- 4 ديسمبر 2009
- 3,244
- 45
- 48
- الجنس
- أنثى
"كما تدين تدان"،«دخلت امرأة النار في هرة ربطتها» [رواه البخاري]، ليست هذه مجرد كلمات نسمعها ونتفاعل معها ونهز رؤوسنا من فرط التأثر بها ولكنها في الحقيقة.. حقيقة.. قانون.. ناموس من النواميس التي أرادها الله للكون.. وقد يظن بعض اليائسين أو الجاهلين لقوانين الله في خلقه أن الظالم من الممكن أن يفلت بظلمه.. وقد كنتُ ذات يوم غافلا عن حتمية هذه القوانين.. أؤمن بها إيمانا شكليا أو هامشيا لم يتغلغل في ضميري أو يخالط العلم المستكن في فؤادي، إلى أن حدث ما أذهلني وزلزل مشاعري وأيقظ ضميري، فإذا بي وكأن الحجب تكشفت، وكأنني أرى عيانا بيانا مصارع الظالمين.
كانت البداية في أواخرالسبعينات وفي أغلب الظن كنا في عام 1978 وكنت وقتها طالبا بكلية الحقوق جامعة عين شمس أسعى في مناكبها وأنشطتها ومدارجها، وقد جمعتني أروقة الجامعة بالعديد من الأصدقاء.. منهم من كان ينكب على مناهج الدراسة وحضور المحاضرات وهؤلاء كنا نطلق عليهم اسم (شلة البؤس)، ومنهم من كان مثلي يتنقل بكل كيانه بين الأنشطة ومجلات الحائط واللجان الطلابية والأسر والمظاهرات وقد كان الفريق الآخر يطلق علينا اسم (شلة الأنس)، أما الشلة بفريقيها فقد كانت مشهورة في الجامعة آن ذاك باسم (شلة النمس)!!، ولا أعرف سبباً لهذه التسمية التي جعلت شلتنا ذائعة الصيت، وعندما يدخل الصيف وننتهي من امتحاناتنا كنا نحمل أمتعتنا ونذهب سويا إلى مدينة الإسكندرية نقضي بها أسبوعا أو أسبوعين لا نحمل إلا قروشا قليلة ولكننا كنا بها نملك الدنيا بأسرها،وليس يهم بعد ذلك أن نتطفل على أحد الأصدقاء من أهل الإسكندرية فنبيت عنده ليلة ونقضي عنده يوما أو بعض يوم، ثم نتطفل على بعض الأقارب يوما أو بعض يوم.. المهم أننا كنا لا نحفل أين ننام فحيث ينتهي بنا المقام يكون نومنا.
وفي هذا الصيف الذي أحدثكم عنه حط بنا الرحال عند صديقنا مجدي الاسكندراني وهو أحد أصدقاء الشلة حيث كان سكنه الأصلي في منطقة سيدي بشر عند شارع خالد بن الوليد في عمارة صغيرة يمتلكها والده ـ رحمه الله ـ ، وكان أثناء العام الدراسي يقطن في منطقة الزيتون بالقاهرة في شقة تمتلكها أسرته حيث كان والده منذ عهد جمال عبد الناصر يشغل وظيفة حساسة بمؤسسة الرئاسة.
وفي شقة صغيرة من شقق العقار المملوك لأسرة صديقنا مجدي بسيدي بشر كانت إقامتنا، وكانت هذه الشقة في الأصل يقيم فيها محيي شقيق مجدي والذي كان طالبا وقتها في كلية طب الإسكندرية وكان قد أعد هذه الشقة ليستذكر فيها دروسه هو وأصدقاءه من طلبة الطب، وكنا نعلم أنه جعل من إحدى حجرات المنزل مشرحة متكاملة يستجلب فيها جثامين بشرية أو بعض أجزاء من جثث لغرض التشريح الطبي والاستذكار عليها.
وفي اليوم الأول لإقامتنا كانت هناك مباراة دولية في كرة القدم في نهائي كاس العالم وجلسنا نشاهد المباراة في الوقت الذي كان فيه محيي شقيق مجدي يصطاد كعادته ـ بعدة الصيد ولباس الغوص بحسب أنه كان محترفا في ذلك ـ السمك الذي سيكون طعامنا في الغداء والعشاء... كانت مباراة الكرة محتدمة وكانت الأنظارمعلقة على جهاز التلفزيون وكان بعضنا شرها في شرب السجائر وكان لا يني يطفئ سيجارة في عقب سيجارة ويضع ما يتبقى من أعقاب السجائر في منفضة (مطفأة سجائر) غريبة الشكل والتكوين موضوعة على منضدة جانبية، ولسبب لا أعلمه حانت مني التفاتة لهذه الطفاية وأخذت أتفرس فيها ثم قفزت صارخا وجسدي يرتعش فقد كانت تلك المنفضة (المطفأة) قطعة من جمجمة بشرية.
نظر إليّ الأصدقاء وهم لا يفهمون سبباً لصياحي فلم يكن أحد في المباراة قد أحرز هدفا أو أضاع هدفا، كما أنهم يعرفون أنني لست من الذين ينفعلون في مباريات الكرة، وبدون أن أتكلم أشرت لهم على مطفأة السجائر وعندما نظروا إليهابإمعان قفز صديق لنا يدعى عز الدين (وهو الآن مستشار بمحكمة النقض) وخرج من الغرفة فزعا مسرعا لا يلوي على شيء إلا أن مجدي أعاده مرة أخرى وقال لنا متعجبا من فزعنا: "ما الذي أصابكم؟!!، هذه مجرد جمجمة من جماجم محيي التي كان يستجلبها لدروس التشريح وقد قام بتوضيبها وقسمها قسمين حيث جعل من هذا القسم مطفأة للسجاير وأعطى النصف الآخر لصديق له جعلها إناء وضعه في قفص للعصافير!!".
"يتبـــع "

