رد: شرح حديث [ أم زرع ] - للشيخ أبو اسحاق الحويني - حفظه الله
خبر المرأة الخامسة
وقالت الخامسة : ( زوجي إذا دخل فهِد ، وإذا خرج أسد ، ولا يسأل عما عهد ) .
اختلف شراح الحديث هل قولها هذا خرج مخرج الذم أم خرج مخرج المدح ؟ لكن الظاهر
أنه خرج مخرج المدح ، فقولها : ( زوجي إذا دخل فهد ) يقولون: من طبع الفهد -
وهو الحيوان المعروف - أنه كثير النوم ، فهي تصفه بالغفلة، والرجل الذي يزيد ذكاؤه
عن الحد، والذي يتتبع كل صغيرة وكبيرة ، رجل متعب جداً ، فلا بد من شيء من التغافل .
قيل لأعرابي : من العاقل ؟ قال : ( الفطن المتغافل ) . يعني : الذي يتجاهل بإرادته ،
وليس لازماً أن يُعرفها أنه يعرف ، ولكنه يتجاهل بإرادته ؛ لأن هذا يضيع حلاوة التغافل
خبر المرأة السادسة
وقالت السادسة : ( زوجي إذا أكل لف ، وإذا شرب اشتف ، وإذا اضطجع التف ،
ولا يولج الكف ليعلم البث ) . ( إذا أكل لف ) : يلف : أي : يأكل من كل الأطباق ، ولا يترك
صنفاً إلا ويأكل منه ، ( وإذا شرب اشتف ) ، أي : يستمر يشرب حتى لا يبقي شيئاً ،
فهو نهوم ، أكول ، وهذا يدل على أن المرأة ماهرة ، فما ترك شيئاً إلا أكل منه، ويشرب
بنوع من النهم، وتكون النتيجة أنه عندما ينام يلتف لوحده ، هذا هو الجزاء ، ولا يشكر
هذه المرأة التي طعامها جميل ، وشرابها جميل ، لدرجة أنه يأكل بشره ، بل يكافئ المرأة
بأنه إذا اضطجع التف ، فهي تشتكيه .
خبر المرأة السابعة
وقالت السابعة - وهذه ما تركت شيئاً في الرجل - : ( زوجي عيايا غيايا طباقا ) ، ( عيايا ) :
من العي ، ( غيايا ) : من الغي ، وهو الضلال البعيد ، ( طباقا ) : مقفل لا يتفاهم ،
( كل داء له داء ) : كل عيوب الدنيا فيه ، كل داء تجده فيه . ( شجك ) يجرح وجهها ،
( أو فلك ) يكسر عظمها ، ( أو جمع كلاً لك ) ، أي : إما يشج رأسها فقط ، وإما يكسر
عظمها فقط ، وإما يكسر عظمها ويشج رأسها ، فهذا الرجل عنيد جداً .
خبر المرأة الثامنة
وقالت الثامنة : ( زوجي المس مس أرنب ، والريح ريح زرنب ) .
وهي تمدحه ( مس أرنب ) أي : ناعم البشرة ، ناعم الملمس ، كجلد الأرنب ، رفيق رقيق ،
( والريح ريح زرنب ) ، الزرنب : نبات طيب الرائحة ، وهذا أدب ينبغي أن نتعلمه ، فينبغي
على الرجل والمرأة أن يحرصا على أن تكون روائحهما طيبة ، ومن الأشياء المنفرة التي
هدمت بيوت بسببها هذا الموضوع.. والرسول عليه الصلاة والسلام كما رواه الإمام
مسلم عن شريح بن هانئ قال: قلت لـعائشة : ( بأي شيء كان النبي صلى الله عليه
وسلم يبدأ إذا دخل بيته ؟ قالت : بالسواك ) ، فأول ما يدخل البيت يستاك ، وهذا نوع
من إزالة الرائحة الكريهة التي يمكن أن تكون في الفم، فالإنسان ينبغي عليه أن يحرص
على هذا، فهذه المرأة تمدح زوجها بأنه طيب العشرة ، ولم يفتها أن تصفه بطيب الرائحة .
خبر المرأة التاسعة
وقالت التاسعة : ( زوجي رفيع العماد ، طويل النجاد ، عظيم الرماد ، قريب البيت من الناد ) ،
وهي أيضاً تمدحه.. ( رفيع العماد ) أي : طويل ، لكن هناك فرق بينه وبين العشنق ،
فهذا طويل وهذا طويل ، لكن شتان بين طويل وطويل ، فهذا رجل رفيع العماد ، طويل ،
ذو هيئة حسنة ، ( طويل النجاد ) ، النجاد : هو جراب السيف ، فهذا رجل عندما يلبس السيف
يكون الجراب الخاص به طويلاً ، وهذا أمر يمتدح به .
خبر المرأة العاشرة
وقالت العاشرة : ( زوجي مالك ، وما مالك ! ) ، أي : اسمه مالك ، ثم قالت :
( وما مالك ! ) أي : هل تعرفون شيئاً عن مالك ؟ ( مالك خير من ذلك ) ، مالك خير
من كل ما يخطر ببالك ، وهذا مدح عالٍ ، ( له إبل كثيرات المبارك ، قليلات المسارح ) ؛
لأنه يتوقع أن يأتيه الضيوف ، فلا يجعل الغلام يسرح بكل الإبل ؛ لئلا يأتي الضيف فلا يجد
شيئاً يذبحه ، ( له إبل كثيرات المبارك) باركة باستمرار ، ( قليلات المسارح ) قلما يسرحها ،
( إذا سمعن صوت المزهر ) ، وهي الإبل التي في الزريبة ، إذا سمعن صوت المزهر ،
( أيقن أنهن هوالك ) ، يعرفن أن إحداهن ستذبح ، فإذا سمعن هذا الصوت علمن أن
الضيف وصل ، والرجل يحيي الضيوف ، ويستقبلهم بالطبل البلدي ، فيعرف الجمل الذي
بالداخل أنه سينحر ؛ لأنه قد حل ضيف .
والمرأة الأخيرة هي بيت القصيد ، وهي أم زرع التي سمي الحديث بها
قالت أم زرع : ( زوجي أبو زرع فما أبو زرع ! ) ، هل تعرفون شيئاً عن أبي زرع ؟ .
وحيث إننا لا نعرف شيئاً عن أبي زرع، فهي تعرفنا من هو أبو زرع. تقول :
( أناس من حلي أذني ، وملأ من شحم عضدي ) . هذا كله غزل ، ( أناس من حلي أذني ) :
النوس يعني الاضطراب والحركة ، ومنه الناس ؛ لأنهم يتحركون ذهاباً وإياباً .
( أناس من حلي أذني ): أي:
ألبسها ذهباً في آذانها ، وهي تتحرك، فالذهب يتحرك في آذانها بعدما كانت خالية ، فهي
الآن تحمل ذهباً في كل أذن .( وملأ من شحم عضدي ) : بدأت المرأة بالذهب لأنه
أهلك النساء ، الأحمران : الذهب والحرير ، فالنساء عندهن شغف شديد بالذهب ،
( وملأ من شحم عضدي ) ، تريد أن تقول : إنه كريم .. يعني أنه أخذها نحيلة والآن امتلأت .
( وبجحني فبجحت إلي نفسي ) ، يقول لها: يا سيدة الجميع ! يا جميلة ! يا جوهرة !
حتى صدقت ذلك، من كثرة ما بجحها إلى نفسها ،( فبجحت إلى نفسي ) : أي : فصدقته ،
مع أنها قالت : (وجدني في أهل غنيمة بشق) ، يعني : شق جبل ، أي أنها كانت تعيش
في حارة بشق ، وفي بعض الروايات الأخرى( بشق ) : يعني كانت تعيش بشق
الأنفس ، فقيرة فقراً مدقعاً تقول : ( وجدني في أهل غنيمة ) ، غنيمة : تصغير غنم ، أي
أن حالتهم كانت كلها كرب ، حتى الغنم صار غنيمة ، دلالة على حقارة المال . قالت :
( وجدني في أهل غنيمة بشق ) ، فنقلها نقلة عظيمة ، ( فجعلني في أهل صهيل
وأطيط ودائس ومنق ) ، هذه نقلة كبيرة من أهل غنيمة بشق، نقلها إلى ( أهل صهيل ) :
أصحاب خيل ، ( وأطيط ) : أصحاب إبل ؛ لأن الخف الخاص بالجمل لين، فعندما يكون
محملاً حملاً ثقيلاً تسمع كلمة : أط أط أط، خلال مشيه ، فهذا يسمى أطيطاً ، والإبل كانت
من أشرف الأنعام عند العرب،( ودائس ) أي : ما يداس ، وهذا كناية عن أنهم أناس
أهل زرع فلاحون، فإن الزارع بعد حصد الزرع يدوس عليه بأي شيء حتى يخرج منه
الحب ، فهو كناية عن أنهم أهل زرع .( ومنق ) : المنق : هو المنخل ، فالعرب ما كانوا
يعرفون المنخل إنما كان يعرفه أهل الترف ، تقول عائشة - رضي الله عنها - :
( ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منخلاً بعينيه ) ، فقال عروة :
( فكيف كنتم تأكلون يا خالة ؟ فقالت : كنا نذريه في الهواء ) ، فالتبن يطير في الهواء،
والذي يبقى مع الشعير يطحنونه كله ويأكلونه، والنبي عليه الصلاة والسلام كما
قالت عائشة : ( مات ولم يشبع من خبز الشعير ) ، ليس من خبز القمح ، فإن القمح
هذا لم يأكلوه أبداً! تقول : وما أكل خبزاً مرققاً ) . فكلمة ( منق ) فيها دلالة على الترف ،
فعندهم من كل المال ، فهم أغنياء ، عندهم خيل وإبل وزرع ، وعندما يأكلون عندهم منخل ؛
لأنهم كانوا لا يفصلون التبن عن الغلة ، فيطحنونها دقيقاً يسر الناظرين .
( فعنده أقول فلا أقبح ) تقول : مهما قلت فلا أحد يجرؤ أن يقول لي : قبحك الله ..
فقد كان عزها من عز الرجل ومكانتها من مكانته، فلا يستطيع أحد أن يرد عليها بكلمة .
( وأرقد فأتصبح ) : تنام حتى وقت الضحى، وهذا يدل على أنه كان معها خدام ؛
إذ لو كانت تعمل بنفسها لما كانت تنام بعد صلاة الفجر ، وهذا كسائر نسائنا ؛ لأنه بعد
صلاة الفجر يريد الأولاد أن يذهبوا إلى المدارس ، وتريد أن تصنع الطعام لهم ،
والرجل سيخرج إلى العمل ، فتعمل باستمرار ، فإذا كانت تنام حتى تشرق الشمس
وترسل سياطها إلى الأرض وهي نائمة ، فمعنى ذلك أن هناك خدماً يكفونها المؤنة .
( وأشرب فأتقمح ) : وفي رواية البخاري : ( فأتقنح ) ، بالنون ، وهناك فرق بين
اللفظين ، أما لفظ ( فأتقمح ) فإنه يقال : بعير قامح ، أي إذا ورد الماء وشرب ثم رفع
رأسه زهداً في الشرب بعد أن يروى، فهي بعدما تشرب العصير، تترك نصف الكأس؛
لأنها قد ارتوت، وأما ( أتقنح ) أي : تشرب وتأكل تغصباً ، فتأكل حتى تشبع ، فيقال لها :
كلي، فتتغصب الزيادة ، وهذا لا يكون إلا إذا كان هناك دلال وحب .
فقولها : فأتقمح أو أتقنح فيه دلالة على أنها تترك الأكل والشرب زهداً فيه لكثرته ،
فجمعت بين التبجيح والتعظيم الأدبي وبين الكرم.
وصف أم أبي زرع
ثم قالت : ( أم أبي زرع فما أم أبي زرع! ) وهي عمتها ، فلم تذكر عنها شيئاً من
الكلام الذي نسمعه حول العمات وما إلى ذلك ، بل قالت : أم أبي زرع فما أم أبي زرع ..
هل تعلمون شيئاً عنها ؟ هذه السيدة الفاضلة ، وهذا على القاعدة : حبيب حبيبي حبيبي ،
فالمرأة عندما تحب زوجها ، تدين لأمه بالفضل أنها أنجبته ، وهذه منة في عنق الزوجة
للأم أنها أنجبت مثل هذا الإنسان .( عكومها رداح ) الرداح : هو الواسع ، يردح : أي :
يطيل في الكلام، ويتوسع في المقالة ، والعكوم : هي الأكياس التي تخزن فيها
الأطعمة ، فمثلاً : عندما تخزن الأرز لا تخزنه في كيس صغير ، بل تخزنه في كيس قطن ،
فقولها : ( عكومها رداح ) فيه دلالة على أن البيت كله خير ، وبيتها فسيح ،
ومن المعروف أن اتساع البيت أحد النعم .
وصف ابن أبي زرع
ثم قالت : (ابن أبي زرع ، فما ابن أبي زرع! ) يفهم من هذا أن أبا زرع كان متزوجاً ،
قبل ذلك ..( ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع، مضجعه كمسل شطبة ، ويشبعه ذراع الجفرة ) ،
مسل الشطبة : عندما تأتي بجريدة النخل وتأخذ منها سلخة للسكين ، السلخة هذه هي السرير
الخاص به، فهذا الولد نحيف ، لكن عضلاته مفتولة ، والإنسان النحيف مع قوة ممدوح
عند العرب ؛ لأن هذا ينفع في الكر والفر ، فهذا مدح تمدح به الولد ، تقول :
إنه مفتول العضلات وليس بديناً ، ولا صاحب كرش عظيم ؛ بل سريره كمسل شطبة ،
فتستدل على جسمه بسريره الذي ينام عليه ، وإلا فمسل الشطبة لا يكفي واحداً ثقيلاً بديناً .
( ويشبعه جراع الجفرة ) : الجفرة : هي أنثى الماعز الصغيرة ، فلو أكل الرجل الأمامية
للشاة فإنه يشبع ، مع أن هذه لا تكفي الواحد ، ومع ذلك فإن هذا الولد يشبع إذا أكل
ذراع الجفرة ، وهذه صفات ممدوحة عند الرجال ، بخلاف النساء .
وصف بنت أبي زرع
ولما جاءت تصف بنت أبي زرع قالت : ( بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع ! ،
طوع أبيها وطوع أمها )، أي : مؤدبة ،( وملء كسائها ) مالئة ملابسها ،
وهذا مستمدح في النساء بخلاف الرجال ،( وغيظ جارتها ) : الجارة هي الضرة ،
فقد كان زوجها متزوجاً اثنتين أو أكثر( فغيظ جارتها ) أي : من جمالها ، وأنها ملء
كسائها ، وبذلك تغيظ جارتها .
وصف جارية أم زرع
قالت : ( جارية أبي زرع ، فما جارية أبي زرع ! ) ، والمرأة من حبها للرجل تذكر كل
شيء حتى الجارية ، قالت

لا تبث حديثنا تبثيثاً ) ، فأي شيء يحصل في البيت لا يعرف
به أحد من الخارج ، فهي أمينة لا تنقل الكلام ،( ولا تنقث ميرتنا تنقيثاًَ ) ، أي :
لا تبذر في الطعام ، فلا تجد مثلاً الأرز ملقى على الأرض ، فهي امرأة مدبرة ، تخاف
على المال ،( ولا تملأ بيتنا تعشيشاً ) أي : البيت ليس فيه زبالة ، كعش الطائر،
فعش الطائر عبارة عن ريش وحشيش وقش وحطب ، فتقول :
بيتنا ليس كعش الطائر ، إنما هو بيت نظيف . وفي بعض الروايات خارج الصحيحين :
( وظلت حتى وصفت كلب أبي زرع ) ، فالكلام هذا كله غزل ، والغزل هنا مستحب ،
ولا أقول : غزل عفيف ، إنما هذا غزل مستحب ؛ إذ هي تتغزل في زوجها ،
وتعدد فضائل زوجها ، وتشعر بنبرة الحب عالية في كلام المرأة . قالت :
( فخرج أبو زرع والأوطاب تمخض ) ، كان الوقت ربيعاً ، واللبن كثير ، والناس
يحلبون لبنهم ، وفي هذا الوقت خرج أبو زرع ( فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين )
معها اثنان من الأولاد في منتهى الرشاقة ، ( يلعبان من تحت خصرها برمانتين) ،
فأعجبه هذا المنظر ، فقال : هذه المرأة لابد أن أضمها إلي ، فضمها إليه ،
لكن ما الذي حصل ؟ قالت

فطلقني ونكحها )، لأنه لايبقي عنده إلا امرأة واحدة ،
رجل يحب التوحيد!!
الزوج الثاني بعد أبي زرع
قالت : ( فنكحت بعده رجلاً ثرياً ) ، من ثراة الناس وأشرافهم ،( ركب سرياً ) ، السري :
نوع جيد من أنواع الخيل ، كان الأغنياء يركبونه ؛ لأنه كان مفخرة عندهم ، وحتى
تكتمل صورة الأبهة قالت

وأخذ خطياً ) ، الخطّي : هو الرمح ، فهو واضع تحت
إبطه رمحاً وراكب على الخيل ، متعجرفاً ومهيباً .
وفاء أم زرع لأبي زرع
تقول : ( وأراح علي نعماً ثرياً ) ، أي : أعطاها مالاً وفيراً ،
( وأعطاني من كل رائحة زوجاً ) ، وفي رواية : ( وأعطاني من كل ذابحة - أي:
ما يصلح أن يذبح - زوجاً ، وقال : كلي أم زرع وميري أهلك ) ، أي : وأعطي أهلك
أيضاً ، فهذا الرجل ليس فيه أي عيب ، إلا أن المرأة تقول : ( فلو أني جمعت كل شيء
أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع ) . فانظر إلى هذا الوفاء !
مع أن المرأة المطلقة لا تكاد تذكر لزوجها السابق حسنة، وهذا الرجل لم يقصر في حقها ،
بل قال لها : ( كلي أم زرع وميري أهلك ) ، أنفقي على أهلك ، لكنها تقول :
( فلو أني جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع )
( فهل تجدون في هذا الكون أمرأة بمثل أم زرع لأبي زرع )