- 28 يونيو 2009
- 213
- 1
- 0
- الجنس
- ذكر
ولعل مما يزيد الأمر وضوحاً في بيان حقيقة التوكل ومقوِّماته، ما ذكره الإمام ابن القيم في شرح " المنازل " إذ قال بعد أن ذكر تعريفات القوم واختلافها، وقد أوردنا جُلَّها من قبل:
" وحقيقة الأمر: أن التوكل حال مركَّبة من مجموع أُمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها. وكلٌ أشار إلى واحد من هذه الأُمور، أو أثنين أو أكثر، ثم ذكر هذه الأمور وسماها " درجات ". قال:
وأنا أذكر البيِّن من هذه الأمور، مما لا تداخل فيه ولا تكرار:
فأولها: معرفة بالرب وصفاته: من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته.
ولعل مما يزيد الأمر وضوحاً في بيان حقيقة التوكل ومقوِّماته، ما ذكره الإمام ابن القيم في شرح " المنازل " إذ قال بعد أن ذكر تعريفات القوم واختلافها، وقد أوردنا جُلَّها من قبل:
" وحقيقة الأمر: أن التوكل حال مركَّبة من مجموع أُمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها. وكلٌ أشار إلى واحد من هذه الأُمور، أو أثنين أو أكثر، ثم ذكر هذه الأمور وسماها " درجات ". قال:
وأنا أذكر البيِّن من هذه الأمور، مما لا تداخل فيه ولا تكرار:
فأولها: معرفة بالرب وصفاته: من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته.
قال: وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل.
ومنها: رسوخ القلب في مقام التوحيد: فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده. بل حقيقة التوكل: توحيد القلب. فما دامت فيه علائق الشرك، فتوكله معلول مدخول. وعلى قدر تجريد التوحيد: تكون صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شُعبة من شُعَبِ قلبه، فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشُعْبة، ومن ههنا ظن من ظن أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب. وهذا حق. لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح. فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب، وتعلق الجوارح بها. فيكون منقطعاً منها متصلاً بها. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومنها اعتماد القلب على الله، واستناده إليه، وسكونه إليه. بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكون إليها. بل يخلع السكون إليها من قلبه. ويلبسه السكون إلى مسبِّبها.
وعلامة هذا: أنه لا يبالي بإقبالها وإدبارها. ولا يضطرب قلبه، ويخفق عند إدبار ما يحب منها، وإقبال ما يكره. لأن اعتماده على الله، وسكونه إليه، واستناده إليه، قد حصَّنه من خوفها ورجائها. فحاله حال من خرج عليه عدو عظيم لا طاقة له به. فرأى حصناً مفتوحاً، فأدخله ربه إليه. وأغلق عليه باب الحصن. فهو يشاهد عدوه خارج الحصن. فاضطراب قلبه وخوفه من عدوه في هذه الحال لا معنى له.
وكذلك من أعطاه ملك درهماً، فسُرِق منه. فقال له الملك: عندي أضعافه. فلا تهتم. متى جئت إليّ أعطيتك من خزائني أضعافه. فإذا علم صحة قول الملك، ووثق به، واطمأن إليه، وعلم أن خزائنه مليئة بذلك لم يحزنه فوته.
وقد مُثِّل ذلك بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه، وطمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيره. وليس في قلبه التفات إلى غيره، كما قال بعض العارفين: المتوكل كالطفل، لا يعرف شيئاً يأوي إليه إلا ثدي أمه، كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه.
ومنها: حُسن الظن بالله عز وجل.
فعلى قدر حُسن ظنك بربك ورجائك له، يكون توكلك عليه، ولذلك فسّر بعضهم التوكل بحُسنِ الظن بالله.
والتحقيق: أن حُسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه. إذ لا يُتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه. والله أعلم.
ومنها: استسلام القلب له، وانجذاب دواعيه كلها إليه، وقطع منازعاته.
وبهذا فسَّره من قال: أن يكون العبد بين يدي الله، كالميت بين يدي الغاسل، يقلبه كيف أراد، لا يكون له حركة ولا تدبير.
وهذا معنى قول بعضهم: التوكل إسقاط التدبير. يعني الاستسلام لتدبير الرب لك. وهذا في غير باب الأمر والنهي، بل فيما يفعله بك، لا فيما أمرك بفعله. فالاستلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده، وانقياده له، وترك منازعات نفسه، وإرادتها مع سيده. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومنها: التفويض.
وهو روح التوكل ولُبّه وحقيقته. وهو إلقاء أموره كلها إلى الله، وإنزالها به طلباً واختياراً، لا كرهاً واضطراراً. بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره: كل أموره إلى أبيه، العالِم بشفقته عليه ورحمته، وتمام كفايته، وحُسن ولايته له، وتدبيره له. فهو يرى أن تدبير أبيه له خير من تدبيره نفسه، وقيامه بمصالحه وتوليه لها خير من قيامه هو بمصالح نفسه وتوليه لها . فلا يجد له أصلح ولا أرفق من تفويضه أموره كلها إلى أبيه، وراحته من حمل كُلَفَها وثقل حملها، مع عجزه عنها، وجهله بوجوه المصالح فيها، وعلمه بكمال علم من فوَّض إليه، وقدرته وشفقته.
فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة، انتقل منها إلى درجة " الرضا ".
وهي ثمرة التوكل، ومن فسَّر التوكل بها. فإنما فسَّره بأجلِّ ثمراته وأعظم فوائده. فانه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله.
وكان شيخنا رضي الله عنه يقول: المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله، والرضا بعده. فمن توكَّل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل، فقد قام بالعبودية، أو معنى هذا.
قلت: وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستخارة: ( اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم ) فهذا توكل وتفويض. ثم قال: ( فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب ) فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحَوْل والقوة، وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون. ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته عاجلاً، أو آجلاً، وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرَّته عاجلاً أو آجلاً. فهذا هو حاجته التي سألها. فلم يبق عليه إلا الرضا بما يقضيه له. فقال: ( واقدر لي الخير حيث كان. ثم رضِّني به ).
فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية، والحقائق الإيمانية، التي من جملتها: التوكل والتفويض، قبل وقوع المقدور. والرضا بعده، وهو ثمرة التوكل، والتفويض علامة صحته، فإن لم يرض بما قضى له، فتفويضه معلول فاسد.
فباستكمال هذه الدرجات يستكمل العبد مقام التوكل، وتثبت قدمه فيه ".
قال العلامة ابن القيم:
" وكثيراً ما يشتبه في هذا الباب المحمود الكامل بالمذموم الناقص. فيشتبه التفويض بالإضاعة. فيضيع العبد حظه، ظناً منه أن ذلك تفويض وتوكل " وإنما هو تضييع لا تفويض. فالتضييع في حق الله. والتفويض في حقك.
ومنه: اشتباه التوكل بالراحة، وإلقاء حمل الكلِّ. فيظن صاحبه أنه متوكل. وإنما هو عامل على عدم الراحة.
وعلامة ذلك: أن المتوكل مجتهد في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد، مستريح من غيرها لتعبه بها. والعامل على الراحة آخذ من الأمر مقدار ما تدفع به الضرورة، وتسقط به عنه مطالبة الشرع. فهذا لون وهذا لون.
ومنه: اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها. فخلعها توحيد، وتعطيلها إلحاد وزندقة. فخلعها عدم اعتماد القلب عليها، ووثوقه وركونه إليها مع قيامه بها. وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح.
ومنه: اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز. والفرق بينهما: أن الواثق بالله قد فعل ما أمره الله به، ووثق بالله في طلوع ثمرته، وتنميتها وتزكيتها، كغارس الشجرة، وباذر الأرض. والمغتر العاجز: قد فرَّط فيما أُمِر به وزعم أنه واثق بالله. والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود.
ومنه: اشتباه الطمأنينة إلى الله والسكون إليه، بالطمأنينة إلى المعلوم، وسكون القلب إليه. ولا يميز بينهما إلا صاحب البصيرة.
وأكثر المتوكلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم. وهم يظنون أنه إلى الله. وعلامة ذلك: أنه متى انقطع معلوم أحدهم حضره همُّه وبثُّه وخوفه. فعلم أن طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله.
ومنه: اشتباه الرضا عن الله بكل ما يفعل بعبده - مما يحبه ويكرهه - بالعزم على ذلك، وحديث النفس به. وذلك شيء والحقيقة شيء آخر. كما يُحكى عن أبي سليمان أنه قال: أرجو أن أكون أُعطيت طرفاً من الرضا، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضياً!
فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا عزم منه على الرضا وحديث نفس به. ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء. وفرق بين العزم على الشيء وبين حقيقته.
ومنه: اشتباه علم التوكل بحال التوكل. فكثير من الناس يعرف التوكل وحقيقته وتفاصيله. فيظن أنه متوكل، وليس من أهل التوكل. فحال التوكل: أمر آخر من وراء العلم به. وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها. وحال المحب العاشق وراء ذلك. وكمعرفة علم الخوف، وحال الخائف وراء ذلك. وهو شبيه بمعرفة المريض ماهية الصحة وحقيقتها وحاله بخلافها.
فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوى فيه بالحقائق، والعوارض بالمطالب، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".
ولا تنسوا من خالص الدعاء
" وحقيقة الأمر: أن التوكل حال مركَّبة من مجموع أُمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها. وكلٌ أشار إلى واحد من هذه الأُمور، أو أثنين أو أكثر، ثم ذكر هذه الأمور وسماها " درجات ". قال:
وأنا أذكر البيِّن من هذه الأمور، مما لا تداخل فيه ولا تكرار:
فأولها: معرفة بالرب وصفاته: من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته.
ولعل مما يزيد الأمر وضوحاً في بيان حقيقة التوكل ومقوِّماته، ما ذكره الإمام ابن القيم في شرح " المنازل " إذ قال بعد أن ذكر تعريفات القوم واختلافها، وقد أوردنا جُلَّها من قبل:
" وحقيقة الأمر: أن التوكل حال مركَّبة من مجموع أُمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها. وكلٌ أشار إلى واحد من هذه الأُمور، أو أثنين أو أكثر، ثم ذكر هذه الأمور وسماها " درجات ". قال:
وأنا أذكر البيِّن من هذه الأمور، مما لا تداخل فيه ولا تكرار:
فأولها: معرفة بالرب وصفاته: من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته.
قال: وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل.
ومنها: رسوخ القلب في مقام التوحيد: فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده. بل حقيقة التوكل: توحيد القلب. فما دامت فيه علائق الشرك، فتوكله معلول مدخول. وعلى قدر تجريد التوحيد: تكون صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شُعبة من شُعَبِ قلبه، فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشُعْبة، ومن ههنا ظن من ظن أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب. وهذا حق. لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح. فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب، وتعلق الجوارح بها. فيكون منقطعاً منها متصلاً بها. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومنها اعتماد القلب على الله، واستناده إليه، وسكونه إليه. بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكون إليها. بل يخلع السكون إليها من قلبه. ويلبسه السكون إلى مسبِّبها.
وعلامة هذا: أنه لا يبالي بإقبالها وإدبارها. ولا يضطرب قلبه، ويخفق عند إدبار ما يحب منها، وإقبال ما يكره. لأن اعتماده على الله، وسكونه إليه، واستناده إليه، قد حصَّنه من خوفها ورجائها. فحاله حال من خرج عليه عدو عظيم لا طاقة له به. فرأى حصناً مفتوحاً، فأدخله ربه إليه. وأغلق عليه باب الحصن. فهو يشاهد عدوه خارج الحصن. فاضطراب قلبه وخوفه من عدوه في هذه الحال لا معنى له.
وكذلك من أعطاه ملك درهماً، فسُرِق منه. فقال له الملك: عندي أضعافه. فلا تهتم. متى جئت إليّ أعطيتك من خزائني أضعافه. فإذا علم صحة قول الملك، ووثق به، واطمأن إليه، وعلم أن خزائنه مليئة بذلك لم يحزنه فوته.
وقد مُثِّل ذلك بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه، وطمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيره. وليس في قلبه التفات إلى غيره، كما قال بعض العارفين: المتوكل كالطفل، لا يعرف شيئاً يأوي إليه إلا ثدي أمه، كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه.
ومنها: حُسن الظن بالله عز وجل.
فعلى قدر حُسن ظنك بربك ورجائك له، يكون توكلك عليه، ولذلك فسّر بعضهم التوكل بحُسنِ الظن بالله.
والتحقيق: أن حُسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه. إذ لا يُتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه. والله أعلم.
ومنها: استسلام القلب له، وانجذاب دواعيه كلها إليه، وقطع منازعاته.
وبهذا فسَّره من قال: أن يكون العبد بين يدي الله، كالميت بين يدي الغاسل، يقلبه كيف أراد، لا يكون له حركة ولا تدبير.
وهذا معنى قول بعضهم: التوكل إسقاط التدبير. يعني الاستسلام لتدبير الرب لك. وهذا في غير باب الأمر والنهي، بل فيما يفعله بك، لا فيما أمرك بفعله. فالاستلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده، وانقياده له، وترك منازعات نفسه، وإرادتها مع سيده. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومنها: التفويض.
وهو روح التوكل ولُبّه وحقيقته. وهو إلقاء أموره كلها إلى الله، وإنزالها به طلباً واختياراً، لا كرهاً واضطراراً. بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره: كل أموره إلى أبيه، العالِم بشفقته عليه ورحمته، وتمام كفايته، وحُسن ولايته له، وتدبيره له. فهو يرى أن تدبير أبيه له خير من تدبيره نفسه، وقيامه بمصالحه وتوليه لها خير من قيامه هو بمصالح نفسه وتوليه لها . فلا يجد له أصلح ولا أرفق من تفويضه أموره كلها إلى أبيه، وراحته من حمل كُلَفَها وثقل حملها، مع عجزه عنها، وجهله بوجوه المصالح فيها، وعلمه بكمال علم من فوَّض إليه، وقدرته وشفقته.
فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة، انتقل منها إلى درجة " الرضا ".
وهي ثمرة التوكل، ومن فسَّر التوكل بها. فإنما فسَّره بأجلِّ ثمراته وأعظم فوائده. فانه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله.
وكان شيخنا رضي الله عنه يقول: المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله، والرضا بعده. فمن توكَّل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل، فقد قام بالعبودية، أو معنى هذا.
قلت: وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستخارة: ( اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم ) فهذا توكل وتفويض. ثم قال: ( فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب ) فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحَوْل والقوة، وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون. ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته عاجلاً، أو آجلاً، وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرَّته عاجلاً أو آجلاً. فهذا هو حاجته التي سألها. فلم يبق عليه إلا الرضا بما يقضيه له. فقال: ( واقدر لي الخير حيث كان. ثم رضِّني به ).
فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية، والحقائق الإيمانية، التي من جملتها: التوكل والتفويض، قبل وقوع المقدور. والرضا بعده، وهو ثمرة التوكل، والتفويض علامة صحته، فإن لم يرض بما قضى له، فتفويضه معلول فاسد.
فباستكمال هذه الدرجات يستكمل العبد مقام التوكل، وتثبت قدمه فيه ".
قال العلامة ابن القيم:
" وكثيراً ما يشتبه في هذا الباب المحمود الكامل بالمذموم الناقص. فيشتبه التفويض بالإضاعة. فيضيع العبد حظه، ظناً منه أن ذلك تفويض وتوكل " وإنما هو تضييع لا تفويض. فالتضييع في حق الله. والتفويض في حقك.
ومنه: اشتباه التوكل بالراحة، وإلقاء حمل الكلِّ. فيظن صاحبه أنه متوكل. وإنما هو عامل على عدم الراحة.
وعلامة ذلك: أن المتوكل مجتهد في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد، مستريح من غيرها لتعبه بها. والعامل على الراحة آخذ من الأمر مقدار ما تدفع به الضرورة، وتسقط به عنه مطالبة الشرع. فهذا لون وهذا لون.
ومنه: اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها. فخلعها توحيد، وتعطيلها إلحاد وزندقة. فخلعها عدم اعتماد القلب عليها، ووثوقه وركونه إليها مع قيامه بها. وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح.
ومنه: اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز. والفرق بينهما: أن الواثق بالله قد فعل ما أمره الله به، ووثق بالله في طلوع ثمرته، وتنميتها وتزكيتها، كغارس الشجرة، وباذر الأرض. والمغتر العاجز: قد فرَّط فيما أُمِر به وزعم أنه واثق بالله. والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود.
ومنه: اشتباه الطمأنينة إلى الله والسكون إليه، بالطمأنينة إلى المعلوم، وسكون القلب إليه. ولا يميز بينهما إلا صاحب البصيرة.
وأكثر المتوكلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم. وهم يظنون أنه إلى الله. وعلامة ذلك: أنه متى انقطع معلوم أحدهم حضره همُّه وبثُّه وخوفه. فعلم أن طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله.
ومنه: اشتباه الرضا عن الله بكل ما يفعل بعبده - مما يحبه ويكرهه - بالعزم على ذلك، وحديث النفس به. وذلك شيء والحقيقة شيء آخر. كما يُحكى عن أبي سليمان أنه قال: أرجو أن أكون أُعطيت طرفاً من الرضا، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضياً!
فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا عزم منه على الرضا وحديث نفس به. ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء. وفرق بين العزم على الشيء وبين حقيقته.
ومنه: اشتباه علم التوكل بحال التوكل. فكثير من الناس يعرف التوكل وحقيقته وتفاصيله. فيظن أنه متوكل، وليس من أهل التوكل. فحال التوكل: أمر آخر من وراء العلم به. وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها. وحال المحب العاشق وراء ذلك. وكمعرفة علم الخوف، وحال الخائف وراء ذلك. وهو شبيه بمعرفة المريض ماهية الصحة وحقيقتها وحاله بخلافها.
فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوى فيه بالحقائق، والعوارض بالمطالب، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".
ولا تنسوا من خالص الدعاء

