- 27 أغسطس 2008
- 4,802
- 44
- 0
- الجنس
- ذكر
|*| [ دِمَشْقُ بَعْدَ تِسْعينَ عَاما] في مـنـامِ منـامِ الشيخِ الأديبِ/ عليّ الطنطاويّ |*|

أَحَلَى مَا سَجَعَتْ بِهِ بَلابِلُ الأَقْلامِ, وَأَغْلَى مَا انْتَظَمَتْ فِيهِ عُقُودُ البَلاغَةِ وَالانْسِجَام حَمْدُ مَوْلانَا الَّذِي شَرَّفَ لُغَةَ الْعَرَبِ, وَأَرْسَلَ لَنَا نَبِيًّا مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ الرِّيَبِ, سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَمَنْ صَحِبَ, أمَّا بَعْدُ :
فَقَدْ وَقَعَ بَيْنَ يَدَيَّ كِتَابُ (الْبَوَاكِيرِ) لِلْأَدِيبِ الْأَلْمَعِيِّ الشَّيْخِ اللَّوْذَعَيِّ/ عَلِيِّ الطَّنْطَاوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مُتَقَلَّبَهُ وَمَثْوَاهُ, فَتَنَاوَلْتُهُ كَمَا يُتَنَاوَلُ الْكِتَابُ الْمَرْقُوْمُ, وَفَضَضْتُهُ كَمَا يُفَضُّ الرَّحِيقُ الْمَخْتُومُ, وَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ حَوَى مِنَ الْمَبَانِي أَدَقَّهَا, وَمِنَ الْمَعَانِي أَسْمَاهَا وَأَرَقَّهَا, إِنْ أَرَدْتَ القِصَصَ الْرَّمْزيَّة, فَهِيَ فِيهِ جَلِيَّةٌ, وَإِنْ أَرَدْتَ الْمُشَاهَدَاتِ وَ الْخَوَاطِرَ, فَفِيهِ مَا يُؤْنِسُ
النَّاظِرَ, وَيُبْهِجُ الْخَاطِرَ !
وَإِنْ رُمْتَ السَّبِيلَ إِلَى الإِصْلَاحِ, فَمِنْهُ خُذْ سَبِيلَكَ غُدُوًّا وَبِالرَّوَاحِ !
وَإِنْ أَرَدْتَ نَهْضَةً لِلأُمَّةِ, فَقَدْ سَطَّرَ بِكُلِّ عِزَّةٍ وَهِمَّةٍ, كَلِمَاتٍ وَتَوْجِيهَاتٍ تُعِيدُ النَّصْرَ وَتَكْشِفُ الغُمَّةَ !

غلاف البواكير : وكتاب البواكير هذا يحوي بواكير مقالات الشيخ علي الطنطاوي , ومن هنا جاءت تسميته, وهو أول ما كتبه, وآخر ما طبع, فقد كتب الشيخ علي مقالاته في مرحلته العمرية من سن العشرين إلى السادسة والعشرين, وطبع في جمادى الآخرة 1430هـ الطبعة الأولى. ويحوي الكتاب ما يزيد على 70 مقالة, ويقع في 326 صفحة من القطع المتوسط.
وَلَا غَرْوَ وَلَا عَجَبَ, فَمُؤَلِّفُ الْكِتَابِ أَدِيبٌ أَرِيبٌ وَفَقِيهٌ نجيب : إِنَّهُ الطَّنْطَاوِيُّ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ :
" كَأَنَّهُ قَبْضَةٌ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ, عُجِنَتْ بِنَهْرَيْ النِّيلِ وَالفُرَاتِ, لَوْحَتُهَا شَمْسُ صَحْرَاءِ الْعَرَبِ, فَانْطَلَقَتْ بِإْذْنِ رَبِّهَا نَفْسًا عَزِيزَةً أَبِيَّةً, تُنَافِحُ عَنِ الدَّعْوَةِ وَتَذُودُ عَنْ حِيَاضِ الدِّينِ "
بَلْ قَالَ عَنْهُ الأَدِيبُ الدُّكْتُورُ عَائِضُ القَرْنِيُّ حَفِظَهُ اللَّهُ :
" لَمْ أَقْرَأُ لِأَدِيبٍ مُعَاصِرٍ أَعْذَبَ عِبَارَةً ، وَأَلْطَفَ إِشَارَةً ، وَأَحْسَنَ لَفْظًا, وَأَعْظَمَ سِرًّا، وَأَبْرَعَ كِتَابَةً، وَأَجْمَلَ أُسْلُوبًا مِنْهُ".
وَقَدْ اسْتَلَلْتُ مَقَالَةً ذَاتَ هَدَفٍ سَمِيٍّ, وَأُسْلُوبٍ عَلِيٍّ مِنْ كِتَابِهِ الآنِفِ الذِّكْرِ (البَوَاكِيرِ).
جَمَعَتِ الْمَقَالَةُ فُنُونًا أَدَبِيَّةً, وَمَعَانِيَ دُرِّيَةً, تَهْدِفُ إِلَى نُصْحِ الأُمَّةِ, وَالمُبَادَرَةِ إِلَى إِصْلَاحِ أَحْوَالِهَا قَبْلَ أَنْ يَحِينَ النَّدَمُ ! وَلاتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ !
دُونَكُمْ الْمَقَالَةَ؛ فَلْتَقْرَأُوهَا, وَلْتَتَأَمَّلُوهَا, وَلْتَسْتَخْرِجُوا مِنْهَا الْفَوَائِدَ وَالْعِبَرَ وَتَصْطَادُوا أَجْمَلَ الْجُمَانِ وَالدُّرَرِ.
[frame="2 80"]
[دِمَشْقُ بَعْدَ تِسْعِينَ عَامًا]
(( أخرج هذا "الطنطاوي" أولى رسائله فأغضبت وأرضت, ثم قفَّى على إثرها بالثانية فلم تَدَعْ راضياً عنه أحدا, ولم يدَعِ النّاسُ لفظةً في دواوين اللغة تدل على الانتقاص والشتيمة إلا رموه بها غيبةً وحضورا, حتى ضاق بخصومتهم ذرعا, فحدَّث عن نفسه فقال : لفظتني النوادي وجانبني الرفاق, وضاقت عليّ الأرض بما رحُبت, حتى لا أرى إلا وجوهاً تعلوها سيما الغضب, وأصواتاً تملؤها كلمات الشتم.
ذهبتُ إلى منزلي فراراً من الناس, فلم يستقرّ بي المقام فيه حتى خرجتُ منه مَوْهناً, وكانت ليلةً ظلماء لا نور فيها إلا هذه النجوم المتلألئة في سمائها الصافية, ولا صوت إلا صوت قدمي على بلاط شارع بغداد الذي أسير فيه مغرّبا, لا أعرف لي قصداً ولا غاية, وقد تاه بصري في دجى الليل وفكري فيما وراء المادة.
كدتُ أسير إلى الصباح ما دمتُ لا أفكر في شيءٍ وأفكر في كل شيء, لولا أن استوقفني شعور برهبة اعتراني, فعادتْ إليّ نفسي. فبصُرْتُ ما حولي فإذا أنا بين الأموات! وإذا أنا قد قطعتُ هذه الأسلاك الشائكة التي تفصل شارع بغداد عن مقبرة الدَّحْداح ودخلتُ المقبرة, فتمثلتْ لي شواهدها الماثلة أشباحاً مخيفة, فمُلئتُ رعباً وفزعاً, وخانتني رجلاي فسقطت مكاني, وأحسستُ بشيء سقط عليه رأسي فكان له كالوسادة, وإذا هو قبر!
وأحس حركة, فألتفتُ فأرى القبر ينشقّ فيخرج منه ميت قد تقطع كفنه, ويقترب مني فأجمد في مكاني ولا يبقى حياً مني إلا سمعي, فأسمعه يقول : أيها الولد الخبيث! ما أنت ونقدَ الشيوخ وإصلاحهم, وهلا أصلحت إخوانك وأترابك من الشبان؟ أيها الشرير, ألا تبصر أخلاقهم؟ ألا ترى تقليدهم الغربيين؟ أعَميتَ عن كل هذا ولم يبقَ محتاجاً إلى الإصلاح إلا الشيوخ؟ ويلك! ألستَ تزعم أنك من صالحي الشبان, وأنت لا تزيد على فرضك, وربما تهاونت به أحيانا؟ فهلا عمدتَ إلى نفسك فبدأتَ بإصلاحها؟ الويل لك الليلة من انتقامي وبطشي!
ويُعقَد لساني فلا أرد عليه حرفاً, ويقترب مني, حتى إذا لم يبقَ بيني وبينه إلا ذراع أحسّ بحركة, وأرى سحابةً كبيرة تمر من فوقنا, فيلامسه ريحها فيسقط ميتاً وأغوص في الأرض عشرة أذرع.
مرَّتْ مدة الله أعلم بمداها, ثم صحوتُ, فرأيتُ البلاد تغيَّرتْ ومن عليها, فلم يعد هناك مقبرة ولا بساتين, بل شارع ضخم على جانبيه القصور الفخمة ذات العشرين طبقة, وأهله كلهم يلبسون القبعات واللباس الأوروبي, فعرفتُ في الحال أنني في باريس!
اقتربتُ من أحد الناس فقلت له بالفرنسية التي أعرف منها شيئاً : بونجور. فصعَّدَ فيّ نظره وصوَّب, وتأملني باسماً متهكماً, ثمّ سار ولم يردّ عليّ شيئا. فرجعتُ إلى نفسي فوجدتني غريباً في زيي, وكيف لا يكون غريباً من يلبس الطربوش ومن لم يقص شاربيه؟ فأسرعتُ إلى حلاق فحلقت, واشتريت قبعة, وخرجت أنظر متعجباً, لا أجرؤ على السؤال عن اسم المدينة وعن تاريخ اليوم لما لاقيتُ من الرجل الأول.
وأرى شيخاً هِمًّا فأتخيل أني أعرفه, وأتقرب منه فأجده صديقي فلان, وقد كانت سنه حينما فارقته عشر سنوات, فأتعجب من شيخوخته وشيبه وأنا أكبر منه ولا أزال شاباً! ولا أعرف بأي لغة أخاطبه فأقول له: السلام عليكم بونجور غودمورنينغ!
فيرد علي قائلاً: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, ويعجب من سلامي, فأنتسب له فيعرفني ويهشّ لي ويقول: كيف عدتَ إلينا وقد حسبناك متّ منذ تسعين سنة؟
- إن لي لخبراً طويلا, ولكن أخبرني قبلُ: في أي سنة نحن الآن؟
- في السنة 2019 ميلادية.
- وما هذه المدينة؟
- عجيب منك, ألا تعرفها؟ هذه دمشق.
- دمشق؟ ماذا تقول؟ أرجوك ألا تهزأ بي.
- جداً أقول إنها دمشق.
- زمتى كان لدمشق مثل هذا الغنى وهذه العظمة والرقي؟
- لا تغتر, فما لدمشق منه شيء, ولكنه شارع الأجانب, والأجانب –تجاراً وصناعاً- هم سادة المدينة وعظماء أهلها ومالكو زمام أمورها.
- وماذا فعل أهلها؟ فلقد تركتهم على أبواب نهضة اقتصادية كبرى, ولقد أسسوا معامل للدباغة والنسيج و...
- آه, لقد ذكرتني عهداً كنت له ناسياً, ولا يعرفه ممن ترى غيري. إن ما تقوله صحيح, ولكن... آه! عمَّ أحدثك؟ هلمَّ, هلمَّ إلى أحد المقاهي فإنني لا أطيق الوقوف.
وندخل المقهى فتأتينا فتاة كأنها فلقة البدر تسألنا طلبنا, ويجيبها رفيقي بلغة لا أدري ألاتينية هي أم هي لغة الصين, فتنحني قليلاً وتنصرف. فأقول له: ما هذه الفتاة؟ وبأي اللغات تكلمها؟
- إنك قد قطعت عليّ حديثي الأول, ولكني مخبرك عن سؤالك. ليس من كلمت بفتاة ولكنه شاب.
- شاب؟ شاب؟! وما هذا الشعر الطويل؟ وما هذه الثياب القصيرة؟ وما هذه الأصبغة؟ وما هذا الكحل في العينين؟
- نعم يا سيدي, إنه شاب, وهكذا كل الشبان اليوم, لا يعرفون إلا التجمل والرقة, أما الأعمال الكبرى والمشروعات العظيمة فكلها بيد المرأة!
- ماذا تقول؟ أبُدِّلت الأرضُ غير الأرض؟ أم قامت الساعة؟ أم طلعت الشمس من مغربها؟ أم ماذا؟
- إنّ شيئاً من ذلك لم يكن, ولكن هذه "الموضة" التي بدأت في زمانكم بحلق شاربَي الرجل وشعر المرأة, وحضورها في الكليات وعقدها المجامع, واشتغاله بالزينة وعكوفه عليهاو قد جرّنا إلى ما ترى, وما خفي عنك أعظم. وأما هذه اللغة فما هي إلا خليط من اللغة العامية واللغات الأجنبية, وأما الفصحى فلم يعد يعرفها إلا المنقطعون لدراستها, وقليل ما هم! ودعني أتمّ لك حديثي الأول: إن هذه النهضة الاقتصادية التي بدأت في زمنك, والتي سارت سيراً حسناً حينما أقبل الطلاب على مساعدتها, لم تلبث أن ركد ريحها وتقاربت خطاها لانقطاع الناس عن مساعدتها ومثابرتهم على شراء البضائع الأجنبية, فضعفت, ثم اضمحلَّت فلم يبقَ لها أثر. وخلا الجو لقُبَّرة أوربا, ولكن لا صائدَ لها!
وهنا جاءت (أو جاء) الكارسون بقدحين من الخمر, فقلت: خمر؟ أأنا أشرب الخمر؟!
- مهلا يا أخي, فما في المدينة شراب سواه, وإن هذه الحانات التي كانت في زقاق رامي (الذي يُرى اليوم في مخططات دمشق الأثرية) وإهمال الحكومة أمر إغلاقها وتحريم تعاطي ما فيها قد سبّبَ لنا هذا البلاء العام والشر المستطير.
- ولكني لا أشربه
- ولماذا؟
- عجيب! أليس بحرام؟
- حرام؟ هاهاها! ما بقي من يقول حرام وحلال.
- ماذا؟ وهل ذهب الدين؟
- أليس لك بذهابه علم؟ هاك المسجد الأموي, لا يدخل إليه إلا المتفرجون, لا المصلون. ولا تعجب من هذا, فإنك تعرف أن شبان زمانك كانوا يتهاونون بأمور الدين ويتغافلون عنها, وسار أولادهم في طريقهم, فنشأ هذا النشء الذي لا يعرف من الدين إلا الاسم.
وطلب إلي صديقي أن أقوم معه لندور في المدينة, فامتطينا, سيارة, فرأيت ميداناً عظيماً فيه تمثال, فقلت له: تمثال من هذا؟
- ليس تمثالاً لبشر, ولكنه تمثال الحرية.
- وما تمثال الحرية؟
- هو ...
وهنا صدمتنا سيارة أخرى, فصحتُ: وارأساه!
ففُتح عليّ الباب, وأفقتُ فإذا أنا في الفراش. وإذا هي دمشق لا باريس, وسنة 1929 لا سنة 2019, لا بنايات ولا تماثيل, ولا تهتك ولا إلحاد, وإذا كل ما رأيتُ رؤيا منام وأضغاث أحلام!))
[/frame]
وَأَخَالُ أَنَّ قَاِرئَ الْمَقَالَةِ بَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنْ قِرَاءَتِهَا سَيَنْطِقُ قَائِلاً :
ومقالـةٌ ألفاظـها *** في النظم كالدر النثير
جاءت إليَّ كأنها التـ *** وفيق في كل الأمور
بأرق من شكوى وأحـ *** سن من حياةٍ في سرور
لو قابلت أعمى لأصـ *** بـح وهو ذو طرف بصير
وكأنها أملٌ تحقق بعـ *** د يأس في الصدور
أو كالفقيد إذا أتت *** بقدومه بشرى البشير
أو كالشفاء لمدنف *** أو كالأمان لمستجير
قدمه إليكم الفقير إلى عفو ربه الغنيّ :
أبو طارق المكيّ
الإثنين 20/4/1431هـ

أَحَلَى مَا سَجَعَتْ بِهِ بَلابِلُ الأَقْلامِ, وَأَغْلَى مَا انْتَظَمَتْ فِيهِ عُقُودُ البَلاغَةِ وَالانْسِجَام حَمْدُ مَوْلانَا الَّذِي شَرَّفَ لُغَةَ الْعَرَبِ, وَأَرْسَلَ لَنَا نَبِيًّا مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ الرِّيَبِ, سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَمَنْ صَحِبَ, أمَّا بَعْدُ :
فَقَدْ وَقَعَ بَيْنَ يَدَيَّ كِتَابُ (الْبَوَاكِيرِ) لِلْأَدِيبِ الْأَلْمَعِيِّ الشَّيْخِ اللَّوْذَعَيِّ/ عَلِيِّ الطَّنْطَاوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مُتَقَلَّبَهُ وَمَثْوَاهُ, فَتَنَاوَلْتُهُ كَمَا يُتَنَاوَلُ الْكِتَابُ الْمَرْقُوْمُ, وَفَضَضْتُهُ كَمَا يُفَضُّ الرَّحِيقُ الْمَخْتُومُ, وَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ حَوَى مِنَ الْمَبَانِي أَدَقَّهَا, وَمِنَ الْمَعَانِي أَسْمَاهَا وَأَرَقَّهَا, إِنْ أَرَدْتَ القِصَصَ الْرَّمْزيَّة, فَهِيَ فِيهِ جَلِيَّةٌ, وَإِنْ أَرَدْتَ الْمُشَاهَدَاتِ وَ الْخَوَاطِرَ, فَفِيهِ مَا يُؤْنِسُ
النَّاظِرَ, وَيُبْهِجُ الْخَاطِرَ !
وَإِنْ رُمْتَ السَّبِيلَ إِلَى الإِصْلَاحِ, فَمِنْهُ خُذْ سَبِيلَكَ غُدُوًّا وَبِالرَّوَاحِ !
وَإِنْ أَرَدْتَ نَهْضَةً لِلأُمَّةِ, فَقَدْ سَطَّرَ بِكُلِّ عِزَّةٍ وَهِمَّةٍ, كَلِمَاتٍ وَتَوْجِيهَاتٍ تُعِيدُ النَّصْرَ وَتَكْشِفُ الغُمَّةَ !

غلاف البواكير : وكتاب البواكير هذا يحوي بواكير مقالات الشيخ علي الطنطاوي , ومن هنا جاءت تسميته, وهو أول ما كتبه, وآخر ما طبع, فقد كتب الشيخ علي مقالاته في مرحلته العمرية من سن العشرين إلى السادسة والعشرين, وطبع في جمادى الآخرة 1430هـ الطبعة الأولى. ويحوي الكتاب ما يزيد على 70 مقالة, ويقع في 326 صفحة من القطع المتوسط.
وَلَا غَرْوَ وَلَا عَجَبَ, فَمُؤَلِّفُ الْكِتَابِ أَدِيبٌ أَرِيبٌ وَفَقِيهٌ نجيب : إِنَّهُ الطَّنْطَاوِيُّ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ :
" كَأَنَّهُ قَبْضَةٌ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ, عُجِنَتْ بِنَهْرَيْ النِّيلِ وَالفُرَاتِ, لَوْحَتُهَا شَمْسُ صَحْرَاءِ الْعَرَبِ, فَانْطَلَقَتْ بِإْذْنِ رَبِّهَا نَفْسًا عَزِيزَةً أَبِيَّةً, تُنَافِحُ عَنِ الدَّعْوَةِ وَتَذُودُ عَنْ حِيَاضِ الدِّينِ "
بَلْ قَالَ عَنْهُ الأَدِيبُ الدُّكْتُورُ عَائِضُ القَرْنِيُّ حَفِظَهُ اللَّهُ :
" لَمْ أَقْرَأُ لِأَدِيبٍ مُعَاصِرٍ أَعْذَبَ عِبَارَةً ، وَأَلْطَفَ إِشَارَةً ، وَأَحْسَنَ لَفْظًا, وَأَعْظَمَ سِرًّا، وَأَبْرَعَ كِتَابَةً، وَأَجْمَلَ أُسْلُوبًا مِنْهُ".
وَقَدْ اسْتَلَلْتُ مَقَالَةً ذَاتَ هَدَفٍ سَمِيٍّ, وَأُسْلُوبٍ عَلِيٍّ مِنْ كِتَابِهِ الآنِفِ الذِّكْرِ (البَوَاكِيرِ).
جَمَعَتِ الْمَقَالَةُ فُنُونًا أَدَبِيَّةً, وَمَعَانِيَ دُرِّيَةً, تَهْدِفُ إِلَى نُصْحِ الأُمَّةِ, وَالمُبَادَرَةِ إِلَى إِصْلَاحِ أَحْوَالِهَا قَبْلَ أَنْ يَحِينَ النَّدَمُ ! وَلاتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ !
دُونَكُمْ الْمَقَالَةَ؛ فَلْتَقْرَأُوهَا, وَلْتَتَأَمَّلُوهَا, وَلْتَسْتَخْرِجُوا مِنْهَا الْفَوَائِدَ وَالْعِبَرَ وَتَصْطَادُوا أَجْمَلَ الْجُمَانِ وَالدُّرَرِ.
[frame="2 80"]
[دِمَشْقُ بَعْدَ تِسْعِينَ عَامًا]
(( أخرج هذا "الطنطاوي" أولى رسائله فأغضبت وأرضت, ثم قفَّى على إثرها بالثانية فلم تَدَعْ راضياً عنه أحدا, ولم يدَعِ النّاسُ لفظةً في دواوين اللغة تدل على الانتقاص والشتيمة إلا رموه بها غيبةً وحضورا, حتى ضاق بخصومتهم ذرعا, فحدَّث عن نفسه فقال : لفظتني النوادي وجانبني الرفاق, وضاقت عليّ الأرض بما رحُبت, حتى لا أرى إلا وجوهاً تعلوها سيما الغضب, وأصواتاً تملؤها كلمات الشتم.
ذهبتُ إلى منزلي فراراً من الناس, فلم يستقرّ بي المقام فيه حتى خرجتُ منه مَوْهناً, وكانت ليلةً ظلماء لا نور فيها إلا هذه النجوم المتلألئة في سمائها الصافية, ولا صوت إلا صوت قدمي على بلاط شارع بغداد الذي أسير فيه مغرّبا, لا أعرف لي قصداً ولا غاية, وقد تاه بصري في دجى الليل وفكري فيما وراء المادة.
كدتُ أسير إلى الصباح ما دمتُ لا أفكر في شيءٍ وأفكر في كل شيء, لولا أن استوقفني شعور برهبة اعتراني, فعادتْ إليّ نفسي. فبصُرْتُ ما حولي فإذا أنا بين الأموات! وإذا أنا قد قطعتُ هذه الأسلاك الشائكة التي تفصل شارع بغداد عن مقبرة الدَّحْداح ودخلتُ المقبرة, فتمثلتْ لي شواهدها الماثلة أشباحاً مخيفة, فمُلئتُ رعباً وفزعاً, وخانتني رجلاي فسقطت مكاني, وأحسستُ بشيء سقط عليه رأسي فكان له كالوسادة, وإذا هو قبر!
وأحس حركة, فألتفتُ فأرى القبر ينشقّ فيخرج منه ميت قد تقطع كفنه, ويقترب مني فأجمد في مكاني ولا يبقى حياً مني إلا سمعي, فأسمعه يقول : أيها الولد الخبيث! ما أنت ونقدَ الشيوخ وإصلاحهم, وهلا أصلحت إخوانك وأترابك من الشبان؟ أيها الشرير, ألا تبصر أخلاقهم؟ ألا ترى تقليدهم الغربيين؟ أعَميتَ عن كل هذا ولم يبقَ محتاجاً إلى الإصلاح إلا الشيوخ؟ ويلك! ألستَ تزعم أنك من صالحي الشبان, وأنت لا تزيد على فرضك, وربما تهاونت به أحيانا؟ فهلا عمدتَ إلى نفسك فبدأتَ بإصلاحها؟ الويل لك الليلة من انتقامي وبطشي!
ويُعقَد لساني فلا أرد عليه حرفاً, ويقترب مني, حتى إذا لم يبقَ بيني وبينه إلا ذراع أحسّ بحركة, وأرى سحابةً كبيرة تمر من فوقنا, فيلامسه ريحها فيسقط ميتاً وأغوص في الأرض عشرة أذرع.
مرَّتْ مدة الله أعلم بمداها, ثم صحوتُ, فرأيتُ البلاد تغيَّرتْ ومن عليها, فلم يعد هناك مقبرة ولا بساتين, بل شارع ضخم على جانبيه القصور الفخمة ذات العشرين طبقة, وأهله كلهم يلبسون القبعات واللباس الأوروبي, فعرفتُ في الحال أنني في باريس!
اقتربتُ من أحد الناس فقلت له بالفرنسية التي أعرف منها شيئاً : بونجور. فصعَّدَ فيّ نظره وصوَّب, وتأملني باسماً متهكماً, ثمّ سار ولم يردّ عليّ شيئا. فرجعتُ إلى نفسي فوجدتني غريباً في زيي, وكيف لا يكون غريباً من يلبس الطربوش ومن لم يقص شاربيه؟ فأسرعتُ إلى حلاق فحلقت, واشتريت قبعة, وخرجت أنظر متعجباً, لا أجرؤ على السؤال عن اسم المدينة وعن تاريخ اليوم لما لاقيتُ من الرجل الأول.
وأرى شيخاً هِمًّا فأتخيل أني أعرفه, وأتقرب منه فأجده صديقي فلان, وقد كانت سنه حينما فارقته عشر سنوات, فأتعجب من شيخوخته وشيبه وأنا أكبر منه ولا أزال شاباً! ولا أعرف بأي لغة أخاطبه فأقول له: السلام عليكم بونجور غودمورنينغ!
فيرد علي قائلاً: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, ويعجب من سلامي, فأنتسب له فيعرفني ويهشّ لي ويقول: كيف عدتَ إلينا وقد حسبناك متّ منذ تسعين سنة؟
- إن لي لخبراً طويلا, ولكن أخبرني قبلُ: في أي سنة نحن الآن؟
- في السنة 2019 ميلادية.
- وما هذه المدينة؟
- عجيب منك, ألا تعرفها؟ هذه دمشق.
- دمشق؟ ماذا تقول؟ أرجوك ألا تهزأ بي.
- جداً أقول إنها دمشق.
- زمتى كان لدمشق مثل هذا الغنى وهذه العظمة والرقي؟
- لا تغتر, فما لدمشق منه شيء, ولكنه شارع الأجانب, والأجانب –تجاراً وصناعاً- هم سادة المدينة وعظماء أهلها ومالكو زمام أمورها.
- وماذا فعل أهلها؟ فلقد تركتهم على أبواب نهضة اقتصادية كبرى, ولقد أسسوا معامل للدباغة والنسيج و...
- آه, لقد ذكرتني عهداً كنت له ناسياً, ولا يعرفه ممن ترى غيري. إن ما تقوله صحيح, ولكن... آه! عمَّ أحدثك؟ هلمَّ, هلمَّ إلى أحد المقاهي فإنني لا أطيق الوقوف.
وندخل المقهى فتأتينا فتاة كأنها فلقة البدر تسألنا طلبنا, ويجيبها رفيقي بلغة لا أدري ألاتينية هي أم هي لغة الصين, فتنحني قليلاً وتنصرف. فأقول له: ما هذه الفتاة؟ وبأي اللغات تكلمها؟
- إنك قد قطعت عليّ حديثي الأول, ولكني مخبرك عن سؤالك. ليس من كلمت بفتاة ولكنه شاب.
- شاب؟ شاب؟! وما هذا الشعر الطويل؟ وما هذه الثياب القصيرة؟ وما هذه الأصبغة؟ وما هذا الكحل في العينين؟
- نعم يا سيدي, إنه شاب, وهكذا كل الشبان اليوم, لا يعرفون إلا التجمل والرقة, أما الأعمال الكبرى والمشروعات العظيمة فكلها بيد المرأة!
- ماذا تقول؟ أبُدِّلت الأرضُ غير الأرض؟ أم قامت الساعة؟ أم طلعت الشمس من مغربها؟ أم ماذا؟
- إنّ شيئاً من ذلك لم يكن, ولكن هذه "الموضة" التي بدأت في زمانكم بحلق شاربَي الرجل وشعر المرأة, وحضورها في الكليات وعقدها المجامع, واشتغاله بالزينة وعكوفه عليهاو قد جرّنا إلى ما ترى, وما خفي عنك أعظم. وأما هذه اللغة فما هي إلا خليط من اللغة العامية واللغات الأجنبية, وأما الفصحى فلم يعد يعرفها إلا المنقطعون لدراستها, وقليل ما هم! ودعني أتمّ لك حديثي الأول: إن هذه النهضة الاقتصادية التي بدأت في زمنك, والتي سارت سيراً حسناً حينما أقبل الطلاب على مساعدتها, لم تلبث أن ركد ريحها وتقاربت خطاها لانقطاع الناس عن مساعدتها ومثابرتهم على شراء البضائع الأجنبية, فضعفت, ثم اضمحلَّت فلم يبقَ لها أثر. وخلا الجو لقُبَّرة أوربا, ولكن لا صائدَ لها!
وهنا جاءت (أو جاء) الكارسون بقدحين من الخمر, فقلت: خمر؟ أأنا أشرب الخمر؟!
- مهلا يا أخي, فما في المدينة شراب سواه, وإن هذه الحانات التي كانت في زقاق رامي (الذي يُرى اليوم في مخططات دمشق الأثرية) وإهمال الحكومة أمر إغلاقها وتحريم تعاطي ما فيها قد سبّبَ لنا هذا البلاء العام والشر المستطير.
- ولكني لا أشربه
- ولماذا؟
- عجيب! أليس بحرام؟
- حرام؟ هاهاها! ما بقي من يقول حرام وحلال.
- ماذا؟ وهل ذهب الدين؟
- أليس لك بذهابه علم؟ هاك المسجد الأموي, لا يدخل إليه إلا المتفرجون, لا المصلون. ولا تعجب من هذا, فإنك تعرف أن شبان زمانك كانوا يتهاونون بأمور الدين ويتغافلون عنها, وسار أولادهم في طريقهم, فنشأ هذا النشء الذي لا يعرف من الدين إلا الاسم.
وطلب إلي صديقي أن أقوم معه لندور في المدينة, فامتطينا, سيارة, فرأيت ميداناً عظيماً فيه تمثال, فقلت له: تمثال من هذا؟
- ليس تمثالاً لبشر, ولكنه تمثال الحرية.
- وما تمثال الحرية؟
- هو ...
وهنا صدمتنا سيارة أخرى, فصحتُ: وارأساه!
ففُتح عليّ الباب, وأفقتُ فإذا أنا في الفراش. وإذا هي دمشق لا باريس, وسنة 1929 لا سنة 2019, لا بنايات ولا تماثيل, ولا تهتك ولا إلحاد, وإذا كل ما رأيتُ رؤيا منام وأضغاث أحلام!))
[/frame]
وَأَخَالُ أَنَّ قَاِرئَ الْمَقَالَةِ بَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنْ قِرَاءَتِهَا سَيَنْطِقُ قَائِلاً :
ومقالـةٌ ألفاظـها *** في النظم كالدر النثير
جاءت إليَّ كأنها التـ *** وفيق في كل الأمور
بأرق من شكوى وأحـ *** سن من حياةٍ في سرور
لو قابلت أعمى لأصـ *** بـح وهو ذو طرف بصير
وكأنها أملٌ تحقق بعـ *** د يأس في الصدور
أو كالفقيد إذا أتت *** بقدومه بشرى البشير
أو كالشفاء لمدنف *** أو كالأمان لمستجير
قدمه إليكم الفقير إلى عفو ربه الغنيّ :
أبو طارق المكيّ
الإثنين 20/4/1431هـ
التعديل الأخير:

