- 1 فبراير 2009
- 3
- 0
- 0
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- محمود خليل الحصري
" بئس مطية الرجل زعموا "
ابوخديجة الهاشمي
عن أبي قلابة قال قال أبو مسعود لأبي عبد الله أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زعموا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بئس مطية الرجل زعموا قال أبو داود أبو عبد الله هذا حذيفة .قال الألباني :صحيح ، الصحيحة ( 866 ).
معناه أن الرجل إذا أراد المسير إلى بلد والظعن في حاجة ركب مطيته وسار حتى يقضي أربه فشبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه ويتوصل به إلى غرضه - من قوله زعموا كذا وكذا - بالمطية التي يتوصل بها إلى الحاجة . وإنما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه وإنما يحكى على الألسن على سبيل البلاغ فضم من الحديث ما كان هذا سبيله . والزعم بالضم والفتح : قريب من الظن .النهاية في غريب الأثر - (ج 2 / ص 744).
نحن نعلم أن كلمة (زعم) أغلب ما تستخدم في الكذب؛ قال تعالى: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } [التغابن:7] ، و { وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأنعام:24] والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( بئس مطية الرجل (زعموا) ) لأن زعموا تدل على أنك لست متأكدا من كلامك، والأخبار يدخلها الصدق والكذب، طالما أنه لا يوجد تأكد من الكلام إذا (زعم) مطية للكذب، فأكثر ما تستخدم هذه الكلمة في الكذب، لكن تستخدم أحيانا في الصدق، وهذا كقول ضمام بن ثعلبة لما جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: ( أتانا رسولك يزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، فبالذي نصب الجبال ورفع السماء ودحا الأرض آلله أرسلك؟ ...) إلى آخر القصة المعروفة. قوله : (إن رسولك يزعم أنك تزعم) ولو كان ضمام بن ثعلبة يكذبه ما جاءه، فالزعم هنا محمول على الصدق، وكذلك بعض العلماء يستخدم الزعم في الصدق، كقول سيبويه في كتابه الشهير: زعم الخليل كذا وكذا.دروس للشيخ أبو إسحاق الحويني - (الدرس 25 / ص 6).
قول الله جل وعلا: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } [النساء:60] ] إلى آخر الآيات، ومن المعروف في اللغة العربية أن كلمة: (زعم) و(يزعم) تأتي للأمر المشكوك الذي ليس متيقنا، فقوله: (يزعمون أنهم آمنوا) معنى ذلك أنهم يقولون قولا لم يتحقق بفعلهم ولا بقلوبهم، وإنما هو مجرد قول، ويمكن أن يكون كذبا؛ لأن القول إذا لم يكن صادرا عن القلب ولم يكن معمولا به فإنه يكون كذبا، ولهذا جاء: (بئس مطية المرء زعموا)؛ لأن الزعم غالبا يطلق على الكذب، وهذا يشعر بأنهم لم يتحققوا الإيمان ولم يدخل الإيمان في قلوبهم.شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - للغنيمان - (الدرس100/ ص 3).
يقال: زعم زعما وزعما وزعما ذكر خبرا لا يدرى أحق هو أم باطل، وزعمت غير مزعم أى قلت غير مقول وادعيت مالا يمكن، وقد روى عن الرسول عليه السلام أنه قال: « زعموا بئس مطية الجرل » رواه وكيع عن الأوزاعى، عن يحيى، عن أبى قلابة، عن أبى مسعود أو عن أبى عبد الله، عن النبى، ومعناه أن من أكثر من الحديث بما لا يصح عنده ولايعلم صدقه لم يؤمن عليه الكذب.شرح ابن بطال - (ج 17 / ص 411).
(بئس مطية الرجل) أي بعيره فعيلة بمعنى مفعولة (زعموا) يعني كلمة زعموا أراد به النهي عن التكلم بكلام يسمعه من غيره ولا يعلم صحته أو عن اختراع القول بإسناده إلى من لا يعرف فيقول زعموا أنه قد كان كذا وكذا فيتخذ قوله زعموا مطية يقطع بها أودية الإسهاب وقيل سماه مطية لأنه يتوصل بهذا المقصود من إثبات شئ في المشيئة كما أنه يتوصل إلى موضع بواسطة المطية وأكثر ما ورد في القرآن فهو في معرض الذم وإنما صح الإسناد إليه والفعل لا يسند إليه لأن المراد منه هو المعنى دون اللفظ قال الخطابي : وأصل هذا أن الرجل إذا أراد الظفر لحاجة والسير لبلد ركب مطية وسار فشبه المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يقدم الرجل أمام كلامه ويتوصل به لحاجته من قولهم زعموا بالمطية وإنما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا يثبت قدم المصطفى صلى الله عليه وسلم من الحديث ما هذا سبيله وأمر بالتوثق فيما يحكي والتثبت فيه لا يرويه حتى يجده معزوا إلى ثبت .فيض القدير - (ج 3 / ص 280( .
يقول الله سبحانه {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} الإسراء : 36 ويقول {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} ق : 18 وروى مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" وروى مسلم أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال "بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع " وروى أبو داود بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال "بئس مطية الرجل زعموا" .هذه النصوص تنفر من الإسراع فى رواية حديث أو حكاية خبر أو إصدار حكم قبل أن يتثبت الإنسان منه . والله سبحانه سائل من تجرأ على ذلك يوم القيامة ، ومطلع على نيته ، وتشتد حرمة الكذب إذا نسب إلى الله سبحانه أو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والله سبحانه وتعالى يقول {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} النحل: 116 والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : "من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخارى ومسلم وكما يحرم الكذب فى نقل الآيات والأحاديث يحرم فى الحكم على الشىء بالحل أو الحرمة ، لأن ذلك من اختصاص الله سبحانه وما أذن فيه للرسل ، قال تعالى : {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} النحل : 116 .ونسبة أقوال أو أفعال إلى غير من لم تصدر عنه كذب عليه وفيه إيذاء وضرر والله يقول : {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} الأحزاب : 58 وفى الحديث "لا ضرر ولا ضرار" .فتاوى الأزهر - (ج 10 / ص 302).
لا شك أنه في وقت الفتن تنشط الدعاية وتكثر الإثارة وهنا يأتي دور الإشاعة .ومن المعلوم أن التثبت مطلب شرعي لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) . وفي قراءة أخرى ( فتثبتوا )وقد حذر الشارع أشد التحذير من نقل الشخص لكل ما يسمعه فعن حفص بن عاصم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ) رواه مسلم في المقدمة 6 صحيح الجامع 4482 .وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع ) السلسلة الصحيحة 2025."قال النووي : فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن , والكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو ولا يشترط فيه التعمد " .وعن المغيرة بن شعبة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ) رواه البخاري 2231.
قال الحافظ ابن حجر
قوله : ( وكره لكم قيل وقال ) . . . قال المحب الطبري : . . . وفي معني الحديث ثلاثة أوجه :أولها : الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنها تؤول إلى الخطأ . . .
ثانيها : إرادة حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليخبر عنها فيقول : قال فلان كذا وقيل كذا ,والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه , وإما لشيء مخصوص منه وهو ما يكرهه المحكي عنه .
ثالثها : أن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين كقوله : قال فلان كذا وقال فلان كذا , ومحل كراهة ذلك أن يكثر من ذلك بحيث لا يؤمن مع الإكثار من الزلل , وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبت, ولكن يقلد من سمعه ولا يحتاط له . قلت : ويؤيد ذلك الحديث الصحيح (كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع ) أخرجه مسلم ) اهـ بتصرف يسير .
وعن أبي قلابة قال : قال أبو مسعود لأبي عبد الله أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود :ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زعموا ؟قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " بئس مطية الرجل زعموا " السلسلة الصحيحة 866 .قال العظيم آبادي : " ( بئس مطية الرجل ) : المطية بمعنى المركوب (زعموا) : الزعم قريب من الظن أي أسوأ عادة للرجل أن يتخذ لفظ زعموا مركبا إلى مقاصده فيخبر عن أمر تقليدا من غير تثبت فيخطئ ويجرب عليه الكذب قاله المناوي .ولذلك حرص سلفنا الصالح على التثبت والحذر من الإشاعات :
قال عمر رضي الله عنه : ( إياكم والفتن فإن وقع اللسان فيها مثل وقع السيف ).ولقد سطر التاريخ خطر الإشاعة إذا دبت في الأمة وإليك أمثلة من ذلك :
- لما هاجر الصحابة من مكة إلى الحبشة وكانوا في أمان ، أشيع أن كفار قريش في مكة أسلموا فخرج بعض الصحابة من الحبشة وتكبدوا عناء الطريق حتى وصلوا إلى مكة ووجدوا الخبر غير صحيح ولاقوا من صناديد قريش التعذيب . وكل ذلك بسبب الإشاعة .
- في غزوة أحد لما قتل مصعب بن عمير أشيع أنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: قتل رسول الله فانكفأ جيش الإسلام بسبب الإشاعة ،فبعضهم هرب إلى المدينة وبعضهم ترك القتال .
- إشاعة حادثة الإفك التي اتهمت فيها عائشة البريئة الطاهرة بالفاحشة وما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه من البلاء،وكل ذلك بسبب الإشاعة .
إذا ما هو المنهج الشرعي في التعامل مع الأخبار ؟هناك ملامح في التعامل مع الأخبار نسوقها باختصار
:1التأني والتروي :يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (التأني من الله و العجلة من الشيطان) السلسلة الصحيحة 1795.قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل.
2: التثبت في الأخبار :قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) وفي قراءة (فتثبتوا) سبب نزول الآية :أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وأنه لما أتاهم الخبر فرحوا ، وخرجوا ليتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله : إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة .فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضبا شديدا، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد ، فقالوا : يا رسول الله : إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق ، وإنا خشينا أن يكون إنما رده كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا ، وإنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ! وأن رسول الله استعتبهم ، وهم بهم ، فأنزل الله عز وجل عذرهم في الكتاب : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } الحجرات/6 .أنظر السلسلة الصحيحة (3085) .معنى التثبت : تفريغ الوسع والجهد لمعرفة حقيقة الحال ليعرف أيثبت هذا الأمر أم لا .والتبين : التأكد من حقيقة الخبر وظروفه وملاباساته .يقول الحسن البصري : "المؤمن وقاف حتى يتبين" .وختاما : نوصي الجميع بالتثبت وعدم التسرع في نقل الأخبار حتى يتأكد من صحتها ، حتى لو كان الخبر سارا ، لأنه إذا تبين خطأ الناقل فستسقط عدالته عند الناس ...فتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ص 1372).
ابوخديجة الهاشمي
عن أبي قلابة قال قال أبو مسعود لأبي عبد الله أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زعموا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بئس مطية الرجل زعموا قال أبو داود أبو عبد الله هذا حذيفة .قال الألباني :صحيح ، الصحيحة ( 866 ).
معناه أن الرجل إذا أراد المسير إلى بلد والظعن في حاجة ركب مطيته وسار حتى يقضي أربه فشبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه ويتوصل به إلى غرضه - من قوله زعموا كذا وكذا - بالمطية التي يتوصل بها إلى الحاجة . وإنما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه وإنما يحكى على الألسن على سبيل البلاغ فضم من الحديث ما كان هذا سبيله . والزعم بالضم والفتح : قريب من الظن .النهاية في غريب الأثر - (ج 2 / ص 744).
نحن نعلم أن كلمة (زعم) أغلب ما تستخدم في الكذب؛ قال تعالى: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } [التغابن:7] ، و { وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأنعام:24] والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( بئس مطية الرجل (زعموا) ) لأن زعموا تدل على أنك لست متأكدا من كلامك، والأخبار يدخلها الصدق والكذب، طالما أنه لا يوجد تأكد من الكلام إذا (زعم) مطية للكذب، فأكثر ما تستخدم هذه الكلمة في الكذب، لكن تستخدم أحيانا في الصدق، وهذا كقول ضمام بن ثعلبة لما جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: ( أتانا رسولك يزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، فبالذي نصب الجبال ورفع السماء ودحا الأرض آلله أرسلك؟ ...) إلى آخر القصة المعروفة. قوله : (إن رسولك يزعم أنك تزعم) ولو كان ضمام بن ثعلبة يكذبه ما جاءه، فالزعم هنا محمول على الصدق، وكذلك بعض العلماء يستخدم الزعم في الصدق، كقول سيبويه في كتابه الشهير: زعم الخليل كذا وكذا.دروس للشيخ أبو إسحاق الحويني - (الدرس 25 / ص 6).
قول الله جل وعلا: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } [النساء:60] ] إلى آخر الآيات، ومن المعروف في اللغة العربية أن كلمة: (زعم) و(يزعم) تأتي للأمر المشكوك الذي ليس متيقنا، فقوله: (يزعمون أنهم آمنوا) معنى ذلك أنهم يقولون قولا لم يتحقق بفعلهم ولا بقلوبهم، وإنما هو مجرد قول، ويمكن أن يكون كذبا؛ لأن القول إذا لم يكن صادرا عن القلب ولم يكن معمولا به فإنه يكون كذبا، ولهذا جاء: (بئس مطية المرء زعموا)؛ لأن الزعم غالبا يطلق على الكذب، وهذا يشعر بأنهم لم يتحققوا الإيمان ولم يدخل الإيمان في قلوبهم.شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - للغنيمان - (الدرس100/ ص 3).
يقال: زعم زعما وزعما وزعما ذكر خبرا لا يدرى أحق هو أم باطل، وزعمت غير مزعم أى قلت غير مقول وادعيت مالا يمكن، وقد روى عن الرسول عليه السلام أنه قال: « زعموا بئس مطية الجرل » رواه وكيع عن الأوزاعى، عن يحيى، عن أبى قلابة، عن أبى مسعود أو عن أبى عبد الله، عن النبى، ومعناه أن من أكثر من الحديث بما لا يصح عنده ولايعلم صدقه لم يؤمن عليه الكذب.شرح ابن بطال - (ج 17 / ص 411).
(بئس مطية الرجل) أي بعيره فعيلة بمعنى مفعولة (زعموا) يعني كلمة زعموا أراد به النهي عن التكلم بكلام يسمعه من غيره ولا يعلم صحته أو عن اختراع القول بإسناده إلى من لا يعرف فيقول زعموا أنه قد كان كذا وكذا فيتخذ قوله زعموا مطية يقطع بها أودية الإسهاب وقيل سماه مطية لأنه يتوصل بهذا المقصود من إثبات شئ في المشيئة كما أنه يتوصل إلى موضع بواسطة المطية وأكثر ما ورد في القرآن فهو في معرض الذم وإنما صح الإسناد إليه والفعل لا يسند إليه لأن المراد منه هو المعنى دون اللفظ قال الخطابي : وأصل هذا أن الرجل إذا أراد الظفر لحاجة والسير لبلد ركب مطية وسار فشبه المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يقدم الرجل أمام كلامه ويتوصل به لحاجته من قولهم زعموا بالمطية وإنما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا يثبت قدم المصطفى صلى الله عليه وسلم من الحديث ما هذا سبيله وأمر بالتوثق فيما يحكي والتثبت فيه لا يرويه حتى يجده معزوا إلى ثبت .فيض القدير - (ج 3 / ص 280( .
يقول الله سبحانه {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} الإسراء : 36 ويقول {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} ق : 18 وروى مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" وروى مسلم أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال "بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع " وروى أبو داود بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال "بئس مطية الرجل زعموا" .هذه النصوص تنفر من الإسراع فى رواية حديث أو حكاية خبر أو إصدار حكم قبل أن يتثبت الإنسان منه . والله سبحانه سائل من تجرأ على ذلك يوم القيامة ، ومطلع على نيته ، وتشتد حرمة الكذب إذا نسب إلى الله سبحانه أو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والله سبحانه وتعالى يقول {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} النحل: 116 والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : "من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخارى ومسلم وكما يحرم الكذب فى نقل الآيات والأحاديث يحرم فى الحكم على الشىء بالحل أو الحرمة ، لأن ذلك من اختصاص الله سبحانه وما أذن فيه للرسل ، قال تعالى : {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} النحل : 116 .ونسبة أقوال أو أفعال إلى غير من لم تصدر عنه كذب عليه وفيه إيذاء وضرر والله يقول : {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} الأحزاب : 58 وفى الحديث "لا ضرر ولا ضرار" .فتاوى الأزهر - (ج 10 / ص 302).
لا شك أنه في وقت الفتن تنشط الدعاية وتكثر الإثارة وهنا يأتي دور الإشاعة .ومن المعلوم أن التثبت مطلب شرعي لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) . وفي قراءة أخرى ( فتثبتوا )وقد حذر الشارع أشد التحذير من نقل الشخص لكل ما يسمعه فعن حفص بن عاصم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ) رواه مسلم في المقدمة 6 صحيح الجامع 4482 .وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع ) السلسلة الصحيحة 2025."قال النووي : فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن , والكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو ولا يشترط فيه التعمد " .وعن المغيرة بن شعبة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ) رواه البخاري 2231.
قال الحافظ ابن حجر
ثانيها : إرادة حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليخبر عنها فيقول : قال فلان كذا وقيل كذا ,والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه , وإما لشيء مخصوص منه وهو ما يكرهه المحكي عنه .
ثالثها : أن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين كقوله : قال فلان كذا وقال فلان كذا , ومحل كراهة ذلك أن يكثر من ذلك بحيث لا يؤمن مع الإكثار من الزلل , وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبت, ولكن يقلد من سمعه ولا يحتاط له . قلت : ويؤيد ذلك الحديث الصحيح (كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع ) أخرجه مسلم ) اهـ بتصرف يسير .
وعن أبي قلابة قال : قال أبو مسعود لأبي عبد الله أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود :ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زعموا ؟قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " بئس مطية الرجل زعموا " السلسلة الصحيحة 866 .قال العظيم آبادي : " ( بئس مطية الرجل ) : المطية بمعنى المركوب (زعموا) : الزعم قريب من الظن أي أسوأ عادة للرجل أن يتخذ لفظ زعموا مركبا إلى مقاصده فيخبر عن أمر تقليدا من غير تثبت فيخطئ ويجرب عليه الكذب قاله المناوي .ولذلك حرص سلفنا الصالح على التثبت والحذر من الإشاعات :
قال عمر رضي الله عنه : ( إياكم والفتن فإن وقع اللسان فيها مثل وقع السيف ).ولقد سطر التاريخ خطر الإشاعة إذا دبت في الأمة وإليك أمثلة من ذلك :
- لما هاجر الصحابة من مكة إلى الحبشة وكانوا في أمان ، أشيع أن كفار قريش في مكة أسلموا فخرج بعض الصحابة من الحبشة وتكبدوا عناء الطريق حتى وصلوا إلى مكة ووجدوا الخبر غير صحيح ولاقوا من صناديد قريش التعذيب . وكل ذلك بسبب الإشاعة .
- في غزوة أحد لما قتل مصعب بن عمير أشيع أنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: قتل رسول الله فانكفأ جيش الإسلام بسبب الإشاعة ،فبعضهم هرب إلى المدينة وبعضهم ترك القتال .
- إشاعة حادثة الإفك التي اتهمت فيها عائشة البريئة الطاهرة بالفاحشة وما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه من البلاء،وكل ذلك بسبب الإشاعة .
إذا ما هو المنهج الشرعي في التعامل مع الأخبار ؟هناك ملامح في التعامل مع الأخبار نسوقها باختصار
:1التأني والتروي :يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (التأني من الله و العجلة من الشيطان) السلسلة الصحيحة 1795.قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل.
2: التثبت في الأخبار :قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) وفي قراءة (فتثبتوا) سبب نزول الآية :أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وأنه لما أتاهم الخبر فرحوا ، وخرجوا ليتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله : إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة .فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضبا شديدا، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد ، فقالوا : يا رسول الله : إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق ، وإنا خشينا أن يكون إنما رده كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا ، وإنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ! وأن رسول الله استعتبهم ، وهم بهم ، فأنزل الله عز وجل عذرهم في الكتاب : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } الحجرات/6 .أنظر السلسلة الصحيحة (3085) .معنى التثبت : تفريغ الوسع والجهد لمعرفة حقيقة الحال ليعرف أيثبت هذا الأمر أم لا .والتبين : التأكد من حقيقة الخبر وظروفه وملاباساته .يقول الحسن البصري : "المؤمن وقاف حتى يتبين" .وختاما : نوصي الجميع بالتثبت وعدم التسرع في نقل الأخبار حتى يتأكد من صحتها ، حتى لو كان الخبر سارا ، لأنه إذا تبين خطأ الناقل فستسقط عدالته عند الناس ...فتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ص 1372).

