إعلانات المنتدى


شرح حديث [ أم زرع ] - للشيخ أبو اسحاق الحويني - حفظه الله

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

واإسلاماه

عضو كالشعلة
3 فبراير 2008
312
0
0
e6f14f12be.gif


شرح حديث [ أم زرع ] - للشيخ أبو اسحاق الحويني - حفظه الله.والحديث رواه الإمام البخاري والإمام مسلم والنسائي


قالت عائشة رضي الله عنها وهي تقص على النبي عليه الصلاة والسلام حكاية :

( جلست إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً )

قالت الأولى : زوجي لحم جمل غث ، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ، ولا سمين فينتقى .

وقالت الثانية : زوجي لا أبث خبره، إني أخاف ألا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره .

وقالت الثالثة : زوجي العشنق ، إن أنطق أطلق ، وإن أسكت أعلق .

وقالت الرابعة : زوجي كليل تهامة ، لا حر ولا قر ، ولا مخافة ولا سآمة .

وقالت الخامسة : زوجي إذا دخل فَهِد ، وإن خرج أسد ، ولا يسأل عما عهد .

وقالت السادسة : زوجي إذا أكل لف ، وإذا شرب اشتف، وإذا اضطجع التف ، ولا يولج

الكف ليعلم البث .

وقالت السابعة : زوجي عيايا أو غيايا ، طباقا ، كل داء له داء ، شجك أو فلك أو جمع كلاً لك.

وقالت الثامنة : زوجي المس مس أرنب ، والريح ريح زرنب .

وقالت التاسعة : زوجي رفيع العماد ، طويل النجاد ، عظيم الرماد ، قريب البيت من الناد .

وقالت العاشرة : زوجي مالك ، وما مالك! مالك خير من ذلك ، له إبل كثيرات المبارك

قليلات المسارح ، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك .

وقالت الحادية عشرة : زوجي أبو زرع فما أبو زرع ! أناس من حلي أذني ، وملأ من شحم

عضدي ، وبجحني فبجحت إلي نفسي ، وجدني في أهل غنيمة بشق فجعلني في أهل صهيل

وأطيط ودائس ومنق ، فعنده أقول فلا أقبح ، وأرقد فأتصبح ، وأشرب فأتقمح .

أم أبي زرع فما أم أبي زرع ! عكومها رداح ، وبيتها فساح .

ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع ! مضجعه كمسل شطبة ، ويشبعه ذراع الجفرة .

بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع ! طوع أبيها ، وطوع أمها ، وملء كسائها ، وغيظ جارتها .

جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع ! لا تبث حديثنا تبثيثاً ، ولا تنقث ميرتنا تنقيثاً ،

ولا تملأ بيتنا تعشيشاً .

قالت : فخرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان

من تحت خصرها برمانتين ، فطلقني ونكحها ، فنكحت بعده رجلاً ثرياً ، ركب سرياً ،

وأخذ خطياً ، وأراح علي نعماً ثرياً ، وأعطاني من كل رائحة زوجاً ، وقال : كلي أم

زرع وميري أهلك ، قالت : فلو أني جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة - رضي الله عنها - : كنت لك كـأبي زرع لـأم زرع ) .

وفي رواية النسائي قال لها : ( ولكني لا أطلقك )، هذه الزيادة


bf985d30cd.gif



شرح الحديث :

خبر المرأة الأولى :

بدأت القصة بامرأة أردت زوجها صريعاً بالضربة القاضية في الجولة الأولى، تقول:


( زوجي لحم جمل غث ) ، الغث : هو الرديء ، تشبهه بأنه لحم جمل رديء ، ومعلوم


أن أغلب الناس ليس لهم شغف بلحوم الجمال ، وهذا اللحم مع أنه لحم غير مرغوب


فيه ، فهو غث أيضاً ، أي : لو كان لحماً جملياً نظيفاً، أو كان لحم قعود صغير لقبلناه


على مضض، لكنه جمع ما بين أنه لحم جمل وبين أنه غث ورديء أصلاً . تقول :


( زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر ) ، قليل من لحم جمل على قمة عالية ،


ومن الذي سيصعد ويجهد نفسه ويتسلق الجبل لأجل قليل من لحم غث ؟ فهي تقول :


( على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى ) ، أي : ليس جبلاً سهل المرتقى ،


فيمكن الصعود عليه لنأكل اللحم الذي عليه، وليت الجبل إذ هو وعر أن يكون هذا اللحم


لحم ضأن مثلاً أو نحوه. وهي تريد بهذا أن تقول : إن الرجل جمع ما بين سوء


الخلق وسوء المعشر ، فأخلاقه سيئة جداً لدرجة أنك إذا أردت أن ترضيه كأنك تتسلق جبلاً .


وهناك بعض الناس هكذا ، إذا أردت أن ترضيه تبذل جهداً عظيماً حتى يرض عنك


فأخلاقه وعرة كوعورة الجبل، فهي تصف زوجها بهذا .



bf985d30cd.gif


خبر المرأة الثانية

وقالت المرأة الثانية : ( زوجي لا أبث خبره ، إني أخاف ألا أذره ، إن أذكره أذكر عجره وبجره ) .


تقول : أنا لن أتكلم، ولا أبث خبره ، ومع ذلك فقد تكلمت ! وفي الرواية الأخرى :


( زوجي لا أثير خبره ، إني أخاف ألا أذره ) ، يقول العلماء : إن ( لا ) هنا زائدة ، والمعنى


: إني أخاف أن أذره ، أي أخاف أن يطلقني لو أفشيت خبره ، وإذا تكلمت سأذكر عجره وبجره .


وأصل العجر هو : انتفاخ العروق في الرقبة ، والبجر : انتفاخ السرة ، فكأنها قالت :


له عيوب ظاهرة وباطنة ، فكنت عن العيوب الظاهرة بالعجر، الذي هو انتفاخ العروق،


وهذا فيه تشويه لجمال الرقبة ، فكأنها تصف هذا الرجل أن عيوبه الظاهرة ظاهرة


وجلية ومعروفة غير مستترة ، وله عيوب خفية لا تعرفها إلا المرأة ، وكنت عنها بالبجر،


الذي هو انتفاخ السرة . ومنه قول علي - رضي الله عنه - في يوم الجمل :


( إلى الله أشكو عجري وبجري ) ، وهذه المرأة أيضاً تذم زوجها .


bf985d30cd.gif



خبر المرأة الثالثة


ثم قالت المرأة الثالثة : ( زوجي العشنق ) ، العشنق : هو الطويل المغفل الذي بلا منفعة ،


والعلماء يقولون : إن العشنق رأسه صغير وقامته طويلة ، وفيه تباعد ما بين الدماغ


والقلب ، فيمكن أن تنقطع الصلة بينهما فيبقى عنده عقل بلا قلب ، أو قلب بلا عقل ،


تقول : ( زوجي العشنق ، إن أنطق أطلق ، وإن أسكت أعلق ) ، فلا حيلة لها معه ،


وفي الرواية الأخرى : ( وأنا معه على حد السنان المذلق ) ، أي : تعيش معه على


شفا جرف هار، فلا اطمئنان على الإطلاق في حياتها مع هذا الرجل ، فهذا الرجل بلغ


من سوء خلقه أنه لا يتيح لها الفرصة لا لتتكلم ، ولا لتسكت ، فعلى كلا الحالين إذا


سكتت أو تكلمت فإنه سيطلقها ، لكن هي تحبه ، أو أنها تريد أن تعيش معه ليطعمها ،


فهي تسكت على سوء خلقه ، ولو سكتت فإنه يعلقها فلا هي متزوجة ولا هي مطلقة .


bf985d30cd.gif


خبر المرأة الرابعة​

أما المرأة الرابعة فقد وصفت زوجها وصفاً جميلاً ، وهي أول امرأة تصف زوجها بخير ،



تقول : ( زوجي كليل تهامة ) ، ومعروف أن ليل تهامة من أفضل الأجواء ..


( زوجي كليل تهامة ، لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة ) ، أي : لطيف المعشر ،


وحسن العشرة ، ( لا حر ) : أخلاقه ليست شديدة ، ( ولا قُر ) : أي : ليس بارداً ،


( ولا مخافة ولا سآمة ) ، فالمرأة تأخذ راحتها في الحوار ، فتتكلم معه ولا تسكت .


bf985d30cd.gif


يتبع​
 

واإسلاماه

عضو كالشعلة
3 فبراير 2008
312
0
0
رد: شرح حديث [ أم زرع ] - للشيخ أبو اسحاق الحويني - حفظه الله

خبر المرأة الخامسة

وقالت الخامسة : ( زوجي إذا دخل فهِد ، وإذا خرج أسد ، ولا يسأل عما عهد ) .


اختلف شراح الحديث هل قولها هذا خرج مخرج الذم أم خرج مخرج المدح ؟ لكن الظاهر


أنه خرج مخرج المدح ، فقولها : ( زوجي إذا دخل فهد ) يقولون: من طبع الفهد -


وهو الحيوان المعروف - أنه كثير النوم ، فهي تصفه بالغفلة، والرجل الذي يزيد ذكاؤه


عن الحد، والذي يتتبع كل صغيرة وكبيرة ، رجل متعب جداً ، فلا بد من شيء من التغافل .


قيل لأعرابي : من العاقل ؟ قال : ( الفطن المتغافل ) . يعني : الذي يتجاهل بإرادته ،


وليس لازماً أن يُعرفها أنه يعرف ، ولكنه يتجاهل بإرادته ؛ لأن هذا يضيع حلاوة التغافل


bf985d30cd.gif






خبر المرأة السادسة

وقالت السادسة : ( زوجي إذا أكل لف ، وإذا شرب اشتف ، وإذا اضطجع التف ،


ولا يولج الكف ليعلم البث ) . ( إذا أكل لف ) : يلف : أي : يأكل من كل الأطباق ، ولا يترك


صنفاً إلا ويأكل منه ، ( وإذا شرب اشتف ) ، أي : يستمر يشرب حتى لا يبقي شيئاً ،


فهو نهوم ، أكول ، وهذا يدل على أن المرأة ماهرة ، فما ترك شيئاً إلا أكل منه، ويشرب


بنوع من النهم، وتكون النتيجة أنه عندما ينام يلتف لوحده ، هذا هو الجزاء ، ولا يشكر


هذه المرأة التي طعامها جميل ، وشرابها جميل ، لدرجة أنه يأكل بشره ، بل يكافئ المرأة


بأنه إذا اضطجع التف ، فهي تشتكيه .

bf985d30cd.gif


خبر المرأة السابعة


وقالت السابعة - وهذه ما تركت شيئاً في الرجل - : ( زوجي عيايا غيايا طباقا ) ، ( عيايا ) :


من العي ، ( غيايا ) : من الغي ، وهو الضلال البعيد ، ( طباقا ) : مقفل لا يتفاهم ،


( كل داء له داء ) : كل عيوب الدنيا فيه ، كل داء تجده فيه . ( شجك ) يجرح وجهها ،


( أو فلك ) يكسر عظمها ، ( أو جمع كلاً لك ) ، أي : إما يشج رأسها فقط ، وإما يكسر


عظمها فقط ، وإما يكسر عظمها ويشج رأسها ، فهذا الرجل عنيد جداً .




bf985d30cd.gif



خبر المرأة الثامنة​

وقالت الثامنة : ( زوجي المس مس أرنب ، والريح ريح زرنب ) .


وهي تمدحه ( مس أرنب ) أي : ناعم البشرة ، ناعم الملمس ، كجلد الأرنب ، رفيق رقيق ،


( والريح ريح زرنب ) ، الزرنب : نبات طيب الرائحة ، وهذا أدب ينبغي أن نتعلمه ، فينبغي


على الرجل والمرأة أن يحرصا على أن تكون روائحهما طيبة ، ومن الأشياء المنفرة التي


هدمت بيوت بسببها هذا الموضوع.. والرسول عليه الصلاة والسلام كما رواه الإمام


مسلم عن شريح بن هانئ قال: قلت لـعائشة : ( بأي شيء كان النبي صلى الله عليه


وسلم يبدأ إذا دخل بيته ؟ قالت : بالسواك ) ، فأول ما يدخل البيت يستاك ، وهذا نوع


من إزالة الرائحة الكريهة التي يمكن أن تكون في الفم، فالإنسان ينبغي عليه أن يحرص


على هذا، فهذه المرأة تمدح زوجها بأنه طيب العشرة ، ولم يفتها أن تصفه بطيب الرائحة .


bf985d30cd.gif



خبر المرأة التاسعة​


وقالت التاسعة : ( زوجي رفيع العماد ، طويل النجاد ، عظيم الرماد ، قريب البيت من الناد ) ،


وهي أيضاً تمدحه.. ( رفيع العماد ) أي : طويل ، لكن هناك فرق بينه وبين العشنق ،


فهذا طويل وهذا طويل ، لكن شتان بين طويل وطويل ، فهذا رجل رفيع العماد ، طويل ،


ذو هيئة حسنة ، ( طويل النجاد ) ، النجاد : هو جراب السيف ، فهذا رجل عندما يلبس السيف


يكون الجراب الخاص به طويلاً ، وهذا أمر يمتدح به .

bf985d30cd.gif


خبر المرأة العاشرة


وقالت العاشرة : ( زوجي مالك ، وما مالك ! ) ، أي : اسمه مالك ، ثم قالت :


( وما مالك ! ) أي : هل تعرفون شيئاً عن مالك ؟ ( مالك خير من ذلك ) ، مالك خير


من كل ما يخطر ببالك ، وهذا مدح عالٍ ، ( له إبل كثيرات المبارك ، قليلات المسارح ) ؛


لأنه يتوقع أن يأتيه الضيوف ، فلا يجعل الغلام يسرح بكل الإبل ؛ لئلا يأتي الضيف فلا يجد


شيئاً يذبحه ، ( له إبل كثيرات المبارك) باركة باستمرار ، ( قليلات المسارح ) قلما يسرحها ،


( إذا سمعن صوت المزهر ) ، وهي الإبل التي في الزريبة ، إذا سمعن صوت المزهر ،


( أيقن أنهن هوالك ) ، يعرفن أن إحداهن ستذبح ، فإذا سمعن هذا الصوت علمن أن


الضيف وصل ، والرجل يحيي الضيوف ، ويستقبلهم بالطبل البلدي ، فيعرف الجمل الذي


بالداخل أنه سينحر ؛ لأنه قد حل ضيف .


bf985d30cd.gif



والمرأة الأخيرة هي بيت القصيد ، وهي أم زرع التي سمي الحديث بها​


قالت أم زرع : ( زوجي أبو زرع فما أبو زرع ! ) ، هل تعرفون شيئاً عن أبي زرع ؟ .


وحيث إننا لا نعرف شيئاً عن أبي زرع، فهي تعرفنا من هو أبو زرع. تقول :


( أناس من حلي أذني ، وملأ من شحم عضدي ) . هذا كله غزل ، ( أناس من حلي أذني ) :


النوس يعني الاضطراب والحركة ، ومنه الناس ؛ لأنهم يتحركون ذهاباً وإياباً .


( أناس من حلي أذني ): أي:


ألبسها ذهباً في آذانها ، وهي تتحرك، فالذهب يتحرك في آذانها بعدما كانت خالية ، فهي


الآن تحمل ذهباً في كل أذن .( وملأ من شحم عضدي ) : بدأت المرأة بالذهب لأنه


أهلك النساء ، الأحمران : الذهب والحرير ، فالنساء عندهن شغف شديد بالذهب ،


( وملأ من شحم عضدي ) ، تريد أن تقول : إنه كريم .. يعني أنه أخذها نحيلة والآن امتلأت .


( وبجحني فبجحت إلي نفسي ) ، يقول لها: يا سيدة الجميع ! يا جميلة ! يا جوهرة !


حتى صدقت ذلك، من كثرة ما بجحها إلى نفسها ،( فبجحت إلى نفسي ) : أي : فصدقته ،


مع أنها قالت : (وجدني في أهل غنيمة بشق) ، يعني : شق جبل ، أي أنها كانت تعيش


في حارة بشق ، وفي بعض الروايات الأخرى( بشق ) : يعني كانت تعيش بشق


الأنفس ، فقيرة فقراً مدقعاً تقول : ( وجدني في أهل غنيمة ) ، غنيمة : تصغير غنم ، أي


أن حالتهم كانت كلها كرب ، حتى الغنم صار غنيمة ، دلالة على حقارة المال . قالت :


( وجدني في أهل غنيمة بشق ) ، فنقلها نقلة عظيمة ، ( فجعلني في أهل صهيل


وأطيط ودائس ومنق ) ، هذه نقلة كبيرة من أهل غنيمة بشق، نقلها إلى ( أهل صهيل ) :


أصحاب خيل ، ( وأطيط ) : أصحاب إبل ؛ لأن الخف الخاص بالجمل لين، فعندما يكون


محملاً حملاً ثقيلاً تسمع كلمة : أط أط أط، خلال مشيه ، فهذا يسمى أطيطاً ، والإبل كانت


من أشرف الأنعام عند العرب،( ودائس ) أي : ما يداس ، وهذا كناية عن أنهم أناس


أهل زرع فلاحون، فإن الزارع بعد حصد الزرع يدوس عليه بأي شيء حتى يخرج منه


الحب ، فهو كناية عن أنهم أهل زرع .( ومنق ) : المنق : هو المنخل ، فالعرب ما كانوا


يعرفون المنخل إنما كان يعرفه أهل الترف ، تقول عائشة - رضي الله عنها - :


( ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منخلاً بعينيه ) ، فقال عروة :


( فكيف كنتم تأكلون يا خالة ؟ فقالت : كنا نذريه في الهواء ) ، فالتبن يطير في الهواء،


والذي يبقى مع الشعير يطحنونه كله ويأكلونه، والنبي عليه الصلاة والسلام كما


قالت عائشة : ( مات ولم يشبع من خبز الشعير ) ، ليس من خبز القمح ، فإن القمح


هذا لم يأكلوه أبداً! تقول : وما أكل خبزاً مرققاً ) . فكلمة ( منق ) فيها دلالة على الترف ،


فعندهم من كل المال ، فهم أغنياء ، عندهم خيل وإبل وزرع ، وعندما يأكلون عندهم منخل ؛


لأنهم كانوا لا يفصلون التبن عن الغلة ، فيطحنونها دقيقاً يسر الناظرين .


( فعنده أقول فلا أقبح ) تقول : مهما قلت فلا أحد يجرؤ أن يقول لي : قبحك الله ..


فقد كان عزها من عز الرجل ومكانتها من مكانته، فلا يستطيع أحد أن يرد عليها بكلمة .


( وأرقد فأتصبح ) : تنام حتى وقت الضحى، وهذا يدل على أنه كان معها خدام ؛


إذ لو كانت تعمل بنفسها لما كانت تنام بعد صلاة الفجر ، وهذا كسائر نسائنا ؛ لأنه بعد


صلاة الفجر يريد الأولاد أن يذهبوا إلى المدارس ، وتريد أن تصنع الطعام لهم ،


والرجل سيخرج إلى العمل ، فتعمل باستمرار ، فإذا كانت تنام حتى تشرق الشمس


وترسل سياطها إلى الأرض وهي نائمة ، فمعنى ذلك أن هناك خدماً يكفونها المؤنة .


( وأشرب فأتقمح ) : وفي رواية البخاري : ( فأتقنح ) ، بالنون ، وهناك فرق بين


اللفظين ، أما لفظ ( فأتقمح ) فإنه يقال : بعير قامح ، أي إذا ورد الماء وشرب ثم رفع


رأسه زهداً في الشرب بعد أن يروى، فهي بعدما تشرب العصير، تترك نصف الكأس؛


لأنها قد ارتوت، وأما ( أتقنح ) أي : تشرب وتأكل تغصباً ، فتأكل حتى تشبع ، فيقال لها :


كلي، فتتغصب الزيادة ، وهذا لا يكون إلا إذا كان هناك دلال وحب .



فقولها : فأتقمح أو أتقنح فيه دلالة على أنها تترك الأكل والشرب زهداً فيه لكثرته ،



فجمعت بين التبجيح والتعظيم الأدبي وبين الكرم.



bf985d30cd.gif


وصف أم أبي زرع

ثم قالت : ( أم أبي زرع فما أم أبي زرع! ) وهي عمتها ، فلم تذكر عنها شيئاً من

الكلام الذي نسمعه حول العمات وما إلى ذلك ، بل قالت : أم أبي زرع فما أم أبي زرع ..

هل تعلمون شيئاً عنها ؟ هذه السيدة الفاضلة ، وهذا على القاعدة : حبيب حبيبي حبيبي ،

فالمرأة عندما تحب زوجها ، تدين لأمه بالفضل أنها أنجبته ، وهذه منة في عنق الزوجة

للأم أنها أنجبت مثل هذا الإنسان .( عكومها رداح ) الرداح : هو الواسع ، يردح : أي :

يطيل في الكلام، ويتوسع في المقالة ، والعكوم : هي الأكياس التي تخزن فيها

الأطعمة ، فمثلاً : عندما تخزن الأرز لا تخزنه في كيس صغير ، بل تخزنه في كيس قطن ،

فقولها : ( عكومها رداح ) فيه دلالة على أن البيت كله خير ، وبيتها فسيح ،

ومن المعروف أن اتساع البيت أحد النعم .





وصف ابن أبي زرع

ثم قالت : (ابن أبي زرع ، فما ابن أبي زرع! ) يفهم من هذا أن أبا زرع كان متزوجاً ،

قبل ذلك ..( ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع، مضجعه كمسل شطبة ، ويشبعه ذراع الجفرة ) ،

مسل الشطبة : عندما تأتي بجريدة النخل وتأخذ منها سلخة للسكين ، السلخة هذه هي السرير

الخاص به، فهذا الولد نحيف ، لكن عضلاته مفتولة ، والإنسان النحيف مع قوة ممدوح

عند العرب ؛ لأن هذا ينفع في الكر والفر ، فهذا مدح تمدح به الولد ، تقول :

إنه مفتول العضلات وليس بديناً ، ولا صاحب كرش عظيم ؛ بل سريره كمسل شطبة ،

فتستدل على جسمه بسريره الذي ينام عليه ، وإلا فمسل الشطبة لا يكفي واحداً ثقيلاً بديناً .

( ويشبعه جراع الجفرة ) : الجفرة : هي أنثى الماعز الصغيرة ، فلو أكل الرجل الأمامية

للشاة فإنه يشبع ، مع أن هذه لا تكفي الواحد ، ومع ذلك فإن هذا الولد يشبع إذا أكل

ذراع الجفرة ، وهذه صفات ممدوحة عند الرجال ، بخلاف النساء .





وصف بنت أبي زرع

ولما جاءت تصف بنت أبي زرع قالت : ( بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع ! ،

طوع أبيها وطوع أمها )، أي : مؤدبة ،( وملء كسائها ) مالئة ملابسها ،

وهذا مستمدح في النساء بخلاف الرجال ،( وغيظ جارتها ) : الجارة هي الضرة ،

فقد كان زوجها متزوجاً اثنتين أو أكثر( فغيظ جارتها ) أي : من جمالها ، وأنها ملء

كسائها ، وبذلك تغيظ جارتها .




وصف جارية أم زرع

قالت : ( جارية أبي زرع ، فما جارية أبي زرع ! ) ، والمرأة من حبها للرجل تذكر كل

شيء حتى الجارية ، قالت :( لا تبث حديثنا تبثيثاً ) ، فأي شيء يحصل في البيت لا يعرف

به أحد من الخارج ، فهي أمينة لا تنقل الكلام ،( ولا تنقث ميرتنا تنقيثاًَ ) ، أي :

لا تبذر في الطعام ، فلا تجد مثلاً الأرز ملقى على الأرض ، فهي امرأة مدبرة ، تخاف

على المال ،( ولا تملأ بيتنا تعشيشاً ) أي : البيت ليس فيه زبالة ، كعش الطائر،

فعش الطائر عبارة عن ريش وحشيش وقش وحطب ، فتقول :

بيتنا ليس كعش الطائر ، إنما هو بيت نظيف . وفي بعض الروايات خارج الصحيحين :

( وظلت حتى وصفت كلب أبي زرع ) ، فالكلام هذا كله غزل ، والغزل هنا مستحب ،

ولا أقول : غزل عفيف ، إنما هذا غزل مستحب ؛ إذ هي تتغزل في زوجها ،

وتعدد فضائل زوجها ، وتشعر بنبرة الحب عالية في كلام المرأة . قالت :

( فخرج أبو زرع والأوطاب تمخض ) ، كان الوقت ربيعاً ، واللبن كثير ، والناس

يحلبون لبنهم ، وفي هذا الوقت خرج أبو زرع ( فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين )

معها اثنان من الأولاد في منتهى الرشاقة ، ( يلعبان من تحت خصرها برمانتين) ،

فأعجبه هذا المنظر ، فقال : هذه المرأة لابد أن أضمها إلي ، فضمها إليه ،

لكن ما الذي حصل ؟ قالت :( فطلقني ونكحها )، لأنه لايبقي عنده إلا امرأة واحدة ،

رجل يحب التوحيد!!



الزوج الثاني بعد أبي زرع

قالت : ( فنكحت بعده رجلاً ثرياً ) ، من ثراة الناس وأشرافهم ،( ركب سرياً ) ، السري :

نوع جيد من أنواع الخيل ، كان الأغنياء يركبونه ؛ لأنه كان مفخرة عندهم ، وحتى

تكتمل صورة الأبهة قالت :( وأخذ خطياً ) ، الخطّي : هو الرمح ، فهو واضع تحت

إبطه رمحاً وراكب على الخيل ، متعجرفاً ومهيباً .




وفاء أم زرع لأبي زرع

تقول : ( وأراح علي نعماً ثرياً ) ، أي : أعطاها مالاً وفيراً ،

( وأعطاني من كل رائحة زوجاً ) ، وفي رواية : ( وأعطاني من كل ذابحة - أي:

ما يصلح أن يذبح - زوجاً ، وقال : كلي أم زرع وميري أهلك ) ، أي : وأعطي أهلك

أيضاً ، فهذا الرجل ليس فيه أي عيب ، إلا أن المرأة تقول : ( فلو أني جمعت كل شيء

أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع ) . فانظر إلى هذا الوفاء !

مع أن المرأة المطلقة لا تكاد تذكر لزوجها السابق حسنة، وهذا الرجل لم يقصر في حقها ،

بل قال لها : ( كلي أم زرع وميري أهلك ) ، أنفقي على أهلك ، لكنها تقول :

( فلو أني جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع )

( فهل تجدون في هذا الكون أمرأة بمثل أم زرع لأبي زرع )
 

مريم81

عضو كالشعلة
4 ديسمبر 2007
330
0
0
القارئ المفضل
عبد الباسط عبد الصمد
رد: شرح حديث [ أم زرع ] - للشيخ أبو اسحاق الحويني - حفظه الله

بارك الله فيك اختي الكريمة على هذا الحديث الطيب
بصراحة من مدة و انا ابحث عنه,سمعته مرة واحدة في احدى المجالس و تمنيت ان اعرف شرحه
جزاك الله خير الجزاء اختي.
 

واإسلاماه

عضو كالشعلة
3 فبراير 2008
312
0
0
رد: شرح حديث [ أم زرع ] - للشيخ أبو اسحاق الحويني - حفظه الله

بارك الله فيك اختي الكريمة على هذا الحديث الطيب
بصراحة من مدة و انا ابحث عنه,سمعته مرة واحدة في احدى المجالس و تمنيت ان اعرف شرحه
جزاك الله خير الجزاء اختي.

أسعدني مرورك اختي الكريمة،بارك الله فيك.
 

قارئ المستقبل

مزمار ذهبي
7 أغسطس 2008
1,140
6
0
الجنس
ذكر
رد: شرح حديث [ أم زرع ] - للشيخ أبو اسحاق الحويني - حفظه الله

ما شاء الله تبارك الله،الله يسلمك من كل سوء
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع