- 5 يناير 2010
- 8,498
- 406
- 83
- الجنس
- أنثى
- علم البلد
-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
للزمان احوال وتصاريف ونكبات للناس عند المصائب احوال متباينه فبين راض صابر محتسب وبين ساخط يائس قانط
والمؤمن الحق الذي صدق بأيمانه وحبه لله عزوجل هو الذي يصمد في وجه النكبات
ومع مرارة الصبر الا انه يجد حلاوته وبرد المصيبه في قلبه
وذلك لانه ادرك ادراكا يقينا ان الدنيا لا تساوي جناح ذبابه وان ماعند الله خيرا وابقى واعظم
فكيف نكون كلنا ذاك المؤمن وكيف نعود انفسنا على الصبر عند البلايا حتى نستطيع ان نتذوق حلو مرارته كان هذا الموضوع
رعاكم الله تأملوا هذه النقاط الهامه
لذة التمتع بثواب الله اعظم من لذة التمتع بما اصيب به
اعلموا ان لكل شيئا لذه حتى في المصائب وعلى العبد ان يوازن بين اعظم اللذتين وادومها لذة متعته بما اصيب به كفقد مال او ولد او ضررا في النفس ولذة متعته بثواب الله له جراء صبره على مصيبته فإن ظهر له الرجحان واثر الراجح وهو لذة التمتع بثواب الله فليحمد الله على توفيقه وان اثر المرجوح وهو لذة التمتع بما اصيب به فليعلم ان مصيبته في عقله وقلبه ودينه اعظم من مصيبته التي اصيب بها في دنياه
واعلموا ان نزول البلاء خيرٌ للمؤمن من أن يُدَّخر له العقاب في الآخرة ، وكيف لا وفيه تُرفع درجاته وتكفر سيئاته
ابتلاء الله العبد امتحان لصبره
وليعلم العبد ان الذي ابتلاه هو الرحمن الرحيم وانه سبحانه لم يرسل البلاء ليهلكه به ولا ليعذبه به انما ليمتحن صبره ورضاه عنه وايمانه وليسمع تضرعه وابتهاله إليه وانكسار قلبه بين يديه
ثم ان المصائب والبلايا علامة حب من الله له ؛ إذ هي كالدواء ، فإنَّه وإن كان مُرًّا إلا أنَّـك تقدمه على مرارته لمن تحب
واعلموا ان المصيبه كير العبد الذي يسبك به حاصله فإما ان يخرج ذهبا احمر واما ان يخرج خبيثا كله فإن لم ينفعه كير الدنيا فبين يديه الكير الاعظم فإن علم العبد ان ادخاله في كير الدنيا خيرا له من كير الاخره وانه لابد ان يدخل احد الكيرين فليدرك قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا ، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبـــه حتى يوافيه به يوم القيامة )
المصيبه كاسره لداء الكبر وقسوة القلب
واعلموا ان لولا محن الدنيا ومصائبها لاصاب العبد من الكبر والعجب والفرعنه وقسوة القلب ماتكون سببا في هلاكه عاجلا واجلا فمن رحمة الله ان يبتليه في الاحيانا بأنواع المصائب حماية له من هذه الادواء وحفظا لصحة عبوديته
مرارة الدنيا حلاوة الاخره
واعلموا ان مرارة الدنيا هي عينها حلاوة الاخره قلبها الله سبحانه كذلك وحلاوة الدنيا مرارة الاخره ولئن ينتقل من مرارة منقطعه الى حلاوة باقيه خيرا له من ان ينتقل من حلاوة منقطعه الى مرارة دائمه يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام( حفت الجنة بالمكاره , وحفت النار بالشهوات )
اذا تحقق العبد بأنه لله وان مصيره اليه تسلى عن مصيبته
وهذه الكلمة من ابلغ علاج المصاب وانفعه له في عاجلته واجلته لانها تتضمن اصلين عظيمين اذا تحقق العبد من معرفتهما تسلى عن مصيبته وهما :
1- ان العبد واهله وماله ملك لله حقيقة وقد جعله عند العبد عاريه فإذا اخذه منه فهو كالمعير يإخذ متاعه من المستعير
2- مصير العبد ومرجعه الى الله مولاه الحق ولابد ان يخلف الدنيا وراء ظهره ويجئ الى ربه فردا كما خلقه اول مرة بلا اهل ولامال ولاعشيره ولكن بالحسنات والسيئات
ذكر ما ابقى عليه من النعم
ان نظر العبد الى ما ابقى الله له من نعم كثيره في الصحة والمال والولد فسيجد ان ما بقي هو مثل ما اصيب به او افضل منه وان ما ادخر له جزاء صبره ورضاه ماهو اعظم من ذلك بكثير
التأسي بأهل المصائب حديث
واعلموا ان نار المصيبه يطفئها برد التأسي بأهل المصائب ان المبتلى لو فتش في العالم كله لوجد فيها من المبتلين والممتحنين من هم اشد منه حالا وكربا فليحمد الله على نعمته وليصبر على كربته وليوقن ان شرور الدنيا احلام نوم او كظل زائل ان اضحكت قليلا ابكت كثيرا وان سرت يوما ساءت دهرا
قال ابن مسعود: لكل فرحة ترحه وماملئ بيت فرحا الا ملئ ترحا
واعلموا ان الجزع لايرد المصيبه بل يضاعفها كما انه يشمت العدو ويسيء الصديق ويسر الشيطان ويذهب بفضل الصبر على المصيبه وهذا اعظم الخساره
وليعلم المبتلى ان صبره على المصيبه له ثوابا عظيما هو في الصلاة والرحمة والهدايه التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع اعظم من المصيبه الحقيقيه (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْإِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌمِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)
لذة الصبر ومنها بيت الحمد
وليعلم المبتلى ان مايعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسره اضعاف مايحصل عليه ببقاء ما اصيب به لو بقي عليه يكفيه في ذلك بيت الحمد الذي بني له في الجنه على حمده لربه ويقول الرسول في فضل ذلك ( يود ناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء ) ،
وقال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا القيامة مفاليس
ترويح القلب برجاء الخلف من الله
خيرا للمبتلى ان يروح قلبه بروح رجاء الخلف من الله فأن لكل شي عوض الا الله وليعلم ان حظه من المصيبه ماتحدث له به نفسه فإن رضي فله الرضا وان سخط فله السخط
فإن حدثت له سخطا وكفرا كتب في ديوان الهالكين
وان حدثت له جزعا وتفريطا في ترك واجب او فعل محرم كتب في ديوان المفرطين
وان حدثت له شكايه وعدم صبر كتب في ديوان المغبونين
وان حدثت له اعتراضا على الله وقدحا في حكمته فقد قرع باب الزندقة او ولجه
وان حدثت له صبرا وثباتا كتب في ديوان الصابرين
وان حدثت له رضى عن الله كتب في ديوان الراضين
وان حدثت له حمد وشكرا كتب في ديوان الشاكرين وكان تحت لواء الحمد مع الحامدين
وان حدثت له اشتياقا الى الله ومحبه له كتب في ديوان المحبين المخلصين
فاختر ايها المبتلى خير الحظوظ او شرها
يقول عليه السلام ( إنَّ عِظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإنَّ الله عز وجل إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط )
انفع الادويه موافقة الله فيما احبه
اعلموا ان انفع الادويه موافقة الله فيما احبه ورضي له
و ان خاصية المحبة وسرها موافقة المحبوب فمن ادعى محبة محبوبه وافقه فيما احب وكره فإن كان منه ان يسخط مايحبه محبوبه ويحب مايسخط محبوبه فقد شهد على نفسه بكذبه وتمقت الى محبوبه
قال ابو الدرداء : ان الله اذا قضى قضاء احب ان يرضى به
الاسباب التي تعين على الصبر
ماامر الله بأمر الا اعان عليه وهيئ له الاسباب فالصبر وان كان شاقا كريها على النفس فتحصيله ممكن وهو يتركب من مفردين العلم والعمل ومنهما تركب جميع الادويه التي تداوى بها القلوب والابدان
فالعلم هو ادراك مافي الخير والمنفعه واللذه والكمال وادارك مافي المحضور من شر وضرر ونقص
فكم احببنا امرا هو شرا لنا وكم كرهنا امر هو خيرا لنا ومايقضيه الله عزوجل كله خير
واضيف الى ذلك الهمة العاليه والعزيمه الصادقه والنخوة الانسانيه ومتى حصل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه مشاقه ووجد حلاوة الصبر وحلاوة المصيبه في قلبه
وقال الحسن البصري رحمه الله : لا تكرهوا البلايا الواقعة ، والنقمات الحادثة ، فَلَرُبَّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك ، ولَرُبَّ أمرٍ تؤثره فيه عطبك – أي : هلاكك
تسلية النفس بالحلال المباح عوضا عن الحرام
فما حرم الله شيئا الا وجعل من المباحات ماهو خيرا منه فإن حرم الخمر ففيه من المشربات العديده والنافعه والطيبه وان حرم لحم الخنزير فكم من اصناف اللحوم ابيحت لنا وان حرم الزنا فقد جعل في الزواج الحصن والستره وهكذا
هدي النبي في علاج الكرب والهم والغم والحزن
لقد أرشدنا نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن خلال سيرته العطرة المباركة، ومن خلال إرشاداته وتعليماته العظيمة، ووصاياه النافعة لأمته إلى علاج الهم والغمّ والكرب والحزن
فقد كان عليه الصلاة والسلام في سيرته الميمونة المباركة يذكر الله تعالى في جميع أحواله وأحيانه، وكان يلجأ إلى الله تعالى بالذكر والدعاء والصلاة عندما يهمُّهُ أمر ما أو يقع في كرب وشدة،
- فقد ورد أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر [أي نزل به أمر مهم أو وقع في كرب] فزع إلى الصلاة. وقد قال الله تبارك وتعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة}.
- وكان عليه الصلاة والسلام يقول عند الكرب والشدة ليعلّم أمته: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السموات وربُّ الأرض وربُّ العرش العظيم"رواه البخاري ومسلم.
- وعن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أكربه أمر قال: "يا حيُّ يا قيوم برحمتك أستغيث"رواه الترمذي.
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم، وإذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حي يا قيوم" رواه الترمذي.
- وعن أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دعواتُ المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت"رواه أبو داود.
- وعن أسماء بنت عُميس رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أعلمك كلماتٍ تقوليهنَّ عند الكرب –أو في الكرب-: "الله الله ربي لا أشرك به شيئًا".
- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يُقال له أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة ما لي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة؟. فقال: هموم لزمتني وديونٌ يا رسول الله.فقال صلى الله عليه وسلم: ألا أعلمك كلامًا إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همّك، وقضى دينك ؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزَنِ، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجُبن والبخل، وأعوذ بك من غلبةِ الدين وقهر الرجال".
قال أبوأمامة رضي الله عنه: ففعلتُ ذلك، فأذهب الله عز وجل همي، وقضى عني ديني" رواه أبو داود.
ومن فوائد هذا الدعاء كما قال العلماء أن من داوم عليه يقوى قلبه أي يكسب جرأة ويُقضى عنه دينه ويذهب همه.
- عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ ءاية الكرسي وخواتيم سورة البقرة عند الكرب أغاثه الله عز وجل".
- ومما ينفع لعلاج الحزن والهم أن نقول ما علّمنا إياه النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم: "ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزَنٌ فقال: اللهم إني عبدك، ابنُ عبدك، ابنُ أمتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمك، عدلٌ في قضائك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيتَ به نفسك، أوأنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرءان العظيم ربيع قلبي، ونورَ صدري، وجلاء حُزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدله مكانه فرحًا". ومعنى "ناصيتي بيدك" أي تتصرف فيّ كما تشاء، فالله سبحانه وتعالى منزه عن الجوارح والأعضاء.
- ومما يروى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كثُرت همومه وغمومه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله".
وقال العلماء إنّ ملازمة قول "لا حول ولاقوة إلا بالله" والإكثار منها ينفع كثيرًا لمن ابتلي بداء الوسوسة.
إنّ ملازمة كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" والإكثار منها ذات منافع كثيرة، فهذه الكلمة المباركة كنزٌ من كنوز الجنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أي في قولها والإكثار منها ثواب عظيم، وهي تنفع أيضًا لعلاج أمراض كثيرة منها الهم فقد قال النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: "لا حول ولا قوة إلا بالله تنفع لتسعين داء أقلها الهم".
- ومما ينفع لعلاج الهم والكرب وللخروج من الضيق والشدة ويساعد أيضًا في أمور الرزق كثرة الاستغفار وملازمته ليلاً ونهارًا.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب" رواه أبو داود.
- ومما ينفع في علاج داء الكرب أيضًا ما دعا به نبي الله يونس عليه السلام ربه وهو مكروب في بطن الحوت عندما التقمه،
فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني لأعلمُ كلمة لا يقولها مكروبٌ إلا فُرِّجَ عنه: كلمة أخي يونس صلى الله عليه وسلم {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين}رواه الترمذي.
ومن علاج الهم ايضا كثرة الصلاة على النبي
فعن الصحابي الجليل أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل فقام فقال: "يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة وجاء الموت بما فيه".
قلتُ: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي –[أي في مجالسي الخاصة للدعاء]-.
قال صلى الله عليه وسلم: "ما شئت". قلتُ: الربع؟،قال صلى الله عليه وسلم: ما شئت فإن زدت فهو خيرٌ لك قلتُ: فالثلثين؟، قال: ما شئت فإن زدت فهو خيرٌ لك، قلتُ: أجعل لك صلاتي كلها. قال صلى الله عليه وسلم: "إذن تكفى همك، ويُغفر لك ذنبك"رواه الترمذي.
خاتمه
لايجب علينا ان نتسخط عند نزول المصائب ولا ان نعتقد فيها الضرر والشر بل هي خيرا لنا في نزولها وخيرا لنا في صبرنا عليها وعلينا ان نعلم ان مااصابنا لم يكن ليخطئنا وان مااخطئنا لم يكن ليصيبنا وماقدره الله علينا هو الخير وعلينا التسليم والرضى حتى نفوز بأجر الصابرين الذين امتدحهم الله في كتابه
كتاب (علاج حر المصيبه وحزنها)
للامام شمس الدين محمد بن ابي بكر ابن القيم الجوزيه
والمؤمن الحق الذي صدق بأيمانه وحبه لله عزوجل هو الذي يصمد في وجه النكبات
ومع مرارة الصبر الا انه يجد حلاوته وبرد المصيبه في قلبه
وذلك لانه ادرك ادراكا يقينا ان الدنيا لا تساوي جناح ذبابه وان ماعند الله خيرا وابقى واعظم
فكيف نكون كلنا ذاك المؤمن وكيف نعود انفسنا على الصبر عند البلايا حتى نستطيع ان نتذوق حلو مرارته كان هذا الموضوع
رعاكم الله تأملوا هذه النقاط الهامه
لذة التمتع بثواب الله اعظم من لذة التمتع بما اصيب به
اعلموا ان لكل شيئا لذه حتى في المصائب وعلى العبد ان يوازن بين اعظم اللذتين وادومها لذة متعته بما اصيب به كفقد مال او ولد او ضررا في النفس ولذة متعته بثواب الله له جراء صبره على مصيبته فإن ظهر له الرجحان واثر الراجح وهو لذة التمتع بثواب الله فليحمد الله على توفيقه وان اثر المرجوح وهو لذة التمتع بما اصيب به فليعلم ان مصيبته في عقله وقلبه ودينه اعظم من مصيبته التي اصيب بها في دنياه
واعلموا ان نزول البلاء خيرٌ للمؤمن من أن يُدَّخر له العقاب في الآخرة ، وكيف لا وفيه تُرفع درجاته وتكفر سيئاته
ابتلاء الله العبد امتحان لصبره
وليعلم العبد ان الذي ابتلاه هو الرحمن الرحيم وانه سبحانه لم يرسل البلاء ليهلكه به ولا ليعذبه به انما ليمتحن صبره ورضاه عنه وايمانه وليسمع تضرعه وابتهاله إليه وانكسار قلبه بين يديه
ثم ان المصائب والبلايا علامة حب من الله له ؛ إذ هي كالدواء ، فإنَّه وإن كان مُرًّا إلا أنَّـك تقدمه على مرارته لمن تحب
واعلموا ان المصيبه كير العبد الذي يسبك به حاصله فإما ان يخرج ذهبا احمر واما ان يخرج خبيثا كله فإن لم ينفعه كير الدنيا فبين يديه الكير الاعظم فإن علم العبد ان ادخاله في كير الدنيا خيرا له من كير الاخره وانه لابد ان يدخل احد الكيرين فليدرك قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا ، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبـــه حتى يوافيه به يوم القيامة )
المصيبه كاسره لداء الكبر وقسوة القلب
واعلموا ان لولا محن الدنيا ومصائبها لاصاب العبد من الكبر والعجب والفرعنه وقسوة القلب ماتكون سببا في هلاكه عاجلا واجلا فمن رحمة الله ان يبتليه في الاحيانا بأنواع المصائب حماية له من هذه الادواء وحفظا لصحة عبوديته
مرارة الدنيا حلاوة الاخره
واعلموا ان مرارة الدنيا هي عينها حلاوة الاخره قلبها الله سبحانه كذلك وحلاوة الدنيا مرارة الاخره ولئن ينتقل من مرارة منقطعه الى حلاوة باقيه خيرا له من ان ينتقل من حلاوة منقطعه الى مرارة دائمه يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام( حفت الجنة بالمكاره , وحفت النار بالشهوات )
اذا تحقق العبد بأنه لله وان مصيره اليه تسلى عن مصيبته
وهذه الكلمة من ابلغ علاج المصاب وانفعه له في عاجلته واجلته لانها تتضمن اصلين عظيمين اذا تحقق العبد من معرفتهما تسلى عن مصيبته وهما :
1- ان العبد واهله وماله ملك لله حقيقة وقد جعله عند العبد عاريه فإذا اخذه منه فهو كالمعير يإخذ متاعه من المستعير
2- مصير العبد ومرجعه الى الله مولاه الحق ولابد ان يخلف الدنيا وراء ظهره ويجئ الى ربه فردا كما خلقه اول مرة بلا اهل ولامال ولاعشيره ولكن بالحسنات والسيئات
ذكر ما ابقى عليه من النعم
ان نظر العبد الى ما ابقى الله له من نعم كثيره في الصحة والمال والولد فسيجد ان ما بقي هو مثل ما اصيب به او افضل منه وان ما ادخر له جزاء صبره ورضاه ماهو اعظم من ذلك بكثير
التأسي بأهل المصائب حديث
واعلموا ان نار المصيبه يطفئها برد التأسي بأهل المصائب ان المبتلى لو فتش في العالم كله لوجد فيها من المبتلين والممتحنين من هم اشد منه حالا وكربا فليحمد الله على نعمته وليصبر على كربته وليوقن ان شرور الدنيا احلام نوم او كظل زائل ان اضحكت قليلا ابكت كثيرا وان سرت يوما ساءت دهرا
قال ابن مسعود: لكل فرحة ترحه وماملئ بيت فرحا الا ملئ ترحا
واعلموا ان الجزع لايرد المصيبه بل يضاعفها كما انه يشمت العدو ويسيء الصديق ويسر الشيطان ويذهب بفضل الصبر على المصيبه وهذا اعظم الخساره
وليعلم المبتلى ان صبره على المصيبه له ثوابا عظيما هو في الصلاة والرحمة والهدايه التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع اعظم من المصيبه الحقيقيه (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْإِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌمِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)
لذة الصبر ومنها بيت الحمد
وليعلم المبتلى ان مايعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسره اضعاف مايحصل عليه ببقاء ما اصيب به لو بقي عليه يكفيه في ذلك بيت الحمد الذي بني له في الجنه على حمده لربه ويقول الرسول في فضل ذلك ( يود ناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء ) ،
وقال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا القيامة مفاليس
ترويح القلب برجاء الخلف من الله
خيرا للمبتلى ان يروح قلبه بروح رجاء الخلف من الله فأن لكل شي عوض الا الله وليعلم ان حظه من المصيبه ماتحدث له به نفسه فإن رضي فله الرضا وان سخط فله السخط
فإن حدثت له سخطا وكفرا كتب في ديوان الهالكين
وان حدثت له جزعا وتفريطا في ترك واجب او فعل محرم كتب في ديوان المفرطين
وان حدثت له شكايه وعدم صبر كتب في ديوان المغبونين
وان حدثت له اعتراضا على الله وقدحا في حكمته فقد قرع باب الزندقة او ولجه
وان حدثت له صبرا وثباتا كتب في ديوان الصابرين
وان حدثت له رضى عن الله كتب في ديوان الراضين
وان حدثت له حمد وشكرا كتب في ديوان الشاكرين وكان تحت لواء الحمد مع الحامدين
وان حدثت له اشتياقا الى الله ومحبه له كتب في ديوان المحبين المخلصين
فاختر ايها المبتلى خير الحظوظ او شرها
يقول عليه السلام ( إنَّ عِظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإنَّ الله عز وجل إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط )
انفع الادويه موافقة الله فيما احبه
اعلموا ان انفع الادويه موافقة الله فيما احبه ورضي له
و ان خاصية المحبة وسرها موافقة المحبوب فمن ادعى محبة محبوبه وافقه فيما احب وكره فإن كان منه ان يسخط مايحبه محبوبه ويحب مايسخط محبوبه فقد شهد على نفسه بكذبه وتمقت الى محبوبه
قال ابو الدرداء : ان الله اذا قضى قضاء احب ان يرضى به
الاسباب التي تعين على الصبر
ماامر الله بأمر الا اعان عليه وهيئ له الاسباب فالصبر وان كان شاقا كريها على النفس فتحصيله ممكن وهو يتركب من مفردين العلم والعمل ومنهما تركب جميع الادويه التي تداوى بها القلوب والابدان
فالعلم هو ادراك مافي الخير والمنفعه واللذه والكمال وادارك مافي المحضور من شر وضرر ونقص
فكم احببنا امرا هو شرا لنا وكم كرهنا امر هو خيرا لنا ومايقضيه الله عزوجل كله خير
واضيف الى ذلك الهمة العاليه والعزيمه الصادقه والنخوة الانسانيه ومتى حصل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه مشاقه ووجد حلاوة الصبر وحلاوة المصيبه في قلبه
وقال الحسن البصري رحمه الله : لا تكرهوا البلايا الواقعة ، والنقمات الحادثة ، فَلَرُبَّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك ، ولَرُبَّ أمرٍ تؤثره فيه عطبك – أي : هلاكك
تسلية النفس بالحلال المباح عوضا عن الحرام
فما حرم الله شيئا الا وجعل من المباحات ماهو خيرا منه فإن حرم الخمر ففيه من المشربات العديده والنافعه والطيبه وان حرم لحم الخنزير فكم من اصناف اللحوم ابيحت لنا وان حرم الزنا فقد جعل في الزواج الحصن والستره وهكذا
هدي النبي في علاج الكرب والهم والغم والحزن
لقد أرشدنا نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن خلال سيرته العطرة المباركة، ومن خلال إرشاداته وتعليماته العظيمة، ووصاياه النافعة لأمته إلى علاج الهم والغمّ والكرب والحزن
فقد كان عليه الصلاة والسلام في سيرته الميمونة المباركة يذكر الله تعالى في جميع أحواله وأحيانه، وكان يلجأ إلى الله تعالى بالذكر والدعاء والصلاة عندما يهمُّهُ أمر ما أو يقع في كرب وشدة،
- فقد ورد أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر [أي نزل به أمر مهم أو وقع في كرب] فزع إلى الصلاة. وقد قال الله تبارك وتعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة}.
- وكان عليه الصلاة والسلام يقول عند الكرب والشدة ليعلّم أمته: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السموات وربُّ الأرض وربُّ العرش العظيم"رواه البخاري ومسلم.
- وعن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أكربه أمر قال: "يا حيُّ يا قيوم برحمتك أستغيث"رواه الترمذي.
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم، وإذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حي يا قيوم" رواه الترمذي.
- وعن أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دعواتُ المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت"رواه أبو داود.
- وعن أسماء بنت عُميس رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أعلمك كلماتٍ تقوليهنَّ عند الكرب –أو في الكرب-: "الله الله ربي لا أشرك به شيئًا".
- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يُقال له أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة ما لي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة؟. فقال: هموم لزمتني وديونٌ يا رسول الله.فقال صلى الله عليه وسلم: ألا أعلمك كلامًا إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همّك، وقضى دينك ؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزَنِ، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجُبن والبخل، وأعوذ بك من غلبةِ الدين وقهر الرجال".
قال أبوأمامة رضي الله عنه: ففعلتُ ذلك، فأذهب الله عز وجل همي، وقضى عني ديني" رواه أبو داود.
ومن فوائد هذا الدعاء كما قال العلماء أن من داوم عليه يقوى قلبه أي يكسب جرأة ويُقضى عنه دينه ويذهب همه.
- عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ ءاية الكرسي وخواتيم سورة البقرة عند الكرب أغاثه الله عز وجل".
- ومما ينفع لعلاج الحزن والهم أن نقول ما علّمنا إياه النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم: "ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزَنٌ فقال: اللهم إني عبدك، ابنُ عبدك، ابنُ أمتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمك، عدلٌ في قضائك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيتَ به نفسك، أوأنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرءان العظيم ربيع قلبي، ونورَ صدري، وجلاء حُزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدله مكانه فرحًا". ومعنى "ناصيتي بيدك" أي تتصرف فيّ كما تشاء، فالله سبحانه وتعالى منزه عن الجوارح والأعضاء.
- ومما يروى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كثُرت همومه وغمومه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله".
وقال العلماء إنّ ملازمة قول "لا حول ولاقوة إلا بالله" والإكثار منها ينفع كثيرًا لمن ابتلي بداء الوسوسة.
إنّ ملازمة كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" والإكثار منها ذات منافع كثيرة، فهذه الكلمة المباركة كنزٌ من كنوز الجنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أي في قولها والإكثار منها ثواب عظيم، وهي تنفع أيضًا لعلاج أمراض كثيرة منها الهم فقد قال النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: "لا حول ولا قوة إلا بالله تنفع لتسعين داء أقلها الهم".
- ومما ينفع لعلاج الهم والكرب وللخروج من الضيق والشدة ويساعد أيضًا في أمور الرزق كثرة الاستغفار وملازمته ليلاً ونهارًا.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب" رواه أبو داود.
- ومما ينفع في علاج داء الكرب أيضًا ما دعا به نبي الله يونس عليه السلام ربه وهو مكروب في بطن الحوت عندما التقمه،
فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني لأعلمُ كلمة لا يقولها مكروبٌ إلا فُرِّجَ عنه: كلمة أخي يونس صلى الله عليه وسلم {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين}رواه الترمذي.
ومن علاج الهم ايضا كثرة الصلاة على النبي
فعن الصحابي الجليل أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل فقام فقال: "يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة وجاء الموت بما فيه".
قلتُ: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي –[أي في مجالسي الخاصة للدعاء]-.
قال صلى الله عليه وسلم: "ما شئت". قلتُ: الربع؟،قال صلى الله عليه وسلم: ما شئت فإن زدت فهو خيرٌ لك قلتُ: فالثلثين؟، قال: ما شئت فإن زدت فهو خيرٌ لك، قلتُ: أجعل لك صلاتي كلها. قال صلى الله عليه وسلم: "إذن تكفى همك، ويُغفر لك ذنبك"رواه الترمذي.
خاتمه
لايجب علينا ان نتسخط عند نزول المصائب ولا ان نعتقد فيها الضرر والشر بل هي خيرا لنا في نزولها وخيرا لنا في صبرنا عليها وعلينا ان نعلم ان مااصابنا لم يكن ليخطئنا وان مااخطئنا لم يكن ليصيبنا وماقدره الله علينا هو الخير وعلينا التسليم والرضى حتى نفوز بأجر الصابرين الذين امتدحهم الله في كتابه
كتاب (علاج حر المصيبه وحزنها)
للامام شمس الدين محمد بن ابي بكر ابن القيم الجوزيه

