاب الحرمين الشريفين، في المملكة العربية السعودية، الدينُ هو الظاهرُ، وشرعُ الله هو المُحكَّم، أسبغَ الله علينا نعمَه ظاهرةً وباطنةً، صحةً في الأبدان، وأمنًا في الأوطان، غذاءٌ وكساءٌ ودواءٌ وصحةٌ وتعليمٌ، تمشِي على قدمَيك وقد قُتِلَت أقدام، تنامُ ملئَ عينيك وقد أطارَ الخوفُ والهلَعُ النومَ عن أقوامٍ كثيرين، أمنٌ وافرٌ، وعافيةٌ سابغةٌ وقد نغَّصَ الألمُ والخوفُ المُشرَّدين.
بلادٌ آمنةٌ مُستقرَّة يفِدُ إليها الوافِدون، ويرغبُ إليها الراغِبون، يبذُلون الغالِيَ والنفيس لسُكناها والعيش فيها ابتِغاءَ ظلِّ أمنها الوارِف، وعيشِها الكريم.
لماذا يتفكَّرُ الغافِلون في المفقود ولا يشكُرون الموجود؟! لا بُدَّ من الحِفاظ على هيبَة الدولة وهيبَة الحُكم وهيبَة الأنظمة.
ولا يكونُ استِقرارُ الدولة وأمنُ الأمة إلا بالحِفاظ على الهيبَة حِفظًا للدين والدنيا، والأنفُس والأموال، والاقتِصاد والإعمار، والصحة والتعليم، وكل المناطق والخدمات.
يجبُ استِصحابُ حفظِ الدولة، ووحدة الأمة في أي تحرُّكٍ أو نظرٍ أو تفكيرٍ أو مُطالَبةٍ، وما أجدرَ الغيورين على وحدة الأمة ومصالِحها واستِقرارها أن يُمسِكوا عن كثيرٍ من ألوان الجدَل واللَّغَط الذي تمُوجُ به الساحة.
إن كثيرًا من مواطِن الخلاف ينشأُ من مُجانبَة الاعتِدال، فيرَى المُنتقِد أنه ما دام على الحقِّ فهذا يُسوِّغُ له أن يقولَ ما يشاء وأن يفعل ما يشاء ومتى شاء وكيف شاء. وتلكم هي الغفلةُ القاتِلة.
وكثيرٌ من مواطِن النزاع مبدؤُها خطأٌ يسيرٌ، أو تقصيرٌ محدود، فيُغذِّيه الهوَى، وينفخُ فيه الغلُوُّ، ناهِيكم بمن يعتقِدُ التلازُم بين الغِلظَة على من أخطأَ والحميَّة على الدين. وتغليطُ الِكِبار لا ينبغي أن يُجاهِرَ به الأغمار.
معاشر الأحِبَّة:
إن مما يُدعَى إليه طلبةُ العلم، وأهلُ الفضل والصلاح، وأصحابُ الرأي والنظر المُقتدَى بهم يُدعَون أن يكونوا قُدوةً لطُلاَّبِهم وأتباعِهم في الحِرصِ على وحدة الأمة وهيبَة الدولة؛ بل أتن يكونوا قدوةً في التنازُل عن بعضِ حقوقِهم الشخصية من أجل هذا الهدف السامي العظيم.
والمسؤوليةُ مُشتركةٌ - حكومةً وإعلامًا وشعبًا - في التعاوُن وسلوكِ سبيل المُؤمنين، وهدي الشرع، ورعاية الأنظمة، وتحقيق العدل، والرحمة والإحسان والحزم.
وبعد، حفظكم الله:
فليُعلَم أن الناصِحَ مسؤوليَّتُه تقديمُ النصيحة المُخلِصة والرأيِ النَّصُوح، وصاحبُ القرار له آليَّتُه في صُنع القرار واتِّخاذِه.
وأهلُ العلم والرأي والناصِحون تختلفُ وجهاتُ نظرهم وآراؤُهم، وكلُّهم مُجتهِدون ناصِحون مُخلِصون، وصاحبُ القرار يستمِعُ من الجميع، ويتفهَّمُ ما يتقدَّمُ به الجميع، ويتَّخِذُ ما يراهُ مُحقِّقًا للمصلحة، وحافِظًا للدولة، وخادِمًا للأمة.
والناصحُ وذو الرأي وصاحبُ القرار كلُّهم غيرُ معصُومين، وإذا علِمَ الله منهم صحَّةَ الديانة، وصدقَ النيَّة والإخلاص سدَّدَهم ووفَّقهم وهداهُم للتي هي أقوم، وأثابَهم على خطئِهم وعلى صوابِهم.
فمسؤوليَّةُ الجميع الصدق والنّصح وبذلُ الجهد قدر المُستطاع، أما الصوابُ فيهدِي إليه الله من يشاء، وهو يهدِي من يشاءُ إلى صراطٍ مُستقيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال: 24- 26].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على ما أفضلَ وأنعمَ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحدُ الأحدُ الأعزُّ الأكرم، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه ذو الخُلق الأسمَى والنهج الأقوَم، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعِه وسلَّم.
أما بعد:
حقُّ الناس مكفولٌ في التعبير، والمُطالبةُ بالحقوق وإزالةُ المُنكَرات والمفاسِد ورفع الظُّلم، وإيصالُ الحقوق إلى أهلها كلُّ ذلك مكفولٌ من غير منَّةٍ بضوابِطه وبالطرق المشروعة والنظامِيَّة، وبما يحفَظُ البلدَ وأمنَه وأهلَه وهيبتَه ووحدتَه، وبما يمنعُ تدخُّلَ أهل الفُضول والأغراض والأغراب.
وعلى الدولة العنايةُ بحفظِ حقوقِ الناس وحُرماتهم في أنفُسهم وأموالِهم وأعراضِهم وكرامتِهم، في شفافيةٍ ورحمةٍ وعدلٍ وإحسانٍ، يُحاسَبُ الكبير كما يُحاسَبُ الصغير، ويُجازَى الرئيسُ كما يُجازَى المرؤُوس، وليس أحدٌ فوق الخطأ أو النقد أو المُحاسَبة أو المُسائلَة، مع إصدار الأحكام العادِلة بما يقتضِيه نظرُ الشرع الشريف المُطهَّر. والعدلُ هو سبيلُ الأمن وقاعِدتُه وبوابتُه.
وبعد:
وفي أجواء هذه الوحدة المُتماسِكة التي تعيشُها بلادُنا ومُقدَّساتُنا، والأمن الوارِف، والعيش الكريم للمواطِن والمُقيم والوافِد، يظهرُ من يبيعُ نفسَه ضدَّ أهله ووطنِه، يُريد أن يُنغِّصَ عليهم أمنَهم، ويُكدِّرَ صفاءَ عيشِهم، سالِكًا أحقرَ المسالِك؛ ليكونَ صنيعةً وضيعةً بيدِ من يُريد بأهلِه وبلدِه شرًّا.
أهكذا ترخُص المُقدَّسات والديار والأهلُ والعشيرةُ؟! ليمتهِنَ هذا المخذولُ التجسُّسَ والتلصُّص على أهلِه وعشيرتِه ودارِه لمصلحةِ عدوٍّ مُتربِّصٍ.
هل يُتصوَّرُ مُخلِصٌ مهما كان نقدُه، ومهما كانت مطالِبُه، هل يُتصوَّرُ أن يمُدَّ يدَه إلى يدِ عدوٍّ يُريدُ الشرَّ والأذَى بوطنِه.
إنه الدرسُ البليغُ الذي يزيدُ المُخلِصين يقظَةً وجِدًّا في رصٍّ الصُّفوف والمصلحة العُليا، لحفظ الدين، والأهل، والبلاد، والمُقدَّسات، ضدَّ كل الأعداء والعُملاء.
ثم تبقَى سياسةُ هذه البلاد وإدراتُها على يقظَتها وكفاءتِها وحِكمتِها وحَزمِها ومسارِها الهادِئ الرَّصِين، فلله الحمدُ والمنَّة.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -، وااعتصِموا بحبل الله جميعًا، وكونُوا عبادَ الله إخوانًا، وانصَحوا وأخلِصُوا لدينِكم ولأنفُسكم ولأوطانِكم ولوُلاة أمورِكم.
ثم صلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم في محكم تنزيله، فقال - وهو الصادقُ في قِيلِه - قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمدٍ الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتَك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافيةِ، وأمِدَّ في عُمره على طاعتك، ووفِّقه ونائِبَه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.
اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى فيه أهلُ المعصية، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
اللهم احفظ إخوانَنا في سوريا، اللهم اجمع كلمتَهم على الحق، واحقِن دماءَهم، اللهم اشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم، وآوِي شريدَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم، واجعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافيةً، اللهم انصرهم على عدوِّك وعدوِّهم.
اللهم وعليك بالطغاة الظلمة في سوريا، اللهم إنهم قد طغَوا وبغَوا وآذَوا وأفسَدوا وأسرَفوا في القتل والطغيان، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعل الدائرةَ عليهم يا قوي يا عزيز.
اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين، فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم وأنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرمِين، اللهم إنا ندرأُ بك في نُحورِهم، ونعوذُ بك من شُرورهم.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201].
سبحان ربك ربِّ العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسلين، والحمدُ لله رب العالمين.
===================
خطبة المسجد النبوي
http://www.alharamain.gov.sa/index.cfm?do=cms.AudioListen&simplelayout=1&layoutType=ajax&audioid=50079&audfiletype=mp3
كثرة أبواب الخير
نبذة مختصرة عن الخطبة:
ألقى فضيلة الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "كثرة أبواب الخير"، والتي تحدَّث فيها عن الطاعات وما شرعَه الله لعباده من تنويعها ترغيبًا لهم في الإقبال والمُسارعة والتنافُس عليها، وحذَّر من الابتِداع، وبيَّن عِظَم قدر النصيحة وفضلِها.
الخطبة الأولى
الحمد لله الغني عن العالمين، لا تنفعُه طاعةُ الطائعين، ولا تضرُّه معصيةُ العاصِين، من عمِل الطاعات فهو الفائزُ بثوابِ المُحسِنين، ومن عمِل المعاصِي فهو مع الخاسِرين، ولن يضُرَّ اللهَ شيئًا وسيجزِي الله الشاكرين، أحمد ربي وأشكره على نعمه التي لا تُعدُّ ولا تُحصَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الخلق أجمعين، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه بعثَه الله بالهُدى ودين الحقِّ فجعلَه رحمةً للعالمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولِك وخليلِك محمدٍ، وعلى آله وصحبه المتقين.
أما بعد:
فاتقوا الله - أيها المسلمون - بفعلِ ما يُرضِيه من الطاعات، وتركِ ما يُغضِبُه من المُحرَّمات.
واعلموا - عباد الله - أن عزَّ العبد في عبوديَّته لربِّه - عز وجل -، وقوَّة المُسلم في توكُّله على مولاه، وغِناه في مُداوَمة الدعاء برفع حاجاته كلِّها إلى الله تعالى، وفلاحَه في إحسانِه لصلاته، وحُسن عاقبته في تقواه لربِّ العالمين، وانشراحَ صدره وسُرورَه في برِّ الوالدَين، وصِلة الأرحام، والإحسان إلى الخلق، وطُمأنينة قلبِه في الإكثار من ذكرِ المُنعِم - جل وعلا -، وانتظامَ أمور الإنسان واستقامة أحوالِه بالأخذ بالأسباب المشروعة، وترك الأسباب المُحرَّمة، مع تفويضِ الأمور كلِّها للخالقِ المُدبِّر - سبحانه وتعالى -، وإنجاز الأعمال في أوقاتها بلا تأخُّرٍ ولا كسَلٍ.
وخُسرانُ العبد وخذلانُه في الرُّكون إلى الدنيا، والرِّضا بها، ونسيان الآخرة، والإعراض عن عبوديَّة الربِّ - جل وعلا -، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يونس: 7، 8]، وقال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: 22].
وقد جعلَ الله لكم عِبرًا في الأُمم الماضِية والقرون الخالِية؛ فقد أعطاهم الله تعالى طولَ الأعمار، وجرَت من تحتهم الأنهار، وشيَّدوا القُصور، وبنَوا الأمصار، ومُتِّعوا بقوة الأبدان والأسماع والأبصار، ومكَّن الله لهم في الأرض، وسخَّر لهم الأسباب، فما أغنى عنهم ما كانوا فيه من القُوى والنعيم؟! ولا دفعَت عنهم الأموالُ والأولادُ.
قال الله تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأحقاف: 26].
والسعيدُ من اتَّعَظ بغيره، والشقيُّ من وُعِظَ به غيرُه، فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: 33]، واستعِدُّوا للقاءِ الله بما تقدِرون عليه من الأعمال الصالحات، ولا تغُرنَّ أحدًا الدنيا وطولُ الأمل، قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: 99، 100].
واعلَموا أن اجتماع الخير كلِّه في عبادة الله وحدَه لا شريكَ له على ما وافقَ سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مع الإخلاص ومحبَّة الله تعالى، ومحبَّة رسول الله - عليه الصلاة والسلام -.
ولن ينالَ أحدٌ رِضوانَ الله - عز وجل - ولن يدخُل جنَّتَه ولن يسعَد في حياته وبعد مماته إلا بعبادة الله - تبارك وتعالى -.
وللعبادة خُلِق المُكلَّفون، قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].
ولرِضا الربِّ - عز وجل - بالعبادة وفرَحه بها وكثرة منافعِها للمُكلَّفين، وعُموم بركاتها، وسُبوغ خيراتها في الدارَين؛ أمرَ الله بها في الليل والنهار وجوبًا أو استِحبابًا، مُقيَّدةً أو مُطلقةً، ليستكثِر منها السابِقون، وليلحَقَ بركبِ العُبَّاد المُقصِّرون.
وكمالُ العبادة هو كمالُ محبَّة ربِّ العالمين، وكمالُ الذلِّ والخُضوع للمعبود - سبحانه -، مع مُوافقَة هديِ النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومن رحمة الله - عز وجل - ولُطفِه بعباده، وسعَة جُودِه وكرَمه أن شرعَ العبادات للمُكلَّفين كلِّهم، يتقرَّبون بها إلى الله - سبحانه - ليُثِيبَهم، وبيَّن لهم الأوقات الفاضِلة التي يتضاعَفُ فيها ثوابُ العبادات ليستكثِروا من الخيرات، ولو لم يُبيِّن لهم الزمانَ الفاضِلَ لم يعرِفوه، قال الله تعالى: وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة: 151]، وقال تعالى: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة: 239].
وإذا شرعَ الله عبادةً دعا المُكلَّفين إلى القِيام بها، والتقرُّبِ إلى الله بها، فإذا لم يتمكَّن بعضُ المُكلَّفين من فعلِها فتحَ الله للمُكلَّفين أبوابًا من الطاعات، وشرعَ لهم من الطاعات من جنسِ ما فاتَهم من العبادات؛ ليَنالَ العبادُ عزَّ الطاعةِ، وثوابَ القُرُبات.
فمن لم يُدرِك والدَيْه فقد شُرِع له الدعاءُ لهما، والصدقةُ عنهما، والحجُّ عنهما، وصِلةُ رحِمهما، وإكرامُ صديقِهما، ومن أدركَهما ثم ماتا فكذلك يستمرُّ على برِّهما.
عن أبي أُسيدٍ الساعديِّ أن رجلاً قال: يا رسول الله! هل بقِيَ من برِّ أبوَيَّ شيءٌ أبرُّهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم؛ الصلاةُ عليهما - أي: الدعاءُ لهم لهما -، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهدهما من بعدهما، وصِلةُ الرَّحِم التي لا تُوصَلُ إلا بهما، وإكرامُ صديقِهما»؛ رواه أبو داود.
والخالةُ بمنزلة الأم، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رجلٌ: يا رسول الله! إني أصبتُ ذنبًا عظيمًا؛ فهل لي من توبةٍ؟ قال: «هل من أمٍّ لك؟». قال: لا، قال: «فهل لك من خالةٍ؟». قال: نعم، قال: «فبِرَّها»؛ رواه الترمذي.
ومن لم يجِد مالاً يتصدَّقُ منه فليعمل بيدِه وينفعُ نفسَه ويتصدَّق، عن سعيد بن أبي بُردة، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «على كل مُسلمٍ صدقةٌ». قيل: أرأيتَ إن لم يجِد؟ قال: «يعتمِلُ بيدَيه، فينفعُ نفسَه، ويتصدَّق». قيل: أرأيتَ إن لم يستطِع؟ قال: «يُعينُ ذا الحاجة الملهُوف». قيل له: أرأيتَ إن لم يفعل؟ قال: «يُمسِك عن الشرِّ؛ فإنها صدقةٌ»؛ رواه مُسلمٌ.
وفي الحديث: «من صلَّى الفجرَ في جماعةٍ ثم جلسَ في مُصلاَّه يذكُر الله حتى تطلُع الشمسُ، فصلَّى ركعتَين؛ كان كأجرِ حجَّةٍ وعُمرةٍ تامَّةٍ، تامَّةٍ، تامَّةٍ».
ألا ما أعظمَ نعمَ ربِّ العالمين على العباد، وما أكثرَ أبواب الخيرات، وما أجلَّ أبواب الحسنات!
فاعمَل - أيها المُسلم - بإخلاصٍ واتِّباعٍ للهديِ النبويِّ، ولا تزهدنَّ في أي عملٍ صالحٍ ولو كان قليلاً، ولا تحقِرنَّ السيئةَ ولو كانت صغيرةً؛ فإن لها طالِبًا وحسابًا.
أيها المُسلم:
احذَر على حسناتِك واحفَظها من البِدع؛ فإنها تهدِمُ دينَك، وتُبطِلُ حسناتِك، أو تُنقِصُ ثوابَ الأعمال الصالحات، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد: 33].
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لمن ابتدعَ في الدين ولمن تطرُدهم الملائكةُ عن حوضِه الشريف الذي من شرِبَ منه شربةً لم يظمَأ بعدها أبدًا، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن ابتدعَ في الدين وغيَّر: «سُحقًا سُحقًا لمن غيَّر بعدي»؛ رواه البخاري.
كما عليك - أيها المسلم - أن تحذرَ من المُحرَّمات والمعاصِي، وأن تبتعِدَ عنها وتُبغِضَها؛ فإنها تُقسِّي القلبَ وتُقوِّي النفاقَ وتُغذِّيه، وهي من أسبابِ سُوء الخاتِمة، وهي التي تُمرِضُ النفسَ، والتي تجعلُها قسيَّة، وتجعلُها مُتمرِّدةً مُتجرِّئةً على معاصِي الله، حتى إن العبدَ إذا أصرَّ على معاصِي الله فإنه لا يقدِرُ - غالبًا - في نفسِه؛ بل تقودُه إلى كلِّ شرٍّ - والعياذُ بالله -.
قال الله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [مريم: 59، 60].
ومعنى: يَلْقَوْنَ غَيًّا قال المُفسِّرون: "وادٍ في جهنم، خبيثٌ شديدُ الحرِّ".
واحرِص - أيها المُسلمُ - على المُسابَقة إلى الخيرات، لتكون من الموعودين بالدرجات العُلَى، وإياك والتأخُّرَ عن الأعمال الصالحات، والتكاسُلَ عن فعلِ الخير، فتُعاقَب بالتأخُّر عن رُتبَة الفائزين، وقد تُعاقَب بدخول النار مع الداخِلين.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزالُ قومٌ يتأخَّرون حتى يُؤخِّرَهم الله». وفي روايةٍ: «لا يزالُ قومٌ يتأخَّرون حتى يُؤخِّرَهم الله في النار».
قال الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الواقعة: 10- 12].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعَنا بهدي سيِّد المُرسَلين وقولِه القَويم، أقول قولي هذا وأستغفرُ الله العظيمَ لي ولكم والمسلمين، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله عظيم السُّلطان، قويِّ البُرهان، ما شاء الله كان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحيمُ الرحمن، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه المُؤيَّد بمُعجزة القُرآن، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أولِي الإيمانِ والإحسان.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى بمحبَّته وطاعته، ولا تتعرَّضُوا لغضبِه بمعصيتِه.
عباد الله:
كونوا على الحق أعوانًا، وبأخُوَّة الإسلام إخوانًا، وتمسَّك - أيها المسلم - بالنصيحة، وهي: محبَّةُ كل خيرٍ ونُصرةٍ وعزٍّ وتأييدٍ للمنصوحِ له، والنصيحةُ شأنُها عظيمٌ.
عن أبي تميمٍ الداريِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «الدينُ النصيحةُ، الدينُ النصيحةُ، الدينُ النصيحةُ». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المُسلمين وعامَّتهم»؛ رواه مسلم.
ومن حُقوق المُسلمين على المُسلم: الاهتمامُ بأمورِهم، والقيامُ بحقوقهم، وإحاطَتُهم بالدعاءِ والحِرصِ على ما ينفعُهم، وكفُّ الأذى والضررُ عنهم.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من لم يُوقِّر الكبيرَ، ويرحمِ الصغيرَ، ويأمر بالمعروف، وينهَى عن المُنكَر».
وفي الحديث: «المُؤمنُ للمُؤمن كالبُنيان، يشدُّ بعضُه بعضًا»، وفي الحديث أيضًا: «مثَلُ المُؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثَل الجسد الواحِد، إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَر والحُمَّى».
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56]، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».
فصلُّوا وسلِّموا على سيدِ الأولين والآخرين وإمام المُرسلين، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا ونبيِّنا محمدٍ وعلى أزواجِه وذريَّته وأهل بيته، اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيِّك أجمعين، وعن التابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمِك ورحمتِك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الكفرَ والكافرين، وأذِلَّ الشركَ والمُشركِين يا رب العالمين، اللهم دمِّر أعداءَك أعداءَ الدين.
اللهم انصُر دينَك وكتابَك يا رب العالمين، إنك أنت القوي المتين.
اللهم أرِنا الحقَّ حقًّا وارزُقنا اتِّباعَه، وأرِنا الباطلَ وارزُقنا اجتِنابَه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضِلّ، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفِر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلمُ به منَّا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت.
اللهم أعِذنا من شرور أنفسِنا، ومن سيئات أعمالنا، اللهم أعِذنا من شرِّ كل ذي شرٍّ يا رب العالمين.
اللهم أعِذنا وذريَّاتنا من إبليس وذريَّته وجنوده يا رب العالمين، اللهم أعِذ المُسلمين من إبليس وذريَّته، إنك على كل شيء قدير.
اللهم اغفِر لموتانا وموتَى المُسلمين، اللهم اغفِر لموتانا وموتَى المُسلمين يا رب العالمين، اللهم اغفِر لهم وارحَمهم، وعافِهم واعفُ عنهم، اللهم اغفِر للمُسلمين والمُسلِمات، والمُؤمنين والمُؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم اهدِ شبابَنا وشبابَ المُسلمين يا رب العالمين، اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المُسلمين صغيرَهم وكبيرَهم، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم ألهِمنا رُشدَنا، وأعِذنا من شُرور أنفُسنا يا رب العالمين.
اللهم أغِثنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أغِثنا غيثَ رحمة لا عذاب، إنك على كل شيء قدير.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاةَ أمورنا.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعَل عملَه في رِضاك يا رب العالمين، اللهم وألبِسه ثوبَ الصحة، إنك على كل شيءٍ قدير، وفِّقه يا رب العالمين لما فيه الخيرُ لبلاده وللمُسلمين إنك على كل شيء قدير.
اللهم إنا نسألُك يا ذا الجلال والإكرام أن تُحسِن عاقِبَتنا في الأمور كلِّها، وأن تُجيرَنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم إنا نسألُك العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: 90، 91].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأشكر مشاركة الأخ العزيز أحمد عمار سلمه الله

