إعلانات المنتدى


۩ ۞ ملــــــــــــــ(التــصـتوف)ــــــــــــــــــــــ ـــف شامل ۞ ۩-للثبيث-

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.

مغربي الأصل

مزمار ذهبي
19 أبريل 2009
1,056
2
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
عبد الباسط عبد الصمد
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
ان الحمد لله ، نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله
من شرور انفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له
و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا
عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم
بإحسان الى يوم الديـــن و سلم تسليما كثيرا "

التصوف وأثره على التغير العقدي للأمة

تعريف التصوف
يمثل التصوف نزعةً إنسانية، يمكن القول بأنها ظهرت في كل الحضارات على نحو من الأنحاء، وهو يعبر عن شوق الرّوح إلى التطهر، ورغبتها في الاستعلاء علي قيود المادة وكثافتها، وسعيها الدائم إلى تحقيقِ مستوياتٍ عُليا من الصّفاء الرّوحي والكمال الأخلاقي.
ولم يكن المسلمون استثناءً من هذه القاعدة، فقد ظهر التصوف لديهم مثلما ظهر لدى من سبقهم أو عاصرهم من الأمم.
ولقد اختلف العلماء وانقسموا شيعا وأحزابا حول أصل هذه الكلمة ((الصّوفية))، فمنهم من قال: إن الصّوفية اسم مشتق من الصّوف؛ بوصفه اللبسة التي تغلب على هؤلاء الناس، وأنه اسم قديم وجد حتى قبل قدوم الإسلام.
وذكر البعض أن الكلمة كانت معروفة وشائعة، لتدل على الزهاد السالكين في أوائل القرن الثاني للهجرة ((الثامن الميلادي))، وهو ما أكده شيخ الإسلام ((ابن تيمية)).
وأول من حمل اسم ((صوفي)) هو أبو هاشم الكوفي، الذي ولد في الكوفة، وأمضى معظم حياته في الشام، وتوفى عام(160ه)، وأول من حدد نظريات التصوف وشرحها هو ((ذو النون المصري)) تلميذ الإمام ((مالك))، وأول من بوبها ونشرها هو ((الجنيد)) البغدادي.
وتعددت الأقاويل في البحث عن أصل الكلمة واشتقاقها، وقد قدم الصّوفية تفسيرات متعددة لهذه النسبة التي تميزوا بها عن غيرهم من الفرق والطوائف التي ظهرت في المجتمع الإسلامي، ومن هذه التفسيرات ما يلي:
• أن التصوف مأخوذٌ من صفاء الأسرار، ونقاء الآثار.
• أنه نسبةٌ إلى الصَّف الأول في الصلاة.
• أنه نسبة إلى عمل أهل الصُّفةِ من صحابة الرسول.
وقد لاحظ القشيري أن هذه التفسيرات ليست صحيحة من الناحية اللغوية.
وهناك تفسيرات أخرى
-أن التصوف نسبة إلى صوفة القفا.
-أنه منسوب إلى رجل كان يجاور بـ((مكة)) قبل الإسلام يسمى ((صوفة بن بشر))، وعلق ((ابن تيمية)) بأن النسبة إلى هذا الرجل أو إلى قبيلته نسبة ضعيفة، «...لأن غالب من تكلم باسم الصّوفي لا يعرف هذه القبيلة، ولا يرضى أن يكون مضافا إلى قبيلة في الجاهلية، ولا وجود لها في الإسلام».
-إن هذه التسمية نسبة إلى الصّوف، الذي هو زى الأنبياء، وشعار الصالحين والأولياء، ولباس أهل الزهد والتقشف والتواضع والإقبال على الله تبارك وتعالى، وهم يتميزون به عن أهل الرغبة في الدنيا.
ولا يرفض ((القشيري)) هذا التفسير، ولكنه لا يقبله قبولا تاما، وفى ذلك يقول: ((فأما من قال: إنه من الصّوف؟ ولهذا يقال: تصوف إذا لبس الصّوف، كما يقال تقمص إذا لبس القميص؟ فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصّوف)).
ومع ذلك يبقى أن هذا التفسير هو أقرب التفسيرات إلى القبول، وإن كان شيوخ التصوف قد أوضحوا أن التصوف يهتم بالجوهر قبل المظهر، وَيُعنَى بالحقائق والأعمال أكثر من عنايته بالرسوم والأشكال.
وأما تعريفات التصوف فإنها كثيرة جدًا، وقد ذكر ((السهروردي)) أنَّ له أكثر من ألف تعريف، وترجع هذه الكثرة إلى أن كلّ واحد ممن عرفوا التصوف كان يعبر عن ذوقه ووجده وحاله، ولهذا اختلفت العبارات، لأن الطرق إلى الله - تعالى -بعدد النجوم أو بعدد أنفس السّالكين-كما يقولون.
ويمكن تصنيف هذه التعريفات إلى أنواع بحسب الطابع الغالب عليها:
(أ) فبعضها يركز على الجانب العملي، الذي يهتم بمجاهدة النفس ومقاومة شهواتها، وذلك كالذكر والمراقبة، ومحاسبة النفس، والزهد في الدنيا، ومن نماذج هذه التعريفات:
• التصوف: قلة الطّعام، والسّكون إلى الله - تعالى -والفرار من الناس.
• التصوف: ضبط حواسك، ومراعاة أنفاسك، وهكذا.
(ب) وبعضها يتجه إلى ملاحظة الجانب الأخلاقي، الذي هو من أهم أركان التصوف، ومن هذه التعريفات:
• التصوف: هو الدخول في كل خُلق سَنِيّ، والخروج من كل خُلق دَنِيّ.
• التصوف: خُلقٌ، فمن زاد عليك في الْخُلقِ فقد زاد عليك في الصّفاء.
• وقال ((الهروي الأنصاري)): واجتمعت كلمةُ الناطقين في هذا العلم أن التصوف هو الْخُلق.
(ج) وكان بعضهم يهتم بجانب المعرفة، وهى المعرفة الإلهامية الذوقية التي هي موضع اعتزاز الصّوفية وفخرهم.
ومن هذه التعريفات؛ ما قال العطار -عن علم التصوف- الذي هو: «ثمرة للعمل والحال، وليس نتيجة للحفظ والقال، وإنه من العيان لا من البيان، ومن الأسرار لا من التكرار، ومن العلم اللدني لا من العلم الكسبي... ».
(د) ومن التعريفات ما يجمع هذه الجوانب كلها، ويضيف إليها ضوابط للسلوك المقبول عندهم بما يدفع التهم عن طريق الصّوفية، ومن هذه التعريفات تعريف ((ابن خفيف)) للتصوف؛ قال ابن خفيف: «علامة الزهد: وجود الراحة في الخروج عن الْملكِ».

نشأته عند المسلمين
وقد نشأ التصوف عند المسلمين لأسباب متعددة، بعضها من داخل البيئة الإسلامية وبعضها من خارجها.
وكان الزهد هو البيئة الطبيعية التي نشأ فيها التصوف، وكان الزهد نفسه ثمرة لعوامل دينية واجتماعية، حيث طرأ على الحياة عند المسلمين أنماط من العيش وصور من السلوك لم تكن مألوفة في حياة الصدر الأول من المسلمين الذين كانوا يتميزون بالبساطة والقناعة، والبعد عن التفنن في مطاعمهم ومشاربهم، أخذًا بالورع وخشية من الحساب، ولكن الحياة تحولت فيما بعد وعند أهل الترف والغنى إلى نماذج من السّرف الفاحش، الذي يستثير أهل الفقر والمسكنة المستمسكين بما كان عليه السّلف من زهد وبساطة، وكان ذلك من دواعي نشأة التصوف عند المسلمين، وكان للزهاد عدة أسماء، يسمون بالشام الجوعية، ويسمون بالبصرة الفقرية والفكرية، ويسمون بخراسان المغاربة، ويسمون أيضاً الصوفية والفقراء.
وكما يقول ((ابن خلدون)): ((هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم، لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، طريقة الحقِّ والهداية، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله - تعالى -، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاماً في الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصّوفية والمتصوفة.
وقال ((القشيري)) - رحمه الله -: ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس، والظاهر أنه لقب، ومن قال: اشتقاقه من الصفاء، أو من الصفة، فبعيد من جهة القياس اللغوي، قال: وكذلك من الصّوف لأنهم لم يختصوا بلبسه.
قلت: والأظهر أن قيل بالاشتقاق أنه من الصّوف، وهم في الغالب مختصون بلبسه، لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصّوف، فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد والانفراد عن الخلق والإقبال على العبادة، اختصوا بمآخذ مدركة لهم)).
وعندما انتقل مركز الخلافة الإسلامية إلى بغداد عام 749م، بدأ الدّين الإسلامي يدخل عليه شيء من المعتقدات اليونانية والفارسية، وفي هذه المرحلة حدث تطور في الأفكار الصّوفية، وظهر التباعد ما بين الفقهاء الأربعة وشيوخ الطرق الصّوفية، على أن التصوف لم يخل من التأثر ببعض هذه المؤثرات الوافدة من نظم صوفية أخرى، جاءت من خارج البيئة الإسلامية، بسبب الترجمة أحيانا أو بسبب اتصال المسلمين -بعد الفتوحات- بشعوب أخرى كان لها قدم راسخة في التصوف؛ كالهند وفارس، وقد كان بعض الصّوفية من أصول ترجع إلى هذه الشعوب، وليس ببعيد أن يكون لبعض أهل الكتاب؛ الذين كانوا يعيشون بين المسلمين بعض التأثير أيضا، وكان من آثار هذه العوامل كلها أن ظهر لدى بعض الصّوفية أقوال ونظريات مشابهة لبعض ما ظهر في النظم الصّوفية الأخرى.
ولـ((ابن الجوزي)) تفسير آخر عن نشأة التصوف يقول فيه: "كانت النسبة في زمن رسول الله إلى الإيمان والإسلام، فيقال مسلم ومؤمن، ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد، فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة، واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها، وأخلاقا تخلقوا بها، ورأوا أن أول من انفرد بخدمة الله - تعالى -عند بيته الحرام رجل يقال له ((صوفة))، واسمه ((الغوث بن مر))، فانتسبوا إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله، فسموا بالصّوفية!.
ولما كان التصوفُ الصّحيحُ بُنِيَ على الزهد، والزهد أصل من أصول الشريعة، ولذلك عندما كتب المتقدمون في هذا الشأن كتبوا فيه تحت هذا المصطلح ((الزهد)) كـ((عبد الله بن المبارك)) المتوفى سنة(181 من الهجرة)، وكـ((هناد ابن السري))، ((والإمام أحمد ابن حنبل))، هؤلاء كتبوا تحت مصطلح "الزهد"، فعندئذ المصدر واضح: الكتاب والسنة، والقدوة رسول الله وأصحابه الكرام والتابعون ومن بعدهم من أهل القرون الثلاثة المفضلة، ومن المهم في هذا الشأن ربطه بالرَّعيلِ الأول، الصّحابة الكرام أجمعين.
ولذلك فقد أجاد الحافظ المحدث ((أبو نعيم الأصبهاني)) في كتابه ((حلية الأولياء)) إذ ذكر المتقدمين والمتأخرين من أهل العبادة والزهد، مبتدأ بأصحاب رسول الله، وفعل مثله ((ابن الجوزي الحنبلي)) المتوفى سنة (597 من الهجرة) في كتابه ((صفة الصفوة))، وكذلك ((أبو القاسم التيمي)) في ((سير السلف))، ولكن أكثر من كتب في التصوف أهمل ذكر طريقة الصحابة والتابعين، وبنى على ما روي من أقوال وأحوال وزهد المتأخرين من بعد القرون الثلاثة المفضلة أو من عند ((إبراهيم بن أدهم))، و((الفضيل بن عياض))، و((أبي سليمان الداراني)) ونحوهم، كما فعل ((أبو القاسم القشيري)) بـ((رسالته القشيرية))، وكمـا فعل ((أبو عبد الـرحمن السّلمي)) فـي ((طبقات الصّوفية))، وكما فعل ((أبو بكر الكلاباذي محمد بن إسحاق)) في كتابه ((التعرف لمذهب أهل التصوف))، وكما فعـل أبو نصر السراج في كتابـه ((اللمع)).
ومن أعظـم مصادر التصوف ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم و((صفة الصفوة)) لابـن الجوزي و((سير السلف)) لأبي القاسم، هذه مصادر التصوف على الطريقة الأولى التي تشمل المتقدمين والمتأخرين؛ يبدؤون بأصحاب رسول الله -، فإذا وضعوا الأمر في نصابه الصحيح، وأصلاً بدأت ظاهرة العباد والزهاد منذ وقت مبكر؛ من وقت التابعين، يعني من تفرغوا للعبادة وللزهد وانقطعوا عن الدنيا، وفي هذا الباب يذكر أبو نعيم ((أويساً القرني)) كمثال على هذا الأسلوب ((الزهد)).
وكان لظهور هذه الفئة من العباد والزهاد تذكيراً للمجتمع وإيقاظاً له، خاصةً أن بوادر الترف في حياة المجتمع كانت قد بدأت تظهر، فكان لظهور هؤلاء العباد ولأقوالهم وأحوالهم أثراً تحذيرياً للمجتمع؛ من أن يقع فريسة الترف والغفلة، وتذكيراً له بمهمته الأساسية من الذكر والعبادة، وإعلاناً بأن هذه الدنيا لا قيمة لها، فهذا كان له أثر الإيقاظ للمجتمع وبوادر الترف تهجم عليه، ولذلك كانت أقوال هؤلاء العباد تدور حول هذه المعاني وحول محبة الله - u - والانقطاع لـه، وتقديم محبته والتعلق به على سائر العلائق، وكانوا يوصون مع ذلك بأن يرد كل ما يصدر عنهم إلى الكتاب والسنة.
يقول ((أبو يزيد البسطامي)): ((إذا أُعطي الرجل من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا بـه حتى تروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة)).
والتصوف إذًا بهذا المفهوم ليس منفصلاً عن الكتاب والسنة، بل هو مذهب في السلوك مستنبط منهما ومـن أحوال الصّحابة الكرام، وآدابه ليست غريبة على الدين.
يقول سهل بن عبد الله التستري: ((أصول طريقتنا سبعة: التمسك بالكتاب، والإقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، وترك المعاصي، والتوبة، وأداء الحقوق)).
فهذه الآداب ليست غريبة على الدين؛ هذا مذهب في السلوك مستنبط من مصدر هذا الدين ((الكتاب والسنة)). وكان هؤلاء الأوائل من أئمة التصوف ملتزمين بذلك.
يقول ((أبو سليمان الداراني)) -وهو أحد أئمة التصوف بعد القرون الثلاثة-: ((قد تخطر النكتة من نكت القوم في قلبي أياماً فلا أقبل منه -أي من قلبي- حتى يأتي بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة)).
قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في العقيدة المشهورة عنه: «طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، فما اعتقدوه اعتقدناه، فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه».
ومثل هذا الكلام نقل عن الشيخ ((عبد القادر الجيلاني)) - رحمه الله - يقول: ((القدر ظلمة، أي الحياة المقدرة التي نعيش فيها ظلمة، فادخل في الظلمة بالمصباح الذي هو الحكم، والحكم هو كتاب الله وسنة رسوله -؛ لا تخرج عنهما)).
والشيخ ((عبد القادر الجيلاني)) كان عالماً فقيهاً متمسكاً بالكتاب والسنة، وهو من أئمة المتصوفة المتأخرين، ولذلك عني شيخ الإسلام ((ابن تيمية)) - رحمه الله - بكلامه عناية عظيمة، ونقل بعض عباراته من كتاب ((فتوح الغيب)) وشرحها، تجد ذلك في جزء السلوك من ((مجموع الفتاوى))، وكانت عباراته إذا احتملت عدة وجوه يحملها على أحسن الوجوه وأحسن المعاني، وكان يثني على أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي الحنبلي، وهذا أيضاً من أئـمة التصوف، صاحب((منازل السائرين))، وهذا كتاب مشهور يعد من أحسن مصادر التصوف الصحيح، وخاصة مع شرحه ((مدارج السالكين)) لابن القيم - رحمه الله -، وهذان الإمامان من أئمة المدرسة السلفية.
وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن القيم يضربان لنا أروع الأمثلة على أخلاق السلف، وعلى معلم مهم من معالم منهج السلف، وهو (الإنصاف)، وهو من أهم أخلاق علماء السلف.
شيخ الإسلام ابن تيمية يمدح الشيخ عبد القادر الجيلاني مدحاً عجيباً، وينقل كلامه كما ذكرت، ويفسره بأحسن المعاني، ويحمله على أحسن الوجوه حتى ولو احتمل عدة احتمالات، وكـذلك فعـل الحافظ ابـن القيم في ((مدارج السالكين)) عندما شرح كلام الهروي في ((منازل السائرين)) كان يحمل كلام الهروي على أحسن المحامل وعلى أحسن المعاني.
ولما نقل شيخ الإسلام ابن تيمية كلام بعض الأئمة في التصوف أو في ذم التصوف، وكان أشد هؤلاء الأئمة الإمام الشافعي: ورد عنه ذم التصوف مطلقاً، وروي عن الإمام مالك أيضاً، بينما كان الإمام أحمد يقرأ كتب الحارث المحاسبي، ونقل عنه شيء من عبارات المتصوفة، ولم ينقل عنه ذم التصوف كما نقل عن الإمام الشافعي.
فالإمام الشافعي كان شديداً على التصوف وعلى الكلام، وورد عنه ذم الكلام مطلقاً، وحتى قال: من اشتغل بعلم الكلام أرى أن يجلد بالسياط ويطاف به على دابة بين الناس، ويقال: هذه عقوبة من يشتغل بالكلام عن كتاب الله وسنة رسوله.
ماذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد هذا النقل؟ يقول: ((والتحقيق أن فيه الممدوح والمذموم -يعني في مذهب التصوف الممدوح والمذموم- والمذموم منه ما يكون اجتهادياً، ومنه غير ذلك، كفقه الرأي، فإنه قد ذم فقه الرأي طوائف من الفقهاء والعلماء والعباد)).
ثم يقول: ((ومـن المتسمين بهذا الاسم -أي التصوف- من أولياء الله وصفوته وخيار عباده ما لا يعلم عددهم إلا الله، كما أن من أهل الرأي -أي من فقهاء الرأي- أهل العلم والإيمان طوائف لا يعلم عددهم إلا الله)).

بداية تطور الفكر الصّوفي
ويرى المتخصصون في الصّوفية أن بداية تطور الفكر الصّوفي كانت طبيعية، فقد ظهر أولا تيار يحاول مواجهة إقبال الناس على الدنيا بعد زمن الفتوحات الكبرى، وانشغال كثير من المسلمين عما كان عليه رسول الله وأصحابه، فبدأ تيار ينادي بالزهد وظهرت جماعات يسمون "الفقراء"، وأخرى تسمى "البكائين"، وثالثة تسمى "المحبين"، وأشهرهم رابعة "العدوية".. ثم ظهر أقوام من الصّوفية تكلموا عن الجوع والفقر والوساوس والخطرات.. ثم بدأ يظهر على الساحة تيار يقسم الدين إلى ظاهر وباطن، ويستغرق في الحديث عن الروحانيات وأحوال القلوب والصلة بالله حتى وصلوا إلى ظاهرة الشطح، وهي التي لابد لكل صوفي أن يمر بها من خلال أربع مراحل هي:
"الوجد": ويقصد به كشف حالة بين العبد وربه، وظهور ما يجد في باطنه على ظاهره.
ثم مرحلة "الغلبة": عندما يزيد الوجد، ويغلب صاحبه الصّوفي، ولا يكون مميزا لما يستقبله.
ثم مرحلة "السكر": وهي المرحلة التي يغيب فيها الصّوفي عن تمييز الأشياء، ويغيب عن نفسه ليدخل في..
المرحلة الرابعة: "الشطح" وهي من زلات المحققين، ومحاولة لوصف ما لا يوصف، ولا يؤاخذ صاحبه عليه حتى لو تكلم في ذات الله!
وأدى ذلك إلى:
-أن تتفاوت نظرة المسلمين إلى التصوف، وقد انقسموا حوله إلى أنصار يرون في التصوف طريق الولاية، وسبيل الصفاء والعرفان ونيل الكرامات وخرق العادات، وهؤلاء هم الصّوفية ومن ارتضى طريقتهم.
-وإلى خصوم يرون التصوف بدعة وضلالة، واستعلاء على الشريعة بدعوى الحقيقة، وإعلاء للباطن على حساب الظاهر، وترويجا للأفكار والمذاهب الدخيلة التي تتحدث عن الفناء والحلول، ووحدة الوجود وإسقاط التكاليف، ووقوعا في أسر البطالة والتواكل والجمود والسلبية، والإعراض عن العلم بدعوى العلم اللدنى.
وكان من بين المسلمين من اتخذ موقفا وسطا بين هؤلاء وهؤلاء، ومن أبرز ممثلى هذا الاتجاه ابن تيمية (م: 728ه) وتلميذه ابن قيم الجوزية (م: 751ه)، وقد أشار كل منهما إلى مواقف الفريقين، وذكر ابن تيمية - رحمه الله - أن "الصواب هو الإقرار بما فيها، وفى غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكار لما فيها وفى غيرها من مخالفة الكتاب والسنة".
وإذا طبقنا هذا المعيار فسنجد أنه يوجد بين الصّوفية: السابقون المقربون، والمقتصدون الذين هم من أهل اليمين، وفيهم من هو ظالم لنفسه، وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن المحققين من الصّوفية يتبرأون منهم وينكرونهم.
ولعل هذا الموقف هو أولى الآراء بالقبول، لأنه أقرب إلى الموضوعية والإنصاف، وأبعد من التعميم والتعصب المذموم.
وينبغي ونحن نتحدث عن التصوف ألا نغفل عما حفل به التصوف من تربية أخلاقية وتحليلات نفسية كانت موضع إعجاب الدارسين في الشرق والغرب، وقد كان للصوفية المسلمين الأول؛ دورهم في نشر الإسلام في كثير من بقاع الأرض في آسيا وإفريقيا قديما، وفي أوروبا حديثا، وهو دور معروف لدى المؤرخين.
والتصوف دخله كما دخل حياة المسلمين قاطبة كثير من الانحراف، شوه صورته وكدر صفاءه، وأخطر ما شوه التصوف الفلسفة، فإن الفلسفة دخلت في الصّوفية بالزندقة، كذلك مما شوه صورة التصوف وصفاءه الأول ممارسات المسلمين اليوم، فأكثر الصّوفية في العالم الإسلامي تجدهم عند الأضرحة والقبور يمارسون ممارسات ليست خارجة عن حدود الكتاب والسنة فحسب، بل حتى عن التصوف الصحيح وقد تصل إلى الشرك، فهؤلاء ليسوا متصوفة والصّوفية منهم براء لماذا؟ لأنهم قلبوا مفهوم التصوف. فإن التصوف في أصله الصحيح معناه: التعلق الكامل بالخالق ، وقطع الأمل عن المخلوق.
يقول الدكتور عبد القادر محمود: «إن التصوف قد أفرخ في بيئة التشيع، وكان التشيع مدخل التطور إلى النظريات الفلسفية المنحرفة في القطبية، والحقيقة المحمدية، والإنسان الكامل عن الإمام المعصوم، وكانت الولاية الصّوفية هي الإمامة الشيعية».
كما تضمنت أقوال المتصوفة عناصر مسيحية، كحب لباس الصّوف المنسوب للمسيح، وظهور ألفاظ كالناسوت واللاهوت التي هي ألفاظ مسيحية بحتة؛ وتقليد المتصوفة للنصارى في الرهبانية التي ذمها الإسلام بنص القرآن: "وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ"[الحديد: 27]، كما أن الحلول عقيدة النصارى لهم فيه تفاصيل تشبه تلك التي توجد في كتب المتصوفة، وكذلك إقامة الزوايا والتكايا يشبه دور النصارى، وصوامعهم التي يتخذونها للعبادة، ولقد شرع في الإسلام المسجد فتركه المتصوفة وابتنوا الدور لإشاعة عقائدهم وطرائقهم.
إن كثيرا من أخلاق المتصوفة لا يتفق مع مقاصد الإسلام حتى يمكن أن نتأول لهم أنهم استنبطوها من النصوص.
إن تأثر المتصوفة بالعقائد الدخيلة على الإسلام، لم يقف عند هذا الحدّ، فإن متأخّريهم أوصلتهم عقيدة الحلول والاتحاد من النصارى الذين أخذوها عن اليونان و الهنود.
ففي كتاب الهنود المقدس «الفدا»: إنّ الله واحد لأنّه الجميع، أي: إنّ الله والإنسان وجميع الكائنات شيء واحد، فالفناء الذي تدعيه الصّوفية هو عند هنود عالم -((النيرفانا))- ومعناه إفناء الذات في الله؛ وهم يستعملون للوصول إلى هذا العالم الطرق نفسها التي تستعملها المتصوفة عندنا، من خلع الشهوات ولو كانت مباحة كالجوع والعطش والصوم الطويل والتجوّل في الصحاري والبراري، وترك الكسب، وتعذيب الجسد، وإذلال النفس؛ وإحداث السكر حتى تحصل المكاشفة المزعومة، يستعمل صوفية الهند الأفيون ومخدّرات أخرى.

النقلة المشؤمة للصوفية
بعد هذا الانفتاح الذي وقع على الأمة الإسلامية، بدأ التصوف يتجه إلى نحو آخر؛ من الزهد والعكوف على أمر الآخرة، إلى اعتناق نحل كافرة، والتلبس بضلالات وافدة، من أمم تعبد الحجر والشجر والنجوم والكواكب وتدين بديانات شتى، وهذا بسبب عزوفهم الكلي عن العلم والعلماء والانقطاع التام في التربية والسلوك، فكل ما يؤصل فيهم هذا العلم -أي علم السلوك- قبلوه وكل ما هو بعيد عنه تركوه، فلم يكتفوا بما في الكتاب والسنة من علم للسلوك وحث على الآخرة؛ بل أقبلوا على كل ديانة أو نحلة فيها من هذه السلوكيات فأخذوها، وحملوا كل الفلسفات الباطلة، ومبادئ الإلحاد والزندقة، فأدخلوها إلى عقائد الإسلام وتراث المسلمين على حين غفلة منهم، فأفسدوا العقول والعقائد، ونشروا الخرافات والدجل والشعوذة، ودمروا الأخلاق، وأتوا على بنيان دولة الإسلام من القواعد؛ إذ حارب المتصوفة العلم والجهاد والبصيرة في الدين، بل والزّواج والعمل والكسب، فنصبوا للقرآن والسنة حرباً لا هوادة فيها، وحرفوا الناس عن تعليمها بكل سبيل؛ زاعمين تارة أن القرآن والسنة علم أوراق وظواهر، وأن علمهم الباطني علم أرواح وحقائق، وإطلاع على الغيب ومشاهدة، وتارة أخرى زاعمين أن أورادهم وأذكارهم تفضل ما في القرآن والسنة آلاف بل عشرات الآلاف من المرات، وتارة ثالثة واصفين كل علماء الشريعة بأنهم محجوبون مرتزقة ظاهريون جامدون، لم يتذوقوا الحقائق ولم يشاهدوا الغيب، واختص المتصوفة أنفسهم -وهم بوجه عام من الزنادقة المبتدعين والكفار المستترين- بأنهم أهل العلم اللدني والحقيقة..
واستطاعوا بذلك أن يدخلوا كل ما سطره الكفار والزنادقة إلى عقائد المسلمين، وأول ذلك ما يسمى بعقيدة "وحدة الوجود"، التي تنادي بأن الوجود كله وحدة واحدة فلا خالق ولا مخلوق، الكل عين واحدة، وحقيقة واحدة في زعمهم تعددت وجوداتها، وتغيرت صفاتها ولكنها شيء واحد، فالجنة والنار، والرسل والشياطين، والمؤمنون والكفار، والطهارة والنجاسة، والشرك والتوحيد شيء واحد وذات واحدة، ولا فرق -بتاتاً- عندهم بين موسى وفرعون، وإبليس أفضل من محمد، وفضَّل شيخهم الأكبر كما يدعون فِرعون على موسى لأن فرعون علم الحقيقة التي يدعيها الصّوفية -حيث قال: "أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى"[النازعات: 29]! وهكذا خرج المتصوفة على المسلمين بدين هذه مبادئه، دين يرى في إبليس مثالاً للفتوة والتوحيد، لأنه لم يرض أن يسجد إلا لله بزعمهم- وبفرعون إماماً لأهل الإيمان الصّوفي.. لأنه عرف الحقيقة وأنه هو الله، والحال عندهم أنه ليس في الكون إلا الله.. !
دين لا يفرق بين خالق ومخلوق، وشرك وتوحيد، وكفر وإيمان، وطهر وفجور، وجنة ونار.
لقد استطاع المتصوفة إفساد عقائد المسلمين في قرون متطاولة، واستطاعوا كذلك إفساد أعمالهم وشرائعهم، وكانت لهم اليد الطولى في هزيمة العالم الإسلامي، وسقوطه تحت نير الاستعباد والذل والتبعية لدول الكفر، كان التصوف هو المعبرة التي عبر عليها الملحدون والزنادقة والمفسدون في الأرض، والعباءة التي تستر بها كل من يريد التخريب والتدمير لأمة الإسلام ورسالة القرآن، ثم بعد ذلك كان التصوف هو الجسر الذي ركبه وعبره كل من يريد الوصول إلى تعظيم الناس له، واستعباد الآخرين، وأكل أموالهم بالباطل، فقد تحول الزنادقة ومن لا أصول لهم معروفة من الأعاجم والملاحدة فدخلوا في التصوف، وانتسبوا زوراً إلى أهل بيت النبوة، وادعوا الكرامات والكشوف والعلوم الإلهية اللدنية التي تنزل عليهم، ومن ثم سخّروا الناس لخدمتهم؛ بل وعبادتهم من دون الله أحياءً وأمواتًا، فحُملت لهم الهبات والهدايا، وانهالت النذور من كل حدب وصوب، وقدسهم الناس وعظموهم تعظيماً لم تعرفه الملوك ولا أبناء الملوك من الجبابرة المفسدين، واستطاع هؤلاء الزنادقة المتسترون أن يقيموا إقطاعات دينية، وممالك طائفية، تربعوا على عروشها، وجعلوها وراثة في أولادهم من بعدهم.

بعض انحرافات الصّوفية
نرى أن معتقدات الصّوفية راجت على العوام؛ لما فيها صبغة ظاهرها دينية من ذكر ودعاء وغيره، ومن تمسح وانتساب لآل البيت، فعظم هذا في نفوس العامة حتى صار معتقدا ينتحلونه، وخاصة أن هناك انسلاخًا يبدو واضحا عند غالب هذه الجماعات الصّوفية، إذ لم تقف عند المعتقد بل تعدت إلى الأصول والفروع فضلا عن استحلال المحرمات.
ويعد الذكر من أركان التصوف، غير أن هناك خلافا واضحا بين أهل السنة والجماعة وبين الصّوفية حول مفهوم الذكر، فهو عند أهل السنة والجماعة قراءة القرآن أثناء الليل وأطراف النهار ومجالس العلم لدراسة القرآن وتفاسيره وعلوم الحديث، وكذا من صلوات النوافل والأذكار الواردة عن رسول الله في الكتب الصحاح، والاستغفار من الذنوب والمعاصي، وغير ذلك مما هو معروف من الذكر الصحيح وفق هدي رسول الله.
والصّوفية يوافقون على ما سبق ويزيدون عليه ما يعرف باسم "الذكر المجرد" أو "الذكر المفرد"، وهو الذكر الذي تقوم عليه الحضرات، حيث يذكرون الله قياما أو قعودا مع التمايل بحركات تناسب كل اسم من الأسماء التي يذكر بها الشيخ ربه.
والغريب أن كل طريقة اختار شيخها مجموعة من أسماء الله الحسنى ليتميز بها عن بقية الطرق، فـ((الطريقة الخلوتية)) مثلا لهم سبعة أسماء وهي: "لا إله إلا الله، الله، هو، حق، حي، قيوم، قهار".
ولقد بحث المتخصصون من علماء الفقه الإسلامي وآداب الدعاء والذكر عن أدلة وجود مثل هذا النوع من الحضرات منسوبا لرسول الله، فلم يجدوا من هذا شيئا.
وأخطر ما في الذكر عند الصّوفية هو اعتماده على "علم الجفر" وهو علم يرجع في أصله إلى سحرة بني إسرائيل وكهنتهم، وقد استخدمه اليهود المعاصرون لظهور الإسلام ليحسبوا مدة مُلك الإسلام ومتى سيزول، وهو علم يقوم على أن كل حرف عربي يقابله رقم حسابي؛ بطريقة "أبجد هوز حطي كلمن" فالألف يعادلها رقم 1 والباء رقم.. وهكذا، وعن طريق هذا العلم وهو من أشهر علوم الباطنية عند الشيعة وانتقل للصوفية.
انخرط أهل التصوف في الذكر بالعدد والحساب، ليخرج الذكر عن معناه إلى عملية حسابية؛ وضع أساسها اليهود واتبعتها الشيعة وروج لها الصّوفية ومشايخهم.
وأخطر ما في هذه الطريقة أنها أدخلت بعض الأسماء الغريبة واعتبرتها من أسماء الله الحسنى مثل: ثابت أو ظهير، وزكى.. وهي أسماء يرددها الصّوفيون بتكرار يتراوح ما بين(37 - 903 مرة) عند الذكر؛ ليتحصل على مراتب الزهد والتصوف، وهذا ما لم يرد عن رسول الله ولا حتى صحابته الكرام.
ولقد اقتبس الصّوفية "علوم الحرف" التي أحدثها اليهود، وكانوا يستخدمونها في زمن النبي ومن هذه العلوم: "علم الجفر"، و"حساب الجمل"، والسحر والتنجيم وغيرها من العلوم، التي استعان بها أحبار اليهود، وهي لا تخرج عن كونها استغاثة بالجن، ونوع من الحيل ومهارة السحر، ويستعمل الصّوفيون هذه العلوم في فك المربوط، ومعالجة السحر، وهو ما يؤكد علاقتهم بعالم الجن والسحرة.
ولذلك لا تتعجب أن تجد أحد مشايخهم يكتب بعض الحروف والأرقام على طبق ثم يغسله بالماء ويسقي المريض أو المسحور هذا الماء، ويوهمون الناس ببركته وقدرته على الشفاء!
ولا يخفى على أحد كيف أن الطرق الصّوفية ابتدعت أذكارا بذاتها، وأورادا خاصة تخالف ما كان يذكر به رسول الله ربه.
بل ويخالفه مخالفة صريحة بزعم أنها أقرب السبل للترقي نحو الوصول إلى السر الأعظم!
تقديس القبور وزيارة المشاهد:
تقديس القبور وزيارة المشاهد؛ تقديس شيعي في نشأته، فالشيعة هم أول من بنى المشاهد على القبور والمساجد عليها في الإسلام، بعد أن جاء النبي بهدم ذلك حتى لا تكون ذريعة إلى الشرك، كما قال: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ».
وفي صحيح مسلم أن علي بن أبي طالب أرسل أبا الهياج الأسدي إلى اليمن وقال له: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ».
ولكن الشيعة تتبعوا قبور من مات قديماً ممن يعظمونهم من آل البيت؛ كعلي بن أبي طالب والحسين ومن سموهم بالأئمة من أهل البيت، وراحوا يبنون على قبورهم، ويجعلونها مشاهد ومزارات، وجعلوا ذلك أيضاً وسيلة للتكسب والعيش، كما جاء في رسائل «إخوان الصفا»: أن من الشيعة من جعل التشيع مكسباً، مثل الفاتحة والقصاص، وجعلوا شعارهم لزوم المشاهد وزيارة القبور.
وكان هذا البناء وإظهار هذه الشعائر منذ بداية القرن الثالث الهجري، ولكن بعض خلفاء بني العباس شرعوا يهدمون ما افتروه وبنوه من هذه القبور. كما ذكر ابن كثير - رحمه الله - في «البداية والنهاية» أن الخليفة العباسي المتوكل أمر في سنة 236ه بهدم القبر المنسوب إلى الحسين بن علي - رضي الله عنهما - وما حوله من المنازل والدور، ونودي في الناس أن من وجد هنا بعد ثلاثة أيام ذهب به إلى المطبق، فلم يبق هناك بشر، واتخذ ذلك الموضع مزرعة تحرث وتستغل. وكان هذا القبر مزاراً لفرقة الإسماعيلية من الشيعة الذين كانوا يزورون هذا القبر ثم يذهبون إلى «سلمية» (قرية من قرى سوريا كانت وما زالت مأوى للفرق الباطنية، وهي قاعدة الإسماعيلية في هذا الوقت)، لزيارة أئمتهم هناك.
وجاء الصّوفية فنسجوا على هذا المنوال فجعلوا أهم مشاعرهم زيارة القبور وبناء الأضرحة، والطواف بها والتبرك بأحجارها، والاستغاثة بالأموات، فقد جعلوا قبر «معروف الكرخي»، وهو رائد من رواد التصوف، مكاناً لزيارتهم وقالوا: قبر معروف، ترياق مجرب.
بل جعل المتصوفة جل همهم بناء هذه القبور وتعظيمها ودعوة الناس إليها، وجعلوا أعظم مشاعرهم الطواف بها، والتبرك بها ودعاءها من دون الله.. بل لا يوجد شيخ متبع إلا وبنى لنفسه قبة كبيرة ومقاماً.. وهكذا أعادوا من جديد شرك الجاهلية الأولى.
لقد كان العلماء وولاة الأمر يولون هذا الانحراف الخطير عناية بالغة، فأمعنوا في تتبع رؤوس الضلالة وإقامة الحجة عليهم وبيان الحق لهم وربما يؤدي إصرارهم ونشر ضلالهم إلى قتلهم.
فهذا «الحلاج» لم يكن أمر الصلة بينه وبين والتشيع مقصوراً على التداخل بين كلامه وكلام الأئمة، وإنما كان مطلقاً على مذاهب التشيع كلها، وقد استخدمها كلها في بناء مذهبه «الحلولي» الجديد الذي يشير إلى ظهور حركة غلو جديدة في مطلع القرن الرابع الهجري.
والحلاج هو القائل: "ما تمذهبت بمذهب أحد من الأئمة جملة وإنما أخذت من كل مذهب أصعبه وأشده وأنا الآن على ذلك" ولقد كان الحلاج صورة من أبي الخطاب الزعيم الغالي الذي قتل في الكوفة سنة(138)ه، وأما علاقته بـ«الاثني عشرية» فتنعكس، مما رواه الطوسي: من أن الحلاج صار إلى "قم" البلد الشيعي القديم، وكانت قرابة أبي الحسن النوبختي الشيعي تستدعيه ويستدعي أبو الحسن أيضاً ويقول: "أنا رسول الإمام ووكيله". أ. ه
"وكانت إحدى التهم التي قتل الحلاج من أجلها تتضمن إنكار الحلاج للحج إلى مكة بالذات، ودعوته إلى الحج القائم على النية الخالصة والتوجه القلبي، وكان من أهم ما أخذ على الحلاج أنه يقول ببديل للحج يمكن إتمامه في بيت المسلم دون حاجة إلى تجشم مصاعب السفر والطواف حول الكعبة، وقد تطرق القاضي التنوخي إلى ذلك فذكر أن (هذا شيء معروف عند الحلاجية وقد اعترف لي به رجل منهم يقال: إنه عالم لهم).
وقد برر هذا العالم ذلك بأن هذا رواه الحلاج عن أهل البيت صلوات الله عليهم.
هذه من لوازم الإسماعيلية بالذات إلى ما عرف عنهم من أخذ بالتأويل على أوسع الحدود، وذلك يبين حدًا آخر لاتصال الحلاج بالإسماعيلية.
وقد كان مصداق هذا الاتصال منبعثاً من أنه (أغار القرامطة على مكة ونهبوها بعد موت الحلاج بتسع سنوات، واختطفوا الحجر الأسود منها)، وحققوا مذهب الحلاج، ولعله كان مذهباً من مذاهبهم أسرع هو بالتعبير عنه من عند نفسه. أ. ه
وقد ذكر القاضي التنوخي أن الحلاج أرسل إلى بعض دعاته يقول: "وقد آن الآن إذنك للدولة الغراء الفاطمية الزهراء، المحفوفة بأهل الأرض والسماء، وأذن للفئة الظاهرة وقوة ضعفها في الخروج إلى خراسان؛ ليكشف الحق قناعه ويبسط العدل باعه".
قال الدكتور الشيبي: «ويذكر الخطيب البغدادي وابن كثير أن أهل فارس كانوا يكاتبون الحلاج بأبي عبد الله الزاهد.. هذه الكتبة أطلعت على الداعية الإسماعيلي المشهور أبي عبد الله الشيعي الذي ساعد على قيام دولة العبيديين قبل تحولها إلى مصر، فكأن الإسماعيليين كانوا يعتمدون على داعيتين يحملان كنية واحدة:
أحدهما: بالمشرق وهو الحلاج.
والآخر: بالمغرب وهو أبو عبد الله الشيعي الذي يروي الإسماعيلية أنفسهم سبق صوفيته على إسماعيليته».

العلاقة بين أقطاب الصّوفية وأئمة الشيعة
والعلاقة بين أقطاب الصّوفية وأئمة الشيعة والباطنية تظهر جليا في أول شروط الإمام عندهم وهو أن يكون من آل البيت، وأغلب الطرق الصّوفية ينتهي نسب مشايخها -كما يزعمون- لعلي بن أبي طالب وكذلك الأمر عند الشيعة والباطنية.
فمثلا.. الشاذلي، والرِّفاعي، والبدوي، والدسوقي، والجيلاني، وغيرهم يزعمون انتهاء نسبهم لآل البيت، حتى يتحصلوا على القدسية والهالة التي يحِيطون أنفسهم بها.
والعجيب أن هؤلاء كانوا في حقبة واحدة وزمن واحد، والعلماء المحققون يثبتون أن هؤلاء باطنيون جاءوا بأسماء وهمية، حتى أن شيخ المحققين الشيخَ أحمدَ بنَ محمد شاكر (ت: سنة 1377ه) - رحمه الله تعالى -ذكرَ لفتةً نفيسةً في: «مجلة الفتح» وهي في كتاب: «حكم الجاهلية» (ص/166) بعنوان: «بحث في تاريخ السيد البدوي»، وهذا نصها: "وبهذهِ المناسبةِ نريدُ أن نسألَ المؤرخين العارفين عن تاريخِ السيدِ أحمدَ البدوي الذي يقولُ بعضُهم بوجوده، وينكره بعضهم، وأعني بهذا أنه هل وجد شخصٌ حقيقي بهذا الاسمِ هو المدفونُ في طنطا والذي نُسب إليه المسجدُ؟ لأن الذين كتبوا في ترجمةِ حياتهِ إنما هم المتأخرون، ويزعمون أنه توفي في منتصفِ القرنِ السابعِ الهجري. أي بين سنتي (600 و750 هجرية)، إنني لم أجد من ذكرهُ من المؤرخين السابقين الذين يوثق بنقلهم إلا جلال الدين السيوطي الحافظ - رحمه الله -، وهو من رجال أواخرِ القرنِ الثامنِ، لأنه مات سنة(911ه) وبين التاريخين بونٌ شاسعٌ، ولم يذكر السيوطي عمن تلقى خبرَ تاريخهِ.
والقاعدةُ الصحيحةُ عند علماءِ النقلِ وزعمائهِ وهم حفاظُ الحديثِ أن المرسلَ لا تقومُ به حجةٌ، وهو ما يرويه شخصٌ عمن لم يدركه ولم يتلق عنه مباشرةً، لما فيه من جهالةِ الواسطةِ، فلعله غير ثقةٍ، وهذا أمرٌ معروفٌ.
ولعل من يجيبنا عن هذا السؤالِ يذكرُ من أين نقل؟ والكتاب الذي نقل منه؟ على أنا لا نريد إلا التحقيقَ من هذا الأمرِ. ونسأل الله العون والتوفيق. اه
والدكتور عبد الفتاح بركة أحد أهم العلماء البارزين في دراسة الصّوفية والشيعة يؤكد العلاقة الوثيقة بين التصوف والتشيع، ويقول: يغلب على الظن أن هناك تأثرًا في الطرق الصّوفية ببعض أفكار الشيعة، التي تجعل من الأئمة مركز الدنيا والدين، وأمان أهل الأرض، وهذا ما روج له أئمة الصّوفية باعتبارهم هؤلاء الذين اختصهم الله بتلك المكانة.

هالة الترهيب لمن عادى الصّوفية
لقد استطاع أئمة الصّوفية ومروجي بدعهم من الجهلة الطغام أن يلقوا هالة الذعر على كل من هم بعداء شيء من عادات الصّوفية أو أئمتهم، واختراع قصص وحكايات مكذوبة، حتى أدى إلى سكوت جماعة من الأخيار عن بدعهم خوفا من شرهم.
من ذلك قول ابن حجر الهيثمي: ((ينبغي لكل ذي عقل ودين أن لا يقع في ورطة الإنكار على هؤلاء القوم، فإنه السُّم القاتل كما شوهد ذلك قديما وحديثا، وقد قدمنا صحة قصة ابن السقاء المنكر على ولي الله فأشار له أنه يموت كافرا، فشوهد عند موته بعد تنصره -لفتنته بنصرانية أبت منه إلا أن يتنصر- مستقبل الشرق، وكلما حول للقبلة يتحول إلى الشرق حتى طلعت روحه وهو كذلك، وأنه كان أوجه أهل زمانه علمًا وذكاء وشهرة وتقدما عند الخليفة، فحلت عليه الكلمة بواسطة إنكاره، وقوله عن ذلك الولي لأسألنه مسألة لا يقدر على جوابها، وتقدم أيضا أن الإمام أبا سعيد بن أبي عصرون إمام الشافعية في زمنه، صدر منه لذلك الولي نوع قلة أدب، فوعده بأن يغرق في الدنيا إلى أذنيه، فولاه نور الدين الشهيد الأوقاف بدمشق وكان كذلك، وأن إمام العارفين وتاج الخلفاء الوارثين محيي الدين عبد القادر الجيلاني - رضي الله تعالى عنه -، وهؤلاء الثلاثة جاءوا للولي معا فوقع للأولين ما ذكر وأما الشيخ عبد القادر لما تأدب معه دعا له ووعده بالولاية بل القطبية وأن قدمه سيصير على عنق كل ولي لله - تعالى -، فانظر شؤم قلة الأدب وفائدة الأدب والاعتقاد)).
وجاء عن المشايخ العارفين والأئمة الوارثين أنهم قالوا: ((أقل عقوبة المنكر على الصالحين أن يحرم بركتهم. قالوا: ويخشى عليه سوء الخاتمة نعوذ بالله من سوء القضاء)).
وقال بعض العارفين: ((من رأيتموه يؤذي الأولياء، وينكر مواهب الأصفياء، فاعلموا أنه محارب لله مبعد مطرود عن حقيقة قرب الله)).
وقال الإمام المجمع على جلالته وإمامته أبو تراب النخشبي: «إذا ألف القلب الإعراض عن الله صحبته الوقيعة في أولياء الله تعالى».

الأضرحة.. والقبور
كما أطلقت الشيعة اسم "الأعتاب" على المقابر، أطلقت الصّوفية اسم "الأضرحة" عليها أو "المقام"، والزائر لهذه الأضرحة عند الصّوفية سيجد صورة مصغرة لما يحدث عند مقامات الأئمة في النجف الأشرف، وكربلاء، والكاظمية في العراق، فالشيعي إذا دخل إلى أعتاب أي إمام يبادر بالسجود على الأعتاب، وإذا سألته عن سر سجوده يقول لك: نحن أولى بالسجود من بني إسرائيل حيث أمرهم الله - تعالى -قائلا: "وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ"[البقرة: 58].
ثم يقول لك: هل القرية أشرف من مقام الأئمة؟!

وكذلك الأمر عند الصّوفي عندما يقبل ويتبرك بالضريح يقول لك: نحن أحق من مجنون ليلى الذي قبل الجدار.
وهناك تشابه واضح أيضا بين الشيعة والصّوفية في الاحتفال بيوم عاشوراء وهو العاشر من المحرم الذي صامه الرسول عندما قدم إلى المدينة، وعلم أن اليهود يصومونه لنجاة موسى من فرعون فقال النبي: "نحن أحقُّ بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه وقال: أنه سيصوم في العام التالي التاسع والعاشر مخالفا لليهود ولكنه قبض في العام التالي".
وقد زاد من اهتمام ذلك اليوم عند الشيعة قتل الإمام الحسين فيه، ولا يخفى على أحد ما يقوم به الشيعة في ذلك اليوم من كل عام من مسيرات دموية يعاقبون أنفسهم ويضربون أجسادهم بالجنازير حتى تسيل دماؤهم.
وفي ((الطريقة الرفاعية)) نجد أن شيخهم يأمر أتباعه بالخلوة سبعة أيام حزنا على الحسين، يصومون فيها ولا ينامون ولا يعاشرون النساء، ولا يأكلون من كل ذي روح وألا يتكلم طوال هذه السبع.
وللأضرحة عند الصّوفية مكانة لا تضاهيها مكانة أخرى؛ ولم لا وهي تمثل بمن دُفن فيها مركزا لإدارة الكون.
لقد قلب الصّوفية الهدف من زيارة القبور رأسا على عقب فبدلا من الزيارة للاعتبار وتذكر الموت، تجد الضريح وقد أحيط بسياج من ذهب وفضة وأُضيئ بألوان من السراج الحديثة، ومرتفعا عن الأرض تعمدًا لمخالفة أمر النبي ويطوف الناس حوله ويقبلونه وبدلًا من الدعاء للميت يطلبون الدعاء منه.













ولذلك فلا عجب أن يهتم مشايخ الصّوفية وهم أحياء ببناء أضرحتهم والإشراف عليها بأنفسهم حتى يضمنوا تحولهم إلى مناسك للعبادة بعد الموت!
ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحد في القبور والأضرحة.. بل إن هنالك تخصصا لكل صاحب ضريح فهناك ضريح الشيخ عز الرّجال بـ((طنطا)).. ومشهور عنه شفاء الأمراض وخاصة أمراض الأطفال، وهو بالمناسبة رجل مغربي يقام له مولد كل عام على غرار مولد السيد البدوي.
وهناك ضريح «علي الحامولي» ومشهور عنه زواج العانس، ولذلك تردد النساء الزائرات قولهن: "سيدي يا حامولي جوزني وأنا أجيب لك شمعة طولي".
وقد أخبرني أحد المشايخ أنه أراد أن ينظر لما يحدث عند البدوي الكائن في طنطا في يوم المولد، فتنكر وزاحم الناس ودخل حتى اقترب من المقصورة التي يزعمون أنها القبر، فسمع صوت امرأة تناديه وتطلب منه ولدا، وأنها جاءت أكثر من مرة، أما هذه المرة فقد عظّمت النذر ورفعت من القيمة إن رزقها البدوي ولدًا.. إلى غير ذلك من الشركيات والضلالات والجهالات.
وأما عن الشيخ "عبد القادر الجيلاني" فقد صانه الله من ذلك، وكان على العهد القديم من التصوف بالزهد والتربية والسلوك والاستقامة، وإن ظهرت بعض المخالفات إلا أن أتباعه غالوا فيه ونسبوا إليه ما يعظم عن القول به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ كَلَامُهُ كُلُّهُ يَدُورُ عَلَى اتِّبَاعِ الْمَأْمُورِ، وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَقْدُورِ، وَلَا يُثْبِتُ طَرِيقًا تُخَالِفُ ذَلِكَ أَصْلًا لَا هُوَ وَلَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُحَذِّرُ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْقَدَرِ الْمَحْضِ بِدُونِ اتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ)).
وقال الذهبي - رحمه الله -: ((وَفِي الجُمْلَة: الشَّيْخ عَبْد القَادِر كَبِيْرُ الشَّأْنِ، وَعَلَيْهِ مآخذ فِي بَعْضِ أَقْوَالِه وَدَعَاويه، وَاللهُ المَوْعِدُ، وَبَعْضُ ذَلِكَ مَكْذُوْبٌ عَلَيْهِ)).
والمؤسف -عند غالب المسلمين- هو إما الإفراط وأما التفريط..
-فأما أن يؤمنوا ويصدقوا بكل الخرافات التي لا تستند إلى دليل ولا عقل ولا شرع.
-وأما أن يكذبوا بكل شيء حتى بمعجزات نبينا محمد وأحاديثه؛ لأنها لا تتماشى وأهواءهم وعقائدهم التي يعتقدونها.
وقد شرقت طائفة، وغربت أخرى، فالصّوفية يقولون: بإمكانية حضور الشيخ عبد القادر الجيلاني مثلا في بغداد وفي نفس الوقت في تونس، وقد يشفي مريضا في تونس، وينقذ غريقا في نهر دجلة في نفس اللحظة -فهذا إفراط- ومنهم من قال: "هو باطني ضال يقول بوحدة الوجود كباقي المتصوفة وهذا أيضا شطط".
حتى صور الكثير ممن كتب في سير هؤلاء الأفاضل ما يشينهم ويضعهم في أبشع صورة، فلماذا لم يحدثنا أحد عنهم إلا بما هو مزر ومشين؟!
لماذا أكثر الملتزمين إذا سمعوا بمثل هؤلاء ((بشر الحافي))، ((الجيلاني))، ((الجنيد))، يسارع إلى كراهيتهم والحقد عليهم دون أن يعرفهم؟!
ولعل ذلك مما غلب على المتصوفة في آخر الزمان، وما نسمعه عنهم من أنهم يعبدون عليًا وأنهم ينزلون أئمتهم منزلة الآلهة، وأنهم يقولون بالحلول.. الخ
قال الحافظ الذهبي - رحمه الله -: ((الطَّرِيْقَةُ المُثْلَى هِيَ المُحَمَّدِيَّةُ، وَهُوَ الأَخْذُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَتَنَاوُلُ الشَّهَوَاتِ المُبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ، كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: "يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ، كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً"[المُؤْمِنُوْنَ: 51].
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -: «لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُوْمُ وَأَنَامُ، وَآتِي النِّسَاءَ، وَآكُلُ اللَّحْمَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي» ، فَلَمْ يَشْرَعْ لَنَا الرَّهْبَانِيَّةَ، وَلاَ التَّمَزُّقَ وَلا الوِصَالَ، بَلْ وَلا صَوْمَ الدَّهْرِ، وَدِيْنُ الإِسْلاَمِ يُسْرٌ وَحَنِيْفِيَّةٌ سَمْحَةٌ، فَلْيَأْكُلِ المُسْلِمُ مِنَ الطَّيِّبِ إِذَا أَمْكَنَهُ، كَمَا قَالَ - تعالى -: "لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ"[الطَّلاَقُ: 7]، وَقَدْ كَانَ النِّسَاءُ أَحَبَّ شَيْءٍ إِلَى نَبِيِّنَا - وَكَذَلِكَ اللَّحْمُ وَالحَلْوَاءُ وَالعَسَلُ وَالشَّرَابُ الحُلْوُ البَارِدُ وَالمِسْكُ، وَهُوَ أَفْضَلُ الخَلْقِ وَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللهِ - تعالى -. فَالعَابِدُ العَرِيُّ مِنَ العِلْمِ، مَتَى زَهَدَ وَتبتَّلَ وَجَاعَ، وَخَلاَ بِنَفْسِهِ، وَتَرَكَ اللَّحْمَ وَالثِّمَارَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الدُّقَّةِ وَالكِسْرَةِ، صَفَتْ حَوَاسُّهُ وَلَطُفَتْ، وَلاَزَمَتْهُ خَطَرَاتُ النَّفْسِ، وَسَمِعَ خِطَاباً يَتَوَلَّدُ مِنَ الجُوْعِ وَالسَّهَرِ، لاَ وُجُوْدَ لِذَلِكَ الخَطَابِ -وَاللهِ- فِي الخَارِجِ، وَوَلَجَ الشَّيْطَانُ فِي بَاطِنِهِ وَخَرَجَ، فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ، وَخُوْطِبَ وَارْتَقَى، فَيَتَمَكَّنُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ، وَيُوَسْوِسُ لَهُ، فَيَنْظُرُ إِلَى المُؤْمِنِيْنَ بِعَيْنِ الازْدِرَاءِ، وَيَتَذَكَّرُ ذُنُوبَهُم، وَيَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الكَمَالِ، وَرُبَّمَا آلَ بِهِ الأَمْرُ إِلَى أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ وَلِيٌّ، صَاحِبُ كَرَامَاتٍ وَتَمَكُّنٍ، وَرُبَّمَا حَصَلَ لَهُ شَكٌّ، وَتَزَلْزَلَ إِيْمَانُهُ.
فَالخَلْوَةُ وَالجُوْعُ أَبُو جَادِ التَّرهُّبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرِيْعَتِنَا فِي شَيْءٍ. بَلَى، السُّلُوْكُ الكَامِلُ هُوَ الوَرَعُ فِي القُوْتِ، وَالوَرَعُ فِي المَنْطِقِ، وَحِفْظُ اللِّسَانِ، وَمُلاَزَمَةُ الذِّكْرِ، وَتَرْكُ مُخَالَطَةِ العَامَّةِ، وَالبُكَاءُ عَلَى الخَطِيْئَةِ، وَالتِّلاَوَةُ بِالتَّرْتِيْلِ وَالتَّدَبُّرِ، وَمَقْتُ النَّفْسِ وَذَمُّهَا فِي ذَاتِ اللهِ، وَالإِكْثَارُ مِنَ الصَّوْمِ المَشْرُوْعِ، وَدَوَامُ التَّهَجُّدِ، وَالتَّوَاضُعُ لِلْمُسْلِمِيْنَ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَالسَّمَاحَةُ وَكَثْرَةُ البِشْرِ، وَالإِنْفَاقُ مَعَ الخَصَاصَةِ، وَقَوْلُ الحَقِّ المُرِّ بِرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ، وَالأَمْرُ بِالعُرْفِ، وَالأَخْذُ بِالعَفْوِ، وَالإِعْرَاضُ عَنِ الجَاهِلِيْنَ، وَالرِّبَاطُ بِالثَّغْرِ، وَجِهَادُ العَدُوِّ، وَحَجُّ البَيْتِ، وَتَنَاوُلُ الطَّيِّبَاتِ فِي الأَحَايِيْنِ، وَكَثْرَةُ الاسْتِغْفَارِ فِي السَّحَرِ، فَهَذِهِ شَمَائِلُ الأَوْلِيَاءِ، وَصِفَاتُ المُحَمَّدِيِّيْنَ - أَمَاتَنَا اللهُ عَلَى مَحَبَّتِهِم)).
 

يوسف بن سليمان

مزمار داوُدي
10 أغسطس 2008
9,134
542
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
ياسر الدوسري
رد: ۩ ۞ ملــــــــــــــ(التــصـتوف)ــــــــــــــــــــــ ـــف شامل ۞ ۩-للثبيث-

الله يجزاك الجنة
 

مغربي الأصل

مزمار ذهبي
19 أبريل 2009
1,056
2
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
عبد الباسط عبد الصمد
رد: ۩ ۞ ملــــــــــــــ(التــصـتوف)ــــــــــــــــــــــ ـــف شامل ۞ ۩-للثبيث-

الله يجزاك الجنة
شكرا لمرورك على موضوعي وهذا شرف لي ووسام على صدري
 

ماجــد

مزمار داوُدي
1 أكتوبر 2008
6,377
21
0
الجنس
ذكر
رد: ۩ ۞ ملــــــــــــــ(التــصـتوف)ــــــــــــــــــــــ ـــف شامل ۞ ۩-للثبيث-

بورك فيك أخي..
 

المراقب العام

مراقب عام
مراقب عام
3 يوليو 2007
500
6
18
الجنس
ذكر
رد: ۩ ۞ ملــــــــــــــ(التــصـتوف)ــــــــــــــــــــــ ـــف شامل ۞ ۩-للثبيث-

مخالف لشروط الكتابة وقوانين المنتدى ويُرجى مراجعتها قبل الكتابة أعلى الصفحة

(مزامير)
 
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع