إعلانات المنتدى


قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
بســم اللــه الـرحــمـن الـرحـيــم


قــلـــوب الصـــائــمــيــــن


فــضــيــلــة الشــيــخ سـعــد ابــن نــاصــر الشــثـــري


الدرس الأول:التقـــــــــــــوى



الحمد لله رب العالمين .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..و أشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى أصحابه وأتباعه وسلم تسليما كثيرا ..

أما بعد ...

فإن التقوى تصدر أصالة من القلب ..كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :{ التقوى ها هنا ، التقوى ها هنا } وكان يشير إلى صدره صلى الله عليه وسلم ، وقد أمر الله تعالى بالتقوى فقال ) واتقُوا اللهَ واعلَمُوا أنَّ اللهَ شَديدُ العِقَاب ( وقال )وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيرَ الزَادِ التَقوَى واتَّقُونِي يَا أُولِي الألبَاب( وقال )قُل يَا عِبَادِيَ الّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُم للَِّذِينَ أحسَنُوا فِي هَذِهِ الدُنيَا حَسَنة وأرضُ الله ِوَاسِعَة (
، بل إن التقوى هي وصية الله للأمم السابقة ، والأمم اللاحقة ) وللهِ مَا فِي السَمَاواتِ ومَا فِي الأرضِ ولَقَد وَصّينَا الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وإيَّاكُم أنِ اتّقُوا الله (

ومن أجل التقوى .. بيّن الله الآيات والأحكام ، قال تعالى )كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللهُ آيَاتِهِ للِنّاسِ لَعَلّهُم يَتَّقُون(
، والتقوى وضع وقاية بين العبد وغضب الله ، وبينه وبين النار بفعل الطاعات ، وترك الذنوب ، وقد فسّر طلق ابن حبيب التقوى بقوله :{ التقوى العمل بطاعة الله ، على نور من الله ، رجاء رحمة الله ، والتقوى ترك معاصي الله ، على نور من الله ، مخافة عذاب الله }.

ومن أسباب التقوى .. الصوم ، قال تعالى )يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعلَّكُم تَتَّقُون(
قال السمعاني :{ الصوم وصلة إلى التقوى ،لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات } وقال ابن تيمية :{ مقصود الصوم التقوى } .
وقد أمر الله بالصيام لأجل التقوى .. وقد قال صلى الله عليه وسلم :{ من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه } ، فإذا لم يحصل له مقصود التقوى ، فينقص من أجر الصوم بحسب ذلك ، وقال غيره :{ في الصوم قتل الشهوة حسّا ، وحياة الجسد معنى ، وطهارة الأرواح بطهارة القلوب وفراغها للتفكّر ، والخشية الداعية للتقوى } ،

وقال الشيخ السعدي :{ ذكر الله تعالى حكمة مشروعية الصوم فقال" لعلّكم تتقون "، فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى ، لأن فيه امتثال أمر الله ، واجتناب نهيه ، فمما اشتمل عليه من التقوى أن الصائم يترك ما حرّم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها من الأمور التي تميل إليها نفسه ، متقرباً بذلك إلى الله ، راجياً بتركها ثوابه ، فهذا من التقوى }.

ومنها أن الصائم يدرّب نفسه على مراقبة الله ، فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه ، لعلمه باطلاع الله عليه .

ومنها أن الصيام يضيّق مجاري الشيطان ، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فبالصيام يضعف نفوذه وتقل منه المعاصي .

ومنها أن الصائم في الغالب تكثر طاعته ، والطاعات من خصال التقوى .

ومنها أن الغني إذا ذاق ألم الجوع ، أوجب له ذلك مواساة الفقراء المعدمين ، وهذا من خصال التقوى .

ما الذي يدفعنا إلى التقوى .. ما الذي يجعلنا نحرص على أن نكون من أهلها ، ما الذي يدفعنا إلى ذلك ؟! يدفعنا تلك الثمرات التي نحصل عليها بسبب التقوى ، فالتقوى سبب لرضا رب العالمين عن العبد ، ومحبته له )واللهُ يُحِبُّ المُتَّقِين( .

التقوى سبب للفهم ، والهداية ، والعلم ، قال تعالى )ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيبَ فِيهِ هُدَىً لِلمُتَّقِين(

وقال )إن تَتَّقُوا اللهَ يَجعَل لَكُم فُرقَانَا ويُكَفِّر عَنكُم مِن سَيئَاتِكُم ويَغفِر لَكُم(

التقوى سبب دخول الجنّة ، قال تعالى )وسَارِعُوا إلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّة ٍعَرضُهَا السَمَاواتِ والأرض أُعِدَّت للمُتَّقِين(

البرّ والفلاح معلق بالتقوى ، قال تعالى )ولَكَّنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى واتُوا البُيُوتَ مِن أبوَابِهَا واتَّقُوا اللهَ لَعلّكُم تُفلِحُون(

التقوى سبب لعون الله للعبد ونصرته ، كما قال تعالى )واعلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِين(
التقوى سبب للخروج من المآزق وسبب لرغد العيش )ومَن يَتَّقِي اللهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجَا ويَرزُقُهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِب(

التقوى سبب للمغفرة والرحمة )أولَئِكَ الّذِينَ امتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُم لِلتَّقوَى لَهُم مَغفِرَةٌ وَأجرٌ عَظِيم واتَّقُوا اللهَ لَعَلّكُم تُرحَمُون إنَّ أكرَمَكُم عِندَ اللهِ اتقَاكُم(

التقوى سبب للبركة في الأرزاق )وَلَو أنَّ أَهلَ القُرَىَ آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفتََحنَا عَلَيِهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاء ِوالأرض(
ما ظنك بمن كان الله معه )إنَّ اللهَ مَعَ الّذِينَ اتَّقَوا وَالّذِينَ هُم مُحسِنُون(

ولئن أصاب المتقين ما أصابهم .. إلا أن العاقبة الحميدة لهم ، قال تعالى )والعَاقِبَةُ للِتَّقوَى( وقال )إنَّ الأرضَ للهِ يُورِثُهَا من يَشَاءُ مِن عِبَادِه والعَاقِبَةُ للِمُتَّقِين(
وقال )واللهُ وَلِيُ المُتَّقِين(، ) ومِن يَتَّقِي اللهَ يَجعَل لَهُ مِن أمرِهِ يُسرَا (
فالدافع الّذي يحرك المؤمنين لاستجلاب التقوى أسباب عديدة.. منها :

أولاً : أن الله أمر بها ، والمؤمنون يبادرون إلى امتثال أمر الله ،قال تعالى )واتَّقُوا اللهَ الّذِي أنتُم بِه مُؤمِنُون(

وقال )يا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلَّا وأنتُم مُسلِمُون(

وثانيا ً: عظم الفوائد المرتبة على التقوى في الدنيا والآخرة ، )ومَن يُطِع اللهَ وَرَسُولَهُ ويَخشَىَ اللهَ ويَتَّقِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُون( ، قال الله تعالى )ويُنَجِّي اللهُ الّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِم لا يَمَسُّهُمُ السُوءُ ولا هُم يَحزَنُون(
وقال )فَأمَّا مَن أعطَىَ واتَّقَىَ وصَدََّقَ بِالحُسنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسرَى(

وثالثاً : أننا نستشعر بتقوى الله ، مراقبة الله لنا ، فنستحي أن يطلع منّا على ما يخالف التقوى ، قال تعالى )واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِيِن( وقال سبحانه )واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَات ِالصُدُور ( ونحن نعلم أننا عمّا قريب ، سنرجع إلى الله كما قال تعالى )واتَّقُوا اللهَ واعلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ المُؤمِنِين(

وقال سبحانه )واتَّقُوا اللهَ الّذِيِ إليهِ تُحشَرُون(

ورابعها : أن التقوى صفة أولياء الله ، الّذين يحبهم الله ويتولّاهم ، ويكونون تحت ولاية الله ، قال تعالى )ألا إنَّ أَولِيَاءَ اللهِ لا خَوفٌ عَلَيهِم ولا هُم يَحزَنُون الّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون لَهُمُ البُشرَىَ فِي الحَيَاةِ الدُنيَا وفِي الآخِرَة لا تَبدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيم(

لكن .. كيف نحصّل التقوى ؟!

تحصيل التقوى ، يكون بالاتصاف بصفات المتقين ، قال تعالى )أُعِدّت للِمُتَّقِين الّذينَ يُنفِقُونَ فِي السرَّاءِ والضَرَّاءِ والكَاظِمِينَ الغَيظَ والعَافِينَ عَن النّاسِ واللهُ يُحِبُ المُحسِنين (
احصل على التقوى لأنها سبب دخول الجنّة )ولَنِعمَ دَارُ المُتَّقِين جَنَّاتُ عَدن ٍ يَدخُلُونَهَا تَجرِي مِن تَحتِهَا الأنهَار لَهُم فِيهَا مَا يَشَاءُون كَذَلِكَ يَجزِي اللهُ المُتَّقِين( )لَكن الّذِينَ اتَّقَوا رَبَّهُم لَهُم غُرَفٌ مِن فَوقِهَا غُرَفٌ مَبنِيّة تَجرِي مِن تَحتِهَا الأنهَار( )إنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وعُيُون ادخُلُوهَا بِسَلام ٍآمِنِين ونَزَعنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِن غِلٍّ إخوَانا ًعَلَى سُرُر ٍمُتَقَابِلِين لا يَمَسّهُم فِيهَا نَصَبٌ ومَا هُم مِنهَا بِمُخرَجِين (
تحصل التقوى بتدبر القرءان ، وتفهّم معانيه )واذكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلّكُم تَتَّقُون( )ولَقَد ضَرَبَنَا لِلنّاسِ فِي هَذَا القُرءَانِ مِن كُلِّ مَثَل ٍلَعَلّهُم يَتَذَكَّرُون قُرءَانَاً عَرَبِيَّا ًغَيرَ ذِي عِوج ٍلَعَلَّهُم يَتََّقُون (
تحصل التقوى بالتفكّر في أحوال أهل النار الذين يقول الله فيهم )لَهُم مِن فَوقِهِم ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ ومِن تَحتِهِم ظُلَل ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بهِ عِبَادَه يَا عِبَادِي فَاتَّقُون(.

ومن سبل تحصيل التقوى .. التعاون من المؤمنين على الخير ، قال تعالى )وتَعَاوَنُوا عَلَى البرِّ والتَّقوَى(.

بمكنك أيها العبد ..أن تحصّل تقوى الله باستشعار أن الله هو الذي خلقك )اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِن نَفس ٍوَاحِدَه(

حصّل التقوى بالنظر في نعم الله عليك )واتَّقُوا اللهَ الّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعلَمُون أَمَدَّكُم بِأنعَام ٍوبَنِين وَجَنَّات ٍوَعُيُون(

احصل على التقوى من خلال تذكرك ليوم القيامة وأهواله )اتَّقُوا رَبَّكُم إنَّ زَلزَلَةَ السَاعةِ شَيءٌ عَظِيم(
تحصل التقوى بسؤال الله ودعاءه أن يجعلك من المتقين ، فإن التقوى نعمة من الله للعبد قال تعالى )ونَفس ٍومَا سَوَّاهَا فَألَهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقوَاهَا(

اللـــهم أجعلنـــــــا مـــن المتــــــقين .. اللــــــهم أجعلنـــــا من المتقين

وصلى الله على نبينا محمد ...​
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

بسم الله الرحمن الرحيم


قلوب الصائمين


فضيلة الشيخ سعد ابن ناصر الشثري


الدرس الثاني:الإخـــــــــــــــــــــلاص



الحمد لله رب العالمين .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله علبه وعلى أصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيرا ..

أما بعد ..فإن من أعمال القلوب .. الإخلاص ..

قال تعالى في الحديث القدسي :{ أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه } وفي لفظ :{ فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك } ، قال تعالى
)مَن كَانَ يُريدُ الحَيَاةَ الدُنيَا وزِينَتَهَا نُوفّي إلِيهِم أعمَالَهُم فيهَا وهُم فِيهَا لا يُبخَسُون أُولَئِكَ الّذِينَ لَيسَ لَهُم فِي الآخِرَةِ إلّا النّار وحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعمَلُون (

(2) أن النافع الضار ، هو رب العزّة و الجلال ..فكيف نقصد بأعمالنا غيره طلباً للنفع ، قال تعالى )أمِ اتخَذُوا مِن دُونِ اللهِ شُفَعَاء قُل أوَلَوا كَانُوا لا يَملِكُونَ شَيئَاً ولا يَعقِلُون قُل للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَا لَهُ مُلُكُ السَّمَاواتِ والأرض ِثُمَّ إليهِ تُرجَعُون (

(3) أن الأجر والثواب على مقدار النيّة والإخلاص { وإنما لكل امرىء ما نوى } .

(4) أن من التمس رضا الله ، رضي الله وأرضى عنه الناس , ومن التمس رضا الناس بسخط الله ، سخط الله عليه ، واسخط الله عليه الناس .

(5) أن الإخلاص يمسح وساوس القلوب ، ويعجز الشيطان أن يصل معه إلى القلب ، فقد قال الشيطان )فَبِعِزَّتِكَ لأُغوِيَنَّهُم أجمَعِين إلّا عِبَادَكَ مِنهُمُ المُخلَصِين (

(6) أن المخلصين يبعدهم الله عن المعاصي ، ويعصمهم من الذنوب ، قال تعالى في قصة يوسف عليه السلام )كَذَلِكَ لِنُصرِفَ عَنهُ السُوءَ والفَحشَاءَ إنَّهُ مِن عِبَادَنَا المُخلَصِين(

(7) أن الإخلاص سبب لمغفرة الذنوب ، وفي الحديث أن الله تعالى يقول :{ يا ابن آدم لو لاقيتني بملئ الأرض خطايا لا تشرك بي شيئا لاقيتك بملئ الأرض مغفرة } ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية :{ إخلاص الدين لله ،هو الدين الذي لا يقبل الله سواه ، وهو الذي بعث الله به الرسل ، وأنزل به جميع الكتب ، واتفق عليه أئمة أهل الإيمان ،وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية ، وهو قطب القرءان الذي تدور عليه رحاه }.

ويتجلّى الإخلاص في الصيام ، إذ إن الصيام ينطلق من النيّة ، فلا صيام لمن لم يبيّت الصوم ولم ينويه بالليل ، والصوم إمساك عن المفطرات بنيّة التقرب لله ،ولا يطّلع على ذلك ولا على الامتناع من المفطرات ،لا يطلع عليه حقيقة إلا رب العزَّة و الجلال ، ولذلك قال الله عز وجل في الحديث القدسي :{ كل عمل ابن آدم له ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف،إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ،يدع طعامه وشرابه وشهوته من اجلي } أنظر إلى قوله من أجلي ،ولذلك اختص الله بالصيام ورتّب عليه مضاعفة الأجر والثواب .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم :{ من صام رمضان إيماناً واحتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه } فانظر إلى قوله "إيماناً واحتسابا "فلا تحصل مغفرة الذنب إلا لمن صام رمضان إيماناً واحتسابا ، ولا تحصل مغفرة الذنب إلا لمن قام رمضان إيماناً واحتسابا ، ولا تحصل مغفرة الذنب إلا لمن قام ليلة القدر إيماناً واحتسابا ، فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم "إيماناً واحتسابا "المراد بذلك أن يؤمن العبد أن الله شرع هذا العمل ، وأن يقصد العبد بصومه احتساب الأجر عند الله تعالى ،[ فإيمانا ]أي تصديقاً وإيقانا ً بأن الله هو الذي شرعه وأن الله هو الذي أمر به ، وقوله [ احتسابا ] يعني أن ينوي بعمله الأجر الأخروي، يرغب في ثوابه عند الله تعالى ، قال ابن القيم رحمه الله :{ العامل بغير إخلاص ولا اقتداء ، كالمسافر يملئ جرابه رملا ينقله ولا ينفعه }.

إن للصوم أثراً عجيبا ..في جعل قلب العبد يخلص لله تعالى ، فإن العبد متى انقطعت عنه المواد التي تغذي قلبه بالأمور الفاسدة ، والمعتقدات غير المرغوب فيها ، بدأ يفكر في الإخلاص ،وتوجه قلبه إلى ربه جلَّ وعلا ، خصوصاً أن الصيام يجعل العبد يتفكر في قدرة الله عليه ، ويتفكر في مقارنة العبد لنفسه بغيره ،ثم إنه بعد ذلك يستشعر حاجته لله فيخلص في أعماله .

ثم إن الصيام يجعل مجاري الشيطان تضيق ، فإنه قد ورد في الحديث {أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فإذا ضيّق العبد مجاري الدم بالصوم ، لن يتمكن الشيطان من ولوج بدنه } فمن هنا تصفّد الشياطين في هذا الشهر، ويستحضر العبد في أعماله نيّة الإخلاص لله تعالى .

فيا أيُّها المؤمنون..أخلصوا نياتكم لله ، في جميع أعمالكم ،إذا أحضرتم طعاماً لأبنائكم فانووا به التقرب لله ،إذا أفطرت يا أيها المؤمن ، فانوي بإفطارك التقرب لله ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا أكلت أكلة السحر فانوي بذلك التقرب لله جلَّ وعلا ..

اللهــــــم إنا نسألك يا ربنا .. أن ترزقنا جميعاً الإخلاص في جميع الأعمال ..

اللهـــــــم اجعلنا لا نريد بأي عمل نعمله غير وجهك الكريـــــــــــم ..

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعـــــــــــــــين
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

ســم اللــه الــرحـمــن الـرحــيـم


قــلـــــــــوبـــ الصـائــمــيـن


فـضـــيلـــة الشــيـــخ ســعـــد ابــن ناصــــــر الشــثــري


الدرس الثالث:الإنــــابـــــة


نحمد الله بقلوبنا ،وننيب إليه بأفئدتنا ..ونصلّي ونسّلم على رسول الله المنيب إلى ربه...

أما بعد..

فإن من عبادات القلوب ، الإنابة إلى علاّم الغيوب،

و الإنابةإقبال القلب على الله عزّ وجلّ وحده ، وانجذاب دواعي القلب لمراضي الله .

قال قتادة:{ المنيب هو التائب المقبل على الله} ،

وقال ابن زيد:{ الإنابة هي الرجوع إلى الطاعة والنزوع عمّا يُضادّها من معاصي الله}.

ومن أنواع العبادة .. الإنابة وهي التوجه إلى الله ،وهي التوبة النصوح ، وهي الرجوع إلى الله تعالى ، وفي المسند من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا :{ لا تمنوا الموت ، فإن هول المطلع شديد ، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة}.

إنابة أولياء الله .. هي إنابة لإلهيته ، إنابة عبودية ومحبة ، وتتضمن أربعة أمور :

· محبة الله .

· والخضوع له .

· والإقبال عليه .

· والإعراض عمّا سواه .

فلا يستحق اسم المنيب الا من اجتمعت فيه هذه الأربع الخلال .

الإنابة.. هي عكوف القلب على الله عزّ وجل ، كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه ، وحقيقة ذلك .. عكوف القلب على محبة الله ، وعلى ذكره بالإجلال والتعظيم له ، مع عكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة .

كثيرا ً ما يتكرر في القرآن ذكر الإنابة والأمر بها ، والإنابة هي الرجوع إلى الله ، وانصراف دواعي القلب ودواعيه إليه ، وهي تتضمن المحبة والخشية ، فإن المنيب محباً لمن أناب إليه .. خاضع إليه ، خاضع له ، خاشع ذليل.

وقد أمر الله عزّ وجل بالإنابة ..وحثّ عليها ، كما قال سبحانه)وأنِيبُوا إلىَ رَبِّكُم وَأسلِمُوا لَه مِن قَبلِ أن يَأتِيَكُمُ العَذاب ثُمَّ لا تُنصَرُون(

الإنابة إلى الله: صفة أولياء الله وأنبياءه وأصفياءه ..قال تعالى)إنَّ إبرَاهِيمَ لَحَلِيم ٌأوّاهٌ مُنِيب(

)وَقَالَ شُعَيب إن أُرِيدُ الا الإصلاحَ مَا استَطَعت ومَا تَوفِيقِي الا بِالله عَلَيهِ تَوكلّتُ وإليهِ أُنِيب(

الإنابة إلى الله : سبب من أسباب صفاء الذهن , وقدرته على الاعتبار والتفكّر ، فإن الله تعالى لما ذكر الآيات الكونية في سورة ق ، ذكر منها )أفَلَم يَنظُرُوا إلىَ السَمَاءِ كَيفَ بَنينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوج( إلى قوله سبحانه )تبصِرَة ً وذِكرَى لكلِّ عَبدٍ مُنِيب(، فالعبد المنيب ينفعه الله ـ جلّ وعلا ـ بالذكرى ، وقال سبحانه)هُوَ الذِي يُرِيِكُم آياتِهِِ وَيُنَزّلُ لَكُم مِن السَمَاء ِرِزقَا وَمَا يَتَذَكّرُ إلا مَن يُنِيب (، وقال )أفَلَم يَرَوا إلى مَا بَينَ أيدِيهِم وَمَا خَلفَهُم مِنَ السَمَاء ِوالأرض إن نَشَاء نَخسِف بهُمُ الأرض أو نُسقِط عَلَيهِم كِسَفَاً مِنَ السَمَاء ِإنَّ في ذَلِكَ لآيةً لِكلِّ عَبدٍ مُنِيب (
الإنابة إلى الله : من أسباب دخول الجنّة، قال تعالى )وأُزلِفَتِ الجَنّةُ لِلمُتقِينَ غَيرَ بَعِيد* هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُل ِأوَّابٍ حَفِيظ* مَن خَشِيَ الرَّحمَنَ بِالغَيبِ وَجَاءَ بِقَلبٍ مُنيِب* ادخُلُوهَا بِسَلام ٍذَلِكَ يَومُ الخُلُود (

الإنابة إلى الله .. سبب للهداية ..وطريق من طرق الاستقامة ..قال تعالى )قل إن الله يُظّلُ مَن يَشَاء ويَهدِي إليهِ مَن أَنَاب( ، وقال سبحانه)اللهُ يَجتَبِي إليهِ مَن يَشَاء وَيهدِي إليهِ مَن يُنيِب(

صلاح القلب وفلاحه وسعادته معلّق بالإنابة إلى الله ..الإنابة إلى الله ، سبب لخيري الدنيا و الآخرة ، وقد بشّر الله تعالى أصحاب الإنابة فقال سبحانه)والّذينَ اجتَنَبُوا الطَاغُوتَ أن يَعبُدُوهَا وَأنَابُوا إلى الله لَهُم ُالبُشرَى فَبَشّر عِبَاد (

وقد ذكر الله في كتابه العظيم في غير موضع ، أن من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين .. أن ينزل بهم الشدّة والضر مما يلجأهم إلى توحيده ، فيدعون الله مخلصين له الدين ، ويرجون الله ـ جلَّ وعلا ـ لا يرجون أحداً سواه ، وتتعلق قلوبهم بالله وحده لا بغيره ، وحينئذ ٍ ، يحصل لهم من التوكل عليه ، ومن الإنابة إليه ، ومن حلاوة الإيمان وذوق طعمه ، والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض أو الخوف أو الجذب ، أو حصول اليسر وزوال العسر في المعيشة ، فإن تلك الأمور لذّات بدنية ، ونعم دنيوية قد يحصل للكافر منها ، أعظم مما يحصل للمؤمن .

وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين في دينهم ، فأعظم من أن يتمكن مرء من الحديث عن وصفه ، أو أن يعبّر عن كنهه مقال ، أو يستحضر تفصيله بال ، وكل مؤمن له من ذلك نصيب بقدر إيمانه .

وأصل الإنابة .. محبة القلب وخضوعه وذله للمحبوب المراد .. وكمال الإنابة يكون بالفرح والسرور بالقرب منه جلّ وعلا .

الإنابة إلى الله من أحب أنواع العبودية لله.. وإنما تتحقق الإنابة إلى الله ببذل النفس لله.. وتقديم محبة الله على كل ما سواه .

والعلم يورث الخشية ..والزهد يورث الراحة ..والمعرفة تورث الإنابة ..

ومن أعظم أسباب انشراح الصدر..أن ينيب العبد إلى ربه سبحانه وتعالى ، وأن يقبل عليه ، فحينئذٍ لا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك .

والناس في إنابتهم إلى الله على درجات متفاوتة ...* فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي ، وهذه الإنابة مصدرها مطالعات الوعيد .. والحامل عليها العلم والخشية والحذر.

*ومن الناس من يكون منيبا إلى الله بالدخول في أنواع العبادات والقربات.. فهو ساع ٍ فيها بجهده ، قد حبب إليه فعل الطاعات وأنواع القربات ، وهذه الإنابة مصدرها الرجاء ومطالعة الوعد ..ومصدرها استحضار الإنسان للثواب ، ومحبة الكرامة من الله ، وهذا القسم ابسط نفوساً من أهل القسم الأول ، وأشرح صدورا .. وجانب الرجاء ومطالعة الرحمة والمنّة أغلب عليهم ، و الا فكلّ واحد من الفريقين منيب بالأمرين جميعا .

*ومن العباد من يكون منيب إلى الله بالتضرع والدعاء والافتقار إلى الله ، والرغبة إليه سبحانه ، وسؤال الحاجات كلها منه .. ومصدر هذه الإنابة هو شهود الفضل والمنّة والغنى التام والكرم والقدرة الكاملة .

فمن كان عارفاً بأن الله ـ جلَّ وعلا ـ متصف بذلك ، فإنه سينزل بالله حوائجه ، ويعلّق به آماله ، فإنابة هذا القسم من هذه الجهة مع قيامهم بالأمر .

ولكن إنابتهم من هذه الجهة قاصرة ،لأن الإنابة ينبغي أن تكون من جهة الخوف ، و من جهة الرجاء ، ومن جهة التضرع ، ومن جهة المحبة .

ولذلك فإن من ينيب إلى الله في وقت الشدائد .. فإنه لم يرزق الإنابة الخاصة ..وحينئذٍ تكون إنابة هذا القسم إنابة اضطرار لا اختيار .

* وأما أعلى أنواع الإنابة ..فإنابة الروح بجملتها إلى الله في جميع الأوقات ، بحيث يكون العبد دائم الاتصال بالله ، دائم الرجوع إليه سبحانه ..اعترافاً بنعمه ، وأملاً في فضله ،وخوفاً من عقابه ، ورجاءاً لكرمه ، مع تضرعه بإزالة ما يحصل لديه من المصائب ، ومن أنواع المكروهات ..

أسأل الله جلَّ وعلا أن يجعلنا و إياكم منيبين إليه سبحانه .. ممن يستحضر نعمة الله عليه ..ويستحضر قدرة الله عليه في جميع أوقاته .

هذا والله أعلم .. وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

بســم اللـه الــرحـمــن الــرحــيـم


قـــلـــوب الصـــــــائــميـــن


فــضــيلــة الشـيـخ سـعــد ابـن نـاصــر الشــثـري


الدرس الرابع: تـــدبــّر القـــــــــــــرءان


الحمد لله الذي أنزل القرآن شفاء لما في الصدور .. وهدى وموعظة للمتقين .. وأشهد أن لا إله إلا الله كلامه صدق وحق مبين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين ، صلى الله عليه وعلى آله و أصحابه وسلم تسليماً كثيرا .

أما بعد ..

فإن من عبادات قلوب المؤمنين ، تدبر القرآن ، وخصوصاً في شهر رمضان ، قال تعالى ) شهرُ رَمَضَان الّذي أُنزِلَ فِيهِ القُرآن هُدىً لِلنّاسِ وَبيّناتٍ من الهُدَى والفُرقَان(

ومن أعظم القُربات ، وأعظم المواعظ ، وأفضل أسباب حياة القلوب .. تدبر القرآن ، والتفكّر في قصصه ومواعظه ، وحججه وبيّناته وأدلّته )لَو أنزَلنَا هَذَا القُرءَانَ عَلَى جَبَل ٍلَرَأيتَهُ خَاشِعَاً مُتَصَدِّعَاً مِن خَشيَةِ الله(

أيها المؤمن.. اسمع ربك وخالقك المتصرف في الكون يقول)وكَم أهلَكنَا قَبلَهُم مِن قَرن ٍهُم أشدُّ مِنهُم بَطَشَا فَنَقّبُوا فِي البلادِ هَل مِن مَحِيص إنَّ في ذَلِكَ لَذكرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلبٌ أو ألقَى السَمعَ وَهُوَ شَهِيد (

قال ابن القيّم رحمه الله في تفسير هذه الآية :{ الناس ثلاثة رجال : رجل قلبه ميت ، فذلك الذي لا قلب له ، فليست هذه الآية ذكرى في حقّه ، وهو بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر . والثاني رجل له قلبه حي مستعد ، لكنه غير مستمع للآيات المتلّوه التي يخبر الله بها عن الآيات المشهودة ، إما لعدم ورودها إليه ، أو لوصولها إليه وقلبه مشغول عنها بغيرها ، فهذا أيضاً لا تحصل له الذكرى ، مع استعداده ووجود قلبه ، فهو بمنزلة البصير الذي يشاهد جهة غير الجهة التي يستفيد من النظر إليها والثالث رجل قلبه حي ،حي القلب ، مستعد ، تُليت عليه الآيات ، فأصغى بسمعه وألقى السمع وأحضر القلب ، ولم يشتغل بغيره ، فهو شاهد القلب ، مُلقى السمع ، فهذا الذي ينتفع بالآيات المتلُوة والمشهودة .}

فمن كان له قلب وقّاد ، يستخرج العبر ويتفهّم المعاني من الكتاب العزيز، فهذا الذي يكون للآيات القرآنية نور في قلبه وهؤلاء هم أكمل خلق الله ، وأعظمهم إيماناً وبصيرة .

وقال تعالى)أفلا يَتَدَبّرُونَ القُرآن أم عَلَى قُلُوبٍ أقفَالُهَا(وهذا إنكار على من يعرض عن تدبر القرآن ، وقال)أفَلا يَتَدَبّرُونَ القُرآن ولَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فيهِ اختِلافَاً كَثيرَا (

وقال)أفَلَم يَدبّرُوا القَولَ أم جَاءَهُم مَا لَم يَأتِي آبَاءَهُمُ الأوَلِين(وقال)كِتَابٌ أنزلنَاهُ إليكَ مُبَارَكٌ لِيَدَبّرُوا آيَاتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أولُوا الألبَاب(

وقد ذم الله جلَّ وعلا المعرض عن هذا القرآن، بما يشمل المعرض عن تدبّره ، قال تعالى)ومَن أظلَمُ مِمّن ذُكِّرَ بِآياتِ رَبّهِ فَأعرَضَ عَنهَا(وقال)ومَن أظلَمُ مِمّن ذُكّرَ بآياتِ رَبّهِ ثُمَُّ أعرَضَ عَنهَا(
ومن لم يشتغل بتدبّر آيات هذا القرآن العظيم ، أي لم يشتغل بتفهّمها وإدراك معانيها والعمل بها ، فإنه معرض عنها ، غير متدبر لها ، فيستحق الإنكار والتوبيخ المذكورة في هذه الآيات .

وترك تدبر القرآن من أنواع هجر القرآن الداخل في قول الله تعالى)وَقَالَ الرَسُولَ يَا رَبّي إنّ قَومِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرآنَ مَهجُورا(

قال العلّامة الشنقيطي :{ الحق الذي لا شك فيه ، أن كل من له قدرة من المسلمين ، على التعلم والتفهم وإدراك معاني الكتاب والسنّة ، يجب عليه تعلمهما ، والعمل بما علم منهما }.

إن من أعظم ما يدعو الإنسان إلى التدبر في كتاب الله ، ما احتواه هذا الكتاب من الخير العظيم ، قال تعالى)يا أيُّهَا النّاسُ قَد جَاءَكُم بُرهَانٌ مِن رَبِّكُم و أَنزَلنَا إليكُم نُورَاً مُبِينَا(

وقال )قد جَاءَكُم مِنَ اللهِ نُورٌ وكِتَابٌ مُبِين يَهدِي بهِ اللهُ مَنِ اتّبَعَ رِضوَانَهُ سُبُلَ السّلام ويُخرِجُهُم مِنَ الظُلُمَاتِ إلى النورِ بِإذنِهِ ويَهدِيهِم إلى صِرَاطٍ مُستَقيم (وقال)ما كُنتَ تَدرِي مَا الكِتابُ ولا الإيِمَان ولَكَن جَعلنَاهُ نُوراً نَهدِي بِه مَن نَشَاءُ مِن عِبَادِنَا (، فإذا كان القرآن نورا .. فكيف تعمى بصيرة عاقل عن الاستضاءة بذلك النور .

ومن فضل الله علينا في عصرنا الحاضر ، أن استجد لنا من وسائل التقنية وألآت الاتصال ، ما يمكّن المرء من قراءة القرءان وسماعه ، وتدبره في أي مكان ، مما يسهّل عليه فهم القرءان وتدبره .

قال الثعالبي:{ تدبر القرءان كفيل لصاحبه بكل خير } وقال ابن سعدي :{ كتاب أنزلناه إليك مبارك ، فيه خير كثير وعلم غزير ، فيه كل هدى من ضلالة ، وشفاء من داء ، ونور يستضاء به في الظلمات ، وفيه كل حكم يحتاج إليه المكلفون ، وفيه من الأدلة القطعية على كل مطلوب ، ما كان به أجلَّ كتاب طرق العالم منذ أنشئه الله ، ليدبروا آياته (أي هذه الحكمة من إنزاله ) ليتدبر الناس آياته فيستخرجوا علمها ، ويتأملوا أسرارها وحكمها ، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه ، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة ، تدرك بركته وخيره }.

وهذا يدل على الحث على تدبر القرءان وأنه من أفضل الأعمال ، وأن القراءة المشتملة على التدبر، أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود .

وبحسب لب الإنسان وعقله .. يحصل له التذكر والانتفاع بهذا الكتاب .

وقال ابن القيم :{ فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته ، من تدبر القرءان وإطالة التأمل فيه ، وجمع الفكر على معاني آياته ، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها ، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما ، وتضع في يده مفاتيح كنوز السعادة ، والعلوم النافعة ، وتثبّت قواعد الإيمان في قلبه ، وتريه أيام الله في الأمم السالفة ، وتبصّره بمواقع العبر ، وتشهده عدل الله وفضله ، وتعرّفه ذاته وأسماءه وصفاته ، وأفعاله وما يحبه وما يبغضه ، وصراطه الموصل إليه }. ومفتاح حياة القلوب ، تدبر القرءان ، والضراعة بالأسحار ، وتوبة العبد وتركه للذنوب .

والذي يدعوا لتدبر القرءان عدد من الأمور .. منها :

أولاً: طاعة أمر الله جلَّ وعلا الذي أمر بتدبر القرءان ، قال تعالى )إنّا جَعَلنَاهُ قُرءَانَاً عَرَبِيَاً لَعَلّكُم تَعقِلُون(

وثانيها: أن تدبر القرءان ،يعرف العبد بمعالم الخير والشر ، وطرقهما وثمراتهما ، ومآل أهلهما ، وكيفية التمييز بينهما .

وثالثها: أن تدبر القرءان ، يثبّت الإيمان في القلب ، ويرسّخه بقواعد متينة .

ورابعها: أن تدبر القرءان ، يزيد في عقل الإنسان ، من خلال مطالعة عواقب الأمور ،ومعرفة ما حلّ بالأمم السابقة .

وخامسها: أن بتدبر القرءان ، يعرف المرء معاني أسماء الله الحسنى ، ويتعرف على ما يحبه الله ويرضاه ، ويستجلب بذلك رضا رب العالمين وخير الدنيا وال آخرة .

وسادسها : أن المرء بتدبر القرءان ، يتمكن من تطبيق القرءان على نفسه ، بل وتعرّفه صفات نفسه ، ليتمكن من معالجتها بما يناسبها . وبتدبر القرءان ، تزول كثير من وساوس الشياطين ، ويتمكن المرء من صد هذا العدو عنه .

وأما الوسائل المعينة على تدبر القرءان ..فترتيل القرءان ، وحسن قراءته ، واختيار الأوقات المناسبة لقراءته ، وتفريغ القلب من المشكلات وقت قراءته ، ومراجعة تفسيره من السنّة النبوية ، وكلام أهل اللغة وما كتبه المفسّرون الموثوقون .

وأعظم من ذلك كله .. ســــــــؤال العـبد لـربه أن يـفـهمـه مـعـاني كـتـابـه .

وأما ثمرات تدبر القرءان ..فحدّث ولا حرج .. ثمرات تدبر القرءان ، أعظم من استيعابها من مثلي ،إذ إنني أُعلن عجزي عن استتمام ذكرها

فتدبّر القرءان إن رمت الهدىفالعلم تحتتدبر القرءان


أسأل الله ـ جلَّ وعلا ـ أن يرزقنا وإياكم قلوباً تفهم كتاب الله .. وتعرف معانيه وتدرك أسراره .. كما أسأله ـ جلَّ وعلا ـ أن يفتح علينا وعليكم من أبواب فهم القرءان ما يقربنا إلى رضاه ، ويرفع درجاتنا عنده ، ويعلي منزلتنا في جنته ، ويجعلنا من المقربين عند رسله ، كما أسأله جلَّ وعلا أن يفتح لنا أسرار كتابه .

هذا ، والله أعلم ..

وصلّى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ....

يتبع باذن الله
 

ابو العزام

مراقب الأركان العامة والتقنية
مراقب عام
27 أغسطس 2009
63,014
4,770
113
الجنس
ذكر
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك وجزاك الله خيرا ،،

أختي الفاضله على الموضوع الجميل ,,
وجزاء الشيخ سعد الشثري خير الجزاء ،،
 

نـــدى العـــروي

مزمار فعّال
15 أغسطس 2010
105
0
0
القارئ المفضل
ياسر الدوسري
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

جزاك الله والشيخ سعد الشثري خيرا الجزاء ..

ما شاء الله طرح هادف وفيه من الخير الكثير
 

ابنةُ اليمِّ

مدير عام قديرة سابقة و عضو شرف
عضو شرف
26 مايو 2009
25,394
1,156
0
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

موضوع رائع
جزاكِ الله خيرًا أختى نورعلى حُسن الانتقاء
واختيار الأفضل دائمًا وما فيه الفوائد
وجزى الشيخ سعد الشثري خير الجزاء

 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد

منهاج النبوة

مزمار ذهبي
17 أكتوبر 2009
1,033
2
0
الجنس
ذكر
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

بارك الله فيك أختي على موضوعك الطيب
وجزى الله شيخنا كل خير
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن


قــلـــوب الصـــائــميـــن


لفضيلة الشيخ سعد ابن ناصر الشثري


الدرس الخامس:الحــــــــــــــــزن


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

أما بعد...فإن من الأمور التي ترد إلى القلوب ..الحزن ،

والحزن هوألم القلب لوقوع مكروه ، أو فوات محبوب في الماضي ، والحزن لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة ، فلا فائدة فيه .. وإذا لم يقترن بالحزن محرم ، فإنه يُعفى عنه لقول النبي صلّى الله وسلم : [ إنّ الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا حزن القلب ، ولكن يؤاخذ على هذا أو يرحم ] وأشار إلى لسانه صلّى الله عليه وسلم .

وقد نهى الله المؤمنين عن الحزن، فقال سبحانه ) ولا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوَنَ إنْ كُنتم مُؤمِنِين ( أي لا تضعف أبدانكم ولا تحزن قلوبكم بسبب ما أصابكم من المصائب ، فإن الحزن زيادة مصيبة .. وسببٌ لاستظهار عدوكم عليكم ، بل تشجعوا واطردوا عن قلوبكم الحزن ، إذ لا يليق بالمؤمن الحزن ، إذ أن المؤمن هو الأعلى الذي يرجو نصر ربه في الدنيا ، وهو الذي يؤمل رفعة الدرجة في الآخرة ، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم لأبي بكر الصدّيق : [لا تحزن إنّ الله معنا ] لما كانوا في الغار في ليلة الهجرة ..

إن الشيطان يحرص على إيقاع الأحزان في قلوب أهل الإيمان، كما ورد في الحديث ( لو، تفتح عمل الشيطان ) أي تفتح الحزن والجزع ،وهذا يضر ولا ينفع ، قال الله تعالى ) إنّمَا النّجْوَى مِنَ الشَيطَانِ لِيَحزَُنَ الّذِينَ آمَنُوا وَلَيسَ بِضَارِّهِم شَيئَاً الا بإذنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَليَتَوكّل ِالمُؤمِنُون (.

ومن الرؤيا المنامية ما يكون تحزيناً من الشيطان كما ورد ذلك في الصحيحين .

والنهي عن الحزن .. لأن الحزن يُضعف القلب ، ويوهِن العزم ، ويضرّ بالإرادة .

فالحزن مرض للقلب يمنعه من القيام ببعض وظائفه ، وإن كان الحزن ليس من اختيار العبد ، وإنما يقع في قلبه في أحيان كثيرة بدون أن يقصده ، وإنما المراد أن يحاول العبد رفع الحزن الحاصل في قلبه .

والحزن نوع من أنواع المصائب التي يكفّر الله بها الذنوب، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم : [ ما يصيب المسلم من نصب "أي تعب " ، أو وصب "أي مرض" ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم ،حتى الشوكة يشاكها الا كفّر الله بها من خطاياه .] متفق عليه ، وعلى العبد إذا وقع الحزن في قلبه أن يتجنب التسخّط من أقدار الله .

إن المؤمن حريص على إبعاد الحزن عن قلبه، ولذلك كان من دعاء النبي صلّى الله عليه وسلم :[ اللهم إنّي أعوذ بك من الهم والحزن ] ، وفي الحديث :[ التلبينة تجمّ فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن ] والتلبينة هي الحساء أو الشوربة من البرّ أو الشعير وربما وضع معهما شيء من العسل أو اللبن .

والحزن فد يعرض لبعض عباد الله الصالحين، كما قال تعالى ) حَزَنَاً ألاّ يَجدُوا مَا يُنفِقُون ( ولما جاء خبر موت أهل مؤتة ،جلس النبي صلّى الله عليه وسلم يُعرف فيه الحزن ، وقال صلّى الله عليه وسلم :[ إنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون] .و الأولى بالعبد أن يسعى جهده في إزالة الحزن عنه ، فإن الحزن مضعف للقلب ، موهن للعزيمة ،لا يردّ من قضاء الله شيئا .

وإذا أصاب الحزن قلب المؤمن.. شكاه إلى ربه القادر على كل شيء ، كما قال تعالى عن يعقوب عليه السلام ) إنّمَا أَشكُوا بَثي وَحُزنِي إلى اللهِ وَاعلَمُ مِنَ اللهِ مَا لا تَعلَمُون ( .

ويمتنّ الله تعالى على بعض عباده بإبعاد الحزن عنهم؛ كما قال سبحانه ) الا إنَّ أولِيَاءَ اللهِ لا خَوفٌ عَلَيهِم وَلاَ هُم يَحزَنُون الّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتقون لَهُمُ البُشرَى في الحَيَاةِ الدُنيَا وَفي الآخرة ( ، فالإيمان والتقوى من أسباب إبعاد الأحزان عن القلوب ..

ومن طرق إبعاد الحزن عن القلب إتباع هدي الله الوارد في كتابه، كما قال سبحانه ) فَمَن اتّبَعَ هُدَاي فَلا خَوفٌ عَلَيهم وَلا هُم يَحزَنُون (.

إنّ الدار الخالية من الأحزان هي الجنّة..كما قال تعالى ) الأخلاءُ يَومَئذٍ بَعْضُهم لِبعض ٍعَدو الا المُتّقِين يَا عِبَادي لا خَوفٌ عَلَيكُم اليَومَ ولا أنتم تَحْزَنُون ( ، وقال تعالى عن أهل الجنّة ) وَقَالُوا الحَمدُ للهِ الّذِي اَذهَبَ عَنّا الحَزَن إنّ رَبّنَا لَغَفُورٌ شَكُور(، وقال ) إنَّ الّذِينَ قَالُوا رَبُنَا الله ثُمّ استَقَاموا تتنزّلُ عَلَيهِمُ المَلائِكَة الا تَخَافُوا ولا تَحزَنُوا وابشِرُوا بِالجَنّةِ الّتِي كُنتم تُوعَدون(..

ومن هنا جاءت الشريعة بالنهي عن الحزن الذي قد يعتري بعض قلوب المؤمنين ، من أجل صدود غير المؤمنين عن دعوة الإسلام ، أو افتراءهم الكذب على المسلمين ، كما قال تعالى) قَد نَعلمُ إنّهُ لَيَحزُنُكَ الّذي يَقُولُون فَإنَهم لا يُكَذِبُونَك وَلَكنَّ الظَالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجحَدُوُن ( وقال ) ولا يَحزَنُكَ قَولُهم إنَّ العِزّةَ للهِ جَمِيعَاً هُوَ السَمِيعُ العَلِيم ( وقال ) يَا أيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحزَنُكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفرِ مِنَ الّذِينَ قَالُوا آمَنّا بِأفوَاهِهِم وَلَم تُؤمِن قُلُوبَهم ( وقال ) واصّبِر وَمَا صَبرُكَ الا باللهِ ولا تَحزَن عَلَيهِم وَلاَ تَكُ في ضَيق ٍمِمّا يَمكُرُون



(

وقال)ومَنْ كَفَرَ فَلا يَحزُنُكَ كُفرُه إليَنَا مَرجِعَهم فَنُنَبِئَهُم بِمَا عَمِلُوا إنّ اللهَ عليمٌ بِذاتِ الصُدُور(، وقال)فَلا يَحزُنُكَ قَولُهم إنَّا نَعلَمُ مَا يُسِرّونَ وَمَا يُعلِنُون(وقال)قُل سِيرُوا فِي الأرضِ فَا انظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجرِمِين ولا تَحزَن عَلَيهم وَلا تَكُ في ضَيق ٍمِمّا يَمكُرُون(وقال)فَلا تَذهَب نَفسُكَ عَلَيهِم حَسَرَات(وقال)لَعَلّكَ بَاخِعٌ نَفسَكَ الا يَكُونُوا مُؤمِنِين(.

إنّ المؤمنين لا يحزنون إذا حصل انتصار مؤقت لأعدائهم عليهم، فإن الآخرة خالصة لهم ، وإنّ العاقبة الحميدة في الدنيا تكون لهم ، وما حصل ذلك الانتصار لأعداء الإسلام ، الا لينقّي الله المؤمنين ويُصَفّيهم ، كما قال تعالى)ولا تَهِنُوا وَلاَ تَحزَنُوا وَأنْثُمُ الأعَلَونَ إن كُنتم مُؤمِنِين* إن يَمسَسكُم قَرحٌ فَقد مَسّ القَومَ قَرحٌ مِثلُه وتِلكَ الأيامُ نُدَاوِلُها بَينَ النّاسِ وَلِيَعلَمَ اللهُ الذين آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنكُم شُهَداء واللهُ لا يُحبُ الظَالِمِين* ولِيُمَحِّصَ اللهُ الّذينَ آمَنُوا وَيَمحَقَ الكَافِرين* أم حَسِبتُم أنْ تَدخُلُوا الجَنَّة وَلَمّا يَعلَم ِاللهُ الّذينَ جَاهَدُوا مِنكُم ويَعلَمَ الصَّابِرِين(.

لم يرد في الشرع الأمر بالحزن المنافي لتمام الرضا أبداً ، إذ لا فائدة في الحزن ، بل قد يكون فيه مضرّة ، لكنه يُعفى عنه إذا لم يقترن به ما يكرهه الله ..وقد يقترن بالحزن ما يجعل صاحبه يثاب عليه ويحمد عليه ويكون محموداً من تلك الجهة، كمن يحزن على مصيبة في دينه ، أو يحزن بسبب المصائب التي تصيب إخوانه المسلمين .. فهنا يُثاب العبد على هذا الحزن لما فيه من محبة الخير للآخرين وبغض الشرّ لهم ..

أسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياكم للخير ..أن يبعد عنا وعنكم الحزن ..هذا والله أعلم ..وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بســم اللــه الــرحــمــن الــرحــيـم


قــلــوب الصـائــميــن


فــضــيلـة الشـيـخ سـعـد بـن نـاصـر الشـثـري


الدرس السادس:التـــفــاؤل



الحمد لله فارج الكُرُبات ..وأشهد أن لا إله الا الله مجيب الدعوات ..وأشهد أن محمد عبده ورسوله عليه أتم التسليم وأفضل الصلوات ، أما بعد ..

فإن من أعمال قلوب الصائمين ..التي يتقربون بها لله أن يتفاءلوا .. بحيث يتفاءل المرء بأن يغفر الله له في هذا الشهر الكريم ،شهر رمضان ، ويتفاءل بأن يستجاب له دعاءه ، ونتفاءل أيضا أن يمحّص الله ذنوبنا في شهر رمضان ،وأن يتقبل الله منا عباداتنا .

تأميل الناس في فضل الله عز وجل:

إذا أمّل الناس في فضل الله ، ورجوا إحسانه جلَّ وعلا عند كل سبب ضعيف أو قوي ، فهم على خير ولو غلطوا في جهة الرجاء ، فإن الرجاء خير لهم .

وإذا قطع العباد أملهم من الله، وقطعوا رجاءهم من الله كان ذلك من أعظم الشرّ عندهم ، وقد جاء في الحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:{قال الله ـ عزَّ وجل ـ أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء} وجاء في الصحيح أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:{لا طيره وخيرها الفأل ، قالوا :وما الفأل ؟!قال :الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم}.

وفي الحديث { لا طيره ، وأحب الفأل الصالح }،وفي الترمذي أن رسول الله صلّى الله عليه و سلم كان يعجبه إذا خرج لحاجه أن يسمع ( يا راشد ، يا نجيح )، وفي السنن من حديث بريده ،أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان لا يتطير من شيء ، وكان إذا بعث عاملاً سأل عن اسمه فإذا أعجبه فرح به ورؤيا بشر ذلك في وجهه ، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها فإن أعجبه اسمها فرح بها ورؤيا بشر ذلك في وجهه.

وفي صحيح مسلم أن النبي صلّى الله عليه وسلم قيل له :{ منّا رجال يتطيرون ، فقال : ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّنهم }..وجاء في الصحيح أن النبي صلّى الله عليه وسلم قد ذكر أن سبعين ألفاً من أمة محمد صلّى الله عليه وسلم يدخلون الجنّة بغير حساب ولا عذاب ، وقد وصفهم النبي صلّى الله عليه وسلم بأنهم لا يسترقون ، ولا يتطيرون ، ولا يكتوون ، وعلى ربهم يتوكلون .

فقوله "ولا يتطيرون"أي لا يتشاءمون ، فإذا نهي عن التشاؤم ، دل ذلك على مشروعية ضد الا وهو التفاؤل .

وليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك ، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة ، ومن حب الفطرة الإنسانية ، التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها ، والله تعالى فد جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الاسم الحسن ومحبته ، وميل نفوسهم إليه .

وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باِسم الفلاح والسلام ، والنجاح والتهنئة والبشرى ، والفوز والظفر ونحو ذلك ..

فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع ، استبشرت بها النفس.. وانشرح لها الصدر ..وقوي بها القلب ، وإنما كان صلّى الله عليه وسلم يعجبه الفأل ، لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق.

أما التفاؤل ..فإنه حسن ظن بالله سبحانه وتعالى، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال .

وإذا كان التفاؤل محبوباً محموداً عند الله ـ عزّ وجل ـ فإن الذي يقابله التشاؤم ، وهو من الأمور المذمومة ، ومن أمثلة ذلك ..أن يتشاءم الإنسان بالأعداد أو الطير أو المرضى ..وهذا من الأمور المحرمة في الشرع .

والتطيّر إنما يضرّ من أشفق منه وخاف، وأما من لم يبالي به ولم يعبأ به شيئا فإنه لا يضره البتة .

والطيرة باب من أبواب الشرك .. ومن إلقاء الشيطان الوساوس في قلوب العباد، فهو من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته ..ولهذا يعظم شأنه ويكبر عند من يكثر العناية به .

فمن تطير .. زاده التطير شرّاً وشؤما ،والمتطير متعب القلب .. منكّد الصدر .. كاسف البال .. سيء الخلق .. يتخوف من كل ما يراه ويسمعه ، فهو أشدّ الناس وجلا ، وأنكدهم عيشا ، وأضيقهم صدرا ، وأحزنهم قلبا .

كم حرم نفسه بذلك من حظ ، وكم منعها من رزق ، وكم قطع عليها من فائدة .

واعلم .. بأنه ليس شيء أضر بالرأي ، ولا أفسد بالتدبير من اعتقاد الطيرة ..

ومن ظن أن خوار بقرة .. أو نعيق غراب .. يرد قضاء أو يدفع مقدوراً فقد جهل .وفي السنن (الطيرة شرك) ، وفي المسند ( من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك ) .

وقد عاب الله تعالى على بعض الأمم السابقة التطير، فقال سبحانه) وإن تُصِبهُم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِندِ اللهِ وإن تُصِبهُم سَيئة يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِندك قُل كلٌّ مِن عِندِ الله فَمَا لِهَؤلاءِ القوم ِلا يَكَادُونَ يَفقَهُونَ حَدِيثَا (وقال) فَإذَا جَاءَتُهمُ الحَسَنَة َقالُوا لَنَا هذه وإن تُصِبهُم سَيئة يَطَيّرُوا بمُوسَى ومَن مَعَه ألا إنمَا طَائِرُهم عِند الله ولكنّ أكثَرَهُم لا يَعلَمُون(،) وقَومُ صَالح ٍقَالُوا اِطيّرنَا بِكَ وبِمَن مَعَك قَالَ طَائِرُكُم عِند الله بل أنتُم قَومٌ تُفتَنُون( فكان عاقبتهم سوء العاقبة دنيا وآخرة ،) وأصحَابُ القَرية ِقَالُوا إنّا تَطيّرنَا بِكم فَردَّ عَليهِم أنبَيَاءهُم قَالُوا طَائِركُم مَعَكم أئِن ذُكِّرتُم بَل أنتُم قَومٌ مُسرِفُون( .

وعلاج الطيرة يكون بحسن التوكل على الله، والاعتماد عليه ، ومعرفة أنه لا يحدث شيئاً الا بتقدير الله وخلقه ،وأن القدر سابق على هذه الحادثة التي تشاءم منها .

خرج عمر ابن عبد العزيز في سفر فقيل له :{ القمر في الدّبران ، وكانوا يتشاءمون من ذلك ..فقال : إنّا لا نخرج بسمش ولا بقمر ولكنّا نخرج بالله الواحد القهّار }.

التطيّر ينافي التوكل.. ويدلّ على قلة العقل ، ويورث اضطراب النفس ، ويؤدي إلى الكسل وترك العمل ، وكثرة الفشل .

التطيّر ... سيء العاقبة دنيا وآخرة ..فيا أيها المؤمنون اجتنبوا التطيّر في جميع شؤونكم ، واتصفوا بصفة التفاؤل في كل أحوالكم ، والله جلَّ وعلا عند حسن ظن عبده به ، والله جلَّ وعلا قد عوّدكم الجميل ، وبين لكم أنه ينصر أولياءه المؤمنين ، فتفاءلوا بنصر الله تجدوه ...

هذا ... والله جلَّ وعلا أسأله أن يوفقنا وإياكم بخيري الدنيا والآخرة .. وأن يصلح أحوالنا جميعا .. وأن يردّنا إلى دينه ردّاً حميدا .. هذا والله أعلم.

وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ....
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

قـــلـــوب الصــائــميـــن


فــضــيلة الشــيـخ ســعــد بـن نـاصــر الشـثـري


الدرس السابع: الــــزهـــــد



الحمد لله الذي جعل الدنيا مزرعة الآخرة ، نحمده سبحانه ونشكره ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا ..أما بعـــــــــــــد ...فإن من عبادات القلوب التي يتقرب بها المؤمنون إلى ربهم -جل وعلا - عبادة الزهد ..والزهد

:


عدم رغبة القلب فيما لا ينفع في الدار الآخرة ، بينما الورع / ترك ما يضر في الآخرة .قال أبو واقد الليثي - رحمه الله تعالى -" تابعنا الأعمال أيها أفضل ، فلم نجد شيئا أعون على طلب الآخرة من الزهد في الدنيا "وقال الحسن البصري :" ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ، وإضاعة المال ، ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب بك منها فيما لو لم تصبك .

الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال ، بحيث تصغر الدنيا في عينيك ، فيسهل عليك الإعراض عنها ..

الزهد سفر القلب من وطن الدنيا ، وأخذه في منازل الآخرة .

ومتعلّق الزهد ستة أشياء ، لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها ، يزهد العبد في المال ، ويعلم أن المال ليس مقصوداً لذاته ، وإنما هو وسيلة لغيره .

ويزهد في الصور ، وفي الرياسة ،وفي الناس ، وفي النفس ،و كل ما دون الله ..

وليس المراد في الزهد في الدنيا .. أن يرفض العبد الدنيا بكمالها وأن لا يتملّكها ، فقد كان سليمان و داؤود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما ،ومع ذلك كانا لهما من المال والملك والنساء ما لهما ، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم من أزهد البشر على الإطلاق ،ومع ذلك كان له تسع نسوة .

العلم مع الزهد والعبادة .. يلطف القلب ويرققه ، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة ، فيشمل الزهد .. الزهد في الحرام وهو فرض عين بحيث يعرض المرء عن المعاصي والذنوب .

ويشمل الزهد .. الزهد في الشبهات ، وله مراتب عديدة يختلف حكمها .. ويشمل الزهد ، الزهد في الفضول بترك ما لا يعني من الأقوال وأعمال الجوارح ، وما لا ينفع في الآخرة ، وكذلك يشمل الزهد .. الزهد في النيات و الإرادات ، بأن يقصد المرء بعمله كله وجه الله ، والدار الآخرة ، قال سفيان الثوري :{ الزهد في الدنيا قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباءة }.

وقد أمر الله جلَّ وعلا بالزهد في مواطن من كتابه ، كما قال سبحانه )وَلا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إلى مَا مَتّعنَا بهِ أزوَاجَاً مِنهُم زَهرَةَ الحَيَاة ِالدُنيَا لِنَفتِنَهُم فيِه وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأبقَى ( ، وقال تعالى )وَقَالَ الّذِينَ أُتُوُا العلم وَيلَكُم ثََوَابُ اللهِ خَيرٌ لِمَن آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَا وَلا يُلَقّاهَا الا الصَابِرُون



(، وقال سبحانه ) اللهُ لَطِيفٌ بِعبَادِه يَرزُقُُ مَن يشَاء وَهُوَ القَوي ُالعَزيز مَن كَانَ يُريدُ حَرثَ الآخِرة نَزد لَهُ فِي حَرثهِ ومَن كَانَ يُريدُ حَرثَ الدُنيَا نُؤتِهِ منهَا وَمَالَهُ بِالآخِرةِ مَن نَصِيب ( ، وقال ) مَن كَانَ يُريدُ ثَوَابَ الدُنيَا فَعِندَ اللهِ ثَوابُ الدُنيَا و الآخِرَة ( .

وفي السنن ،قال النبي صلّى الله عليه وسلم :{ من كانت الدنيا همّه ، فرّق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا الا ما كتب له ، ومن كانت الآخرة نيته ، جمع الله أمره ، وجعل غناه في قلبه ،وأتته الدنيا وهي راغمة}، وفي الصحيح { إن المكثرين هم المقلّون يوم القيامة الا من أعطاه الله خيرا ،فنفح فيه يمينه وشماله ، وبين يديه وخلفه ،وعمل فيه خيراً كثيرا } .

ويعين على الزهد .. أن يعرف المرء ، أن الدنيا زائلة عما قريب ،وأنها لن تبقى ، ولذلك حذّرنا الله من الاغترار بها ، وفي الحديث { كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ،فإنها تزهّد في الدنيا وتذكر الآخرة }.

ومما يعين على الزهد.. أن يكون المرء صادق اليقين ، تام الإيمان بالدار الآخرة ، المحتوية على النعيم المقيم ، والشقاء الدائم ، مما يجعل المرء يزهد فيما يقلل سرعته في مشيه إلى جنّة الخلد ، وفي الحديث الصحيح { يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط ، هل مرّ بك نعيم قط ؟!، فيقول : لا والله يا ربي ..ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنّة ، فيصبغ صبغة في الجنّة ، فيقول الله له : يا ابن آدم ، هل رأيت بؤساً قط هل رأيت شدّة قط؟! فيقول : لا والله يا ربي .. ما مرَّ بي بؤس قط ولا رأيت شدّة قط }.

ومما يعين على الزهد أيضا .. أن يعرف العبد أن الزهد لا يمنع من نعم الله في الدنيا ، بل زهده فيها يجعل الدنيا تأتيه وهي راغمة ، فالزهد لا يمنع من استعمال الدنيا في مراضي الله ، والزهد لا يمنع من وصول نعم ا لله إلى عبد الله ، بل زهده في الدنيا يكون من أسباب تنعّم الله على العبد ، ولا يمنع الزهد من وصول ما كتبه الله إلى العبد .

كما أن حرص العبد على الدنيا ، لا يجلب له من الدنيا ما لم يقدّر له فيها ، ولذلك علينا أن نكون من الزاهدين ، بحيث نعمل الأسباب تقرباً لله ، لا محبة في الدنيا ، ونكتسب رغبة في أن نُغني أنفسنا عن خلق الله ، لا محبة للفخر والرياء والرفعة في الدنيا .

ومما يعين على الزهد ..أن يعرف العبد حقيقة الدنيا ، وأن يتلفت إلى ما حوله من النعم ،وأنها عما قريب منتقلة عنه ، فكم من صاحب مال كثير زال عنه ماله ، وكم من صاحب شركات عظيمة زالت عنه شركاته ،قال تعالى) مَا عِندَكُم يَنفَد وَمَا عِندَ اللهِ بَاق ( .

ويعين على الزهد ..أن يقارن العبد بين الدنيا والآخرة ، فإن نعيم الآخرة دائم ونعيم الدنيا زائل ، ونعيم الآخرة صافٍ غير مكدّر ، ونعيم الدنيا مكدّر بالمصائب ، قال تعالى ) قُل مَتَاعُ الدُنيَا قَلِيل والآخِرَةُ خيرٌ لِمَنِ اتقَى ( ، وفي سنن ابن ماجه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال :{ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس} .

الزهد فيما ينفع في الدار الآخرة .. ليس من الدين في شيء .. فإن بعض الناس يعتقد أن ترك نعم الله ،وتحريم المباحات ،من الزهد وهذا فهم خاطئ مغاير لدين الإسلام ، ليس من الدين في شيء ، بل صاحبه قد اعتدى على شرع الله ، بتحريم ما أحل الله فيكون داخلاً في قول الله)يا أيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تُحرِّمُوا طَيباَت مَا أحلَّ الله لَكُم ولا تَعتدََُوا إنَّ اللهَ لا يُحِبُ المُعتَدِين( قال محمد ابن كعب القرضي { إذا أراد الله بعبده خيرا أزهّده في الدنيا ، وفقهه في الدين ، وبصّره عيوبه ، ومن أتيهُّنّ فقد أتي خيراً كثيرا في الدنيا والآخرة }، قال الله تعالى)وَمَا أمَوالُكُم ولا أوَلادكُم بالَتي تُقرّبكُم عِندنَا زُلُفَا الا مَن آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَا فَأولَئِكَ لَهُم جَزَاءُ الضِّعفِ بِمَا عَمِلُوا وهُم فِي الغُرُفَاتِ آمِنُون( ، فمن كانت دنياه معينة على طاعة الله ،سبباً من أسباب الإقدام على أنواع القربات ، فإنه حينئذ يكون من الزاهدين ، لأنه لم يقصد الدنيا وإنما قصد بما اكتسبه الآخرة ، أما من كان مراده الدنيا ليفاخر الناس ، وليباهي بما عنده ، فإنه حينئذ ليس من الزهد في شيء .

أسأل الله جلَّ وعلا أن يجعلنا وإياكم من الزاهدين.. اللهم يا حي يا قيوم عرفنا بحقيقة الدنيا ..واجعلنا يا حي يا قيوم ممن استعمل الدنيا لتكون سلّماً لرفعة الدرجة في الآخرة ، هذا والله أعلم .. وصلّى الله على نبيه محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين ...
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

فـضيـلــة الشـــيخ ســعــد بـن نـاصـر الشـثــري



الدرس الثامن:الــــــــرجــــــــــــاء




الحمد الله الرؤوف الرحيم .. المؤمل بكشف الملمات .. والمرجو برفع الدرجات .. وأشهد أن لا إله إلا الله نرجو رحمته ونخاف من سوء أعمالنا .. وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما ً كثيرا .

أما بعد ..

فإن من عبادات القلوب ..رجاء رحمة علاّم الغيوب ، قال تعالى) أولئكَ الّذينَ يَدعُونَ يَبتَغُونَ إلىَ رَبّهِمُ الوَسِيلَة أيّهُم أقَرَب وَيَرجُونَ رَحمَتَه وَيَخَافُونَ عَذَابَه ( وفي الصحيح يقول النبي صلّى الله عليه وسلم :{ لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه }، ويقول :{ قال الله عزّ وجل : أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي ما شاء }.

قال ابن القيم :{ الرجاء حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب وهو الله والدار الآخرة }، أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل ، كرجاء المطيع لثواب ربه ، أو رجاء كائد لمغفرته وعفوه .

الرجاء ضروري للمريد السالك ، والعارف لو فارقه لحظة لتلف أو كاد ، فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه ، وعيب يرجو إصلاحه ، وعمل صالح يرجو قبوله ، واستقامة يرجو حصولها ودوامها ، وقرب من الله وعلو منزلة عنده يرجو وصوله إليها.

الرجاء من الأسباب التي ينال العبد بها ما يرجوه من ربه .. بل هو أقوى الأسباب ، وفي قوله تعالى ) إن الّذينَ آمَنُوا والّذينَ هَاجَرُوا وجَاهَدُوا في سَبيلِ اللهِ أولئكَ يَرجُونَ رَحمَةَ الله ( دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بالقيام بالأعمال ، وأما الرجاء المقارن بالكسل فهو غرور وأمن من مكر الله وهو دال على ضعف الهمّة ، ونقص العقل ، وفي الآية دلالة على أن العبد لا يعتمد على عمله ، ولا يعّول عليه ، بل يرجو رحمة ربه .

حسن الظن ..وعظم الرجاء .. أحسن ما تزود به المؤمنون لقدومهم على ربهم جلَّ وعلا .. قوة الرجاء بالله أمان لكل خائف ، ومما يدعو إلى زيادة الرجاء في الله وفي فضله التعرف على أسماء الله ، التي تجعل القلب يرجو رحمة الله جلَّ وعلا فهو سبحانه البر الرحيم ، وهو سبحانه الغفور الرحيم ، وهو سبحانه العفو الكريم ، وهو سبحانه المحسن الحليم ، وهو سبحانه المعطي الجواد ، وهو سبحانه الوهاب الرزاق .

إذا علم العبد أن رحمة الله واسعة ، دعاه ذلك إلى أن يكون قلبه معلّقاً برجاء الله ، قال تعالى) إنَّ رَحمَتِي وَسِعَت كُلّ شَيء ( وفي الحديث الصحيح قال النبي صلّى الله عليه وسلم :{ لما قضى الله الخلق ، كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي }.

إن استشعار العبد لعبوديته لربه ، وفقره إليه ، وحاجته لما يرجوه من ربه ، ويستشرفه من إحسانه ، وأنه لا يستغني عن فضل الله وإحسانه طرفة عين ، يدعوه إلى أن يملئ قلبه من رجاء الله تعالى .

إذا عرف العبد أن الله تعالى يحب العبد متى رجاه وسأله ، فإنه سيكون من الراجين السائلين ..

من أسباب تحصيل الرجاء .. أن يشاهد العبد عظم فضل الله عليه ، وعموم إحسانه في نفسه وعلى غيره ، فكم من نعمة أنعمها عليك ربك أيها العبد ، وكم من خير أوصله إلى غيرك ، قال تعالى )وإمّا تُعرِضنَّ عَنهُم ابتِغَاء رَحمَةٍ مِن رَبّكَ تَرجُوهَا فَقُل لَهُم قَولاً مَيسُورَا( .

ومن أسباب تحصيل رجاء الله تعالى .. أن يستحضر المؤمن وعد الله للمؤمنين بخيري الدنيا والآخرة ، قال تعالى )وبَشّرِ المُؤمِنِينَ بِأنَّ لَهُم مِن اللهِ فَضَلاً كَبِيرَا ( وقال سبحانه ) و الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَالِحَات فِي رَوضَاتِ الجَنّات لَهُم مَا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِم ذَلِكَ هُوَ الفَضلُ الكَبِير( .

ومن أسباب تحصيل العبد لرجاء الله تعالى .. أن يعلم أن الله تعالى يغفر ذنوب العباد التائبين مهما تعاظمت ، قال تعالى )قُل يَا عِبَادِي الّذينَ أسرَفُوا عَلَى أنفُسِهِم لا تَقنَطُوا مِن رَحمَةِ الله إنَّ اللهَ يَغِفرُ الذُنُوبَ جَمِيعَا


(
.

إذا لاحظ العبد سنّة الله في الكون، بنصر أولياءه المؤمنين ، ازداد قلبه رجاءاً لله تعالى( أليس الله بكافٍ عبده )،(ومن يتوكل على الله فهو حسبه )، وإذا لاحظنا أن الله تعالى يجيب دعاء الداعين على اختلاف أزمانهم وأماكنهم ، وعلى تنوع لغاتهم وألسنتهم ، زادنا ذلك رجاءاً في الله تعالى ، ثم إن الثمرات العظيمة التي تحصل من رجاء الله تعالى ، تدعونا إلى أن نملئ قلوبنا من رجاء الله .

· فمن ثمرات الرجاء .. أن الرجاء من أسباب مغفرة الذنوب ، كما ورد في الحديث القدسي :{ يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي .}

· الرجاء من أسباب رضا الله عن العبد ومحبته له وقربه منه .

· الرجاء ينشّط النفس على طاعة الله ، فإن من عرف قدر مطلوبه ، هان عليه ما يبذله فيه ، قال تعالى) فَمَن كَانَ يَرجُو لِقَاءَ رَبّهِ فَليَعمَلَ عَمَلاً صَالِحَاً ولا يُشركَ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أحَدا( ، وقال تعالى ) أمّن هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الّليلِ سَاجِدَا ً وَقَائِمَا يَحذَرُ الآخِرَةَ وَيَرجُوا رَحمَةَ رَبّهِ قُل هَل يَستَوي الّذينَ يَعلَمُونَ والّذِينَ لا يَعلَمُونَ إنّمَا يَتَذَكّرُ أولُوا الألبَابِ ( .

· الرجاء يجعل العبد يتلذذ بأنواع الطاعات ، فكلما طالع القلب ثمرات الطاعات ، وحسن عاقبتها ، إلتذَّ بها.

· الرجاء يبثّ الطمأنينة في النفس ، ويبعد عنها الوساوس والخطرات ، ويهّون عليها المصائب ، إذ النفس ترجو زوال ما حلَّ بها من مصيبة ، وبذلك يقوى العبد على أعداء الله ، قال تعالى ) ولا تَهِنُوا فِي ابتِغَاءِ القَوم إن تَكُونُوا تَألَمُونَ فَإنّهُم يَألَمُونَ كمَا تَألَمُون وَتَرجُونَ مِن اللهِ مَا لا يَرجُون وكَانَ الله عَلِيمَاً حَكِيمَا (.

لولا التعلق بالرجاء تقطعت نفس المحب تحسّراً وتمزقا

لولا الرجاء يحدو ألمطي لما سرت يحدو لها لديارهم ــــــــــ اللقاء

رجاء الله ورجاء ثوابه .. يحدو العبد إلى متابعة النبي الكريم صلّى الله عليه وسلّم ، والسير على طريقة عباد الله الصالحين )لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُول ِالله ِأسُوَةٌ حَسَنَة لِمَن كَانَ يَرجُو اللهَ واليَومَ الآخِرَ وذَكَرَ اللهَ كَثيرَا( ، لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .

الرجاء من أكبر أسباب تحصيل الأجور العظيمة ،

)إن الّذين يتلُونَ كِتابَ اللهِ وأقَامُوا الصَّلاة وأنفَقُوا ممّا رَزَقنَاهُم سِرّاً وَعَلانِيَة يَرجُونَ تِجَارةً لَن تَبُور لِيُوفيهُم أجورَهُم ويَزيدَهُم مِن فَضلِه إنَّه غَفُورٌ شَكُور(.

الرجاء سبب لتحصيل منافع الدنيا والآخرة .. وفي الحديث{ أن النبي صلّى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت ، قال : كيف تجدك ؟ قال : والله يا رسول الله إني لأرجو الله ، وإني أخاف ذنوبي . فقال صلّى الله عليه وسلم :لا يجتمعان في قلب عبد ، في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمّنه مما يخاف .}

وما أعظم ما ينجز الرجاء.. من انتظار رحمة الله ، وتوقع فضل الله ، الذي يعلّق القلب بالله
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

قــلــوب الصــائـــمـيــــــــن




فــضيــلــة الـشيــخ سـعــد بـن نـاصـر الشــثــري






الدرس التاسع:الــخــــــــــوف


الحمد لله رب العالمين .. الحمد لله القوي العزيز.. صاحب البطش الشديد ..فعّال لما يريد،كم أهلك من أمة كافرة ، وكم أخذ من جماعة ظالمة ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...

أما بعد ..


ففي لقاءنا هذا في برنامج قلوب الصائمين نتحدث عن امتلاء قلوب المؤمنين بالخوف من رب العالمين ، قال الله تعالى


)


فَليَحذَرِ الّذينَ يُخَالِفُونَ عَن أمرِهِ أن تُصِيبَهُم فِتنَة أو يُصِيبَهُم عَذَابٌ ألِيم


(

.


من الأمور التي تدعوا العبد إلى زيادة الخوف من الله تعالى كثرة المعاصي التي فعلها العبد ، ويخاف من سوء عاقبتها ، فإذا كان أنبياء الله صلوات الله عليهم وسلامه يقولون


)

إنّي أخَافُ إن عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَومٍ عَظِيم


(


فكيف بغيرهم من أفراد الناس .


ومن طرق تحصيل خوف الله تعالى ..تصديق الله في وعده ووعيده ، وذلك أن المرء يخاف أن يدخله الله نار جهنّم ويعذبه بها ، كما قال تعالى


)

قُل إنَّ الخَاسِرِينَ الّذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهُم وأهلِيهِم يَومَ القِيامَة الا ذَلِكَ هُوَ الخُسرَان المُبين لَهُم مِن فَوقِهِم ظُلَل من النّارِ ومِن تَحتِهِم ظُلَل ذَلِكَ يُخَوّفُ اللهُ به عِبَاده يَا عِبَادِي فَتّقُون


(


.


ومما يزيد الخوف في قلب العبد من ربه جلّ وعلا .. معرفة تلك العقوبات العظيمة ، التي أنزلها الله بالأمم السابقة ، فإن من تأملها وتفكّر فيها ، زاده ذلك خوفا من الله تعالى ، قال سبحانه


)


قَالُوا إنّا أُرسِلّنَا إلى قَوم ٍمُجرِمِين لِنُرسِلَ عَلَيهِم حِجَارَةً مِن طِيِن مُسَوَّمَةٍ عِندَ رَبّكَ لِلِمُسرِفِين


(

إلى قوله سبحانه


)


وتَرَكنَا فِيهَا آيةً للّذِينَ يَخَافُونَ العَذَابَ الألِيم


(

.


ثم إن العبد يخشى من ربه أن يوقع عليه العقوبات في الدنيا بسبب سوء عمله ، قال تعالى في وصف من يتوسل إليه التوسل المشروع ويخافون عذابه


)


إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحذُورَا وإن مِن قَريَةٍ إلّا نَحنُ مُهلِكُوهَا قَبلَ يَوم ِالقِيَامَة أو مُعَذِبُوهَا عَذَابَاً شَدِيدَا كَانَ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ مَسطُورَا


(

.


من أسباب تحصيل للخوف من الرب تبارك وتعالى :


ملاحظة الآيات الكونية ، وما قدّره الله من المخلوقات العظيمة ، يزرع الخوف من الله في قلب العبد ، قال تعالى


)


هُوَ الّذِي يُريِكُمُ البَرقَ خَوفَاً وطَمَعَا ويُنشئُ السَّحَابَ الثِقَال ويُسَبِحُ الرَّعدُ بِحَمدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ويُرسِلُ الصَواعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُم يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَال


(

، وقال سبحانه


)


ومَا نُرسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخويِفَا


(

.


إن تحصيل العلم الشرعي ينتج الخوف في قلب العبد ، قال تعالى


)

إنَّمَا يَخشَى اللهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاء


(


.


ومن أسباب تحصيل خوف الله جلّ وعلا أن يستشعر العبد أن الله يراقبه ولا يخفى عليه شيء من أحواله ، قال سبحانه


)

إنَّ اللهَ يَعلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُم فَحذَرُوُه


(


.


قال شيخ الإسلام ابن تيمية :{ من طلب من العباد العوض ثناءً أو دعاءً أو غير ذلك لم يكن محسناً إليهم ، ومن خاف الله فيهم ، ولم يخفهم في الله ، كان محسناً إلى الخلق ، محسناً إلى نفسه ، فإن خوف الله يحمله على أن يعطيهم حقهم ، ويكف عن ظلمهم ، ومن خافهم ولم يخف الله فيهم ، فهذا ظالم لنفسه ولهم ، حيث خاف غير الله ورجاه ، لأنه إذا خافهم دون الله احتاج أن يدفع شرّهم عنه بكل وجه إما بداهنتهم أو مراءاتهم ، وإما بمقابلتهم بشيء أعظم من شرهم أو مثله ، فإذا رجاهم لم يقم بحق الله فيهم ، وإذا لم يخاف الله فهو مختار للعدوان عليهم ، فإن طبع النفس الظلم لمن لا يظلمها فكيف بمن ظلمها .


ستجد هذا الضرب من الناس ..كثير الخوف من الخلق ، كثير الظلم إذا قدر، مهين ذليل إذا قُهر ، فهو يخاف الناس بحسب ما عنده من ذلك ، وهذا مما يوقع الفتن بين الناس ، وكذلك إذا رجاهم وهم لا يعطونه ما يرجوه منهم فلابد أن يبغضهم ، فيظلمهم إذا لم يكن خائفاً من الله .


والإنسان إذا لم يخف من الله اتبع هواه ، ولا سيّما إذا كان طالباً ما لم يحصل له ، فإن نفسه تبقى طالبة لما تستريح به ، وتدفع به الغم والحزن عنها ، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما تستريح إليه ، فتظن أن راحتها في المحرمات ، من فعل الفواحش وشرب المسكرات ، وقول الزور واللهو والعبث ، ومخالطة قرناء السوء ، ولا تطمئن نفسه إلا بعبادة الله .



قال ابن حزم :{
وقد علم الله تعالى أن كل مسلم لولا خوف الله تعالى لأحب الأكل إذا جاع في رمضان ، والشرب فيه إذا عطش ، والنوم في الغدوات الباردة عن الصلوات ، وفي الليل القصير عن القيام إلى الصلوات المندوبات ، ووطئ كل جارية حسناء يراها المرء ، ولكن مخافة الله تمنع المؤمن من ذلك }.


إن الخوف من الله تعالى ينتج عنه فوائد عظيمة ..منها ترك الذنوب والمعاصي ، روى الحاكم بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :{ النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة ، فمن تركها من خوف الله ،أثابه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه ، ومن ترك المعاصي خوفاً من الله أجر وأثيب } .


الخوف من الله سبب لرفع الدرجات في الجنّة ، قال تعالى


)


ولِمَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان


(

وقال


)


وأمَّا مَن خَافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهَىَ النَّفسَ عَنِ الهَوَى فَإنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى


(


، وفي حديث السبعة الّذين يظلهم الله يوم القيامة : { رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال إني أخاف الله }.


من استحضر مخافة الله في دعاءه ، كان ذلك من أسباب إجابة الدعاء ، قال تعالى


)

وادعُوهُ خَوفَاً وَطَمَعَا إنَّ رَحمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحسِنين


(


وقال


)


تَتَجَافَىَ جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدعُونَ ربَّهُم خَوفَاً وَطَمَعَا وَمِمَّا رَزقنَاهُم يُنفِقُون فَلا تَعلمُ نَفسٌ مَا أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أعيُن جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعمَلُون


(

.


مخافة الله سبب للتمكين في الأرض ، قال تعالى


)


ولَنُسكِنَنَّكُم الأرضَ من بَعدِهِم ذَلِكَ لِمَن خَافَ مَقَامِي وخَافَ وَعِيد


(



مخافة الله سبب للاتعاظ والتذكر ، قال تعالى


)


فَذَكّر بِالقُرءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيد


(

.


مخافة الله في قلب العبد تدفعه للإقدام على الطاعات ، وفي الحديث { من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل ، الا إن سلعة الله غالية .. الا إن سلعة الله الجنّة }.


إذا استحضر المرء مخافة الله في كل وقت ، دعاه ذلك لأن يكون مخلصاً لله في كل أعماله .


من خاف الله لم يتكبّر على خلقه ولم يتجبّر على عباده . وخوف الله يحمل العبد إلى إعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم .


من خاف الله حقيقة ، لم يخف من غيره ، قال تعالى


)

إنّمَا ذَلِكُمُ الشَيطَانُ يُخَوّفُ أولِيَاءَه فَلا تَخَافُوهُم وخَافُونِي إن كُنتُم مُؤمِنِين


(


، فإذا اتحد مصدر الخوف ، أطمئنت النفس ، وفي بعض الآثار :[ من خاف الله .. خوّف الله منه كل شيء ، ومن لم يخاف الله ..خوفه الله من كل شيء ].


مخافة الله سبب لمغفرة الذنوب ، ففي الحديث :{ أن رجلاً وصى أبناءه بحرق بدنه ، وسحقه وذرّه في الريح العاصف ، فأمر الله بجمع بدنه وقال له : ما حملك على ذلك . فقال : مخافتك يا ربي ، فغفر الله له ذلك }.


لقد حرص سلف الأمة على الترغيب في الخوف والاتصاف به ، قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه :{ أيها الناس .. لو نادى منادي من السماء "أيها الناس إنكم داخلون الجنّة كلكم إلا رجلاً واحدا " لخفت أن أكون أنا هو } ، قال الحسن البصري :{ لقد مضى بين يديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى ، لخشي ألا ينجو من عظم ذلك اليوم } .


قال ابن مسعود :{ إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه جالس في أصل جبل يخشى أن ينقلب عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا فطار } قال ابن عباس :{ وعد الله المؤمنين الّذين خافوا مقامه وأدّوا فرائضه الجنّة } وقال عمر ابن عبد العزيز :{ من خاف الله ..أخاف الله منه كل شيء } قال وهب ابن كمنبه :{ ما عبد الله بمثل الخوف }.


وقال الداراني :{ أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله عزَّ وجل } ، وكل قلب ليس فيه خوف ، فهو قلب خرب .


قال ابن تيمية :{ الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله } ، وقال بعضهم :{ إذا سكن الخوف القلب ، أحرق مواضع الشهوات منه ، وطرد الدنيا عنه } .


هذا ، والله أعلم ..


وصلى الله على نبينا محمد....
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

قــــلـــــوب الصــائــمــيـــن



فـضـيلــة الشـيــخ سـعــد بـن نـاصر الشـــثـري

الدرس العاشر: التـــــــــواضـــــــــــع


الحمد لله الذي خضع لعظمته الجبابرة .. وذل لسطوته الظلمة العصاة .. وأشهد أن لا إله الا هو سبحانه ، لا ينازعه أحد الا قصمه .. وأشهد أن محمد عبده ورسوله .. أشدّ الناس تواضعا ، حتى اختار أن يكون عبداً رسولا ، لا ملكاً نبيا ، وكان من تواضعه أنه يكون في خدمة أهله ، وقال :{ لا تطروني إنما أنا عبد ، فقولوا عبد الله ورسوله }صلّى الله عليه وسلّم تسليما

أما بعد ...

فإن من أخلاق قلوب الصائمين .. التواضع ، التواضع أن لا يرى الإنسان لنفسه على غيره فضلا مهما علت منزلته ، ومهما قدّم من إحسان لغيره ، وقد فسّر النبي صلّى الله عليه وسلّم الكبر بأنه {بطر الحق "أي جحده "، وغمط الناس "أي احتقارهم"} .

متى تصح درجة التواضع؟

ولا يصح للعبد درجة التواضع ، حتى يقبل الحق ممن يحب وممن يبغض ، فيقبله من عدوّه كما يقبله من صديقه ، وإذا لم تردّ عليه حقا فكيف تمنعه حقا ً له قِبَلك ، ومن أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته ، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته حقاً كانت معذرته أو باطلا ، وتكل سريرته إلى الله تعالى ، كما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المنافقين الّذين تخلّفوا عنه في الغزو ، فلما قدم جاءوا يعتذرون إليه فقبل أعذارهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى .

وعلامة التواضع والكرم .. أنك إذا رأيت الخلل في عذره فلا توقفه عليه ، ولا تحاجّه ، ولا تبيّن له أنك فد اطلعت على كذبه في عذره .

إن أعظم درجات التواضع .. أن تتواضع مع الله ، بأن تعرف مقدار نفسك ، وأن تستجيب لأمر ربّك ، طاعة له سبحانه ، لا استجابة لعاده ولا تحقيقاً لهوى ومحبة ، فلا ترى لنفسك حقاً على الله لأجل عملك ، وإنما تتواضع لربك بأن تعرف أن الله جلَّ وعلا قد تكرّم عليك .

لقد أمر الله تعالى بالتواضع في آيات قرآنية عديدة .. وجاء الأمر بالتواضع في أحاديث كثيرة ، ومما ورد في ذلك قول الله تعالى) واخفِض جَنَاحَكَ لِلمُؤمِنِين( وقوله سبحانه )ولا تَمشِي فِي الأرضِ مَرَحَا إنَّكَ لَن تَخرِقَ الأرضَ ولن تَبلُغَ الجِبَالَ طُوُلا( وقوله جلَّ وعلا ) ولا تَمشِي فِي الأرضِ مَرَحَا إنَّ اللهَ لا يُحِبُ كُلَّ مُختَالٍ فَخُوُر ( وقال سبحانه ) وعِبَادُ الرّحمَنِ الّذينَ يَمشُونَ عَلَى الأرضِ هَونَا (.

قال ابن عباس :{ بالعفاف ، والطاعة ، والتواضع } وفي الحديث يقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :{ إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد } رواه مسلم .وقال صلّى الله عليه وسلّم :{ ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله } أخرجه مسلم .وفي حديث أبي سعيد ألخدري عند ابن حبّان أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال :{ من تواضع لله درجة ، رفعه الله درجة حتى يجعله في أعلى عليين ، ومن تكبّر على الله درجة ، وضعه الله درجة حتى يجعله في أسفل سافلين ، ولو أن أحدكم يعمل في صخرة صمّاء ليس عليه باب ولا كوّة لخرج ما غيّبه للناس كائناً من كان } .

في التواضع مصلحة الدين والدنيا .. فإن الناس لو استعملوا التواضع في الدنيا ، لزالت بينهم الشحناء ، ولاستراحوا من تعب المباهاة والمفاخرة .

التواضع سلّم الشرف .. ثمرة التواضع ، انتشار المحبة في قلوب الخلق ، فمن تواضع للناس أحبوه وأحبه الله تعالى .

من أحسن الأخلاق أن تكون سجيّة العبد التواضع .. ومن أحسن الأفعال ، الإحسان إلى من أساء إليك .

قوله صلّى الله عليه وسلّم ( تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ) يبين أن التواضع المأمور به .. يضاد البغي والفخر ، التواضع ضد التكبر ، وسبب التواضع شيئان :

· التحقق في مقام العبودية لله .

· ومعرفة الإنسان بعيوب نفسه.

قال ابن حجر : [ الأمر بالتواضع نهي عن الكبر فإنه ضده ] ، وفي الصحيح مرفوعا قال النبي صلّى الله عليه وسلم :{ قال الله عزّ وجل : الكبرياء رداءي ، والعظمة إزاري ، من نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم } وقد قال الله تعالى ) أفا كُلّمَا جَاءَكُم رَسُولٌ بمَا لا تَهوىَ أنفُسِكُم استكبَرتم فَفَرِيقَاً كَذّبتُم وفَرِيقَاً تَقتُلُون ( .

فالكبر سبب لردّ الحق وعدم قبوله ، قال تعالى) سَأصرِفُ عَن آيَاتِيَ الّذينَ يَتكَبّرُونَ فِي الأرض ِبِغَيرِ حَق( وقال سبحانه ) ويلٌ لِكُلِّ أفَّاك ٍ أثِيم يَسمَعُ آياتِ اللهِ تُُُتُلى عَليهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُستَكبِرَا كأن لم يَسمَعهَا فَبَشِرّهُ بِعَذَابٍ ألِيم ( .

الكبر من أسباب غضب الرب على العبد ، وعدم محبته له ، قال تعالى) إنّهُ لا يُحِبُّ المُستَكبِرِين (، الكبر من أسباب نزول العقاب ، قال الله تعالى )وأمَا الّذينَ استَنكَفُوا واستَكبَرُوا فَيُعَذِبُهُم عَذَابَاً ألِيمَاً ولا يَجِدُونَ لَهُم مِن دُونِ اللهِ وَلِيّاً ولا نَصِيرَا ( ،

وقال ) والّذينَ كَذّبُوا بِآيَاتِنَا واستَكبَرُوا عَنهَا أولَئِكَ أصحَابُ النّارِ هُم فِيهَا خَالِدُون (وقال ) اليَومَ تُجزَونَ عَذَابَ الهُونِ بمَا كُنتُم تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيرَ الحَقّ و كُنتُم عَن آيَاتهِ تَستَكبِرُون (وقال) فَادخُلُوا أبَوابَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فلَبئسَ مَثوى المُتَكبِرِين(، وفي الحديث { لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر }.

المتكبر ذليل يوم القيامة ، ففي السنن أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال :{ يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال ، يغشاهم الذل من كل مكان }، وفي الصحيح :{ بينما رجل يتبختر في برديه قد أعجبته نفسه ، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة } وقال :{ من جرّ ثوبه خيلاء ، لم ينظر الله إليه يوم القيامة }.

وانظر إلى إبليس.. لما تكبّر أخرج من الجنّة ، وغضب الله عليه ، قال تعالى )فَمَا يَكُونُ لَكَ أن تَتَكَبّرَ فِيهَا فَاخرُج إنّكَ مِن الصَاغِرِين (.

أما عن مظاهر الكبر .. وترك التواضع .. فمنها رؤية الإنسان لنفسه أنه أفضل من غيره ، وترفعه عن من يماثله ، وتقدمه على أقرانه ، ومن مظاهره المفاخرة ومدح الإنسان لنفسه .

يحسن بالمسلم أن يكون صيامه من أسباب تواضعه بين يدي الله ، وتواضعه لعباد الله ، فإن الذي منع العبد من بعض النعم في الصوم ، قادر على سلب النعم كلها بالكبر وعدم التواضع .

الصوم .. يجعل الذهن يخلو من المشغلات عن التفكير .. فيتأمل الإنسان في أصل خلقته ، ويتأمل مدى ضعفه وقدرة الله عليه ، ويتأمل مساواته لغيره في أحكام الله ، فكيف يتكبر على من كان مساوياً له ، ويتذكر وقوفه بين يدي الله ، ومحاسبته له على أعماله ، ويتأمل بحسن عاقبة التواضع وسوء عاقبة الكبر ، قالت عائشة :{ تغفلون عن أفضل العبادة التواضع }.

أسأل الله جلَّ وعلا أن يجعلنا وإياكم من المتواضعين.. والبعد عن التكبر وأهله .

هذا والله أعلم .. وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: قــلـــوب الصـــائــمــيــــن

قـــــلــــــــوب الصائمـــــــــــــين


لفضيلة الشيخ سعد ابن ناصر الشثري


الدرس 11

التــــــــفكّـــــــر



أحمده سبحانه... وأشهد أن لا إله الا هو وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد..


فإن من عبادات القلوب التي يتقرب بها المؤمنون إلى ربهم ، التفكّر والاعتبار ..

والتفكر هو تأمل القلب في المعاني لإدراك العواقب وفهم الحقائق..

والاعتبار قياس حال النفس بحال الغير ، إذ ما حلّ بغيرك سيحلُّ بك ، متى كانت أسباب ذلك حاصلة عندك ، والسعيد من وعظ بغيره

ومما تكرر في القرآن ، مدح المتفكّرين .. وفتح الباب للتفكّر والاعتبار ، والأمر الجازم بذلك ، قال تعالى) فَاعتَبِرُوا يَا أُولِي الأبصَار



(كأنه قال : ( انظروا إلى فعل هؤلاء الّّذين نزلت بهم العقوبات ، فاجتنبوا فعلهم ، لئلا ينزل بكم عقاب مثل عقابهم ).

وأصل الخير والشر:.. من قبل التفكّر ، فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد ، والترك والحب والبغض .

كثر الحث في كتاب الله تعالى على التدبّر ، والاعتبار والنظر والافتكار ، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار.. ومبدأ الاستبصار ، وهو شبكة العلوم ، ومصيدة المعارف والفهوم ،وأكثر الناس قد عرفوا فضل التفكّر ورتبته ، ولكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره .

إن التفكّر في آيات الله الكونية والشرعية: مفتاح الإيمان ، وطريق العلم والإيقان ) فَإنَها لا تَعمَى الأبصَار ولَكن تَعمَى القُلُوبُ التي في الصُدُور إنَّ في ذَلِكَ لآيات لقوم ٍيعقِلُون( أي يستفيد من التفكّر في ذلك ، من لهم عقول يستعملونها في التدبر و التفكّر فيعرفون ما هم مهيئون له ، فيُفارقون حال الغافلين ، الّذين يكون استعمالهم لحواسّهم مماثلاً لحظ البهائم ، إذ لا يجعلون إحساسهم سبب للتفكّر والتأمل .

التفكّر والاعتبار يكون في أمور عديدة ..

منها الاعتبار بنصر الله لأولياءه المؤمنين ،قال تعالى)قَدْ كَانَ لَكُم آيةٌ فِي فِئَتَينِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتلُ فِي سَبِيل ِ اللهِ وَأُخرَى كَافِرة يَرَونَهم مِثلَيهم رَأيَ العَين ِواللهُ يُؤيّدُ بِنَصرِه ِمَن يَشَاء إنَّ في ذَلِكَ لَعِبرَةً لِأُولِي الأبصَار(..

كذلك الاعتبار: بالعقوبات التي نزلها الله على الأمم المكذّبة السابقة ، قال تعالى) هُوَ الّذِي أخرَجَ الّذِينَ كَفَرُوا مِن أَهلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِم لأوّل ِالحَشر مَا ظَنَنتُم أن يَخرُجُوا وَظَنّوا أنَّهُم مَانِعَتُهُم حُصُونُهُم مِنَ اللهِ فَآتَاهُمُ اللهُ مِن حَيثُ لَم يَحتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعب يُخرِبُونَ بِيُوُتَهُم بِأيدِيِهِم وَأيدِي المُؤمِنِينَ فَاعتَبِروا يَأولِي الأبصَار ( ، وقال تعالى عن فرعون ) فَكَذّبَ وَعَصَى* ثُمّ أَدبَرَ يَسعَى*فَحَشَرَ فَنَادَى *فَقَالَ أنَا رَبُّكُمُ الأعلَى *فَأخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرة ِوالأُولَى*إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبرَةً لِمَن يَخشَى( ،وقال ) أفلم يهد ِ لَهُم كَم أهلَكنَا قَبلَهُم مِنَ القُرُونِ يَمشُونَ فِي مَسَاكِنِهِم إنَّ فِي ذَلِكَ لآيات ٍ لأولي النُهَى( ، )وكَذَلِكَ أخذُ رَبّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى وَهيَ ظَالِمَة إنَّ أَخذَهُ أليمٌ شَدِيد إنَّ فِي ذَلِكَ لآية لِمَن خَافَ عَذَابَ الآخِرة(.

كذلك الاعتبار: بالمخلوقات العظيمة التي خلقها رب العزّة والجلال : قال تعالى ) يُقلّبُ اللهُ الليلَ والنّهَار إنَّ في ذَلِكَ لَعِبرَةً لأُولِي الأبصَار( ،وقال ) أولَم يَرَوا إلى الأرض ِكَم أنبَتنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوج ٍكَرِيم إنّ في ذَلِكَ لآية ومَا كَانَ أكثََرُهُم مُؤمِنِين( ..

كذلك الاعتبار: في إخراج الله للمخلوقات من بين الأمور المتضادات ، قال تعالى) وإنّ لَكُم في الأنعام ِلَعِبرة نُسقِيكُم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بينِ فَرث ٍودَم ٍ لَبَنََاً خَالِصَاً سَائِغَاً للِشَارِبين* ومِن ثَمَرَات ِالنّخِيل ِوالأعنَاب ِتَتّخِذُونَ مِنُه سَكَرَاً ورِزقَاً حَسَنَا إنّ في ذَلِكَ لآيةً ًلِقومٍ يَعقِلُون ( ، فانظر كيف أخرج اللبن من بين الفرث والدم ،وانظر كيف فرّق بين السكر والرزق الحسن .

وكذلك الاعتبار بالتاريخ ، وقصص الأمم السابقة ، وخصوصاً ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، قال سبحانه ) لَقَد كَان فِي قَصَصِهِم عِبرَة لأولي الأبصَار مَا كَانَ حَدِيثَاً يُفتَرَى وَلَكن تَصديقَ الّذِي بَينَ يَدَيهِ وتفصيلَ كل شيء وهُدَىً ورحمة لِقوم ٍيُؤمنون( .

ومن ذلك الاعتبار والتفكّر:في أحوال قرابتك الّذين ماتوا ، وتركوا الدنيا ، يقول النبي صلّى الله عليه وسلم :{ زوروا القبور،فإن فيها عبرة } وفي لفظ {فإنها تذكركم الآخرة }..

ومن ذلك الاعتبار والتفكّر في أحوال الدنيا وتقلباتها...كم من غني أصبح فقيرا ، وكم من رئيس أصبح مرؤوسا ..بكى عمر ابن عبد العزيز يوما ،فسئل عن ذلك ، فقال : [فكّرت في الدنيا ولذّاتها ، وشهواتها ، فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي ، حتى تكدّرها مرارتها ، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر ، إن فيها لمواعظ لمن اذّكر] .

ومن ذلك تفكّر الإنسان: في خلق الله له ، ونقله من حال إلى حال ،( فَليَنظُر ِالإنسَانُ ممّا خلُِق *خُلِقَ مِن مَاء ٍدَافق )،(مَالَكُم لاَ ترجُونَ لله ِوَقَارَا*وقَد خَلَقَكُم أطوَارَا).

ومن ذلك تفكّر الإنسان ..في الأحوال التي مرّ عليها طعامه الذّي يأكله ، قال تعالى ) فليَنظُر الإنسانُ إلى طَعَامِهِ*أنّا صَبَبنَا المَاءَ صَبّا*ثمّ شَققَنَا الأرضَ شَقّا*فَأنبَتنَا فِيهَا حَبّا*وعِنَبَا ًوَقَضبا*وَزَيتُونَا ًوَنخلاً *وَحَدَائقَ غُلبَا *ًوَفَاكِهَة ًوأبّا* مَتَاعا ً لَكُم وَلأنعَامِكُم (،فمن نظر في هذه النعم أوجب له ذلك شكر ربه،وجعله يبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته والتصديق بأخباره .

لقد اشتمل كتاب الله على الأدلّة العقلية المقنعة في كل شأن مما عرض له كتاب الله ، فهل من متفكّر فيها !!

فوائد التفكر:

إذ في الاعتبار بذلك ، تقوية الإيمان والزيادة له ..في الاعتبار، زيادة الخوف من الله والرجاء له ..في الاعتبار تعريف الإنسان بحقائق المخلوقات ومعرفة الإنسان بحقيقة نفسه .. في الاعتبار، معرفة الدنيا وحقيقتها وزوالها وتذكر الآخرة مع الاستعداد لها .

في الاعتبار بذلك ، قناعة العبد بما رزقه الله ، وسعادة قلبه ، وطمأنينة نفسه ... بالاعتبار تزيد البصيرة ، وتقوى الفراسة ،وتزيد الحكمة .

بالاعتبار و التفكّر .. يدرك المرء عواقب الأمور .. بالتفكّر ،يدرك المرء قدرة ربه ، وعظمته ، ويدرك عدله ورحمته ، وحكمته وتمام ملكه ، وتفرّده بالتصرف في المخلوقات ، مع مشاهدة مقدار بعض نعم الله على العبد.

بالتفكّر والاعتبار... ينتقل العبد إلى حمد الرب وشكر النعم ، والاستعداد ليوم المعاد .. وإذا غذي القلب بالتذكر، وسُقي بالتفكّر، وسلم من الآفات ، رأى العجائب وأُلهمَ الحكمة ..

أسأل الله جلَّ وعلا أن يجعلنا وإياكم من المتفكّرين .. والله أعلم ، وصلّى الله على نبينا محمد..

يتبع إن شاء الله
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع