- 6 يونيو 2008
- 2,850
- 27
- 0
- الجنس
- ذكر
العدد السبت16ربيع آخر 1431هـ
المحررون
رضا الجنايني - ابنة اليم-ندا عبد المحسن
رضا الجنايني - ابنة اليم-ندا عبد المحسن
*******************************************
كلمة العدد
حسن الخلق
يقول الشيخ محمد العريفي
حسن الخلق
يقول الشيخ محمد العريفي
:إن الله عز وجل لما امتدح نبيه r في كتابه الكريم قال: ] وإنك لعلى خلق عظيم [ وقال تعالى في مدح فريق من المؤمنين: ] والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين [ وكل هذا مدح لحسن الخلق، وإعلاء لقدره ومرتبه.. لذا قال أنس بن مالك t: " كان رسول الله r أحسن الناس خلقاً " متفق عليه. وقال t: ولقد خدمت رسول الله r عشر سنين فما قال لي قط: أفّ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيءٍ لم أفعله: ألا فعلت كذا؟. متفق عليه. وقال r: "ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء ". رواه الترمذي عن أبي الدرداء. ولما سئل r عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: " تقوى الله وحسن الخلق ". ولما سئل عن أكثر ما يدخل الناس النار قال: " الفم والفرج " رواه الترمذي عن أبي هريرة. وقال r: " أنا زعيم لبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه " رواه أبو داود عن أبي أمامة الباهلي وقال r: " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً". وكان من دعائه r أن يقول:" اللهم اهدني إلى أحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت ". رواه مسلم عن علي. وأول من يتضرر بسوء الخلق هو صاحبه، لما يلاقيه من بغض الناس له وكراهيتهم مصاحبته، قال الحسن البصري رحمه الله: " من ساء خُلُقُـه عذّب نفسه"، وقال الفضيل بن عياض :" لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيء الخلق". وصحب ابن المبارك رجلاً سيئ الخلق في سفر فكان ابن المبارك يحتمله ويداريه، فلما فارقه بكى ابن المبارك فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: بكيتُه رحمةً به، فارقته وخلقه السيئ لم يفارقه. وحسن الخلق يرفع صاحبه في الدنيا ويرزقه محبة الناس واحترامهم، ويرفع درجته في الآخرة ويثقل ميزان عمله الصالح، قال r:" إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ". نسأل الله تعالى أن يزين أخلاقنا ويكسونا حلة الإيمان إلى يوم نلقاه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.. الخطبة الثانية الحمد لله الولي الحميد، الفعال لما يريد، أحمده سبحانه وأشكره وعد من شكره بالمزيد، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسيلماً كثيراً. أما بعد، أيها الأخوة في الله: تكلم بعض العلماء بكلام جامع بيّن فيه حقيقة حسن الخلق فقال: هو أن يكون الرجل كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمـل، قليل الزلل، قليل الفضول، براً وصولاً، وقوراً صبوراً رضياً حليماً، رفيقاً عفيفاً شفيقاً، لا لعاناً ولا سباباً ولا نماماً ولا مغتاباً، ولا عجولاً ولا حقوداً، ولا بخيلاً ولا حسوداً، بشاشًا هشاشاً، يحب في الله، ويبغض في الله، ويرضى في الله، ويغضب في الله، فهذا هو حسن الخلق. وقال ابن المبارك رحمه الله: حسن الخلق: طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكفّ الأذى، وقال الحسن البصري: حسن الخلق: بسط الوجه وبذل الندى وكف الأذى. وحسن الخلق أيها الأخوة الكرام: قد ذهب والله بخيري الدنيا والآخرة. ففي الدنيا يحبه الناس ويقدرونه ويحترمونه ويوالونه، وفي الآخرة يثقل ميزانه ويجلب رضا الرحمن.. نسأل الله أن يهدينا لأحسن الأخلاق والأقوال والأفعال، وأن يصرف عنها لا يصرف عنا سيئها إلا هو. اللهم إنا نسألك من خيري الدنيا والآخرة، ونسألك المعافاة والعافية الدائمة، ونسألك أن تجعلنا أحب عبادك إليك يا ذا الجلال والإكرام، ( اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا لا للذين آمنوا واغفر ربنا إنك رؤوف رحيم). اللهم وأصلح أحوال المسلمين.. أقم الصلاة..
****************************************************
من أبداع الأعضاء
أخترت لكم كلمات أدبية مبدعه ذو نسق مصاغ في جمل لها رونق يأخذ بالألباب
ولعلى هنا أدعو جميع من يمتلك الموهبه في الكتابة أن يشاركنا في أصدار هذه الصحيفة
كي تحمل الصحيفة آراءا
متعدده وتيارات مختلفه تضفي كل جديد في عالم الإبداع
مختارات من أبداع الأخت : ندا عبد المحسن
|--*¨®¨*--|خلف الأضلاع |--*¨®¨*--|
قلب نابض .. يتدفق من أفواهه نبضات حزينة وأخرى سعيدة
يتمزق من شهيق الجرح .. يتجزأ من الألم .. يتحطم من خروم الحزن
يبقى قيد الإنشاء .. مع استعداده للاندثار بأي لحظة ضعف من عضلة القلب
يصرخ بنغزات متوترة في جوف الصدر ... يقول " كفى " ,,, كفاني حياة البؤس
يتمزق من شهيق الجرح .. يتجزأ من الألم .. يتحطم من خروم الحزن
يبقى قيد الإنشاء .. مع استعداده للاندثار بأي لحظة ضعف من عضلة القلب
يصرخ بنغزات متوترة في جوف الصدر ... يقول " كفى " ,,, كفاني حياة البؤس
|--*¨®¨*--|خلف النظرات|--*¨®¨*--|
نفوس قابعة تحتمل النقاش .. ولا تحتمل الوقوع فريسة للضعف
ورمش متثاقل .. ونظرة بآخر زاوية العين .. وحاجب مرتفع بإعوجاج
ونظرة ما بين الجفنين .. تجعلك مقتول التساؤلات لما يناظرني كذلك ؟!!
ليس المهم لما يناظرك كذلك .. الأهم ماذا يخفي لك وراء تلك النظرة ؟؟
ورمش متثاقل .. ونظرة بآخر زاوية العين .. وحاجب مرتفع بإعوجاج
ونظرة ما بين الجفنين .. تجعلك مقتول التساؤلات لما يناظرني كذلك ؟!!
ليس المهم لما يناظرك كذلك .. الأهم ماذا يخفي لك وراء تلك النظرة ؟؟
|--*¨®¨*--|خلف الليل|--*¨®¨*--|
ماذا خلف آخر الليل ,,,, نور يأتي يستبشر الأمل
وماذا خلف النور ,,,,, ظلام يأتي ليكسو النور والأمل
أرواحنا كالليل والنور ,,
حينما نميل لليل على وسادة اهترأت من دموع العين راغبين بأمل بعيد
ولا نستطيع الوصول إليه ,,, وفجأة تأتي لحظة سعادة محققة للأمل .. فتمتلئ الحياة نورا ً
وكالظلام نحن حينما نيأس نجعل الحياة سوداء .. تعمى البصيرة تماما ً
نلهث وراء التشاؤم الأزلي ,, ونفتقد روح الطموح ,,, لنجعل حياتنا ظلام دامس
وماذا خلف النور ,,,,, ظلام يأتي ليكسو النور والأمل
أرواحنا كالليل والنور ,,
حينما نميل لليل على وسادة اهترأت من دموع العين راغبين بأمل بعيد
ولا نستطيع الوصول إليه ,,, وفجأة تأتي لحظة سعادة محققة للأمل .. فتمتلئ الحياة نورا ً
وكالظلام نحن حينما نيأس نجعل الحياة سوداء .. تعمى البصيرة تماما ً
نلهث وراء التشاؤم الأزلي ,, ونفتقد روح الطموح ,,, لنجعل حياتنا ظلام دامس
|--*¨®¨*--|خلف الموج|--*¨®¨*--|
خلف الموج انكسارات .. وخلف التيار اعصار .. وخلف البحر غرق
وخلف الشواطئ نفوس لا تتدبر ولا تتأمل قدرة القادر ..
وخلف الشواطئ نفوس لا تتدبر ولا تتأمل قدرة القادر ..
|--*¨®¨*--|خلف الحوادث |--*¨®¨*--|
خلف الحوادث رسالة .. تثير الضمائر .. لتستفيق العقول
لنبدأ بالكلام بدل الصمت .. ولنعي مدى انغماس أقدامنا بالخطأ والصواب
لنبدأ بالكلام بدل الصمت .. ولنعي مدى انغماس أقدامنا بالخطأ والصواب
|--*¨®¨*--|خلف سنين العمر|--*¨®¨*--|
حينما نكبر ونكون نحن العجزة ,,,
ونأتي للمستشفى لنراجع كالعادة ,,,
ولا نجد من يأتي معنا .. سوى خادمة / خادم ,, يحرك الكرسي الذي نجلس عليه
أقسم بأني شاهدت الكثير من كبار السن يأتون للمستشفيات مع خدمهم
ولا يعلمون أولادهم عنهم ,,, ورأيت الكثير من الخدم من ينتهز الفرصة
ويعاملون كبير السن ببطش وعجرفة .. ولا يرحمونهم ..
ورأيت من يتعدى جسديا على كبار السن بالضرب المبرح .. والتعذيب ,,
فقط تذكر .. لك يوم تشيب فيه .. وتجد ما وجده ابواك
وتذكر كم كنت طفلا صغيرا ً ولم يستطيعوا حكمك بمسك حقيبتك او شرب حليبك وتحملوك
وكان بإمكانهم أن يلقوك منذ الصغر تسرح بالشوارع ..
ولكن عرفوا بأنك سوف تكون خير ونيس بآخر العمر .. والابن البار
فلا تكون الولد التعيس الذي يلقي ابواه للخدم او ديار العجزة ..
تتفطر أعيني دما ً ودمعا ً لهكذا موقف ...
ونأتي للمستشفى لنراجع كالعادة ,,,
ولا نجد من يأتي معنا .. سوى خادمة / خادم ,, يحرك الكرسي الذي نجلس عليه
أقسم بأني شاهدت الكثير من كبار السن يأتون للمستشفيات مع خدمهم
ولا يعلمون أولادهم عنهم ,,, ورأيت الكثير من الخدم من ينتهز الفرصة
ويعاملون كبير السن ببطش وعجرفة .. ولا يرحمونهم ..
ورأيت من يتعدى جسديا على كبار السن بالضرب المبرح .. والتعذيب ,,
فقط تذكر .. لك يوم تشيب فيه .. وتجد ما وجده ابواك
وتذكر كم كنت طفلا صغيرا ً ولم يستطيعوا حكمك بمسك حقيبتك او شرب حليبك وتحملوك
وكان بإمكانهم أن يلقوك منذ الصغر تسرح بالشوارع ..
ولكن عرفوا بأنك سوف تكون خير ونيس بآخر العمر .. والابن البار
فلا تكون الولد التعيس الذي يلقي ابواه للخدم او ديار العجزة ..
تتفطر أعيني دما ً ودمعا ً لهكذا موقف ...
|--*¨®¨*--|خلف الحروف|--*¨®¨*--|
خلف الحروف قلب مشطور النصفين ..
ملاصق لقلم يترجم الحياة لواقع
باختصار من وراء هذا الحروف ؟ _______
ملاصق لقلم يترجم الحياة لواقع
باختصار من وراء هذا الحروف ؟ _______
**************************************************
تقرير العدد
القرآن أعجز العرب والغرب
القرآن أعجز العرب والغرب
ي كل عصرٍ ومصرٍ، لا يتجردـ عن كل هوى وكبر وتبعية وشرك الخ ـ لهذا القرآن الكريم متجرد، بشراً كان أم جناً، عرباً كان أم عجماً، إلا وتأثر به تأثراً فائقاً وعجيباً. ومن ثم يؤمن به من يؤمن، فيفلح ويفوز فوزا عظيماً، ويعرض عنه من يعرض، فيخيب ويخسر خسراناً مبيناً.
لله در أمُنا أم المؤمنين "خديجة بنت خويلد" رضي الله عنها، و"علي بن أبي طالب"، و"زيد بن حارثة"، و"أبو بكر الصديق"، و"عثمان بن عفان"، و"الزبير بن العوام"، و"عبد الرحمن بن عوف"، و"سعد بن أبي وقاص" وغيرهم رضي الله عنهم جميعاً، الذين كانوا من أوائل المبادرين إلى الإسلام، والمسارعين إلى الإيمان بما نزل على رسولنا صلى الله عليه وسلم، المقبلين ـ بعقولهم وقلوبهم، وأرواحهم ونفوسهم ـ على مآدبة الله تعالى، المستمسكين بحبله المتين، ونوره المبين، ففازوا بشرف السبق، وحظوا بسعادة الدنيا، وحسن ثواب الآخرة.
على الجانب الآخر، فيما يرويه "ابن هشام" عن "ابن اسحاق"، أن "عتبة بن ربيعة"، وضمن "سياسة المفاوضات" وعرضهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: المال والشرف والمُلك والتطبيب ليكف عنهم دعوته، فقال له صلى الله عليه وسلم: أفرغت يا أبا الوليد؟، قال نعم.. قال فأسمع مني، ثم قال:" بسم الله الرحمن الرحيم، حم، تَنزِيلٌ مِنْ الرحمن الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ، قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ"(فصلت:1-6)..ثم مضي رسول الله في القراءة، و"عتبة" يسمع حتى وصل إلى قوله تعالى:"فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ"(فصلت:13)، فأمسك "عتبة" بفيه وناشده الرحم أن يكف عن القراءة، خوفاً مما تضمنته الآية من تهديد (وقد قتل "عتبة" مشركاً في غزوة بدر الكبرى). وعاد "عتبة" إلى أصحابه يقول: "إني سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ماهو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة... وليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم...وهذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم"، [1].
وفي ذات "السياق التفاوضي"، يروي الطبري، وابن كثير وغيرهما أن" نفرا من المشركين فيهم "الوليد بن المغيرة"، و"العاص بن وائل" جاؤوا فعرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المال ليكون أغناهم، والزواج من أجمل أبكارهم، على أن يترك دعوته.. وقالوا تعبد آلهتنا يوماً ونعبد إلهك يوماً، فنزلت:" قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"(الكافرون:1-6) "
وأخرج اسحاق بن راهويه عن "ابن عباس" رضي الله عنهما أن "الوليد بن المغيرة" جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له. فعاتب "أبو جهل" "الوليد" في هذا، وطلب منه: "قولاً يبلغ قومك أنك مُنكر له". فقال الوليد:" ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله..إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مُغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته". فلما ألح عليه قام يفكر، فقال: "إن هذا إلا سحر يؤثر، يأثره عن غيره" فنزلت: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ"(المدثر11-25) [2].
وبعيداً عن " السياق التفاوضي " ومحاولات الترغيب والترهيب، لإثناء الرسول صلى الله عليه وسلم عن دعوته كان فطاحل قريش كثيراً ما يسترقون السمع ليشنفوا أذانهم بأيي الذكر الحكيم، فيتعاهدون على عدم العود لتكرار ذلك، فتخونهم نفوسهم التي تهفو إلى سماع الحق .. كلام الله رب العالمين.
والجن تعلن:"إنا سمعنا قرآناً عجباً"
كان ما سبق نماذج، من جانب البشر، مؤمنة بالقرآن الكريم، وأخرى غير مؤمنة، لكنها في قرارة نفسها متأثرة به أيما تأثر، وتعلم حقيقة كونه ليس كلاماً من كلام البشر". ولا يغيب عنا في هذا السياق تأثر الجن به، فـ (هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً)"، يقول تعالى:(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ،يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الأحقاف:29-32)، ويقول تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) (الجن1-2) [3].
القرآن الكريم، وأثره على شعراء وأدباء روس
على الجانب الآخر، فيما يرويه "ابن هشام" عن "ابن اسحاق"، أن "عتبة بن ربيعة"، وضمن "سياسة المفاوضات" وعرضهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: المال والشرف والمُلك والتطبيب ليكف عنهم دعوته، فقال له صلى الله عليه وسلم: أفرغت يا أبا الوليد؟، قال نعم.. قال فأسمع مني، ثم قال:" بسم الله الرحمن الرحيم، حم، تَنزِيلٌ مِنْ الرحمن الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ، قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ"(فصلت:1-6)..ثم مضي رسول الله في القراءة، و"عتبة" يسمع حتى وصل إلى قوله تعالى:"فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ"(فصلت:13)، فأمسك "عتبة" بفيه وناشده الرحم أن يكف عن القراءة، خوفاً مما تضمنته الآية من تهديد (وقد قتل "عتبة" مشركاً في غزوة بدر الكبرى). وعاد "عتبة" إلى أصحابه يقول: "إني سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ماهو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة... وليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم...وهذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم"، [1].
وفي ذات "السياق التفاوضي"، يروي الطبري، وابن كثير وغيرهما أن" نفرا من المشركين فيهم "الوليد بن المغيرة"، و"العاص بن وائل" جاؤوا فعرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المال ليكون أغناهم، والزواج من أجمل أبكارهم، على أن يترك دعوته.. وقالوا تعبد آلهتنا يوماً ونعبد إلهك يوماً، فنزلت:" قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"(الكافرون:1-6) "
وأخرج اسحاق بن راهويه عن "ابن عباس" رضي الله عنهما أن "الوليد بن المغيرة" جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له. فعاتب "أبو جهل" "الوليد" في هذا، وطلب منه: "قولاً يبلغ قومك أنك مُنكر له". فقال الوليد:" ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله..إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مُغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته". فلما ألح عليه قام يفكر، فقال: "إن هذا إلا سحر يؤثر، يأثره عن غيره" فنزلت: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ"(المدثر11-25) [2].
وبعيداً عن " السياق التفاوضي " ومحاولات الترغيب والترهيب، لإثناء الرسول صلى الله عليه وسلم عن دعوته كان فطاحل قريش كثيراً ما يسترقون السمع ليشنفوا أذانهم بأيي الذكر الحكيم، فيتعاهدون على عدم العود لتكرار ذلك، فتخونهم نفوسهم التي تهفو إلى سماع الحق .. كلام الله رب العالمين.
والجن تعلن:"إنا سمعنا قرآناً عجباً"
كان ما سبق نماذج، من جانب البشر، مؤمنة بالقرآن الكريم، وأخرى غير مؤمنة، لكنها في قرارة نفسها متأثرة به أيما تأثر، وتعلم حقيقة كونه ليس كلاماً من كلام البشر". ولا يغيب عنا في هذا السياق تأثر الجن به، فـ (هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً)"، يقول تعالى:(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ،يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الأحقاف:29-32)، ويقول تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) (الجن1-2) [3].
القرآن الكريم، وأثره على شعراء وأدباء روس
صورة لإلكسندر بوشكين
بين ترجمة "فيريفكين" لمعاني القرآن التي سماها: "قرآن محمد العربي الذي ادّعى في القرن السادس أنه أُنزل إليه، وأعلن نفسه آخر أنبياء الله وأعظمهم"، وبين إعجاب "إلكسندر بوشكين" "أمير الشعراء الروس" صاحب "قبسات من القرآن":"إن الكثير من القيم الأخلاقية موجزة فى القرآن في قوة وشاعرية"، وكذلك قول "إيفان بونين":"افتح إذن ذلك الخالد فوق الصحراء، فوق الأرض، في المساء المعتم بالزرقة، كتاب النجوم السماوية: قرآننا"،.. يبرز السؤال: ما هي ملامح تعامل وتأثر الشعراء والأدباء الروس (وبخاصة بوشكين، وبونين) مع القرآن الكريم؟.
تعتبر روسيا قريبة نسبياً من الشرق العربي الإسلامي، وكانت بدايات تعرفها على الإسلام عن طريق العلاقات التجاريـة والدبلوماسية بالبلغار على نهـر الفولغا، وخُوارزم، وباب الأبواب (دربند)، ومـا وراء النهر، والذين أعتنقوا الإسلام ديناً رسمياً سنة 922م. كما تمكنت روسيا من ربط أواصر علاقاتها بالشرق العربي الإسلامي منذ نشأة أول دولة روسية، نهاية ذلك القرن التاسع الميلادي، حيث تستند المصادر التاريخية الروسية في وصف تلك الدولة الناشئة على مصادر عربية قديمة [4].
ومع توالي السنين اتسع مجال التواصل الثقافي والحضاري عبر جسور العلاقات التجارية، والرحالة والرحلات، والبعثات العلمية والدينية (الحج)، والاستشراق العلمي، والترجمة والصحافة الخ، مما شكلت جانباً هاماً في تاريخ روسيا وثقافتها وآدابها.
وكالعادة مثلت الترجمة أهم جسور التواصل تلك، وشكلت ترجمة معاني القرآن الكريم مكان الصدارة من بين صنوف الترجمات الروسية. وكانت الترجمات الأولي لمعاني القرآن الكريم تتم عن من خلال لغات أوربية وسيطة، ومن ثم أمكن ترجمة معانيه من الأصل العربي بعد تكوين مترجمين روس درسوا العربية، فاصبح القرآن الكريم عاملاُ حيوياً هاماً لفَهْم مراحل العلاقات بين روسيا والإتحاد السوفيتي، والعالم الإسلامي[5].
كان عنوان أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم قام بها المترجم "بوسنيكوف" عام 1716م:"القرآن عن محمد، أو القانون التركي". وقد ظهرت هذه الترجمة نقلاً عن أخرى فرنسية أنجزها المستشرق الفرنسي "دي يوري" عام 1647م. لكن كبير المستشرقين الروس "اغناطيوس كراتشكوفسكي"(1883-1951م) قد أثار شكوكاً حول مدى الصدق والدقة والموضوعية في ترجمة"بوسنيكوف"، ورأى فيها:"أخطاء كثيرة جداً، ومع ذلك لا يجب التقليل من شأنها نظراً لأهمية الحدث نفسه".
ويُعد " كراتشكوفيسكي" من أبرز المختصين بالدراسات العربية، فهو طود شامخ في الإستشراق. الذي وقد شغف منذ صغره بدراسة اللغة العربية، ظهرت ميوله نحو دراسة الشرقيات سنة 1901م حيث التحق بكلية اللغات الشرقيّة في جامعة سان بطرسبرغ. فدرس اللغة العبرية والحبشيّة، وضرب بسهم وافر في اللغتين الفارسية والتركية – التتارية، كما رحل إلى الشرق باحثاً ومستطلعاً، وزار كلاً من مصر وسوريا وفلسطين، فأطلع على خزائن كتبها، وتعرف إلى علمائها وأدبائها. ثم عاد إلى بلاده وعين أستاذاً للعربية. كما قام بدراسة تاريخ الشرق الإسلامي، وعلم اللغة العامة وتاريخ الأدب العام وعلاوة على ذلك درس "اللـهجة الشامية" على يد أستاذ لبناني هو "أنطون خشاب"[6].
ولعل بداية الاهتمام الفعلي بالثقافة العربية الإسلامية كان على عهد "بطرس" الأول، و"كاترينا" الثانية حيث ظهر العديد من المجلات الثقافية الروسية متضمنة أخبار العلوم والفلسفة والحكم والطرائف العربية، وأدرجت اللغة العربية كإحدى اللغات الرئيسية إلى جانب الفرنسية والانجليزية والألمانية.
ومع نهاية القرن الثامن عشر، وبتشجيع من "كاتيرنا" الثانية التي كانت "تود نشر القرآن الكريم بين السكان المسلمين في روسيا، وتأمل في الإعتماد عليه في أهدافها السياسية وحروبها مع تركيا". ومن المعلوم أنه عندما تتدخل مصالح الدولة في شأن الترجمة، وفي مجال الاستشراق تصبح التوجهات والأهداف والنتائج منوطة بالسياسيين لا بالمترجمين أو المستشرقين[7]. وفي "بطرسبرج" ظهرت طبعة للقرآن الكريم باللغة العربية، وقد اشرف وعلق عليها الملاّ "عثمان إبراهيم", كما أعيدت طباعته في الأعوام 1789م، 1790م، 1796م،1798م[8].
وبنهاية هذا القرن ظهرت أيضاً ترجمتان جديدتان لمعاني القرآن الكريم بالروسية وحازتا تقدير "كراتشكوفسكي" الذي رأي فيهما:"حدثا تاريخياً بالغ الأهمية في تاريخ الثقافة الروسية، ومستوى أعلى من الترجمات السابقة". ولقد حفزت الترجمات الروسية لمعاني القرآن الكريم في صدور مؤلفات تتناول شرح القرآن الكريم ومن ابرزها كتاب المترجم (ب. بوجدانيفيتش) بعنوان "محمد والقرآن"، وقد لاقى نجاحاً، وأعيد طبعة مرات [9].
لقد تركت ترجمة "فيريفكين" لمعاني القرآن سنة 1790م أثراً كبـيراً في تاريخ الأدب الروسي. وكان "فيريفكين"(1732- 1795م)، المدير الأول للمدرسة الثانوية في قازان، والأديب البارز الذي أجاد عدة لغات، قد أنجز ترجمته التي سماها:"قرآن محمد العربي الذي ادّعى في القرن السادس أنه أُنزل إليه، وأعلن نفسه آخر أنبياء الله وأعظمهم". وكانت هذه الترجمة مأخوذة أيضاً عن الترجمة الفرنسية لـ "دي يوري". لكن قبل ترجمته لمعاني القرآن قد ترجم كتاب "تاريخ الإمبراطورية العثمانية" لرئيس دَير كاثوليكي يسمى "مينيو"، وكتاب "الصورة الكاملة للإمبراطورية العثمانية" لإجناس دي أوسّون.
"الكسندر بوشكين"..و"قبسات من القرآن"
على الرغم من اعترافه بأن ترجمة "فيريفكين" هي أول الكتب الدينية التي أذهلت عقله، بيد أنه لم يَنْصَعْ لتأثير عنوانها، ولا للمقال المختصر الملحق بها: "سيرة المتنبئ الكذاب محمد" لأمين مكتبة سوربونا، ورئيس دَير كاثوليكي "لادفوكات". بل لقد ذكر الشاعر الروسي الكبير "الكسندر بوشكين" (1799- 1837م):"إن المتكلم في القرآن باللغة العربية هو الله، وأن محمداً إنما هو شخص مُخاطب".
ولقد حَفَزَتْه تلك الترجمة على نظم قصيائده التسع، والمكونة من 174 شطرا "قبسات من القرآن" عام (1824م) [10]. وهي تعكس المكانة الهامة التي أحدثها القرآن الكريم في التطور الروحي لـ"بوشكين"، حيث ظهر فيها إعجابه بأسلوب القرآن وفصاحته وبيانه [11]، ورأى أن:"الكثير من القيم الأخلاقية موجزة في القرآن في قوة وشاعرية" [12]. فبعد قيامه بتبسيط اللغة الروسية عمد إلى طرح مواضيع القرآن الكريم ليقدمها شعراً إلى الناس ليتسنى لهم فهمها والاستفادة منها.
ومع توالي السنين اتسع مجال التواصل الثقافي والحضاري عبر جسور العلاقات التجارية، والرحالة والرحلات، والبعثات العلمية والدينية (الحج)، والاستشراق العلمي، والترجمة والصحافة الخ، مما شكلت جانباً هاماً في تاريخ روسيا وثقافتها وآدابها.
وكالعادة مثلت الترجمة أهم جسور التواصل تلك، وشكلت ترجمة معاني القرآن الكريم مكان الصدارة من بين صنوف الترجمات الروسية. وكانت الترجمات الأولي لمعاني القرآن الكريم تتم عن من خلال لغات أوربية وسيطة، ومن ثم أمكن ترجمة معانيه من الأصل العربي بعد تكوين مترجمين روس درسوا العربية، فاصبح القرآن الكريم عاملاُ حيوياً هاماً لفَهْم مراحل العلاقات بين روسيا والإتحاد السوفيتي، والعالم الإسلامي[5].
كان عنوان أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم قام بها المترجم "بوسنيكوف" عام 1716م:"القرآن عن محمد، أو القانون التركي". وقد ظهرت هذه الترجمة نقلاً عن أخرى فرنسية أنجزها المستشرق الفرنسي "دي يوري" عام 1647م. لكن كبير المستشرقين الروس "اغناطيوس كراتشكوفسكي"(1883-1951م) قد أثار شكوكاً حول مدى الصدق والدقة والموضوعية في ترجمة"بوسنيكوف"، ورأى فيها:"أخطاء كثيرة جداً، ومع ذلك لا يجب التقليل من شأنها نظراً لأهمية الحدث نفسه".
ويُعد " كراتشكوفيسكي" من أبرز المختصين بالدراسات العربية، فهو طود شامخ في الإستشراق. الذي وقد شغف منذ صغره بدراسة اللغة العربية، ظهرت ميوله نحو دراسة الشرقيات سنة 1901م حيث التحق بكلية اللغات الشرقيّة في جامعة سان بطرسبرغ. فدرس اللغة العبرية والحبشيّة، وضرب بسهم وافر في اللغتين الفارسية والتركية – التتارية، كما رحل إلى الشرق باحثاً ومستطلعاً، وزار كلاً من مصر وسوريا وفلسطين، فأطلع على خزائن كتبها، وتعرف إلى علمائها وأدبائها. ثم عاد إلى بلاده وعين أستاذاً للعربية. كما قام بدراسة تاريخ الشرق الإسلامي، وعلم اللغة العامة وتاريخ الأدب العام وعلاوة على ذلك درس "اللـهجة الشامية" على يد أستاذ لبناني هو "أنطون خشاب"[6].
ولعل بداية الاهتمام الفعلي بالثقافة العربية الإسلامية كان على عهد "بطرس" الأول، و"كاترينا" الثانية حيث ظهر العديد من المجلات الثقافية الروسية متضمنة أخبار العلوم والفلسفة والحكم والطرائف العربية، وأدرجت اللغة العربية كإحدى اللغات الرئيسية إلى جانب الفرنسية والانجليزية والألمانية.
ومع نهاية القرن الثامن عشر، وبتشجيع من "كاتيرنا" الثانية التي كانت "تود نشر القرآن الكريم بين السكان المسلمين في روسيا، وتأمل في الإعتماد عليه في أهدافها السياسية وحروبها مع تركيا". ومن المعلوم أنه عندما تتدخل مصالح الدولة في شأن الترجمة، وفي مجال الاستشراق تصبح التوجهات والأهداف والنتائج منوطة بالسياسيين لا بالمترجمين أو المستشرقين[7]. وفي "بطرسبرج" ظهرت طبعة للقرآن الكريم باللغة العربية، وقد اشرف وعلق عليها الملاّ "عثمان إبراهيم", كما أعيدت طباعته في الأعوام 1789م، 1790م، 1796م،1798م[8].
وبنهاية هذا القرن ظهرت أيضاً ترجمتان جديدتان لمعاني القرآن الكريم بالروسية وحازتا تقدير "كراتشكوفسكي" الذي رأي فيهما:"حدثا تاريخياً بالغ الأهمية في تاريخ الثقافة الروسية، ومستوى أعلى من الترجمات السابقة". ولقد حفزت الترجمات الروسية لمعاني القرآن الكريم في صدور مؤلفات تتناول شرح القرآن الكريم ومن ابرزها كتاب المترجم (ب. بوجدانيفيتش) بعنوان "محمد والقرآن"، وقد لاقى نجاحاً، وأعيد طبعة مرات [9].
لقد تركت ترجمة "فيريفكين" لمعاني القرآن سنة 1790م أثراً كبـيراً في تاريخ الأدب الروسي. وكان "فيريفكين"(1732- 1795م)، المدير الأول للمدرسة الثانوية في قازان، والأديب البارز الذي أجاد عدة لغات، قد أنجز ترجمته التي سماها:"قرآن محمد العربي الذي ادّعى في القرن السادس أنه أُنزل إليه، وأعلن نفسه آخر أنبياء الله وأعظمهم". وكانت هذه الترجمة مأخوذة أيضاً عن الترجمة الفرنسية لـ "دي يوري". لكن قبل ترجمته لمعاني القرآن قد ترجم كتاب "تاريخ الإمبراطورية العثمانية" لرئيس دَير كاثوليكي يسمى "مينيو"، وكتاب "الصورة الكاملة للإمبراطورية العثمانية" لإجناس دي أوسّون.
"الكسندر بوشكين"..و"قبسات من القرآن"
على الرغم من اعترافه بأن ترجمة "فيريفكين" هي أول الكتب الدينية التي أذهلت عقله، بيد أنه لم يَنْصَعْ لتأثير عنوانها، ولا للمقال المختصر الملحق بها: "سيرة المتنبئ الكذاب محمد" لأمين مكتبة سوربونا، ورئيس دَير كاثوليكي "لادفوكات". بل لقد ذكر الشاعر الروسي الكبير "الكسندر بوشكين" (1799- 1837م):"إن المتكلم في القرآن باللغة العربية هو الله، وأن محمداً إنما هو شخص مُخاطب".
ولقد حَفَزَتْه تلك الترجمة على نظم قصيائده التسع، والمكونة من 174 شطرا "قبسات من القرآن" عام (1824م) [10]. وهي تعكس المكانة الهامة التي أحدثها القرآن الكريم في التطور الروحي لـ"بوشكين"، حيث ظهر فيها إعجابه بأسلوب القرآن وفصاحته وبيانه [11]، ورأى أن:"الكثير من القيم الأخلاقية موجزة في القرآن في قوة وشاعرية" [12]. فبعد قيامه بتبسيط اللغة الروسية عمد إلى طرح مواضيع القرآن الكريم ليقدمها شعراً إلى الناس ليتسنى لهم فهمها والاستفادة منها.
أمير الشعراء الروس بوشكين
ففي قصيدته الأولى من "قبساته" يستهل "بوشكين" بالقسم القرآني المميز للعديد من سور القرآن الكريم، ثم يتبعه بمقطع يستلهم آيات من "سورة الضحى":(وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى..)(الضحى:1-3). يقول بوشكين واصفاً معاناة الرسول، وحزنه لفتور الوحي عنه:
أقسم بالشفع وبالوتر، وأقسم بالسيف وبمعركة الحق،
أقسم بالنجم الصباح، وأقسم بصلاة العشاء.
لا، لم أودعك.
ويصف بوشكين قصة الهجرة إلى المدينة، وتلك الإشارة إليها في الآية 40 من سورة التوبة:( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
يامن في ظل السكينة، دسست رأسه حباً،
وأخفيته من المطاردة الحادة
ألست أنا الذي رويتك في يوم قيظ بمياه الصحاري؟.
ألم أهب لسانك سلطة جبارة على العقول؟
أصمد إذن وأزدري الخداع.
وفي ختام القصيدة يعود لسورة الضحي:"فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ"(الضحى:9)، فيقول:
أحب اليتامى، وقرآني
وبشر المخلوقات المهتزة.
أما القصيدة الثانية فيبدو فيها متسقاً مع نفوره الشخصي من بهرجة النساء الأستقراطيات، وخروجهن عن الإحتشام، وافتقاد بعضهن لمعاني الوفاء والإخلاص الأسري. ومن المعلوم أن بوشكين قتل في مبارزة بالمسدسات مع غريمه الذي ربطت الشائعات بينه وبين زوجة الشاعر. ففي هذه القصيدة ينجلي تأثره بالنموذج الإسلامي، حيث أيات الحجاب، ونبذ التبرج، وشيوع العفة، وبخاصة الآيات (32-33) من سورة الأحزاب:(يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). وكذلك الآية 53 من نفس السورة: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) (الأحزاب:53). ففي صورة شعرية تستلهم ذلك المضمون، يقول "بوشكين":
إيه، يا زوجات الرسول الطاهرات،
إنكن تختلفن عن كل الزوجات: فحتى طيف الرذيلة مفزع لكن.
في الظل العذب للسكينة عشن في عفاف: فقد علق بكن حجاب الشابة العذراء.
حافظن على قلوب وفية، من أجل هناء الشرعيين والخجلي،
ونظرة الكفار الماكرة، لا تجعلنها تبصر وجوهكن.
أما أنتم يا ضيوف محمد وأنتم تتقاطرون على أمسياته،
احذروا فبهرجة الدنيا تكدر رسولنا.
فهو لا يحب الثرثارين وكلمات غير المتواضعين والفارغين:
شرفوا مأدبته في خشوع، وانحنوا في أدب:
لزوجاته الشابات المحكومات.
يحتفي بوشكين بقيم التواضع، وحسن التعامل مع البسطاء، واحترام الكرامة الإنسانية بقطع النظر عن المكانة الإجتماعية. ويبدو ذلك جلياً في القصيدة الثالثة التي يستلهمها من "سورة عبس (الآيات:1-10):(عَبَسَ وَتَوَلَّى،أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى،أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى)، حيث معاتبة الله تعالى لنبيه لإنشغاله بصناديد قريش (يرجو اسلامهم)، عن "عبد الله بن أم متكوم"، ذلك الأعمى الذي جاء الرسول سال عن شيء، ويلح في ذلك، فعبس الرسول في وجهه، وأعرض عنه [13]:
وتجهم الرسول، وهو يتململ بعد أن أحس دنو الأعمى:
ويسرع، لكن الرسول لا يقدر أن يظهر له الحيرة.
لأنه مع الكتاب السماوي معطي وثيقة لك يارسول، لا للخارجين،
بشر بالقرآن في سكينة، دون أن تجبر الكفار!.
ثم يعقب ذلك استلهامه لآيات السورة ذاتها (17-31) التي تدعو إلى التامل في الكون كبرهان على وجود الله : (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ، فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا).
علام يتغطرس الإنسان؟. على أنه جاء إلى الدنيا عارياً
على أنه يستنشق دهراً قصيراً،
وأنه سيموت ضعيفاً، مثلما ولد ضعيفاً.
ألا يعلم أن الله سيميته، ويبعثه بمشيئته؟
وإن السماء ترعي أيامه، في السعادة وفي القدر الأليم؟
ألا يعلم أن الله وهبه الثمار، والخبز، والتمر، والزيتون
ثم بارك جهوده، فوهبه البستان، والتل، والحقل؟.
ونراه ـ وتحت ظروفه النفسية والمنعطف الروحي الذي كان يمر به وقت كتابته "القبسات"، ينتقل من شك إلى إيمان، ويستلهم مشهد القيامة من آيات سورة عبس: (فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، ترهقهَا قَتَرَةٌ، أوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) (عبس:33-42)، يقول بوشكين:
لكن الملاك سيعود مرتين،
وسيدوي على الآرض رعداً سماوياً:
وسيفر الأخ من أخيه، ويبتعد الابن عن أمه،
ويمثل الجميع أمام الله، صرعى من الرعب،
ويسقط الكفار يغطيهم اللهب والعفار.
أما في قصيدته الرابعة، فهناك حديث عن الإيمان، مستلهماً قصة النمرود ـ وقد استكبر بمُلكه ـ الذي جادل إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:257-258).
معك في القديم، يا قادر، يا عظيم توهم أن يتباري،
ممتلئاً بالكبرياء المجنونة، ولكن أنت يا إلهي، أفحمته،
أنت ( تقول): أنا أهب العالم الحياة، وأعاقب الأرض بالموت
فيدي مبسوطة على كل شيء.
وأنا كذلك،(أقول)، أهب الحياة، وأعاقب أيضاً بالموت:
فأنا يارب ند لك. لكن خيلاء الإثم خفتت
من كلمتك الغاضبة: سأرفع الشمس من المشرق،
فأرفعها أنت من المغرب.
التامل المادي في الكون دال على موضوع الألوهية، متوقفاً ـ في القصيدة الخامسةـ عند الآية (10) من سورة لقمان: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ). كذلك الآية (35) من سورة النور:(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(النور:35). ويرسم "بوشكين" صورته الشعرية بناء على معاني هاتين الآيتين قائلاً:
الأرض ساكنة ، والسماء بلا عمد، الخالق الذي نعتمد عليه،
لن يسقط السيل على اليابس، ولن يقهرنا وإياك.
لقد أضأت الشمس في الكون، وأضأت أيضاً السماء والأرض،
مثل نبتة كتنان تمتلئ بالزيت، تضيء في مصباح بلّوري،
صل للخالق فهو القادر، فهو يحكم الريح في يوم قائظ
ويرسل السحب إلى السماء، ويهب الأرض ظل الأشجار.
إنه الرحيم: قد كشف لمحمد القرآن الساطع،
فلننساب نحن أيضاً نحو النور، ولتسقط الغشاوة عن الأعين.
أما القصيدة السادسة "لبوشكين" فهي من أهم قصائده التي تعكس مكنوناته، واستلهامة نموذج البطولة الإسلامية، والقيادة والرعية، ونشدان العدل الحرية والمساواة بين طبقات الشعب الروسي، وقد كان في العام التالي (1825م) لظهور تلك القبسات قيام أنتفاضة الديسمبريين سعياً لإرساء تلك القيم. يقول بوشكين: ليس باطلا أن حلمت بكم في معركة ورؤسكم محلقة،
وسيوفكم مضرجة، في خنادق، وفي بروج، وعند الأسوار
إنصتوا إلي الدعوة المبتهجة، يا أبناء الصحاري الملتهبة!
سوقوا إلي السر الإماء الشابات، إقتسموا غنيمة الحرب!
لقد انتصرتم: فالمجد لكم، ويا للسخرية من ضعاف النفوس.
فنداء الحرب لم يلبوه، ولم يصدقوا الأحلام الرائعة.
وهم الآن في ندم، تفتنهم غنيمة الحرب
يقولون: خذونا معكم، لكنكم ستقولون: لن نأخذكم
الشهداء الساقطون في المعركة: هم الآن في الجنة،
يغرقون في نعيم، لا ينغصه شيء.
يبدو أن معنى النصر والحديث عن مغانم الحرب مقتبساً من عدد من الآيات منها: الآية (27) من سورة الفتح:(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا)(الفتح:27)، وكذلك الآيتين (18-19): (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)(الفتح:18-19). أما البشرى بالجنة للشهداء فيبدو مقتبساً من الآيات(10-13) من سورة الصف:(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ)
وفي هذه القصيدة يقتبس بوشكين معاني الآيات (1-10) من "سورة المزمل" ليتناول جانباً آخر من سيرة الرسول، في تبتله، وطاعته، وقيامه الليل، وسهره، ومجاهدته لنفسه.. كسبل لإعداده لمشاق الدعوة:(يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا، وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا)، فنري بوشكين يقول:
إنهض أيها الوجل: ففي كهفك، مصباح مقدس
يضيء حتى الصباح. وبصلاة خالصة، تُنحي يارسول
الأفكار الشجية، والأحلام الشيطانية
وأقم الصلاة في خشوع حتى الصباح،
والكتاب السماوي، اقرأه حتى الصباح!.
في القصيدة الثامنة إعجاب بسمة الكرم العربي، وهي تتقاطع في مخيلة الشاعر بمفهوم الصدقة في الإسلام، ليعتبر الأخيرة مظهراً من مظاهر الكرم. ولقد جذبت "فكرة الصدقة والحرص على الفقراء وكفالتهم، مع مراعاة الجانب المعنوي لهم" أهتمام بوشكين. فنجده يستلهم معاني الآيات(262-264) من سورة البقرة:(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(البقرة:262-264) على النحو التالي:
وأنتم تتاجرون بضميركم أمام الفقر المدقع، لا تنثر هباتك بيد مقتصدة:
فالسماء تبغي الكرم الوفير. ففي يوم الحساب العسير، ومثل حقل خصيب
آه ياناثر الخير، ستجازي أعمالك بأعظم الجزاء.
لا تأسفت على عطاء الدنيا المكتسب، وأنت تناول السائل عطاءك الشحيح.
وتدور القصيدة التاسعة حول نبذ الشك والبرهنة على الإيمان من خلال البعث، ومضمونها مقتبس من الآية(259) من سورة البقرة، والتي يوليها بوشكين حباً خاصاً، يقول:
وأحتوي العجوز حزن خاطف، وانتحب وهو ينكس رأسه المهتزه،
وآنذاك حدثت معجزة في الصحراء: فقد بعث الغابر في حسن جديد،
ومن جديد تأرجحت النخلة برأسها الظليل، ومن جديد سرت في البئر برودة و"شبورة".
وانتصبت عظام الحمار المتداعية، واكتسي الجسد واصدر النهيق،
واحس العابر بالقوة والبهجة، وتألق في دمائه الشباب المتفجر
وملأ صدره الأنشراح المقدس: وانطلق مواصلاً طريقه مع الله.
معنى "البعث" عند بوشكين يستوعب الجانب الديني والروحي للأمة، وهو يُنهي هذه القصيدة بالتفاؤل بالمستقبل" وانطلاق عابر السبيل ممتلئاً بالإيمان والقوة والبهجة لتكون مسك ختام "قبساته القرآنية".
رفع القيود
عملاً بالأمر الصادر في 5 كانون الأول 1800م رفعت القيود التي كانت مفروضة على طبع الأدبيات الدينية الإسلامية. وافتتحت في قازان، في العام 1802، أول مطبعة عربية إسلامية تم بها إعداد 82300 نسخة من المصحف، واعتمدت جميعها نص طبعة بطرسبرج لعام 1787م، وحظيت باهتمام واسع في روسيا وفي خارجها في آن معاً. ومع إزدهار حركة الإستشراق، تمكن العديد من المستشرقين بترجمة معاني القرآن الكريم عن اللغة العربية.
مع ولادة أول مطبعة عربية كانت ولادة "ميرزا محمد كاظم بك" (1802-1870م) الذي كان يعد من أكبر المستشرقين في تلك الفترة. ولد ميرزا في مدينة دربند، وفي عام (1820م) طُرد أبوه حاجي كاظم بك الأذربيجاني إلى مدينة أسترخان؛ بسبب علاقته بأمير دربند السابق. وبعد ما لحق ميرزا محمد بأبيه تأثر بالمنصرين الأسكتلنديين، وتعلَّم منهم اللغة الانجليزية، ثم تنصَّر. وبعد فترة توظَّف في وزارة الشؤون الخارجية، وعُيِّن مترجماً لدى الجنرال والي مقاطعة أومسك. وفي طريقه إلى هذه المدينة نزل في قازان، وغيَّر وِجْهته بالنسبة إلى الوظيفة؛ فاشتغل مدرّساً للغات الفارسية والتركية والتترية في جامعة قازان حتى ترقى إلى درجة أستاذ، وعلمُه العميق بالاستشراق مع تلقيه الثقافة الأوروبية -إذ ألَّف باللغتين الإنجليزية والفرنسية- جعله من أشهر علماء الاستشراق الروسي والغربي. وفي عام (1835م) أصبح عضواً في أكاديمية العلوم الروسية.
ومن أهم مؤلفات "ميرزا" مقرر الفقه بعنوان مختصر الوقاية" (قازان، 1845م)، ومقالة "المريدية وشامل" (مجلة الكلام الروسي، 1859م، العدد 12)، وكتاب "الباب والبابية: الفتن الدينية السياسية في بلاد فارس" (بطرسبورغ، 1865م). وبعد نشر كتابه "دربند نامه" مترجماً إلى اللغة الإنجليزية عام (1851م) منحته الإمبراطورة البريطانية الوسام الذهبي. وفي سنة (1859م) ظهر كتابه «الفهرس الكامل للقرآن أو مدخل إلى كلماته وعباراته" وهو عبارة عن دليل لدراسة مبادئ القرآن الكريم الدينية والشرعية والتاريخية والأدبية. بيد أنه منْ أهم عيوبه أنه لم يعتمد نص القرآن الكريم، بل اعتمد على مصحف المستشرق الألماني "جوستاف فليوجل".
أشرف المترجم "نيقولاييف" على ترجمة لمعاني القرآن، وصدرت في عام 1864م، وكانت مأخوذة عن الترجمة الفرنسية للمستشرق "بيبيرشتين كازميرسكي". وقد تكررت طباعة ترجمة "نيقولاييف" في موسكو خمس مرات، وفي سنة (2001م) أعيدت طباعتها في دار "إليبرون كلاسيكس". وكانت الطبعة الثالثة المنقحة لهذه الترجمة قد ظهرت في كازاخستان عام (1998م). وترجمة نيقولايف لمعاني بعض السور نشرت في مجلة الخزر: "ترجمة معاني سورة النساء" في العدد 3 (4) عام (1990م)، و"ترجمة معاني سورة المائدة" في العدد 4 (5) عام (1990م)، و"ترجمة معاني سورة الأنعام" في العدد 1 (5) عام (1991م). ونقدها المستشرق السوفيتي كليموفيتش بقوله: "إن هذه الترجمة كانت محررة إلى حدٍ ما، وفي مواضع كثيرة بصورة غير حسنةٍ ". ومع ذلك اعترف "كراتشكوفسكي" أن ترجمة معاني القرآن لنيقولايف لم يقلل من أهميتها أنها منقولة عن الفرنسية، لكنها أغنت الناسَ عن الرجوع إلى الترجمات السابقة التي تعود إلى القرن الثامن عشر.
وفي سنة 1878م ظهرت ترجمة للمستشرق الشهير "جوردي سابلوكوف". ثم بعد عام واحد من طباعتها أول مرة في قازان نشر كتاب "الملحقات"، وهو فهرس موضوعات القرآن، للمستشرق نفسه. وفي سنة (1884م) طبع كتابه "الأخبار عن القرآن" وهو عبارة عن كتاب تشريعي، وتكررت طباعة ترجمة "سابلوكوف"، لكن الطبعة الصادرة عام (1907م) كانت قد أضافت النص العربي.
لكن كثيراً من المختصين والمستشرقين الروس قد انتقدوا منـهجَ "سابلوكوف" وترجمته لمعاني القرآن، فقد قال "كريمسكي" في كتابه "تاريخ الإسلام": "إن ترجمة سابلوكوف ترجمة حرفية ميتة، ولا يمكن فهمها في كثير من المواضع؛ إلا بعد الرجوع إلى الأصل العربي، فضلاً عن أنها تحتوي على عدد كبير من الأخطاء التي لا مراء فيها". كذلك أنتقدها المستشرقان "بيلايف وجريزنيفيتش": "مع مرور الزمن تظهر سلبيات هذه الترجمة لكل من يرجع إليها؛ فأما المستشرق المتخصص في اللغة العربية فيجد فيها أخطاء كثيرة، وأما غير المتخصص فلا يفهم أحياناً خصائص نص الترجمة المليئة بالكلمات القديمة والعبارات المبهمة، التي منعت من فهم المعنى الظاهر لها. كما يسأل القارئ نفسه: هل فهم المترجم ماذا أراد بهذا الكلام؟". ثم أضافا القول: "وُجِد في ترجمته كلمات خاصة تستخدم عند ترجمة التوراة والإنجيل إلى اللغة الروسية، وبسبب هذه الكلمات يكون القارئ العامي قد أخذ فكرة خاطئة عن العقيدة الإسلامية والمعنى الحقيقي لهذا الأثر".
وعلى الرغم من ذلك فقد أشبعت ترجمة "سابلوكوف" لمعاني القرآن حاجة الكثيرين في المجتمع الروسي على مدى مائة عام، وعُدت من أهم المراجع عن الدين الإسلامي. واستحق صاحبها مدح كثيرين منهم "كراتشكوفسكي" بقوله:"لم يتمكن أحد في أكاديمية قازان من تأسيس منهج للاستعراب ودراسة الإسلام إلا جوردي سابلوكوف".
وكانت لأكاديمية قازان الدينية دور كبير في دراسة الإسلام عقيدة وشريعة، ويعد مدرسوها وخريجوها من الإختصاصيين المحترِفين في روسيا، منهم "نيقولاي أوستراوموف" (1846-1930م) مدرس اللغتين العربية والتترية والتاريخ الإسلامي، والعقيدة الإسلامية بأكاديمية قازان الدينية، ثم مدير المدرسة الثانوية الدينية في تركستان. ومن تصانيفه المتعلقة بالقرآن وعلومه: كتاب "الدراسة النقدية لمعتقدات محمد في الأنبياء" (قازان، 1874م)، و"القرآن والتقدم" (طشقند، 1901م)، و"عالم الإسلام في الماضي الحاضر" (قازان، 1912م)، و"الشريعة" (طشقند، 1912م)، و"جزيرة العرب مهد الإسلام" (طشقند، 1910م)، و"القرآن: شكله الخارجي وتاريخ نصه" (طشقند، 1912م)، و"المقدمة في علوم الإسلام" (طشقند، 1914م)، و"عقيدة القرآن" (موسكو، 1915م) وغيرها.
وكانت قد ظهرت ترجمة أخرى لمعاني القرآن للشاعر "قالماكوف" (ت. 1804م)، وهي مأخوذة من ترجمة معاني القرآن باللغة الإنجليزية للكاتب "سيل"، وأضيفت إليها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم للدكتور بريدو. وكان قالماكوف يعمل في أكاديمية الأسطول البحري مترجماً من اللغة الإنجليزية، وكان يتخصص في النصوص التقنية. وفي فترة من عام (1790 إلى عام 1791م) نشر عدداً من قصائده، ومجموعة من الأشعار، وتكررت طباعتها سنة (2001م) في مجلدَين في دار "إليبرون كلاسيكس".
ففي قصيدته الأولى من "قبساته" يستهل "بوشكين" بالقسم القرآني المميز للعديد من سور القرآن الكريم، ثم يتبعه بمقطع يستلهم آيات من "سورة الضحى":(وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى..)(الضحى:1-3). يقول بوشكين واصفاً معاناة الرسول، وحزنه لفتور الوحي عنه:
أقسم بالشفع وبالوتر، وأقسم بالسيف وبمعركة الحق،
أقسم بالنجم الصباح، وأقسم بصلاة العشاء.
لا، لم أودعك.
ويصف بوشكين قصة الهجرة إلى المدينة، وتلك الإشارة إليها في الآية 40 من سورة التوبة:( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
يامن في ظل السكينة، دسست رأسه حباً،
وأخفيته من المطاردة الحادة
ألست أنا الذي رويتك في يوم قيظ بمياه الصحاري؟.
ألم أهب لسانك سلطة جبارة على العقول؟
أصمد إذن وأزدري الخداع.
وفي ختام القصيدة يعود لسورة الضحي:"فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ"(الضحى:9)، فيقول:
أحب اليتامى، وقرآني
وبشر المخلوقات المهتزة.
أما القصيدة الثانية فيبدو فيها متسقاً مع نفوره الشخصي من بهرجة النساء الأستقراطيات، وخروجهن عن الإحتشام، وافتقاد بعضهن لمعاني الوفاء والإخلاص الأسري. ومن المعلوم أن بوشكين قتل في مبارزة بالمسدسات مع غريمه الذي ربطت الشائعات بينه وبين زوجة الشاعر. ففي هذه القصيدة ينجلي تأثره بالنموذج الإسلامي، حيث أيات الحجاب، ونبذ التبرج، وشيوع العفة، وبخاصة الآيات (32-33) من سورة الأحزاب:(يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). وكذلك الآية 53 من نفس السورة: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) (الأحزاب:53). ففي صورة شعرية تستلهم ذلك المضمون، يقول "بوشكين":
إيه، يا زوجات الرسول الطاهرات،
إنكن تختلفن عن كل الزوجات: فحتى طيف الرذيلة مفزع لكن.
في الظل العذب للسكينة عشن في عفاف: فقد علق بكن حجاب الشابة العذراء.
حافظن على قلوب وفية، من أجل هناء الشرعيين والخجلي،
ونظرة الكفار الماكرة، لا تجعلنها تبصر وجوهكن.
أما أنتم يا ضيوف محمد وأنتم تتقاطرون على أمسياته،
احذروا فبهرجة الدنيا تكدر رسولنا.
فهو لا يحب الثرثارين وكلمات غير المتواضعين والفارغين:
شرفوا مأدبته في خشوع، وانحنوا في أدب:
لزوجاته الشابات المحكومات.
يحتفي بوشكين بقيم التواضع، وحسن التعامل مع البسطاء، واحترام الكرامة الإنسانية بقطع النظر عن المكانة الإجتماعية. ويبدو ذلك جلياً في القصيدة الثالثة التي يستلهمها من "سورة عبس (الآيات:1-10):(عَبَسَ وَتَوَلَّى،أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى،أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى)، حيث معاتبة الله تعالى لنبيه لإنشغاله بصناديد قريش (يرجو اسلامهم)، عن "عبد الله بن أم متكوم"، ذلك الأعمى الذي جاء الرسول سال عن شيء، ويلح في ذلك، فعبس الرسول في وجهه، وأعرض عنه [13]:
وتجهم الرسول، وهو يتململ بعد أن أحس دنو الأعمى:
ويسرع، لكن الرسول لا يقدر أن يظهر له الحيرة.
لأنه مع الكتاب السماوي معطي وثيقة لك يارسول، لا للخارجين،
بشر بالقرآن في سكينة، دون أن تجبر الكفار!.
ثم يعقب ذلك استلهامه لآيات السورة ذاتها (17-31) التي تدعو إلى التامل في الكون كبرهان على وجود الله : (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ، فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا).
علام يتغطرس الإنسان؟. على أنه جاء إلى الدنيا عارياً
على أنه يستنشق دهراً قصيراً،
وأنه سيموت ضعيفاً، مثلما ولد ضعيفاً.
ألا يعلم أن الله سيميته، ويبعثه بمشيئته؟
وإن السماء ترعي أيامه، في السعادة وفي القدر الأليم؟
ألا يعلم أن الله وهبه الثمار، والخبز، والتمر، والزيتون
ثم بارك جهوده، فوهبه البستان، والتل، والحقل؟.
ونراه ـ وتحت ظروفه النفسية والمنعطف الروحي الذي كان يمر به وقت كتابته "القبسات"، ينتقل من شك إلى إيمان، ويستلهم مشهد القيامة من آيات سورة عبس: (فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، ترهقهَا قَتَرَةٌ، أوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) (عبس:33-42)، يقول بوشكين:
لكن الملاك سيعود مرتين،
وسيدوي على الآرض رعداً سماوياً:
وسيفر الأخ من أخيه، ويبتعد الابن عن أمه،
ويمثل الجميع أمام الله، صرعى من الرعب،
ويسقط الكفار يغطيهم اللهب والعفار.
أما في قصيدته الرابعة، فهناك حديث عن الإيمان، مستلهماً قصة النمرود ـ وقد استكبر بمُلكه ـ الذي جادل إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:257-258).
معك في القديم، يا قادر، يا عظيم توهم أن يتباري،
ممتلئاً بالكبرياء المجنونة، ولكن أنت يا إلهي، أفحمته،
أنت ( تقول): أنا أهب العالم الحياة، وأعاقب الأرض بالموت
فيدي مبسوطة على كل شيء.
وأنا كذلك،(أقول)، أهب الحياة، وأعاقب أيضاً بالموت:
فأنا يارب ند لك. لكن خيلاء الإثم خفتت
من كلمتك الغاضبة: سأرفع الشمس من المشرق،
فأرفعها أنت من المغرب.
التامل المادي في الكون دال على موضوع الألوهية، متوقفاً ـ في القصيدة الخامسةـ عند الآية (10) من سورة لقمان: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ). كذلك الآية (35) من سورة النور:(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(النور:35). ويرسم "بوشكين" صورته الشعرية بناء على معاني هاتين الآيتين قائلاً:
الأرض ساكنة ، والسماء بلا عمد، الخالق الذي نعتمد عليه،
لن يسقط السيل على اليابس، ولن يقهرنا وإياك.
لقد أضأت الشمس في الكون، وأضأت أيضاً السماء والأرض،
مثل نبتة كتنان تمتلئ بالزيت، تضيء في مصباح بلّوري،
صل للخالق فهو القادر، فهو يحكم الريح في يوم قائظ
ويرسل السحب إلى السماء، ويهب الأرض ظل الأشجار.
إنه الرحيم: قد كشف لمحمد القرآن الساطع،
فلننساب نحن أيضاً نحو النور، ولتسقط الغشاوة عن الأعين.
أما القصيدة السادسة "لبوشكين" فهي من أهم قصائده التي تعكس مكنوناته، واستلهامة نموذج البطولة الإسلامية، والقيادة والرعية، ونشدان العدل الحرية والمساواة بين طبقات الشعب الروسي، وقد كان في العام التالي (1825م) لظهور تلك القبسات قيام أنتفاضة الديسمبريين سعياً لإرساء تلك القيم. يقول بوشكين: ليس باطلا أن حلمت بكم في معركة ورؤسكم محلقة،
وسيوفكم مضرجة، في خنادق، وفي بروج، وعند الأسوار
إنصتوا إلي الدعوة المبتهجة، يا أبناء الصحاري الملتهبة!
سوقوا إلي السر الإماء الشابات، إقتسموا غنيمة الحرب!
لقد انتصرتم: فالمجد لكم، ويا للسخرية من ضعاف النفوس.
فنداء الحرب لم يلبوه، ولم يصدقوا الأحلام الرائعة.
وهم الآن في ندم، تفتنهم غنيمة الحرب
يقولون: خذونا معكم، لكنكم ستقولون: لن نأخذكم
الشهداء الساقطون في المعركة: هم الآن في الجنة،
يغرقون في نعيم، لا ينغصه شيء.
يبدو أن معنى النصر والحديث عن مغانم الحرب مقتبساً من عدد من الآيات منها: الآية (27) من سورة الفتح:(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا)(الفتح:27)، وكذلك الآيتين (18-19): (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)(الفتح:18-19). أما البشرى بالجنة للشهداء فيبدو مقتبساً من الآيات(10-13) من سورة الصف:(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ)
وفي هذه القصيدة يقتبس بوشكين معاني الآيات (1-10) من "سورة المزمل" ليتناول جانباً آخر من سيرة الرسول، في تبتله، وطاعته، وقيامه الليل، وسهره، ومجاهدته لنفسه.. كسبل لإعداده لمشاق الدعوة:(يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا، وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا)، فنري بوشكين يقول:
إنهض أيها الوجل: ففي كهفك، مصباح مقدس
يضيء حتى الصباح. وبصلاة خالصة، تُنحي يارسول
الأفكار الشجية، والأحلام الشيطانية
وأقم الصلاة في خشوع حتى الصباح،
والكتاب السماوي، اقرأه حتى الصباح!.
في القصيدة الثامنة إعجاب بسمة الكرم العربي، وهي تتقاطع في مخيلة الشاعر بمفهوم الصدقة في الإسلام، ليعتبر الأخيرة مظهراً من مظاهر الكرم. ولقد جذبت "فكرة الصدقة والحرص على الفقراء وكفالتهم، مع مراعاة الجانب المعنوي لهم" أهتمام بوشكين. فنجده يستلهم معاني الآيات(262-264) من سورة البقرة:(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(البقرة:262-264) على النحو التالي:
وأنتم تتاجرون بضميركم أمام الفقر المدقع، لا تنثر هباتك بيد مقتصدة:
فالسماء تبغي الكرم الوفير. ففي يوم الحساب العسير، ومثل حقل خصيب
آه ياناثر الخير، ستجازي أعمالك بأعظم الجزاء.
لا تأسفت على عطاء الدنيا المكتسب، وأنت تناول السائل عطاءك الشحيح.
وتدور القصيدة التاسعة حول نبذ الشك والبرهنة على الإيمان من خلال البعث، ومضمونها مقتبس من الآية(259) من سورة البقرة، والتي يوليها بوشكين حباً خاصاً، يقول:
وأحتوي العجوز حزن خاطف، وانتحب وهو ينكس رأسه المهتزه،
وآنذاك حدثت معجزة في الصحراء: فقد بعث الغابر في حسن جديد،
ومن جديد تأرجحت النخلة برأسها الظليل، ومن جديد سرت في البئر برودة و"شبورة".
وانتصبت عظام الحمار المتداعية، واكتسي الجسد واصدر النهيق،
واحس العابر بالقوة والبهجة، وتألق في دمائه الشباب المتفجر
وملأ صدره الأنشراح المقدس: وانطلق مواصلاً طريقه مع الله.
معنى "البعث" عند بوشكين يستوعب الجانب الديني والروحي للأمة، وهو يُنهي هذه القصيدة بالتفاؤل بالمستقبل" وانطلاق عابر السبيل ممتلئاً بالإيمان والقوة والبهجة لتكون مسك ختام "قبساته القرآنية".
رفع القيود
عملاً بالأمر الصادر في 5 كانون الأول 1800م رفعت القيود التي كانت مفروضة على طبع الأدبيات الدينية الإسلامية. وافتتحت في قازان، في العام 1802، أول مطبعة عربية إسلامية تم بها إعداد 82300 نسخة من المصحف، واعتمدت جميعها نص طبعة بطرسبرج لعام 1787م، وحظيت باهتمام واسع في روسيا وفي خارجها في آن معاً. ومع إزدهار حركة الإستشراق، تمكن العديد من المستشرقين بترجمة معاني القرآن الكريم عن اللغة العربية.
مع ولادة أول مطبعة عربية كانت ولادة "ميرزا محمد كاظم بك" (1802-1870م) الذي كان يعد من أكبر المستشرقين في تلك الفترة. ولد ميرزا في مدينة دربند، وفي عام (1820م) طُرد أبوه حاجي كاظم بك الأذربيجاني إلى مدينة أسترخان؛ بسبب علاقته بأمير دربند السابق. وبعد ما لحق ميرزا محمد بأبيه تأثر بالمنصرين الأسكتلنديين، وتعلَّم منهم اللغة الانجليزية، ثم تنصَّر. وبعد فترة توظَّف في وزارة الشؤون الخارجية، وعُيِّن مترجماً لدى الجنرال والي مقاطعة أومسك. وفي طريقه إلى هذه المدينة نزل في قازان، وغيَّر وِجْهته بالنسبة إلى الوظيفة؛ فاشتغل مدرّساً للغات الفارسية والتركية والتترية في جامعة قازان حتى ترقى إلى درجة أستاذ، وعلمُه العميق بالاستشراق مع تلقيه الثقافة الأوروبية -إذ ألَّف باللغتين الإنجليزية والفرنسية- جعله من أشهر علماء الاستشراق الروسي والغربي. وفي عام (1835م) أصبح عضواً في أكاديمية العلوم الروسية.
ومن أهم مؤلفات "ميرزا" مقرر الفقه بعنوان مختصر الوقاية" (قازان، 1845م)، ومقالة "المريدية وشامل" (مجلة الكلام الروسي، 1859م، العدد 12)، وكتاب "الباب والبابية: الفتن الدينية السياسية في بلاد فارس" (بطرسبورغ، 1865م). وبعد نشر كتابه "دربند نامه" مترجماً إلى اللغة الإنجليزية عام (1851م) منحته الإمبراطورة البريطانية الوسام الذهبي. وفي سنة (1859م) ظهر كتابه «الفهرس الكامل للقرآن أو مدخل إلى كلماته وعباراته" وهو عبارة عن دليل لدراسة مبادئ القرآن الكريم الدينية والشرعية والتاريخية والأدبية. بيد أنه منْ أهم عيوبه أنه لم يعتمد نص القرآن الكريم، بل اعتمد على مصحف المستشرق الألماني "جوستاف فليوجل".
أشرف المترجم "نيقولاييف" على ترجمة لمعاني القرآن، وصدرت في عام 1864م، وكانت مأخوذة عن الترجمة الفرنسية للمستشرق "بيبيرشتين كازميرسكي". وقد تكررت طباعة ترجمة "نيقولاييف" في موسكو خمس مرات، وفي سنة (2001م) أعيدت طباعتها في دار "إليبرون كلاسيكس". وكانت الطبعة الثالثة المنقحة لهذه الترجمة قد ظهرت في كازاخستان عام (1998م). وترجمة نيقولايف لمعاني بعض السور نشرت في مجلة الخزر: "ترجمة معاني سورة النساء" في العدد 3 (4) عام (1990م)، و"ترجمة معاني سورة المائدة" في العدد 4 (5) عام (1990م)، و"ترجمة معاني سورة الأنعام" في العدد 1 (5) عام (1991م). ونقدها المستشرق السوفيتي كليموفيتش بقوله: "إن هذه الترجمة كانت محررة إلى حدٍ ما، وفي مواضع كثيرة بصورة غير حسنةٍ ". ومع ذلك اعترف "كراتشكوفسكي" أن ترجمة معاني القرآن لنيقولايف لم يقلل من أهميتها أنها منقولة عن الفرنسية، لكنها أغنت الناسَ عن الرجوع إلى الترجمات السابقة التي تعود إلى القرن الثامن عشر.
وفي سنة 1878م ظهرت ترجمة للمستشرق الشهير "جوردي سابلوكوف". ثم بعد عام واحد من طباعتها أول مرة في قازان نشر كتاب "الملحقات"، وهو فهرس موضوعات القرآن، للمستشرق نفسه. وفي سنة (1884م) طبع كتابه "الأخبار عن القرآن" وهو عبارة عن كتاب تشريعي، وتكررت طباعة ترجمة "سابلوكوف"، لكن الطبعة الصادرة عام (1907م) كانت قد أضافت النص العربي.
لكن كثيراً من المختصين والمستشرقين الروس قد انتقدوا منـهجَ "سابلوكوف" وترجمته لمعاني القرآن، فقد قال "كريمسكي" في كتابه "تاريخ الإسلام": "إن ترجمة سابلوكوف ترجمة حرفية ميتة، ولا يمكن فهمها في كثير من المواضع؛ إلا بعد الرجوع إلى الأصل العربي، فضلاً عن أنها تحتوي على عدد كبير من الأخطاء التي لا مراء فيها". كذلك أنتقدها المستشرقان "بيلايف وجريزنيفيتش": "مع مرور الزمن تظهر سلبيات هذه الترجمة لكل من يرجع إليها؛ فأما المستشرق المتخصص في اللغة العربية فيجد فيها أخطاء كثيرة، وأما غير المتخصص فلا يفهم أحياناً خصائص نص الترجمة المليئة بالكلمات القديمة والعبارات المبهمة، التي منعت من فهم المعنى الظاهر لها. كما يسأل القارئ نفسه: هل فهم المترجم ماذا أراد بهذا الكلام؟". ثم أضافا القول: "وُجِد في ترجمته كلمات خاصة تستخدم عند ترجمة التوراة والإنجيل إلى اللغة الروسية، وبسبب هذه الكلمات يكون القارئ العامي قد أخذ فكرة خاطئة عن العقيدة الإسلامية والمعنى الحقيقي لهذا الأثر".
وعلى الرغم من ذلك فقد أشبعت ترجمة "سابلوكوف" لمعاني القرآن حاجة الكثيرين في المجتمع الروسي على مدى مائة عام، وعُدت من أهم المراجع عن الدين الإسلامي. واستحق صاحبها مدح كثيرين منهم "كراتشكوفسكي" بقوله:"لم يتمكن أحد في أكاديمية قازان من تأسيس منهج للاستعراب ودراسة الإسلام إلا جوردي سابلوكوف".
وكانت لأكاديمية قازان الدينية دور كبير في دراسة الإسلام عقيدة وشريعة، ويعد مدرسوها وخريجوها من الإختصاصيين المحترِفين في روسيا، منهم "نيقولاي أوستراوموف" (1846-1930م) مدرس اللغتين العربية والتترية والتاريخ الإسلامي، والعقيدة الإسلامية بأكاديمية قازان الدينية، ثم مدير المدرسة الثانوية الدينية في تركستان. ومن تصانيفه المتعلقة بالقرآن وعلومه: كتاب "الدراسة النقدية لمعتقدات محمد في الأنبياء" (قازان، 1874م)، و"القرآن والتقدم" (طشقند، 1901م)، و"عالم الإسلام في الماضي الحاضر" (قازان، 1912م)، و"الشريعة" (طشقند، 1912م)، و"جزيرة العرب مهد الإسلام" (طشقند، 1910م)، و"القرآن: شكله الخارجي وتاريخ نصه" (طشقند، 1912م)، و"المقدمة في علوم الإسلام" (طشقند، 1914م)، و"عقيدة القرآن" (موسكو، 1915م) وغيرها.
وكانت قد ظهرت ترجمة أخرى لمعاني القرآن للشاعر "قالماكوف" (ت. 1804م)، وهي مأخوذة من ترجمة معاني القرآن باللغة الإنجليزية للكاتب "سيل"، وأضيفت إليها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم للدكتور بريدو. وكان قالماكوف يعمل في أكاديمية الأسطول البحري مترجماً من اللغة الإنجليزية، وكان يتخصص في النصوص التقنية. وفي فترة من عام (1790 إلى عام 1791م) نشر عدداً من قصائده، ومجموعة من الأشعار، وتكررت طباعتها سنة (2001م) في مجلدَين في دار "إليبرون كلاسيكس".
صورة لإيفان بونين
"إيفان بونين".. من أبرز الأدباء الروس تأثرا
مع وفاة "ميرزا محمد كاظم بك" في العام 1870م كانت هناك ولادة لشاعر وكاتب روسي كبير "إيفان بونين"(1870-1954م)، ويعد من أبرز الأدباء الروس تأثراً بالشرق العربي. ففي إطار اهتمامه بسير الأنبياء، يكتب قصيدته "إبراهيم"التي كتبها في العام (1903م):
كان إبراهيم في الصحراء في ليلة مظلمة، فرأى في السماء كوكباً.
"ها هو ربي !!"– صاح هو- لكن عند منتصف الليل أفل الكوكب، وخمد نوره.
وكان إبراهيم في الصحراء قبيل الفجر، فرأى القمر بازغاً.
"ها هو ربي !!"– صاح هو. لكن القمر خمد وأفل مثل الكوكب.
كان إبراهيم في الصحراء في الصباح الباكر، ومد يديه في سعادة نحو الشمس.
"ها هو ربي !!" – صاح هو. لكن الشمس قضت اليوم، وغربت في الليل.
وقاد الله إبراهيم إلى الحق.
يستلهم بونين قصيدته تلك من الايات (75-79) من سورة الأنعام:(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ).
وفي قصيدته "محمد مطارداً"(1906م) يصف معاناة الرسول في سبيل الدعوة، ومستلهما الآيات (40-41) من سورة التوبة:(إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، يقول "بونين":
حلقت الأرواح فوق الصحراء، في الغسق، فوق الوادي الحجري.
دوت كلماته الجزعة، وعلي الرمل ، حاف، بصدر مكشوف
كان يجلس ويتكلم في حزن:"وليت وجه الصحراء والقفر، عزلت عن الجميع من أحبهم!"
قالت الأرواح:" لا يجدر لرسول أن يكون ضعيفاً متعباً".
والرسول في حزن وسكينة أجاب:"كنت أشكو للحجر"[14].
وفي إطار من الفهم للمكانة الكبيرة التي خص بها القرآن "ليلة القدر" في سورة من سوره:(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)(القدر :1-5)، نري "بونين" يرسم صورة شعرية عنها بقوله:
"تنزل الملائكة والروح فيها..."(القرآن)
ليلة القدر، تآلفت القمم وتمازجت، ونصبت عمائمها أعلى نحو السماء
أذن المؤذن، وما تزال قطع الجليد تدخل في الأرجواني
ويتنسم برد الظلام يالمضايق، والوديان.
ليلة القدر ، بالمنحدرات الجبلية المظلمة، ماتزال تهبط السحب في طبقات
أذن المؤذن. وأمام العرش العظيم ينساب النهر الماسي، مدخناً
وجبريل ـ غير مسموع وغير مرئي ـ يطوف العالم النائم. ربي. بارك
الطريق غير المرئي للحاج الطاهر. وامنح أرضك ليلة السلام والحب.
وفي صورة إبداعية عن الحجاج الذين يهتدون ليلاً بالنجوم، مستوحياً الآية: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)(النحل:16) يكتب بونين قصيدته: "علامات الطريق"(1905م)
(وعلامات وبالنجم هم يهتدون)(القرآن)
الله لحجاج الليل في المغرب
أضاء الأنوار ـ نجوم شعري المقدسة
سلام عليك يامتلألئاً في السماء، يا ندي الماس السماوي!
الطريق بالرمال من غزة إلى العريم، أحياه الله بالعلامات، كما في القديم.
تحية لك ـ يا أحجارـ مسابح الحجاج، في الصحراء يامرشدي هاجر!
اسكن الله الطريق كله بالأجساد، مثل وقع الضباع بين أحراش تي.
سلام عليكم، ياهاجعين إلى الله، يا من تمهدون لنا السبيل! [15].
حسب ما يقول "يفيم ريزفان":"لا يزال القرآن يُدرَّس - في روسيا - دراسة علمية، وثمة عناية بنشر الكتب التثقيفية الموافقة للأساليب العصرية". لكن لعل بعض مقاربات الشعراء والأدباء الروس للقرآن الكريم تختلف في مجملها عن تقاليد مدرسة الاستشراق. فلقد انصب جل اهتمام المستشرقين الروس علي الجانب اللغوي من القرآن دون الخوض في طبيعته، أو التأثر بأجوائه وفضاءاته. فعلاقة الاستشراق الروسي بالإسلام انطلق لدراسة المجتمعات الإسلامية في روسيا، وفي مستعمراتها، والشرق الإسلامي كان وما زال موجودا بداخلها، وهو ما لم يكن متوفراً عند المستشرقين في أوروبا الغربية وأمريكا الذين كان عليهم قطع المسافات الطوال للوصول إليه[16]. وتبقي من الوظائف الأساسية لمدرسة الاستشراق الروسي تحقيق خطة "كراتشكوفسكي"، لإعداد ترجمة أكاديمية صحيحة من الناحية اللغوية ومناسبة من الناحية البلاغية ومصحوبة بشرح شامل وفهرس للقرآن الكريم [17].
في الختام
الاستشراق هو الاستشراق، سواء خلصت النوايا أم ساءت، والأدب هو الأدب، يحلق في فضاءت إنسانية وإبداعية أرحب محاولاً التجرد من ملابسات ودوافع الاستشراق. لكن يبقي القرآن الكريم مصدراً للإلهام، ومنهلاً خصباً، ومورداً عذباً لمن أراد أن يعرف ويتعرف على التعاليم السامية، والقيم الخالدة. كذلك من أراد أن يدرك العربية وأسرارها، ويتذوق أساليبها، ويبحر في فضاءات مجازاتها، ويتقن قواعدها، ويعي مفراداتها ومدلولاتها، ويعقل خصوصية تراكيبها، ويرتوي من معين جمالها وجلالها.. وهنيئاً للشاربين.
صفوة القول
إنه القرآن الكريم المُعجز للناس كافة ..عرباً وعجماً، لا بل وجناً، إنهً:" كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم مابينكم هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله تعالى، ومن ابتغي الهدى في غيره أضله الله تعالى، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه[18]، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن هذا القرآن مأدبة الله فأقبلوا على مادبته مااستطعتم، إن هذا القرآن حبل الله المتين، والنور المبين، والشفاء الناجع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فبستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا يخلق على كثرةالرد. أتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" [19].
كان إبراهيم في الصحراء في ليلة مظلمة، فرأى في السماء كوكباً.
"ها هو ربي !!"– صاح هو- لكن عند منتصف الليل أفل الكوكب، وخمد نوره.
وكان إبراهيم في الصحراء قبيل الفجر، فرأى القمر بازغاً.
"ها هو ربي !!"– صاح هو. لكن القمر خمد وأفل مثل الكوكب.
كان إبراهيم في الصحراء في الصباح الباكر، ومد يديه في سعادة نحو الشمس.
"ها هو ربي !!" – صاح هو. لكن الشمس قضت اليوم، وغربت في الليل.
وقاد الله إبراهيم إلى الحق.
يستلهم بونين قصيدته تلك من الايات (75-79) من سورة الأنعام:(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ).
وفي قصيدته "محمد مطارداً"(1906م) يصف معاناة الرسول في سبيل الدعوة، ومستلهما الآيات (40-41) من سورة التوبة:(إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، يقول "بونين":
حلقت الأرواح فوق الصحراء، في الغسق، فوق الوادي الحجري.
دوت كلماته الجزعة، وعلي الرمل ، حاف، بصدر مكشوف
كان يجلس ويتكلم في حزن:"وليت وجه الصحراء والقفر، عزلت عن الجميع من أحبهم!"
قالت الأرواح:" لا يجدر لرسول أن يكون ضعيفاً متعباً".
والرسول في حزن وسكينة أجاب:"كنت أشكو للحجر"[14].
وفي إطار من الفهم للمكانة الكبيرة التي خص بها القرآن "ليلة القدر" في سورة من سوره:(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)(القدر :1-5)، نري "بونين" يرسم صورة شعرية عنها بقوله:
"تنزل الملائكة والروح فيها..."(القرآن)
ليلة القدر، تآلفت القمم وتمازجت، ونصبت عمائمها أعلى نحو السماء
أذن المؤذن، وما تزال قطع الجليد تدخل في الأرجواني
ويتنسم برد الظلام يالمضايق، والوديان.
ليلة القدر ، بالمنحدرات الجبلية المظلمة، ماتزال تهبط السحب في طبقات
أذن المؤذن. وأمام العرش العظيم ينساب النهر الماسي، مدخناً
وجبريل ـ غير مسموع وغير مرئي ـ يطوف العالم النائم. ربي. بارك
الطريق غير المرئي للحاج الطاهر. وامنح أرضك ليلة السلام والحب.
وفي صورة إبداعية عن الحجاج الذين يهتدون ليلاً بالنجوم، مستوحياً الآية: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)(النحل:16) يكتب بونين قصيدته: "علامات الطريق"(1905م)
(وعلامات وبالنجم هم يهتدون)(القرآن)
الله لحجاج الليل في المغرب
أضاء الأنوار ـ نجوم شعري المقدسة
سلام عليك يامتلألئاً في السماء، يا ندي الماس السماوي!
الطريق بالرمال من غزة إلى العريم، أحياه الله بالعلامات، كما في القديم.
تحية لك ـ يا أحجارـ مسابح الحجاج، في الصحراء يامرشدي هاجر!
اسكن الله الطريق كله بالأجساد، مثل وقع الضباع بين أحراش تي.
سلام عليكم، ياهاجعين إلى الله، يا من تمهدون لنا السبيل! [15].
حسب ما يقول "يفيم ريزفان":"لا يزال القرآن يُدرَّس - في روسيا - دراسة علمية، وثمة عناية بنشر الكتب التثقيفية الموافقة للأساليب العصرية". لكن لعل بعض مقاربات الشعراء والأدباء الروس للقرآن الكريم تختلف في مجملها عن تقاليد مدرسة الاستشراق. فلقد انصب جل اهتمام المستشرقين الروس علي الجانب اللغوي من القرآن دون الخوض في طبيعته، أو التأثر بأجوائه وفضاءاته. فعلاقة الاستشراق الروسي بالإسلام انطلق لدراسة المجتمعات الإسلامية في روسيا، وفي مستعمراتها، والشرق الإسلامي كان وما زال موجودا بداخلها، وهو ما لم يكن متوفراً عند المستشرقين في أوروبا الغربية وأمريكا الذين كان عليهم قطع المسافات الطوال للوصول إليه[16]. وتبقي من الوظائف الأساسية لمدرسة الاستشراق الروسي تحقيق خطة "كراتشكوفسكي"، لإعداد ترجمة أكاديمية صحيحة من الناحية اللغوية ومناسبة من الناحية البلاغية ومصحوبة بشرح شامل وفهرس للقرآن الكريم [17].
في الختام
الاستشراق هو الاستشراق، سواء خلصت النوايا أم ساءت، والأدب هو الأدب، يحلق في فضاءت إنسانية وإبداعية أرحب محاولاً التجرد من ملابسات ودوافع الاستشراق. لكن يبقي القرآن الكريم مصدراً للإلهام، ومنهلاً خصباً، ومورداً عذباً لمن أراد أن يعرف ويتعرف على التعاليم السامية، والقيم الخالدة. كذلك من أراد أن يدرك العربية وأسرارها، ويتذوق أساليبها، ويبحر في فضاءات مجازاتها، ويتقن قواعدها، ويعي مفراداتها ومدلولاتها، ويعقل خصوصية تراكيبها، ويرتوي من معين جمالها وجلالها.. وهنيئاً للشاربين.
صفوة القول
إنه القرآن الكريم المُعجز للناس كافة ..عرباً وعجماً، لا بل وجناً، إنهً:" كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم مابينكم هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله تعالى، ومن ابتغي الهدى في غيره أضله الله تعالى، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه[18]، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن هذا القرآن مأدبة الله فأقبلوا على مادبته مااستطعتم، إن هذا القرآن حبل الله المتين، والنور المبين، والشفاء الناجع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فبستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا يخلق على كثرةالرد. أتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" [19].
يمكن التواصل مع المؤلف على الإيميل التالي:
nasenna62@hotmail.com
بقلم: أ.د./ ناصر أحمد سنه .. كاتب وأستاذ في جامعة القاهرة.
الرقم البريدي: 13411 شبرا الخيمة
nasenna62@hotmail.com
بقلم: أ.د./ ناصر أحمد سنه .. كاتب وأستاذ في جامعة القاهرة.
الرقم البريدي: 13411 شبرا الخيمة
المصادر
[1]- راجع هذه القصة في "فقه السيرة"، د. محمد سعيد رمضان البوطي، ط7، دار الفكر1977م، ص: 88 وما بعدها، أو في غيره من كتب السير.
[2]- رواه البيهقي، عن الحاكم عن عبد الله بن محمد الصنعاني.
[3]- قصة إستماع نفر من الجن للقرآن الكريم ساقها ابن اسحاق، ورواها ابن هشام في سيرته، وقد ذكرها البخاري ومسلم والترمذي علي نحو قريب وبتفصيل آخر.
[4]- تاريخ الاتحاد السوفيتي، موسكو 1973، ص 16.
[5]- د. مكارم الغمري: مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي، سلسة عالم المعرفة العدد:155، نوفمبر 1991م، الكويت، ص 46.
[6]- إ. كراتشكوفسكي، المؤلفات المختارة، ص 34.
[7]- إدوارد سعيد : الإستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، نقله إلى العربية كمال أبو ديب ، ط 1، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1981م. وله : "الثقافة والإمبريالية"، نقله إلى العربية وقدّم له كمال أبو ديب ، ط 2، بيروت دار الآداب، 1998.، كذلك : "تعقيبات على الإستشراق"، ترجمة وتحرير صبحي الحديدي، ط 1، عمّان ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1996. وراجع ايضا: إسماعيل أحمد عمايرة: بحوث في الاستشراق، ط 1، عمّان، دار وائل للطباعة والنشر والتوزيع ، 2003 م، وله ايضاً:"المستشرقون وتاريخ صلتهم بالعربية: بحث في الجذور التاريخية"، عمان ، دار حنين، 1992، كذلك": "بحوث في الاستشراق واللغة" ، القاهرة ، مؤسسة الرسالة، 2000م.
[8]-"القرآن في روسيا" في كتاب "ابحاث جديدة للمستعربين السوفييت"، الكتاب الأول، موسكو 1986م، ص 253.
[9]- د.مكارم الغمري، م. س. ص 48.
[10]- د. مكارم الغمري: م.س.، ص: 148-172.
[11]- إ. كراتشكوفسكي، م.س. ص 141، وأنظر: د. محمد عباس:" الكسندر بوشكين والقرآن" صحيفة الأسبوع العلم الثقافي لكلية الألسن ، القاهرة 1988.
[12]- أ. بوشكين، المؤلفات الكاملة، ج 2، موسكو 1977م ص 193.
[13]- تفسير ابن كثير، مجلد 4، دار إحياء الكتب العربية ، عيسي البابي الحلبي، ص 470.
[14]- الترجمة عن إ. بونين، المؤلفات الكاملة ،موسكو ، 1956م، ج2، ، ص:165-366.
[15]- المرجع السابق، ص 341.
[16]- د. عبد الرحيم العطاوي: الاستشراق الروسي: مدخل الى تاريخ الدراسات العربية والإسلامية في روسيا، المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء،
[17]- راجع مواقع ذات صلة علي الشبكة الدولية للمعلومات، مثل موقع: http://www.zuhlool.org/wiki-، كذلك سلسلة مقالات الكترونية للباحث د. إلمير رفائيل كولييف.
[18]- رواه الترمذي.
[19]- رواه الحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[2]- رواه البيهقي، عن الحاكم عن عبد الله بن محمد الصنعاني.
[3]- قصة إستماع نفر من الجن للقرآن الكريم ساقها ابن اسحاق، ورواها ابن هشام في سيرته، وقد ذكرها البخاري ومسلم والترمذي علي نحو قريب وبتفصيل آخر.
[4]- تاريخ الاتحاد السوفيتي، موسكو 1973، ص 16.
[5]- د. مكارم الغمري: مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي، سلسة عالم المعرفة العدد:155، نوفمبر 1991م، الكويت، ص 46.
[6]- إ. كراتشكوفسكي، المؤلفات المختارة، ص 34.
[7]- إدوارد سعيد : الإستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، نقله إلى العربية كمال أبو ديب ، ط 1، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1981م. وله : "الثقافة والإمبريالية"، نقله إلى العربية وقدّم له كمال أبو ديب ، ط 2، بيروت دار الآداب، 1998.، كذلك : "تعقيبات على الإستشراق"، ترجمة وتحرير صبحي الحديدي، ط 1، عمّان ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1996. وراجع ايضا: إسماعيل أحمد عمايرة: بحوث في الاستشراق، ط 1، عمّان، دار وائل للطباعة والنشر والتوزيع ، 2003 م، وله ايضاً:"المستشرقون وتاريخ صلتهم بالعربية: بحث في الجذور التاريخية"، عمان ، دار حنين، 1992، كذلك": "بحوث في الاستشراق واللغة" ، القاهرة ، مؤسسة الرسالة، 2000م.
[8]-"القرآن في روسيا" في كتاب "ابحاث جديدة للمستعربين السوفييت"، الكتاب الأول، موسكو 1986م، ص 253.
[9]- د.مكارم الغمري، م. س. ص 48.
[10]- د. مكارم الغمري: م.س.، ص: 148-172.
[11]- إ. كراتشكوفسكي، م.س. ص 141، وأنظر: د. محمد عباس:" الكسندر بوشكين والقرآن" صحيفة الأسبوع العلم الثقافي لكلية الألسن ، القاهرة 1988.
[12]- أ. بوشكين، المؤلفات الكاملة، ج 2، موسكو 1977م ص 193.
[13]- تفسير ابن كثير، مجلد 4، دار إحياء الكتب العربية ، عيسي البابي الحلبي، ص 470.
[14]- الترجمة عن إ. بونين، المؤلفات الكاملة ،موسكو ، 1956م، ج2، ، ص:165-366.
[15]- المرجع السابق، ص 341.
[16]- د. عبد الرحيم العطاوي: الاستشراق الروسي: مدخل الى تاريخ الدراسات العربية والإسلامية في روسيا، المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء،
[17]- راجع مواقع ذات صلة علي الشبكة الدولية للمعلومات، مثل موقع: http://www.zuhlool.org/wiki-، كذلك سلسلة مقالات الكترونية للباحث د. إلمير رفائيل كولييف.
[18]- رواه الترمذي.
[19]- رواه الحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
زاوية من شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم
فى روضة المصطفى
بقلم : ابنة اليم
جمع رسول الله من الشمائل والصفات ما لم يجتمع فى أمة بأسرها !
فكان طرازا نادرا من الشخصية السويّة ، والفكر الصائب ، والفطنة ، والفطرة الصافية .
الأخلاق الحميدة ، التواضع ، الحلم ، الوفاء ، الشجاعة ، العدل ، السخاء ، العفّة ، والحياء، الرحمة والصبر والعفو
كثيرة هى شمائل رسول الله ومتعدّدة ، فقد جمع جميع صفات الكمال البشرى ,جمالا خلقيا ، وجمالا أخلاقيا .
وسنبدأ اليوم بإلقاء الضوء على صفة من شمائله
شمائل المصطفى كثيرة وصفاته حميدة ومتعددة ، ولو تركت لقلمى العنان لأفردت لها صفحات وصفحات ، ولكنى ارتأيت أن أكتفى بما طرحت
وأن يكون مسك الختام لصفاته عليه السلام ، صفة اشتملت على صفات عديدة ، وهى صفة
الأدب
والأدب صفة عظيمة القدر ، تحلّى بها النبى الكريم ، كما تحلّى بها الأنبياء والصحابة والمؤمنين ..
والحق سبحانه وتعالى أوجب علينا الأدب مع الرسول فى آيات كثيرة وقال تعالى مخاطباً الرسول : ( وإنك لعلى خُلُق عظيم ) سورة القلم
فلنتعرف على مظاهر أدب المصطفى
كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه
الأيمن أو الأيسر ويقول " السلام عليكم ، السلام عليكم " رواه أحمد
كان إذا بعث أحد من أصحابه في بعض أمره قال " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " رواه أبو داود
كان يقبل الهدية ويثيب عليها " رواه البخاري "
كان يغير الاسم القبيح " رواه البخاري "
كان إذا دخل على مريض يعوده قال " لا بأس طهور إن شاء الله "
كان يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه وثيابه وأخذه وعطائه وشماله لما
سوى ذلك " رواه أحمد "
كان إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة لم يزل معرضا عنه حتى
يحدث توبة يعني يتوب " رواه أحمد
كان أرحم الناس وأشدهم إكراما لأصحابه ، يوسع عليهم إذا ضاق المكان ، يبدأ من لقيه بالسلام و إذا صافح رجلا لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده , يخدم من خدمه ولا يدع أحداً يمشي خلفه.
كان أكثر الناس تواضعاً وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم حتى يقوم الذي جلس إليه إلا أن يستعجله أمر فيستأذنه .
كان يكره القيام له :عن أنس بن مالك :(لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهيته لذلك) رواه أحمد والترمذي (صحيح),.
وكان لا يواجه أحداً بما يكره , يعود المريض ويحب المساكين ويجالسهم ويشهد جنائزهم ولا يحقر فقيرا لفقره ولا يهاب ملكاً لملكه ، يعظم النعمة وإن قلت : فما عاب طعاما أبداً, إن اشتهاه أكله وإلا تركه.
أدبه مع الأطفال
قال ابن عباس ضَمَّني رسول الله وقال: [اللهم علمه الكتاب]
وقال ابن عباس: وضعت للنبي :
: وضوءاً قال : من وضع هذا؟ فأخبر؛ فقال: اللهم فقهه في الدين .لما خدم أنس رسول الله :
: دعا له النبي فقال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته.
ويرى كثير من الأطفال أن الكبار يسلمون على بعضهم البعض، ويتبادلون التحية فيما بينهم، غير أنهم يرون أن بعض الكبار يتجاهلونهم.
مرَّ النبي :
: على أطفال يلعبون.. فقال لهم : "السلام عليكم يا صبيان" عن أنس بن مالك (ض) أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال : كان النبي يفعله .غير أنه لا يحرم الأطفال من مشاركة الكبار في السلام أو التحية.
قال :
: : يُسَلِّم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير .
ومن الجميل أن يسمع كثير من الأطفال آباءهم يقولون لهم : إنهم يحبونهم كثيرًا قدر الدنيا كلها، ولكن الأجمل من الآباء والأمهات أن يشعروهم بهذا الحب وهذه الحفاوة.
قال البراء رضي الله عنه: رأيت النبي والحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهم إني أُحِبُّه فأَحِبَّه .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إن رسول الله التزم الحسن بن علي فقال :اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه، وقال أبو هريرة فما كان أحد أحب إليَّ من الحسن بعد ما قال الرسول ما قال.
عن عائشة (رضي الله عنها) قالت : كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله إذا دخل يتقمعن منه فيسر بهن إلي فيلعبن معي.
عن أبي هريرة (ض) قال: قَبَّل رسول الله الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلْتُ منهم أحدًا، فنظر عليه رسول الله ثم قال : من لا يَرْحَم لا يُرْحَم.
عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاء أعرابي إلى النبي :
:فقال: أَتُقَبِّلُون الصبيان فما نقبلهم، فقال النبي: أوأملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟ عن أسامة بن زيد (رضي الله عنهما) حدث عن النبي أنه كان يأخذه والحسن، فيقول: اللهم أحبهما فإني أحبهما.
وأخيراً مسك الختام لشمائل رسول الله
قصيدة ( سلوا قلبى ) لأحمد شوقى مدح فيها المصطفى :
:أختار منها هذه الأبيات
أبا الزهراء قد جاوزت قدرى بمدحك بيد أن لى انتساباَ
فما عرف البلاغة ذو بيان اذا لم يتخذك له كتابَا
مدحت المالكين فزدت قدراً وحين مدحتك اجتزت السحابَا
سألت الله فى ابناء دينى اذا ما الصبر مستهموا ونابَا
وما للمسلمين سواك حصن فإن تكن الوسيلة لى أجابا
كأن النحس حين جرى عليهم أطار بكل مملكة غرابا
ولو حفظوا سبيلك كان نوراً وكان من النُّحوس لهم حجابا
بنيت لهم من الأخلاق ركناً فخانوا الركن فانهدم اضطرابا
وكان جنابهم فيها مهيباً وللأخلاق أجدر أن تهابا
فلولاها لساوى الليث ذئباً وساوى الصارم الماضي قرابا
فإن قرنت مكارمهم بعلم تذلَّلت العلا بهما صعابا
وفي هذا الزمان مسيح علمٍ يردُّ على بني الأمم الشبابا
صلى الله عليه وسلم
***************************************************
حديقة الفكاهة
بقلم :،،،ابنةاليم
يتمتع ظرفاء العرب بروح المرح والفكاهة ، ويتميزون بالفطنة والنباهة ويتحايلون على همومهم بالملح والدعابة .. وقد أجمع معظم علماء النفس على ضرورة الفكاهة والابتسام للتغلّب على المشكلات والمعاناة .
وقد تعددت كتب الفكاهة فجمعت أخبار الحمقى ، البخلاء ، جحا ، أشعب ، وظرفاء العرب .
وفى غلاف أحد الكتب يقول المؤلّف هذين البيتين :
إليك كتابا ما سمعت بمثله
ولا جمعت ما قد حواه الصحائف
فمن شاء لطفا يلق فيه لطائفا
ومن يبتغى ظرفا ففيه الظرائف
ومن هذه الحديقة أقطف لكم فى كل عدد زهرة
الشاعرالأموي عمران بن حطان الشهير ببيته
أسدٌ علي وفي الحروب نعامة *** ربداء تجفل من صفير الصافر
مشهور أيضا بدمامته وقصره وقد تزوج بامرأة جميلة؛ دخل عليها في إحدى المرات وهي متزينة فزاد جمالها جمالاً فلم يستطع صرف بصره عنها؛
فقالت له: ما لك؟؟
قال: أصبحتِ والله جميلة.
فقالت: أبْـشِـر! فإني وإياك في الجنة.
قال: من أين علمتِ هذا ؟؟
قالت: أُعطيتَ مثلي فشكرت، وأُعطيت مثلك فصبرت، والشاكر والصابر في الجنة.
فخجل ونهاها أن تعود لمثل ما قالت.
حكمة العدد
بقلم :،،،ابنة اليم
من العظماء من يَشعر المرء بحضرته أنه صغير
ولكن العظيم بحق هو من يُشعر الجميع في حضرته بأنهم عظماء
الأسرة والطفل
ابنة اليم
ثقافة أطفالنا
ابنة اليم
ثقافة أطفالنا
إذا أردنا جيلاً إسلامى النشأة، ربانى النزعة ، يسير على هدى من الله ، فلابد أن نهتم بثقافة الطفل منذ الصغر ، ونحكى له قصص و حكايات من نوع خاص
قصص تكون إلى الله قربة، وعلى طريق التربية خطوة، وحكايات تكون مصباحاً منيراً لأطفالنا فى عصركثرت فيه الأهواء، واختلطت فيه الرايات، وندرت فيه القدوات.
وهذا النوع من الحكايات نجده في:
1- أحسن القصص :
قال تعالى : ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) , روى ابن جرير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قصصت علينا؟ فنزلت: ' نحن نقص عليك أحسن القصص ' فأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص.
وإننا حين نحلق فى آفاق القصص القرآني نجد أنه يمتاز بالآتي:
- سمو غاياته، وشريف مقاصده، وعلو مراميه.
- يشتمل على فصول فى الأخلاق مما يهذب النفوس ويجمل الطباع، وينشر الحكمة والآداب
- كما يحتوي على كثير من تاريخ الرسل مع أقوامهم، ويشرح أخبار قوم هُدوا فمكّن الله لهم فى الأرض، وأقوام ضلوا فساءت حالهم، وخربت ديارهم، ووقع عليهم النكال والعذاب، يضرب بسيرهم المثل، ويدعو الناس إلى العظة والتدبر.
كل هذا قصّه الله فى قول بيّن، وأسلوب حكيم، ولفظ رائع، ليدل الناس على الخلق الكريم، ويدعوهم إلى الإيمان الصحيح، ويرشدهم إلى العلم النافع بأحسن بيان
2- سيرة المصطفى:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [45] وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ) [46]
( لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) والمرء فى زماننا أحوج ما يكون إلى التأسي برسوله :
فتلقين الأبناء هذه السيرة المباركة هو من أحسن الطرق لتشكيل شخصياتهم على هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم.
3- أخبارالصحابة والتابعين:
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مدحهم الله تعالى فى كتابه العزيز حيث قال ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنّات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم )
فلنجعلهم قدوة لأطفالنا , ونقص لهم أخبارهم بأسلوب شيّق وبسيط
4- عظماؤنا في التاريخ:
إن أمتنا هي أغنى الأمم بالعظماء، وما عرف تاريخ أمة من الأمم قدراً من العظماء يملئون التاريخ بمآثرهم وآثارهم كما عرف ذلك تاريخ أمتنا العظيمة.
ولكم يحتاج الأطفال فى زماننا إلى الإرتواء من نبع العظماء، إذ أننا فى عصر ندرت فيه صور التضحية والجهاد، والوفاء والإخلاص والإباء، فلم يعد من السهل على الطفل أن يرى هذه الصور حية أمام عينيه فى واقع الناس، اللهم إلا من فئة قد اعتصمت بكتاب الله وسنة رسول الله : ومن هنا تأتي أهمية قصص وأخبار العظماء إذ أن لها المقدرة على أن تجعل الطفل يرى مثل هذه الصور سمعاً وفهماً ، كما قال ابن الجوزي رحمه الله:
'عليكم بملاحظة سير السلف، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم'.
وهكذا، نجد أن لدينا نبعاً صافياً معطائاً للحكايات النافعة التى لا يستغني عنها أطفالنا ولا نستغن عنها نحن أيضاً كعامل مؤثر فى عملية التربية .
*********************************
الأسرة والطفل
ابنة اليم
همسة فى أُذن كل أب وكل أم
لكل طفل أسلوب تعامل مختلف ، وهذا الأسلوب يختلف من وقت لآخر ومن حالة مزاجية لأخرى ،ومن طفل لآخر ولكل مرحلة عُمرية أسلوب مختلف .
. وسنستعرض بعض الأساليب الخاطئة في التعامل مع الطفل لنتجنبها قدر المستطاع . . وهذه الأساليب نوجزها في النقاط التالية
. وسنستعرض بعض الأساليب الخاطئة في التعامل مع الطفل لنتجنبها قدر المستطاع . . وهذه الأساليب نوجزها في النقاط التالية
أولاً : الصرامة والشدة.
هذا الأسلوب أخطر ما يكون على الطفل إذا استخدم بكثرة .. فالحزم مطلوب في المواقف التي تتطلب ذلك .. أما العنف والصرامة فيزيدان من تعقيد المشكلة وتفاقمها، حيث ينفعل المربي فيفقد صوابه وينسى الحلم وسعة الصدر
فينهال على الطفل معنفاً له بأقسى الألفاظ، وقد يزداد الأمر سوءاً إذا قرن العنف والصرامة بالضرب .. الذي يفقد الطفل الشعور بالأمان والثقة بالنفس،
وقد يعلل الكبار قسوتهم على أطفالهم بأنهم يحاولون دفعهم إلى المثالية في السلوك والمعاملة والدراسة .. ولكن هذه القسوة قد تأتي برد فعل عكسي فيكره الطفل الدراسة أو يمتنع عن تحمل المسئوليات أو يصاب بنوع من البلادة
كما أنه سيمتص قسوة وانفعالات وعصبية الكبار فيختزنها ثم تبدأ آثارها تظهر عليه مستقبلاً فى صور عدوانية تجاه الآخرين
وقد يعلل الكبار قسوتهم على أطفالهم بأنهم يحاولون دفعهم إلى المثالية في السلوك والمعاملة والدراسة .. ولكن هذه القسوة قد تأتي برد فعل عكسي فيكره الطفل الدراسة أو يمتنع عن تحمل المسئوليات أو يصاب بنوع من البلادة
كما أنه سيمتص قسوة وانفعالات وعصبية الكبار فيختزنها ثم تبدأ آثارها تظهر عليه مستقبلاً فى صور عدوانية تجاه الآخرين
ثانياً : الدلال الزائد والتسامح.
هذا الأسلوب في التعامل لا يقل خطورة عن القسوة والصرامة... فالمغالاة في الرعاية والدلال ستجعل الطفل غير قادر على تكوين علاقات اجتماعية ناجحة مع الآخرين. أو تحمل المسؤولية ومواجهة الحياة...
لأنه لم يمر بتجارب كافية ليتعلم منها كيف يواجه الأحداث التي قد يتعرض لها .. و هذه العاطفة تصبح أحياناً سبباً في تدمير الأبناء، حيث يتعامل الوالدان مع الطفل بدلال زائد وتساهل بحجة رقة قلبيهما وحبهما لطفلهما ..
مما يجعل الطفل يعتقد أن كل شيء مسموح ولا يوجد شيء ممنوع ، فإذا ما كبر وخرج إلى المجتمع وواجه القوانين والأنظمة التي تمنعه من ارتكاب بعض التصرفات، ثار في وجهها وقد يخالفها دون مبالاة .. ضارباً بعرض الحائط النتائج السلبية لمخالفته..
مما يجعل الطفل يعتقد أن كل شيء مسموح ولا يوجد شيء ممنوع ، فإذا ما كبر وخرج إلى المجتمع وواجه القوانين والأنظمة التي تمنعه من ارتكاب بعض التصرفات، ثار في وجهها وقد يخالفها دون مبالاة .. ضارباً بعرض الحائط النتائج السلبية لمخالفته..
وليس معنى هذا أن ينزع الوالدان من قلبيهما الرحمة بل على العكس فالرحمة مطلوبة، ولكن بتوازن وحذر.. قال صلى الله عليه وسلم :" ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا" أفلا يكون لنا برسول الله أسوة.
ثالثاً : عدم الثبات في المعاملة.
يجب أن يتعلم الطفل الصواب من الخطأ ، وعلى الكبار أن يضعوا الأنظمة البسيطة ويشرحوها للطفل. وعندما يقتنع فإنه سيصبح من السهل عليه إتباعها...
ويجب مراجعة الأنظمة مع الطفل كل فترة ومناقشتها والتأكيد عليها مع الثبات في تطبيقها، فلا ينبغي أن نتساهل يوماً في تطبيق قانون ما ونتجاهله ثم نعود في اليوم التالي للتأكيد على ضرورة تطبيق نفس القانون...
لأن هذا التصرف قد يسبب الإرباك للطفل ويجعله غير قادر على تحديد ما هو مقبول منه وما هو مرفوض.. وفي بعض الحالات تكون الأم مثبتة في جميع الأوقات بينما يكون الأب عكس ذلك. ،
وقد يحدث العكس وهذا التذبذب والاختلاف بين الأبوين يجعل الطفل يقع تحت ضغط نفسي شديد يدفعه لارتكاب الخطأ.
ويجب مراجعة الأنظمة مع الطفل كل فترة ومناقشتها والتأكيد عليها مع الثبات في تطبيقها، فلا ينبغي أن نتساهل يوماً في تطبيق قانون ما ونتجاهله ثم نعود في اليوم التالي للتأكيد على ضرورة تطبيق نفس القانون...
لأن هذا التصرف قد يسبب الإرباك للطفل ويجعله غير قادر على تحديد ما هو مقبول منه وما هو مرفوض.. وفي بعض الحالات تكون الأم مثبتة في جميع الأوقات بينما يكون الأب عكس ذلك. ،
وقد يحدث العكس وهذا التذبذب والاختلاف بين الأبوين يجعل الطفل يقع تحت ضغط نفسي شديد يدفعه لارتكاب الخطأ.
رابعاً : عدم العدل بين الأخوة.
يتعامل الكبار أحياناً مع الأخوة بدون عدل فيفضلون طفلاً عن طفل .. لذكائه أو جماله أو حسن خلقه الفطري، أو لأنه ذكر -
مما يزرع في نفس الطفل الإحساس بالغيرة تجاه إخوته ويعبر عن هذه الغيرة بالسلوك الخاطئ والعدوانية تجاه الأخ المدلل بهدف الانتقام من الكبار وهذا الأمر حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: " اتقوا الله واعدلوا في أولادكم".
هذه كانت نقاط بسيطة يجب تلافيها لينشأ جيل من الأبناء أسوياء قادرين على تحمل أعباء الحياة
ولا ننسى أن طفل اليوم هو رجل الغد ، وابنة اليوم هى أم الغد وصانعة الرجال
هذه كانت نقاط بسيطة يجب تلافيها لينشأ جيل من الأبناء أسوياء قادرين على تحمل أعباء الحياة
ولا ننسى أن طفل اليوم هو رجل الغد ، وابنة اليوم هى أم الغد وصانعة الرجال
**************************************
صورة ومعلومة
بقلم : ابنةاليم
طيور النورس
طائر النورس يعيش قرب السواحل والجزروالمدن المطلة على البحار و هى تحب الحياة فى مستعمرات
يتغذى النورس على بيض الطيور الأخرى
وفراخ الطيور الصغيرة الأخرى
كما يتغذى على الأسماك و الحيوانات البحرية الصغيرة
طائر النورس يعيش قرب السواحل والجزروالمدن المطلة على البحار و هى تحب الحياة فى مستعمرات
يتغذى النورس على بيض الطيور الأخرى
وفراخ الطيور الصغيرة الأخرى
كما يتغذى على الأسماك و الحيوانات البحرية الصغيرة
تصدر نداءً خاصاً عندما ترى سرباً من السمك الصغير يطفو تحت سطح الماء ، فتسرع باقى طيور النورس لالتهام السمك
هل تعلم ؟!
أفاد تحليل صادر عن منظمة سويسرية عن وجود 11 نوعاً من أسماك القرش المهددة بالانقراض و5 أنواع أخرى بتراجع أعدادها.
*******************************************
واحة العلوم
ابنة اليم
تكريم العالم المصري "ممدوح غنيم" مكتشف علاج السرطان بالخميرة
27/03/2010
كرمت السفارة المصرية بواشنطن العالم المصري الدكتور ممدوح غنيم الذي اكتشف علاجا للسرطان باستخدام الخميرة المنزلية فيما كشف الدكتور غنيم أن أبحاثه مهددة بالتوقف في منتصف الطريق بسبب انعدام التمويل.
كرمت السفارة المصرية بواشنطن العالم المصري الدكتور ممدوح غنيم الذي اكتشف علاجا للسرطان باستخدام الخميرة المنزلية فيما كشف الدكتور غنيم أن أبحاثه مهددة بالتوقف في منتصف الطريق بسبب انعدام التمويل.
وأقام المكتب الثقافي برئاسة الدكتورة مها محمود حفل تكريم بالسفارة المصرية , قام خلاله سفير مصر لدى الولايات المتحدة سامح شكري بإهداء الدكتور غنيم درعا تقديرية وألقى كلمة أكد فيها حرص مصر على تكريم علمائها والتواصل معم أينما كانوا. وقال السفير إن هذه السلسلة من التكريمات لعلماء مصر وأبنائها المتفوقين في الخارج ستستمر ليكونوا مثالا يحتذى به من قبل أبناء الأمة.
وقد انتهى الدكتور غنيم من المرحلة الأولى من تجاربه المعملية على الفئران المحقونة بخلايا الأورام السرطانية التي تصيب البشر حيث أثبت من خلالها أن الخلايا السرطانية تلتهم الخميرة ثم تنتفخ و تنفجر أو تنكمش وتموت. كما وجد أن الخميرة تمنع أيضا انتشار الخلايا السرطانية وامتدادها إلى أجزاء أخرى من الجسم. وتبين من الأبحاث أن الخميرة لاتؤثر بأي حال على خلايا الجسم العادية والسليمة التي لاتقبل بدورها على الخميرة, على عكس الخلايا السرطانية.
وقال إنه يستخدم خميرة الخبز في حالتها العادية ويتم تحويلها إلى محلول ثم تحقن بجرعات متتالية داخل الأوردة لتصل عن طريق الدم إلى الخلايا السرطانية. كما وجد أن الخميرة تقوم أيضا بتجنيد كرات ا
لدم البيضاء لتشكل جبهة أخرى تهاجم الخلايا السرطانية وتقضي عليها.
لدم البيضاء لتشكل جبهة أخرى تهاجم الخلايا السرطانية وتقضي عليها.
المصدر نيل نيوز
*********************************************************************
واحة العلوم
***********
جزء من غلاف أحد أعداد مجلة National Geographic الذي تناول الخبر
الأستاذ الدكتور سلامه عبد الهادي
عميد كلية علوم الطاقة جامعة جنوب الوادي ـ أسوان
لواء أركان حرب سابق في الجيش المصري
**************
قال الله تعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(158)﴾ (النساء:157-158).
قصة المخطوطة
* تبدأ القصة حين تم اكتشاف مخطوطة باللغة القبطية لهذا الإنجيل ، أوائل السبعينيات (1972)، ضمن مخطوطات نجع حمادى. وهذه المخطوطة كانت على ورق البردى، بطريقة الكشكول Codex ، وهذا معناه أنها ترجع إلى القرن ال2 الميلادى.
* ومعروف أن البردى كان نباتاً ينمو على شاطئ النيل، وكانت تعالج سيقانه بطريقة خاصة، فيتحول إلى ورق للكتابة... لهذا يدعى البردى Papyrus، ومنه جاءت كلمة paper الإنجليزية، مما يظهر أن قدماء المصريين هم أول من اخترعوا الورق والكتابة عليه.
* وبعد العثور على المخطوطة من قبل بعض الفلاحين باعوها إلى تجار آثار، أخذوا يتحركون بها من مكان إلى آخر بحثاً عن أعلى سعر. وفى هذه الرحلة تم حفظ البردية في خزينة أحد البنوك لسنوات طويلة، فبدأت تتهرأ وتتآكل... (لاحظ أن البردى هو مجرد نبات يخضع لعوامل التعرية). وفى النهاية وصلت المخطوطة إلى يد العلماء، الذين بدوأ في تجميعها بمجهود شاق، ليعرفوا في النهاية أنها "إنجيل يهوذا".
في عددهـا الصادر في 7 إبريل 2006 ذكرت صحيفة الواشنطن تايمز THE WASHINGTON TIMES مقالا بعنوان Judas stars as 'anti-hero' in gospel By Julia Duin و جاء في هذا المقال أن الجمعية الجغرافية الدولية National Geographic أزاحت النقاب عن أحدى المخطوطات الأثرية أو الأناجيل التي عثر عليهـا في المنيا في مصر ويعود تاريخهـا إلى بداية القرن الثالث الميلادي.
* تبدأ القصة حين تم اكتشاف مخطوطة باللغة القبطية لهذا الإنجيل ، أوائل السبعينيات (1972)، ضمن مخطوطات نجع حمادى. وهذه المخطوطة كانت على ورق البردى، بطريقة الكشكول Codex ، وهذا معناه أنها ترجع إلى القرن ال2 الميلادى.
* ومعروف أن البردى كان نباتاً ينمو على شاطئ النيل، وكانت تعالج سيقانه بطريقة خاصة، فيتحول إلى ورق للكتابة... لهذا يدعى البردى Papyrus، ومنه جاءت كلمة paper الإنجليزية، مما يظهر أن قدماء المصريين هم أول من اخترعوا الورق والكتابة عليه.
* وبعد العثور على المخطوطة من قبل بعض الفلاحين باعوها إلى تجار آثار، أخذوا يتحركون بها من مكان إلى آخر بحثاً عن أعلى سعر. وفى هذه الرحلة تم حفظ البردية في خزينة أحد البنوك لسنوات طويلة، فبدأت تتهرأ وتتآكل... (لاحظ أن البردى هو مجرد نبات يخضع لعوامل التعرية). وفى النهاية وصلت المخطوطة إلى يد العلماء، الذين بدوأ في تجميعها بمجهود شاق، ليعرفوا في النهاية أنها "إنجيل يهوذا".
في عددهـا الصادر في 7 إبريل 2006 ذكرت صحيفة الواشنطن تايمز THE WASHINGTON TIMES مقالا بعنوان Judas stars as 'anti-hero' in gospel By Julia Duin و جاء في هذا المقال أن الجمعية الجغرافية الدولية National Geographic أزاحت النقاب عن أحدى المخطوطات الأثرية أو الأناجيل التي عثر عليهـا في المنيا في مصر ويعود تاريخهـا إلى بداية القرن الثالث الميلادي.
جزء من بردية إنجيل يهوذا
و أطلق على هذا الإنجيل اسم إنجيل يهوذا "The Gospel of Judas,"
وقد اعتبر يهوذا من تلاميذ السيد المسيح، ويذكره التاريخ القبطي أنه هو الرجل الذي خان المسيح و يقول المسلمون إن الله شبهه بالمسيح ليصلب بدلا منه وقد تم ترميم هذا الإنجيل بعد العثور عليه منذ أكثر من 15 عام و تمت ترجمته من اللغة القبطية إلى اللغة الانجليزية في نهاية عام 2005 وأفرج عن هذه الترجمة في 6 إبريل من عام 2006م وأصبح هذا الإنجيل يباع في الأسواق، وقد سجل الإنجيل قبل نهايته أي قبل انتهـاء بعثة المسيح مباشرة هذا النص كما تذكره الصحيفة المشار إليهـا في مقالهـا المذكور
Near the end of the Judas gospel, Jesus tells Judas he will "exceed" the rest of the disciples "for you will sacrifice the man that clothes me."
وهذا النص معناه أن المسيح يخاطب يهوذا في نهاية الإنجيل المنسوب إليه ويقول له أنه (أي يهوذا) سوف يختلف عن باقي الحواريين "exceed" the rest of the disciples وأنه سوف يكون الرجل ( the man ) الذي يضحى به كشبيه لي ( يلبسنى = clothes me)
ونقف ونتأمل كلمة يلبسني الذي عجز المترجم أن يكتبهـا كما جاءت في آيات القرآن "شبه لهم"
.. هكذا يظهر الله الحق وأن المسيح لم يصلب وإنما الشخص الذي صلب هو يهوذا .. وإذا كان المسيحيون قد ادعوا أن إنجيل برنابا تم تأليفه بعد بعثة الرسول فإن هذا المخطوط يؤكد قدمه من الكربون وأوراق البردي أنه مكتوب قبل القرن الثالث الميلادي، بحسب أقوال الصحيفة المشار إليهـا .. بمعنى قبل بعثة الرسول بثلاثة قرون .
هل شبه الله يهوذا بالمسيح لخيانته أم كما يقول أنه ضحى بنفسه من أجل المسيح، فلم يذكر القرآن نصاً فى هذا ولكن المسيحيون يدعون أن يهوذا خان المسيح ثم شنق نفسه بعد هذا .. وهذا الإنجيل يدعى أنهـا كانت تضحية من يهوذا صاحب هذا الإنجيل من أجل المسيح ... والله أعلم!!!!
Near the end of the Judas gospel, Jesus tells Judas he will "exceed" the rest of the disciples "for you will sacrifice the man that clothes me."
وهذا النص معناه أن المسيح يخاطب يهوذا في نهاية الإنجيل المنسوب إليه ويقول له أنه (أي يهوذا) سوف يختلف عن باقي الحواريين "exceed" the rest of the disciples وأنه سوف يكون الرجل ( the man ) الذي يضحى به كشبيه لي ( يلبسنى = clothes me)
ونقف ونتأمل كلمة يلبسني الذي عجز المترجم أن يكتبهـا كما جاءت في آيات القرآن "شبه لهم"
.. هكذا يظهر الله الحق وأن المسيح لم يصلب وإنما الشخص الذي صلب هو يهوذا .. وإذا كان المسيحيون قد ادعوا أن إنجيل برنابا تم تأليفه بعد بعثة الرسول فإن هذا المخطوط يؤكد قدمه من الكربون وأوراق البردي أنه مكتوب قبل القرن الثالث الميلادي، بحسب أقوال الصحيفة المشار إليهـا .. بمعنى قبل بعثة الرسول بثلاثة قرون .
هل شبه الله يهوذا بالمسيح لخيانته أم كما يقول أنه ضحى بنفسه من أجل المسيح، فلم يذكر القرآن نصاً فى هذا ولكن المسيحيون يدعون أن يهوذا خان المسيح ثم شنق نفسه بعد هذا .. وهذا الإنجيل يدعى أنهـا كانت تضحية من يهوذا صاحب هذا الإنجيل من أجل المسيح ... والله أعلم!!!!
هكذا يشهدون على أنفسهم .. ويشهد الله والمؤمنون عليهم
وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ...صدق الله العظيم
وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ...صدق الله العظيم
المصدر: صحيفة وشنطن تايمز على الرابط التالي:
http://www.washtimes.com/national/20060407-120642-3758r.htm
مجلة ناشونل جيوغرافيك
http://ngm.nationalgeographic.com/ngm/gospel/?fs=seabed.nationalgeographic.com
http://ngm.nationalgeographic.com/ngm/gospel/?fs=seabed.nationalgeographic.com
************************************************************
امرؤ القيس
نحو (130 - 80 ق. هـ = 496 - 544 م)
هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية بن ثور وهو كندة. شاعر جاهلي يعد أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل، مولده بنجد. كان أبوه ملك أسد وغطفان، ويروى أن أمّه فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير أخت كليب ومهلهل ابني ربيعة التغلبيين. وليس في شعره ما يثبت ذلك، بل إنه يذكر أن خاله يدعى ابن كبشة حيث يقول:
خالي ابنُ كبشة قد علمتَ مكانه - وأبو يزيدَ ورهطُهُ أعمامي
قال الشعر وهو غلام، وجعل يشبب ويلهو ويعاشر صعاليك العرب، فبلغ ذلك أباه، فنهاه عن سيرته فلم ينته، فأبعده إلى حضرموت موطن أبيه وعشيرته، وهو في نحو العشرين من عمره. أقام زهاء خمس سنين، ثم جعل يتنقل مع أصحابه في أحياء العرب، يشرب ويطرب ويغزو ويلهو، إلى أن ثار بنو أسد على أبيه فقتلوه، فبلغه ذلك وهو جالس للشراب فقال: رحم الله أبي! ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً، لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليوم خمر وغداً أمر. وذهب إلى المنذر ملك العراق، وطاف قبائل العرب حتى انتهى إلى السموأل، فأجاره ومكث عنده مدة، ثم قصد الحارث بن شمر الغساني في الشام، فسيره الحارث إلى القسطنطينية للقاء قيصر الروم يوستينياس، ولما كان بأنقرة ظهرت في جسمه قروح فأقام فيها إلى أن مات.
وليس يعرف تاريخ ولادة امرئ القيس ولا تاريخ وفاته، ويصعب الوصول إلى تحديد تواريخ دقيقة مما بلغنا من مصادر. وتذهب بعض الدراسات الحديثة إلى أن امرأ القيس توفي بين عام 530م. وعام 540م. وأخرى إلى أنّ وفاته كانت حوالي عام 550م. وغيرها تحدّد عام 565م. إلاّ أن هناك بعض الأحداث المثبتة تاريخياً ويمكن أن تساعد على تحديد الفترة التي عاش فيها.
يقول ابن قتيبة إن قبَّاذ ملك الفرس ملَّك الحارث بن عمرو جدّ امرئ القيس على العرب. ويقول أهل اليمن إن تبّعاً الأخير ملَّكه وكان الحارث ابن أخته، فلما هلك قبَّاذ خلفه ابنه أنو شروان فملَّك الحيرة المنذر بن ماء السماء. ولا يبدو من تناقض بين ما يراه ابن قتيبة وما يرويه عن أهل اليمن فليس بمستبعد أن تبّعاً هو من ولَّى الحارث ملكاً في الشمال. وكندة تعود إلى أصول يمنية، وذلك لا يمنع من أن يكون قبَّاذ قوَّى ملك الحارث وبسط نفوذه على مناطق لم تكن خاضعة له من قبل. وهذا ما يذهب إليه الأصبهاني ناقلاً عن كثير من الروايات المتفقة على أن قبَّاذ طرد المنذر من الحيرة لأنه رفض الدخول معه في الدعوة التي قام بها مزدك في عهده والتي يدعو فيها إلى إباحة الحرم، على حدّ تعبير الأصبهاني، وشدَّد ملك الحارث الذي أخذ بالمزدكية عقيدة، ويبدو أنه ملَّك الحارث على الحيرة مكان المنذر. ويرجّح أن الحارث أخذ بالمزدكية لبسط نفوذه ونفوذ قومه على شبه الجزيرة حتى أصبح بإمكانه أن يولّي أبناءه الملك على مناطق شاسعة. ولما مات قبَّاذ أخذ الحكم ابنه أنو شروان وذلك عام 531م. وكان على خلاف مع أبيه في شأن مزدك وتعاليمه، فأعاد المنذر إلى الحيرة، وقاتل الحارث الذي هرب إلى أرض كليب ونجا. ولا يعرف تاريخ وفاة الحارث، وتختلف الروايات عن كيفية موته: فكلب يزعمون أنهم قتلوه، وكندة تزعم أنه مات خلال رحلة صيد، وآخرون يقولون إنه مكث في بني كلب حتى مات حتف أنفه. ويستنتج ممّا تقدم أن حجراً كان ملكاً على أسد قبل عام 531م. حين كان أبوه ما يزال في أوج سلطته. ولا خلاف على مولد امرئ القيس ببلاد أسد أي أنه ولد قبل عام 531م. وأي تاريخ محدَّد يوضع لولادته ليس أكثر من مجرَّد تخمين.
وكذلك الأمر بالنسبة لتاريخ وفاته الذي يمكن أن يرجّح من خلال استقراء الأحداث التاريخية المدوَّنة كما وصلتنا. فقد ثارت بنو أسد وقتلت حجراً أباه، ولا يعرف لهذا الحدث تاريخ، إلاّ أن معظم الروايات التي يوردها الأصبهاني تتفق على أن امرأ القيس كان شاباً عند مقتل أبيه. ويروي أبو عمرو الشيباني (م206هـ) أن امرأ القيس قاتل مع أبيه ضد بني أسد حين انهزمت كندة، وفرَّ على فرس له شقراء بينما يروي ابن السكيت (م245هـ) أنه كان في مجلس شراب يلعب النرد حين أتاه نعي أبيه ووصيته بالثأر. غير أن الهيثم بن عدي (م 206هـ) يذكر أن امرأ القيس لما قتل أبوه كان غلاماً قد ترعرع. ولكن هذه الباحثة لا تطمئن إلى صحة هذه الرواية لأن امرأ القيس قال معظم شعره اللاهي، بما في ذلك مطوَّلته، "قفا نبكِ" قبل مقتل أبيه، وليس ذلك بشعر غلام، بل شعر رجل ناضج. كما أن هذه الرواية لا تؤيِّدها الروايات الأخرى عن مقتل حجر التي تجعل من الشاعر إما مقاتلاً في جيش أبيه وإما لاهياً يقول: "ضيّعني صغيراً وحمَّلني دمه كبيراً" حسب رواية ابن الكلبي (م204هـ). كما أنها تنفي روايات سعيه للثأر لأبيه، المتفق عليها، فكيف يسعى غلامٌ ذلك المسعى الكبير.
وأما الحدث الذي يسهم، دون غيره، في تحديد الفترة التي توفي فيها امرؤ القيس، فهو ذهابه إلى القسطنطينية ولقاؤه قيصر الذي توجّه إليه لطلب المعونة في استرداد ملك أبيه، مستغلاً العداوة التاريخية بين الروم والفرس وصراعه مع المنذر بن ماء السماء الذي أعاده أنو شروان إلى الحيرة طارداً منها جدّه الحارث. وقد كانت بين امرئ القيس وبين المنذر حروب طويلة. وكان إمبراطور بيزنطية حينذاك يوستنيانوس، وهو آخر أعظم أباطرة بيزنطية، وقد حكم من عام 527م. إلى 565م.، وخاض حروباً امتدت طوال حياته ضد أنو شروان، وكانت أنطاكية والمناطق المحيطة بها مسرحاً لتلك الحروب. وقد تم توقيع أول معاهدة سلم بينهما عام 532م.، وسُمِّيت "معاهدة السلام الأبدي". غير أن الحرب عادت إلى الاشتعال وسقطت أنطاكية بيد الفرس عام 540م. وبقيت بأيديهم حتى عام 545م. حين وقَّعت بينهما اتفاقية هدنة. وتجدَّدت الحرب عام 551م، واتفق مجدَّداً على هدنة عام 557م، ولم تعد أنطاكية إلى بيزنطية إلاّ عام 561م. حين اتفق يوستنيانوس وأنو شروان على هدنة لمدّة خمسين سنة بشرط أن تدفع بيزنطية الجزية لفارس.
ولعلَّه يصحّ الاستنتاج ممَّا تقدّم أن امرأ القيس لم يذهب إلى القسطنطينية إلا بعد عام 561م، بعد انتهاء تلك الحروب وبعد عودة أنطاكية إلى الروم، لأن طريق رحلته إلى القسطنطينية تمرّ في تلك المناطق التي لن يجتازها وهي بأيدي أعدائه من الفرس وأنصارهم من العرب. وقد وفَّر امرؤ القيس نفسه دليلاً على الطريق التي سلكها في تلك الرحلة في قصيدته "سما لك شوق بعدما كان أقصرا"، وفيها يذكر بلاد الشام التي مرَّ بقراها ومدنها كحوران وبعلبك وحماه وخملى، ومنها إلى أراضي الإمبراطورية الرومانية الشرقية. ومن هنا تميل هذه الباحثة إلى تحديد تاريخ وفاة امرئ القيس، التي تجمع الروايات أنها حدثت في طريق عودته من القسطنطينية، بين عام 563م. و 564م. وقبل عام 565م، تاريخ وفاة يوستنيانوس.
ويذهب الرواة إلى أن قيصر بعث إليه في طريق عودته بحلّة مسمومة تقرّح جلده حين لبسها ومات، بعد أن كان قد أحسن وفادته زوَّده بجيش لمساعدته في استرداد ملك أبيه، وإن اختلفوا في الأسباب التي قادته إلى قتله. ورواية الحلّة المسمومة ظاهرة التهافت وكذلك قصة قتله والوشاية به، وليس في شعره ما يوحي بذلك. ويبدو أن امرأ القيس مات بمرض جلديّ يذكره في شعره، وقد عانى منه في السابق وإن لم يكن بالحدّة نفسها، وهو افتراض يدعمه بيت شعر قاله:
تأوَّبني دائي القديمُ فغلّسا - أُحاذِرُ أن يرتدَّ دائي فأُنْكَسا
عاش امرؤ القيس حياة غنيّة بالتجربة بين قطبي اللهو الحرب. وكان في عزّة ورخاء عيش حين كان أبوه ملكاً، يلهو ويشرب ويذهب إلى الصيد ويقول الشعر، إلى أن طرده أبوه فكان يسير في أحياء العرب مع شذّاذهم مواصلاً حياة اللهو والشرب والأكل والغناء. وبعد مقتل أبيه حرَّم على نفسه الخمر والنساء حتى يأخذ بثأره، وواصل السعي لاسترداد الملك المفقود. وسيرة امرئ القيس تكشف جوانب تاريخية مهمّة من تاريخ القبائل العربية في تلك الحقبة، من اليمن إلى أواسط شبه الجزيرة وشمالها، وتتضمّن صورة من صور الصراع المحتدم بين الروم والفرس وعملائهم من الغساسنة واللّخميين. وكان امرؤ القيس قد طاف في طول شبه الجزيرة وعرضها باحثاً عن أنصار لدعمه في سعيه للثأر لأبيه واسترداد ملكه أو هارباً من أعدائه. لقد استنصر أولاً بكراً وتغلب فنصروه وقاتلوا معه بني أسد حتى كثرت فيهم الجرحى والقتلى وهربوا، ولكنهم رفضوا أن يلحقوا ببني أسد حين أراد امرؤ القيس أن يتبعهم بحجة أنه قد أصاب ثأره. فذهب إلى اليمن واستنصر أزد شنوءة فأبوا أن ينصروه. فلحق بحمير فساعدته، واستأجر من قبائل العرب رجالاً وسار بهم إلى بني أسد، والتقاه المنذر ومعه جيوش من إياد وبهراء وتنوخ مع جيش من الأساورة أمدّه به أنو شروان. فتفرَّقت حمير وهرب هو وجماعنه، فنزل في رجل من بني حنظلة ولبث عنده حتى بعث المنذر إلى الرجل مائة من أصحابه يوعده بالحرب إن لم يسلِّم امرأ القيس وجماعته، ونجا امرؤ القيس وابنته هند ويزيد بن معاوية بن الحارث ابن عمه، والتجأ عند سعد بن الضباب الإيادي، ثم نزل في بني نبهان من طيء، وبعدها انتقل إلى رجل من بني ثعل من طيء استجار به فوقعت بين الثعلي وبعض أعداء امرئ القيس حرب فخرج من عندهم ونزل برجل من بني فزارة قيل إنه هو من نصحه بالذهاب إلى قيصر، وأرسله إلى السموأل بتيماء فاستودعه دروعه وماله وابنته وبقي معها ابن عمه. وبعث به السموأل إلى الحارث بن أبي شمر الغسّاني بالشام الذي أوصله إلى قيصر. والحارث، وهو الذي ملَّكه الإمبراطور البيزنطي على الشام ليقاتل أعداء الإمبراطورية وبالأخص أنصار الفرس من العرب وعلى رأسهم اللخميين ممثلين بالمنذر بن ماء السماء، عدو امرئ القيس، ليس من المستغرب أن يساعد عدوّ عدوّه على الوصول إلى غايته ليشتد في قتال ذلك العدو. ولا مجال لإثبات ما إذا كان قيصر قد دعمه بجيش كما قال الرواة العرب، وليس بمستبعد أن لا يفعل ذلك خصوصاً إذا قبلنا الافتراض بأن امرأ القيس توجَّه إليه بعد توقيع هدنة الخمسين سنة مع أنو شروان، بعد استرداد أنطاكية.
إن ما يبرز ممّا ذكرنا من أحداث هو أن هذه الفترة من تاريخ العرب كانت فترة صراع داخلي بين القبائل العربية المشتَّتة الولاء بين الروم والفرس، القوَّتين العظميين في ذلك الزمان، وقطبي الصراع السياسي العنيف في ذلك التاريخ، وكانت تلك المرحلة مرحلة انحسار سياسي واقتصادي واجتماعي في تاريخ شبه الجزيرة العربية، فاليمن سقط سنة 525م. تحت الاحتلال الحبشي، وسقطت بذلك مملكة كندة التي استمدَّت كيانها وقوّتها من اليمن، وتناثرت القبائل التي اتحدت تحت لوائها بعد أن كانت ? على حدّ قول برنارد لويس- بما حقَّقته من مكانة وانتصارات وتوسّع، أعظم اتحاد قبل الإسلام، بين قبائل الشمال والوسط، وصلت إلى ذروة نضجها في القرن السادس الميلادي، ولها تدين اللغة العربية الموحَّدة ويدين التراث الشعري الموحَّد، بنشأتهما وتطوّرهما. وقد أخفقت محاولة امرئ القيس في تجميع شتات تلك القبائل وإعادة بناء المملكة، وكانت محاولة فردية جاءت في وقت عمَّ فيه الانحلال والفوضى والانهيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وظلَّ الانحدار مستمراً، ولكنه كان ينطوي على بذور نهضة كبيرة فتَّقتها الدعوة الإسلامية ففجَّرت انبعاثاً حضارياً أصيلاً حقَّق للعرب وحدتهم السياسية ودولة امتدَّت من الصين إلى أواسط أوروبا.
وقال عنه ابن بليهد: بلدته (أي امرؤ القيس) ذو جرة قرية بمخلاف "السكاسك" في اليمن، وهو رجل كان كثير التنقل في أول شبابه، ولذلك ورد في شعره كثير من أسماء المواضع في مختلف أنحاء الجزيرة؛ فذكر مواضع من حضرموت، كدمون وعندل، ومواضع في شمال نجد كأسيس والطها وتيماء السموءل، ومواضع في عالية نجد الشمالية، كمنعِج وعاقِل؛ ومواضع في عالية نجد الجنوبية، كالدخول وحومل وتوضح والمقراة. ومن عادة الشعراء المتقدمين ذكر المواضع المتباعدة في القصيدة الواحدة. بل في البيت الواحد وقد وفد على قيصر ملك الروم، وهو يقول في هذه الرحلة:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه - وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
وإذا كان الحديث يجر بعضه بعضاً فإني أحب أن أشير إلى غلط وقع فيه كثير من الباحثين في المواضع، وهو الاعتقاد بأن بلد الشاعر صاحب هذه المعلقة هي "مراة" المعروفة في الوشم، وأول من علمته وقع في هذا الخطأ كاتب نشر في جريدة "أم القرى" منذ ثلاث وعشرين سنة تقريباً رحلة بعنوان "الرحلة السلطانية". ثم أتى كاتب آخر فنشر رحلة أخرى في جريدة "صوت الحجاز" في سنتها الأولى، قال فيها إن "مراة" هي "المقراة" التي وردت في شعر امرئ القيس، ثم جاء كاتب ثالث فقال في كتاب مطبوع معروف: إن امرأ القيس ولد في "مراة" وآخر من علمته وقع في ذلك الخطأ: الأستاذ أحمد حسين في كتابه "مشاهداتي في جزيرة العرب". ومنشأ هذا الخطأ: أن "مراة" قد نسبت في بعض مؤلفات القدامى إلى امرئ القيس، ولكن اسم امرئ القيس اسم شائع في العهد الجاهلي، واشتهر به كثير من الشعراء وغيرهم، وللأستاذ حسن السندوبي بحث ممتع عن "المراقسة" طبعه مع ديوان امرئ القيس، وفي "المزهر" للسيوطي و "شعراء النصرانية" لليسوعي تفصيل عنهم. والذي وقع في مؤلفات أسلافنا من العلماء صحيح. ولكن امرأ القيس الذي تنسب إليه "مراة" ليس هو امرؤ القيس بن حُجر الكندي، صاحب المعلقة؛ فقد جاء هذا الخطأ من الاغترار بذكر "امرئ القيس" وإنما هو امرؤ القيس بن زيد مناة بن تميم، وتميم هم سكان الوشم في العهد القديم. فمراة لبني امرئ القيس، وثرمداء لبني سعد، وأثيفية لبني يربوع من بني حنظلة الذين منهم بلال الشاعر، وذات غسل لبني العنبر. وامرؤ القيس بن حجر الشاعر المشهور لم يسكن مراة المعروفة في بلاد الوشم.
وقد اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف على حياتهم، فقد قالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن امرئ القيس في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: امرؤ القيس بن حجر، أقدم وأكثر شعراء الجاهلية الذين وصلت أعمالهم إلينا إثارة للاهتمام. كان عربياً نبيل الدم ينحدر من ملوك حمير من كندة، الذين حكموا جزءاً من اليمن تحت سلطة رئيس عائلتهم، توبا، التي عرف بها أو لقب إمبراطور اليمن. يقول أبو عبيدة، مؤرخ عاش في زمن هارون الرشيد إن هؤلاء قد حصلوا على ملكهم في أيام مملكة حمير، حيث انحدرت بعض القبائل من وائل ووجدوا أنفسهم في حالة من الفوضى لافتقارهم إلى رئيس كبير، فعقدوا اجتماعاً وقالوا:" صار للحمقى منا اليد الطولى وأكل القوي فينا الضعيف. لنذهب إلى توبا عله ينصب رئيساً علينا." فوضعهم تحت حكم قريبه حجر عقيل المرار الكندي وحكمهم حجر وأولاده من بعده. كان حجر والد امرؤ القيس الحفيد الأول لحجر الأول. الشيء نفسه حدث معه حيث اختارته قبيلة بني أسد وقطفان حاكماً عليهما. كان ملوك كندي آخر الذين حكموا اليمن من حمير وعادوا إلى موطنهم الأصلي حمير في حضرموت في آخر قرن قبل الإسلام.
والده حجر بن حارث أمير قبيلتي بني أسد وقطفان في اليمن. أنزل منزلة خاصة في خيمة والده كونه أصغر أخوته، وكذلك احتفت به نساء القبيلة في شبابه لوسامته وفطنته، ونسبت له كثير من المغامرات الغرامية بما في ذلك ما ذكره في معلقته. غضب والده عليه بسبب فضائحه وإفراطه في شعر الحب، فأرسله كما الحال والشباب في هذه الأيام ليرعى إبله في مكان بعيد في الصحراء، لكن هذا لم يستمر طويلاً. أهمل مهمته وقضى وقته في نظم الشعر عن دوابه وفرس والده، حتى أوكل إليه العمل كمجرد راعي خراف ما أعتبره امرؤ القيس إهانة عظيمة. جرح هذا كبرياءه فرفض وخرج في زمرة من الصعاليك حتى طرد أخيراً من مناطق نفوذ والده.
وكان الرجال الذين يرتكبون أخطاء أخلاقية بحق القبيلة يطردون منها وينبذون من قبل أفراد القبيلة. ما زال هؤلاء الهاربين يشكلون عصابات من اللصوص الخارجين عن القانون حتى هذه الأيام، وهم أشد خطراً على المسافرين من غزوات البدو العادية. يعيشون في الجبال بين الصخور وفي الكهوف حيثما وجدت في الجزيرة. وصفهم دوفتي باسم " هبيلة " في كتابه " الصحراء العربية " يقول:" الهبيلة أشرار الصحراء الذين يخشاهم رجال القبائل البدو الرحل، كما يخشى الحضر وسكان الواحات البدو. الهبيلة عادة شباب أوغاد لا يملكون ماشية أو قطعان يعرضون أنفسهم لكل مخاطرة شرسة، لكن بعضهم رجال وحيدين مفعمين بالنشاط يحركهم مزاجهم غير الهادىء من كسلهم في ظل الخيام إلى التجوال خلسة كالذئاب بحثاً عن فريسة في البراري. يتحمل هؤلاء الخارجين عن القانون المصاعب الشاقة وغالباً ما تكون لهم صفات الوثنية المتوحشة. يقال إنهم لا يتركون أحداً حياً. إلى حد ما هم دوماً من الخدم الذين لا يفهمون بسهولة ويترصدون فريستهم تحت الصخور وفي الأدغال. خلال سنوات ترحاله والسنوات التي تلت، عندما كان في الخامسة والعشرين تقريباً، كتب معلقته الشهيرة، أول المعلقات.
كما تزوج في الفترة نفسها زوجته الأولى، لم يكن ذلك أقل أعماله الطائشة، إذ قيل إنه أقسم بعدم الزواج ثانية إلا أن يقابل المرأة التي تحل لغزاً ابتدعه. كان سؤال اللغز " ما ثمانية وأربعة واثنان ?" وكانت الإجابة التي يتلقاها عادة " الرقم 14 " حتى كان يوماً فيه مسافراً في نجد، وقابل في طريقه شيخاً مع ابنته الذكية التي حلت اللغز بقولها:" أما ثمانية فأطباء الكلبة، وأما أربعة فأحلاف الناقة وأما اثنان فثديا المرأة." فخطبها إلى أبيها فزوجه إياها وأنجب منها عدة أبناء وابنته هند. لا تعرف زوجة امرؤ القيس الأولى باستثناء أنها من عائلة كريمة. وشرطت هي عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال. فجعل لها ذلك وأن يسوق لها مائة من الإبل وعشر أعبد وعشرة وصائف وثلاث أفراس. ففعل ذلك. ثم أن بعث عبداً له إلى المرأة وأهدى إليها نحياً من السمن ونحياً من عسل وحلة من عصب. فنزل العبد ببعض المياه فنشر الحلة ولبسها فتعلقت بعشرة فانشقت. وفتح النحيين فطعم أهل الماء منهما فنقصا. ثم قدم على حي المرأة وهو خلوف. فسألها عن أبيها وأمها وأخيها ودفع إليها هديتها. فقالت له أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيداً ويبعد قريباً، وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين، وأن أخي يراعي الشمس وأن سماءكم انشقت وأن وعاءكم نضبا. فقدم الغلام على مولاه فأخبره. فقال: أما قولها إن أبي ذهب يقرب بعيداً ويبعد قريباً فإن أباها ذهب يحالف قوماً على قومه. وأما قولها ذهبت أمي تشق النفس نفسين، فإن أخاها في سرح له يرعاه فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به. وأما قولها: إن سماءكم انشقت فإن البرد الذي بعثت به انشق. أما قولها إن وعاءكم نضبا، فإن النحيين الذين بعثت بهما نقصا. فأصدقني. فقال : يا مولاي، إني نزلت بماء من مياه العرب. فسألوني عن نسبي فأخبرتهم إني ابن عمك ونشرت الحلة فانشقت وفتحت النحيين فأطعمت منهما أهل الماء. فقال: أولى لك!
ثم ساق مائة من الإبل وخرج نحوها ومعه الغلام. فنزل منزلاً. فخرج الغلام يسقي الإبل فعجز، فأعانه امرؤ القيس فرمى به الغلام في البئر، وخرج حتى أتى المرأة بالإبل وأخبرهم أنه زوجها. فقيل لها: قد جاء زوجك. فقالت: والله ما أدري أزوجي هو أم لا! ولكن انحروا له جزوراً وأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا. فقالت: اسقوه لبناً جزوراً وهو الحامض فسقوه فشرب. فقالت: افرشوا له الفرث والدم. ففرشوا له فنام فلما أصبحت أرسلت إليه إني أريد أن أسألك. فقال: سلي عما شئت. فقالت: مما تختلج شفتاك? قال لتقبيلي إياك. قالت: فمم يختلج كشحاك? قال: لالتزامي إياك. قالت: فمما يختلج فخذاك? قال لتوركي إياك. قالت: عليكم العبد فشدوا أيديكم به. ففعلوا. قال: ومر قوم فاستخرجوا امرؤ القيس من البئر. فرجع إلى حيه. فاستاق مائة من الإبل وأقبل إلى امرأته. فقيل لها قد جاء زوجك. فقالت: والله ما أدري أزوجي هو أم لا، ولكن انحروا له جزوراً فأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا. فلما أتوه بذلك قال: وأين الكبد والسنام والملحاء! فأبى أن يأكل. فقالت: اسقوه لبناً حارزاً. فأبى أن يشربه وقال: فأين الصريف والرثيئة! فقال: افرشوا له عند الرف والدم. فأبى أن ينام وقال: افرشوا لي فوق التلعة الحمراء واضربوا عليها خباء. ثم أرسلت إليه: هلم شريطتي عليك في المسائل الثلاث. فأرسل إليها أن سلي عما شئت. فقالت: مما تختلج شفتاك? قال: لشرب المشعشعات. قالت: فمما يختلج كشحاك? قال: للبسي الحبرات. قالت: فمما تختلج فخذاك? قال لركضي المطهمات. فقالت: هذا زوجي لعمري! فعليكم به واقتلوا العبد. فقتلوه. ودخل امرؤ القيس بالجارية.
أتاه أثناء تجواله نعي أبيه وقد قتل في تمرد بني أسد. أوصى الوالد قبل موته بمواشيه وقطعانه لمن يأخذ بثأره من أبنائه ولا يبكي حين يأتيه خبر موته. بكى الأبناء الكبار كلهم، لكن امرؤ القيس كان منهمكاً في لعبة الداما عند وصول الخبر فلم يوله اهتماماً حتى أتم لعبته وربحها. ثم دون إشارة على أسى نهض وامتطى حصانه وعاد مع الرسل الذين جلبوا الخبر ليستعد للأخذ بالثار. هذا ما أراده حجر وبذلك حصل امرؤ القيس على الإرث.
وشكك بعض المعلقين الأوائل في أن هذا هو الاسم الحقيقي للشاعر الذي اسماه ابن قاسم المغربي "جنداه" مفسراً أن اسم امرؤ القيس كان مجرد اسم مستعار فقط. يقولون إن امرؤ القيس تعني "رجل الأسى" وإن الاسم المستعار أعطي للشاعر بسبب المحن التي واجهها. يقول الشيخ محمد عبده، أعظم دارس للعربية في عصرنا، إن هذا غير صحيح. يؤكد أن معنى امرؤ القيس ببساطة هو "الرجل" أي عبد قيس، أحد الآلهة الوثنية عند العرب، وإن الاسم استخدم دوماً كاسم علم مثلما يستخدم المسلمون الآن اسم عبد الله والمسيحيون عبد المسيح. صحيح أن قيس تحمل معنى الأسى أو المصاعب وربما كان الصنم يعني قديس الأسى الورع. يتكلم المؤرخون اليونانيون عن الشاعر ببساطة باسم قيس.
كان ما تبقى من تاريخ حياته، كما رواه صاحب كتاب الأغاني المصدر الرئيسي لمثل هذه القصص حكاية طويلة من المصاعب جلبتها عليه طاعته لوالده. عند عودته إلى اليمن، ناصره أقاربه من تغلب وبكر في قتاله فوراً- تنحدر القبيلتان من وائل وينتمي امرؤ القيس إلى تغلب من جهة أمه. إنهما القبيلتان اللتان شكت أمرهما إلى عمر بن هند، ما سبب في نظم معلقة عمر بن كلثوم والحارث- وأوقع اتحادهم الرعب في بني أسد، حتى أنهم أرسلوا رسلاً إلى امرؤ القيس عارضين، علاوة على الفدية المعتادة، تقديم أحد زعمائهم إليه ليفعل به ما يشاء. لكن بعد قضاء امرؤ القيس ليلة قلقة رفض في الصباح والدموع في عينيه كل مساومة. أعاد الرسل وهاجم بني أسد. حدث أن خيم هؤلاء مع قبيلته كنانة. ثم هجم قبل بزوغ الفجر تماماً مما أدى إلى ذبح رجال تغلب وبكر دون علم بعض أفراد من قبيلة كنانة التي لم تكن لها عداوة معهما. غضبت القبيلتان من امرؤ القيس حملاه مسؤولية الخطأ، مع ذلك تبعوا معه قبيلة بني أسد عند نبع ماء وهزموهم، وإن فر بعضهم أثناء الليل. أراد امرؤ القيس مطاردتهم، لكن تغلب وبكر رفضتا وتركتاه لائمتان " ويل لك، أنت رجل شؤم! " وعادتا إلى ديارهما. طلب امرؤ القيس مساعدة أقاربه الآخرين، لكنهم رفضوا تباعاً، وبمساعدة مرتزقة من القبائل فقط استطاع الأخذ بثأره. يقال إنه عندما أدرك بني أسد في " بباله " وبها صنم تعظمه العرب يقال له ذو الخلصة. متبعاً عادة عربية وثنية، استقسم عنده بقداحة وهي ثلاثة الآمر والناهي والمتربص. فأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي ثم أجالها فخرج الناهي. فجمعها وكسرها وضرب بها وجه الصنم وقال: مصصت بظر أمك! لو أبوك قتل ما عقتني " ثم خرج فظفر ببني أسد.
وصلت هذه الأخبار المنذر ملك الحيرة، فأرسل فرسان ضد امرؤ القيس الذي هرب من مكان إلى آخر ومن قبيلة إلى أخرى، من اليمن حتى نهر الفرات، باحثاً عن مأوى وحاملاً معه ما تبقى من إرث. كان يستقبل في كل مكان بالترحاب بسبب قصائده، لكن بخشية من غضب ملك الحيرة. جاء في ترحاله إلى تلال طي، وعجا وسلمى (جبل شمر الآن) فاستقبله زعيم طي استقبالاً حسناً، وزوجه من ابنة من قبيلة أم جندب التي كانت زوجته الثانية. يقال إنها كانت ذكية أيضاً وفي أحد الأيام، كانت تصغي من خلف ستارة إلى زوجها وشاعر غريم، علقمه، يلقيان بقصائد في مدح خيولهما، وكان الحكم من أفضل منهما. منحت الجائزة للغريب وحجتها أن امرؤ القيس افتخر بسرعة جواده لأنه يحثه بصوته وسوطه، بينما افتخر الآخر بأن جواده ليس بحاجة لهذا. غضب امرؤ القيس وطلقها في الحال وسافر بحثاً عن مكان إقامة جديد مريح، وعداوة المنذر تطارده.
وكان هناك ثأر عائلي بين ملوك كندة وملوك الحيرة سبب ذلك كما ذكر في كتاب الأغاني: في الأيام التي كان الحارث بن حجر ملك كندة والمنذر ملك الحيرة وكسرى كبعد الفيروز على عرش فارس، ظهر في البلاط الفارسي مدرساً اسمه مردك بمذهب جديد بشر بثنائية الله (كروح طيبة وأخرى شريرة) وكذلك بمشاعة الحريم وإلى حد ما لا ينبغي على رجل رفض تقديم زوجته لرجل آخر. اعتنق كبعد هذه المبادىء وطلب من المنذر وأتباعه اعتناقها أيضاً وكذلك الحارث.
أطاع الحارث طلبه، لكن المنذر رفض. لهذا السبب فصل كعبد المنذر من حكومته وعين الحارث حاكماً للحيرة مكانه. حدث أن كان كبعد جالساً مع زوجته يوماً، أم ابنه أنوشروان، وطلب مردك الملكة لإشباع شهوته. وافق كسرى، لكن أنوشروان نقم على إهانة أمه وتوسل مردك أن يتراجع حتى لو طلب منه تقبيل قدمه. أذعن مردك لذلك، غير أن المرارة بقيت في نفس أنوشروان. عند وفاة كبعد وتولي أنوشروان الحكم، انتقم من مردك وطائفته، الزنادقة، وقضى عليهم وأعاد المنذر إلى مملكته. كما أرسل فرسانه الفرس مع المنذر لإخراج الحارث من حكم الحيرة ومعهم رجال بني تغلب والبحرة وإياد وتبع المنذر الحارث حتى إلى أرض كليب، وأخذ بني تغلب من الحارث ثروته وثمانية وأربعين من رجال بيته، الذين ذبحهم المنذر في حفر الأملاك في أرض مزينا، وعلى هذا أنشد عمر بن كلثوم:
وسيد معشر قد توجوه - بتاج الملك يحمي المحجرينا
أخيراً بعد ترحال طويل لجأ إلى السموءل الذي بني لنفسه حصناً في واحة تيما شمال نجد، حيث كان بإمكانه تحدي كل القادمين. يقال إن امرؤ القيس كان ما زال يحمل خمسة أطقم قتال ورثها عن أجداده، لكل منها اسم، كما كانت سيوف الفرسان الأبطال المسيحيين. كان معه ابنته هند وابن عمه زيد. استقبل السموءل كل هؤلاء تحت حمايته وبقوا هناك حتى زادت ضغوط المنذر ولم يود امرؤ القيس توريط مضيفه في المشاكل وبناءً على نصيحته ذهب إلى القيصر في القسطنطينية.
كان وضع الحدود الشمالية للجزيرة العربية آنذاك مثلما هي اليوم أو قبل مئة سنة بين القبائل والإمبراطورية العثمانية. ادعى الإمبراطور، الذي لا يملك أي سلطة حقيقية جنوب فلسطين، دوماً ملكية الجزيرة بكاملها، بينما في الجزء الشرقي من الصحراء، ادعى كسرى فارس أن له سلطان على قبائل الفرات عبر وسائط ملوك الحيرة. وعليه، كان الإمبراطور الحامي الطبيعي ضد المنذر، ولم يكن طلب امرؤ القيس بلا طائل. مر عبر حكام فلسطين وسوريا وآسيا الصغرى إلى القسطنطينية، ووصل بلاط الإمبراطور حيث استقبل بكل حفاوة. أهله منصبه كأمير من عائلة كندي الملكية في حمير الدخول إلى الإمبراطور شخصياً ونزل في القصر مثلما كان الأمراء الأعوان المنفيين من نجد ينزلون في قصر يلدز. مع ذلك، لم يستمر حسن طالعه طويلاً حيث اتهم بعلاقة غرامية مع ابنة الإمبراطور، فأجبر على الرحيل ثانية عائداً صوب بلده، لكنه لم يعش حتى يراها. لحقه ضباط القيصر في أ نقرة وتظاهروا بتقديم هدية وداع له من سيدهم عبارة عن رداء شرف مسموم أدى إلى قتله، كما يقال سنة 565 ميلادية وهو في الخامسة والأربعين. كان قبره موجوداً حتى القرن الثاني الهجري.
كسب السموءل سمعة جيدة بين العرب لإخلاصه في هذه المغامرة. ضغط عليه خادم الإمبراطور الحارث ملك غسان لإعطائه الأطقم الخمسة المتروكة في عهدته في تيما، لكنه رفض ودفع حياة ابنه ثمناً لذلك، الذي قبض عليه الحارث كرهينة، وهكذا بقيت أمانته مضرب مثل بين العرب لوقت طويل.
يعرف وزن بيت معلقة امرؤ القيس بالبحر الطويل حيث ينتهي كل بيت بتفعيلة مزدوجة وبصوت " لي " يقول المستشرقون إنها الأنموذج الذي استخدمه باقي شعراء المعلقات تقريباً وأسس لمدرسة جديدة في الشعر العربي قبل ذلك. بين المعلقات السبع هي التي تحتوي على أهم العناصر الإنسانية والطبيعية وأقلها قدحاً، كما أنها الأسهل للفهم. باستثناء النقل المفاجيء من موضوع إلى آخر، ما هو مشترك بين المعلقات كلها، هناك قليل من الإرباك أو ما يصعب فهمه. يبدأ الشاعر بمغامراته الغرامية المروية بواقعية ثم يذهب إلى وصف الليل في الصحراء والسحر وامتطاء جواده، وقيادة الضباء والاحتفال عند الغروب. تنتهي القصيدة بصورة عاصفة مفاجئة بيت التلال، قطعة تعتبر أرفع مستوى من الشعر وصل إلينا من شعراء الصحراء. إنها أول وأسهل المعلقات السبع ومبنية بأقل فن واع لذاته.
وقال دبليو إى كولستون عن امرئ القيس في كتاب من تحريره وتقديمه عن الشعر العربي: كان ابن حجر بن الحارث أميراً من قبيلة كندة. اسمه الحقيقي صندج، سمي امرؤ القيس لكثرة ما ألم به من مصائب. أطلق الرسول عليه لقب "الملك الضليل" لكونه أفضل شعراء عرب الجاهلية، كما قال فيه أيضاً إن بإمكانه قيادته إلى المحن. يلمح إلى مغامراته الغرامية مع فتاة من قبيلة أخرى في معلقته. سخط والده عليه ونفاه من القبيلة. هام سنوات حيث عاش حياة مجنون بين عرب الصحراء، حياة محفوفة بالمخاطر تشوبها الفاقة، تتراوح بين الوقوف ببئر ماء إلى الاحتفال ورفاقه بلحم ناقة واحتساء خمر بينما تغني المطربات. وهكذا كان الشاعر منهمكاً في الشراب واللعب عندما جاءه رسول من قبيلته يعلمه بمقتل والده من قبل متمردين من رعيته. لم يجب أمرؤ القيس وقال لرفيقه الذي توقف عن اللعب " استمر " لكن عند نهاية اللعبة قال لرفيقه إنه لم يود إفساد لعبته، ثم التفت إلى الرسول واستمع إلى تفاصيل اغتيال والده وقال " ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً، اليوم خمر وغداً أمر".
زحف امرؤ القيس بجيش من قبيلتي تغلب وبكر (لم تكونا على خلاف آنذاك) إلى المتمردين الذين فروا خشية ثأره واحتموا بملك الحيرة، حينئذ تخلى أنصاره عنه فطلب العون من أمير الحمرية مرتضى الخير، الذي وعده بخمسة مئة رجل، لكنه مات ولم يبد خلفه حماساً لمساعدة الأمير التعيس.
التجأ امرؤ القيس إلى مطالعة طالعه، كما كانت عادة العرب في الجاهلية قبل اتخاذ قرار. سحب سهام الحظ الثلاثة " الأمر، الناهي، والمتربص" وكان المنع حظه ثلاث مرات. كسر الأسهم وألقى بها في وجه الصنم قائلاً:" لو أبوك قتل ما عقتني ".
حين وجد أنه لن يحصل على مساعدة من أمير اليمن، قصد بلاط الإمبراطور جوستينين، لكن لسوء حظه أن عربياً كان قد سبقه هناك وكان والد امرؤ القيس قد قتل والده، فلعب في عقل الإمبراطور وجعله يحقد على امرؤ القيس. غادر امرؤ القيس البلاط فلحقه رسول بثوب مسموم إلى أنقرة وما أن لبسه حتى أصيب بألم حاد وغطى جسده القرح ومات بعد حين. كانت آخر كلماته:
رب خطبة مسحنفره - وطعنة مثعنجرة
وجفنة متحيرة - حلت بأرض أنقرةال
المعلقة
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها
لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْألِ
تَرَى بَعَرَ الأرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَـا
وَقِيْعَـانِهَا كَأنَّهُ حَبُّ فُلْفُــلِ
كَأنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُـوا
لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ
وُقُوْفاً بِهَا صَحْبِي عَلَّي مَطِيَّهُـمُ
يَقُوْلُوْنَ لاَ تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَمَّـلِ
وإِنَّ شِفـَائِي عَبْـرَةٌ مُهْرَاقَـةٌ
فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَـا
وَجَـارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَـلِ
إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَـا
نَسِيْمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ
فَفَاضَتْ دُمُوْعُ العَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً
عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِي مِحْمَلِي
ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِـحٍ
وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُـلِ
ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَي مَطِيَّتِـي
فَيَا عَجَباً مِنْ كُوْرِهَا المُتَحَمَّـلِ
فَظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِيْنَ بِلَحْمِهَـا
وشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّـلِ
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْـزَةٍ
فَقَالَتْ لَكَ الوَيْلاَتُ إنَّكَ مُرْجِلِي
تَقُولُ وقَدْ مَالَ الغَبِيْطُ بِنَا مَعـاً
عَقَرْتَ بَعِيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ
فَقُلْتُ لَهَا سِيْرِي وأَرْخِي زِمَامَـهُ
ولاَ تُبْعـِدِيْنِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّـلِ
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِـعٍ
فَأَلْهَيْتُهَـا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْـوِلِ
إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ
بِشَـقٍّ وتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَـوَّلِ
ويَوْماً عَلَى ظَهْرِ الكَثِيْبِ تَعَـذَّرَتْ
عَلَـيَّ وَآلَـتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّـلِ
أفاطِـمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ
وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي
أغَـرَّكِ مِنِّـي أنَّ حُبَّـكِ قَاتِلِـي
وأنَّـكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ
وإِنْ تَكُ قَدْ سَـاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَـةٌ
فَسُلِّـي ثِيَـابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُـلِ
وَمَا ذَرَفَـتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِـي
بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّـلِ
وبَيْضَـةِ خِدْرٍ لاَ يُرَامُ خِبَاؤُهَـا
تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَـلِ
تَجَاوَزْتُ أحْرَاساً إِلَيْهَا وَمَعْشَـراً
عَلَّي حِرَاصاً لَوْ يُسِرُّوْنَ مَقْتَلِـي
إِذَا مَا الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ
تَعَـرُّضَ أَثْنَاءَ الوِشَاحِ المُفَصَّـلِ
فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا
لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ
فَقَالـَتْ : يَمِيْنَ اللهِ مَا لَكَ حِيْلَةٌ
وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِـي
خَرَجْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَـا
عَلَـى أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّـلِ
فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَـى
بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ
هَصَرْتُ بِفَوْدَي رَأْسِهَا فَتَمَايَلَـتْ
عَليَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ
مُهَفْهَفَـةٌ بَيْضَـاءُ غَيْرُ مُفَاضَــةٍ
تَرَائِبُهَـا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَــلِ
كَبِكْرِ المُقَـانَاةِ البَيَاضَ بِصُفْــرَةٍ
غَـذَاهَا نَمِيْرُ المَاءِ غَيْرُ المُحَلَّــلِ
تَـصُدُّ وتُبْدِي عَنْ أسِيْلٍ وَتَتَّقــِي
بِـنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِـلِ
وجِـيْدٍ كَجِيْدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِـشٍ
إِذَا هِـيَ نَصَّتْـهُ وَلاَ بِمُعَطَّــلِ
وفَـرْعٍ يَزِيْنُ المَتْنَ أسْوَدَ فَاحِــمٍ
أثِيْـثٍ كَقِـنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِــلِ
غَـدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إلَى العُــلاَ
تَضِلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنَّى وَمُرْسَــلِ
وكَشْحٍ لَطِيفٍ كَالجَدِيْلِ مُخَصَّــرٍ
وسَـاقٍ كَأُنْبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّــلِ
وتُضْحِي فَتِيْتُ المِسْكِ فَوْقَ فِراشِهَـا
نَئُوْمُ الضَّحَى لَمْ تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّـلِ
وتَعْطُـو بِرَخْصٍ غَيْرَ شَثْنٍ كَأَنَّــهُ
أَسَارِيْعُ ظَبْيٍ أَوْ مَسَاويْكُ إِسْحِـلِ
تُضِـيءُ الظَّلامَ بِالعِشَاءِ كَأَنَّهَــا
مَنَـارَةُ مُمْسَى رَاهِـبٍ مُتَبَتِّــلِ
إِلَى مِثْلِهَـا يَرْنُو الحَلِيْمُ صَبَابَــةً
إِذَا مَا اسْبَكَرَّتْ بَيْنَ دِرْعٍ ومِجْـوَلِ
تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجَالِ عَنْ الصِّبَـا
ولَيْـسَ فُؤَادِي عَنْ هَوَاكِ بِمُنْسَـلِ
ألاَّ رُبَّ خَصْمٍ فِيْكِ أَلْوَى رَدَدْتُـهُ
نَصِيْـحٍ عَلَى تَعْذَالِهِ غَيْرِ مُؤْتَــلِ
ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَــهُ
عَلَيَّ بِأَنْـوَاعِ الهُـمُوْمِ لِيَبْتَلِــي
فَقُلْـتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّـى بِصُلْبِــهِ
وأَرْدَفَ أَعْجَـازاً وَنَاءَ بِكَلْكَــلِ
ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِــي
بِصُبْحٍ وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَــلِ
فَيَــا لَكَ مَنْ لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَـهُ
بِـأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْــدَلِ
وقِـرْبَةِ أَقْـوَامٍ جَعَلْتُ عِصَامَهَــا
عَلَى كَاهِـلٍ مِنِّي ذَلُوْلٍ مُرَحَّــلِ
وَوَادٍ كَجَـوْفِ العَيْرِ قَفْرٍ قَطَعْتُــهُ
بِـهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كَالخَلِيْعِ المُعَيَّــلِ
فَقُلْـتُ لَهُ لَمَّا عَوَى : إِنَّ شَأْنَنَــا
قَلِيْلُ الغِنَى إِنْ كُنْتَ لَمَّا تَمَــوَّلِ
كِــلاَنَا إِذَا مَا نَالَ شَيْئَـاً أَفَاتَـهُ
ومَنْ يَحْتَرِثْ حَرْثِي وحَرْثَكَ يَهْـزَلِ
وَقَـدْ أغْتَدِي والطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَـا
بِمُنْجَـرِدٍ قَيْـدِ الأَوَابِدِ هَيْكَــلِ
مِكَـرٍّ مِفَـرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِـرٍ مَعــاً
كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
كَمَيْتٍ يَزِلُّ اللَّبْـدُ عَنْ حَالِ مَتْنِـهِ
كَمَا زَلَّـتِ الصَّفْـوَاءُ بِالمُتَنَـزَّلِ
عَلَى الذَّبْلِ جَيَّاشٍ كأنَّ اهْتِـزَامَهُ
إِذَا جَاشَ فِيْهِ حَمْيُهُ غَلْيُ مِرْجَـلِ
مَسْحٍ إِذَا مَا السَّابِحَاتُ عَلَى الوَنَى
أَثَرْنَ الغُبَـارَ بِالكَـدِيْدِ المُرَكَّـلِ
يُزِلُّ الغُـلاَمُ الخِفَّ عَنْ صَهَـوَاتِهِ
وَيُلْوِي بِأَثْوَابِ العَنِيْـفِ المُثَقَّـلِ
دَرِيْرٍ كَخُـذْرُوفِ الوَلِيْـدِ أمَرَّهُ
تَتَابُعُ كَفَّيْـهِ بِخَيْـطٍ مُوَصَّـلِ
لَهُ أيْطَـلا ظَبْـيٍ وَسَاقَا نَعَـامَةٍ
وإِرْخَاءُ سَرْحَانٍ وَتَقْرِيْبُ تَتْفُـلِ
ضَلِيْعٍ إِذَا اسْتَـدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَـهُ
بِضَافٍ فُوَيْقَ الأَرْضِ لَيْسَ بِأَعْزَلِ
كَأَنَّ عَلَى المَتْنَيْنِ مِنْهُ إِذَا انْتَحَـى
مَدَاكَ عَرُوسٍ أَوْ صَلايَةَ حَنْظَـلِ
كَأَنَّ دِمَاءَ الهَـادِيَاتِ بِنَحْـرِهِ
عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بِشَيْـبٍ مُرَجَّـلِ
فَعَـنَّ لَنَا سِـرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَـهُ
عَـذَارَى دَوَارٍ فِي مُلاءٍ مُذَبَّـلِ
فَأَدْبَرْنَ كَالجِزْعِ المُفَصَّـلِ بَيْنَـهُ
يِجِيْدٍ مُعَمٍّ فِي العَشِيْرَةِ مُخْـوَلِ
فَأَلْحَقَنَـا بِالهَـادِيَاتِ ودُوْنَـهُ
جَوَاحِـرُهَا فِي صَرَّةٍ لَمْ تُزَيَّـلِ
فَعَـادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَـةٍ
دِرَاكاً وَلَمْ يَنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَـلِ
فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِن بَيْنِ مُنْضِجٍ
صَفِيـفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيْرٍ مُعَجَّـلِ
ورُحْنَا يَكَادُ الطَّرْفُ يَقْصُرُ دُوْنَـهُ
مَتَى تَـرَقَّ العَيْـنُ فِيْهِ تَسَفَّـلِ
فَبَـاتَ عَلَيْـهِ سَرْجُهُ ولِجَامُـهُ
وَبَاتَ بِعَيْنِـي قَائِماً غَيْرَ مُرْسَـلِ
أصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيْضَـهُ
كَلَمْـعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّـلِ
يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيْحُ رَاهِـبٍ
أَمَالَ السَّلِيْـطَ بِالذُّبَالِ المُفَتَّـلِ
قَعَدْتُ لَهُ وصُحْبَتِي بَيْنَ ضَـارِجٍ
وبَيْنَ العـُذَيْبِ بُعْدَمَا مُتَأَمَّـلِ
عَلَى قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أَيْمَنُ صَوْبِـهِ
وَأَيْسَـرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُـلِ
فَأَضْحَى يَسُحُّ المَاءَ حَوْلَ كُتَيْفَةٍ
يَكُبُّ عَلَى الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
ومَـرَّ عَلَى القَنَـانِ مِنْ نَفَيَانِـهِ
فَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مَنْـزِلِ
وتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَـةٍ
وَلاَ أُطُمـاً إِلاَّ مَشِيْداً بِجِنْـدَلِ
كَأَنَّ ثَبِيْـراً فِي عَرَانِيْـنِ وَبْلِـهِ
كَبِيْـرُ أُنَاسٍ فِي بِجَـادٍ مُزَمَّـلِ
كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُـدْوَةً
مِنَ السَّيْلِ وَالأَغثَاءِ فَلْكَةُ مِغْـزَلِ
وأَلْقَى بِصَحْـرَاءِ الغَبيْطِ بَعَاعَـهُ
نُزُوْلَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المُحَمَّلِ
كَأَنَّ مَكَـاكِيَّ الجِـوَاءِ غُدَّبَـةً
صُبِحْنَ سُلافاً مِنْ رَحيقٍ مُفَلْفَـلِ
كَأَنَّ السِّبَـاعَ فِيْهِ غَرْقَى عَشِيَّـةً
بِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيْشُ عُنْصُـلِ





