- 19 أبريل 2009
- 1,730
- 41
- 0
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- محمد صدّيق المنشاوي
- علم البلد
-
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,,
الأخوة والأخوات فى الله تحية طيبة وبعد,,
فالكاتبة الصحفية المحترفة الأستاذة سناء البيسى,,كتبت هذا المقال
فى جريدة الأهرام يوم السبت الموافق 16 أكتوبر,,وأعجبنى عندما قرأته
فنقلته لكم لعل فيه النفع ,,,,,وقد قسمته لنصفين 1و2 نظرا لدسامته,,
والله الموفق والهادى ألى سواء السبيل,,,
لعلكم تتفكرون
بقلم: سناء البيسى
نوعية لها خصوصيتها بين البشر.. جماعة مختارة اختارت بكامل إرادتها الطريق الصعب.. ناس غير الناس الذين يسدون عين الشمس..
أسماء من نور حفرت علي جدران التاريخ الإنساني غيرت مفاهيم ورؤي التاريخ الإنساني.. قلاع فكر كانت بمثابة رياحين الحياة القفر, وغيث الخصوبة في أزمنة الجدب.. صنف مخه نظيف وقلبه نظيف وضميره نظيف وقع عليه اختيار سمو الإنسانية لينظف للقادمين من بعده سكة التفكير النظيف.. بشر لا يؤثر الراحة ولا الاستراحة, فالفكر مشغول بقضيته, يدافع عنها حتي الرمق الأخير, بصرف النظر عما سيلاقي من عنت, وما يوصله تشبثه بوجهة نظره إلي نهايات الجحيم... حياة علي حد السكين وموت من آثار طعنات السكين, في الظهر والوجه والعقل والقلب, فالحقيقة مهرها غال تطير من أجل عيونها الرقاب, ويكبل المغرم بها بالأصفاد, فتحفرها أظافر العشق إن لم يكن علي صفحات كتاب فعلي جدران الزنازين.. الحقيقة التي خاطر من أجلها كبار المفكرين في سبيل رؤية وجهها الكريم ومعانقتها ولو للحظة خاطفة, بعدها مرحبا بالموت الذي سيموت معه العالم القديم بفكره القديم, وينبثق العالم الجديد علي أنقاض التضحيات الجسام..
والفكر دعوة من الله سبحانه وتعالي.. الذي خلق لنا آلة للتفكير فلم نستخدمها كثيرا, واكتفي أكثرنا بالتلقين دون تفكير, واستخدم بعضنا التفكير داخل جدران التلقين, فالحلول أمامهم جاهزة سلفا وما عليهم سوي اختيار أي منها.. ولم يعملوا بقول الرسول صلي الله عليه وسلم لا عبادة كتفكر لأن التفكر إذا أدي إلي معرفة الحقيقة فقد أصبح بمثابة العبادة.. وفي آيات الله البينات الدعوة المفتوحة للتفكر وإعمال العقل.. قال تعالي في سورة الروم أو لم يتفكروا في أنفسهم.. وفي سورة البقرة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون.. وفي سورة سبأ أن تقوموا لله مثني وفرادي ثم تتفكروا.. وفي سورة الأنعام قل هل يستوي الأعمي والبصير أفلا تتفكرون.. وفي سورة يونس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون.. وفي سورة آل عمران... الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلي جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض.. وفي سورة الأعراف فاقصص القصص لعلهم يتفكرون.. وفي سورة النمل وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون.. وفي سورة الحشر وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون.. وهكذا الدعوة الإلهية للفكر.. ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله التي سلحتنا بسلاح الفكر تدعوه لتجدده ليتسع ويرتفع لإدراك طرف من أسرار المعجزات من حولنا..
علي مدي التاريخ دفع المفكرون ضريبة الفكر للخروج عن الموات المألوف, وكانت المعاناة واحدة في الشرق والغرب, وكأن الجلاد واحد متوالد, والاتهام واحد ممتد, والعقاب واحد محفور في لوح محفوظ بجميع لغات الأرض لا مهرب منه لعربي ولا عجمي ولا أوروبي.... أول شهيد في تاريخ الفكر الغربي منذ ألفين وخمسمائة عام كان سقراط الذي فضل تجرع السم الزعاف من أجل الحقيقة, وكان بإمكانه الفرار من وجه السلطة الغاشمة استجابة لإلحاح الحواريين والأصدقاء, لكنه فضل أن يدفع ثمن أفكاره فقام بعزاء تلامذته بقوله: أمروا بقتلي, ولكن هل يستطيعون قتل حقيقتي أو تشويه سمعتي؟!... ومن بعد سقراط نال أفلاطون من القهر الكثير في جزيرة صقلية من أجل رؤيته المستقبلية وجمهوريته الفاضلة.. ومن بعده أرسطو الذي تسلل خارجا من أثينا تحت جنح الظلام وفي جعبته نور فكره الذي كشف بوضوحه قوي الظلام ليقول: لن أدعهم يرتكبون جريمة أخري في حق الفلسفة من بعد قتلهم سقراط.. وعلي خط النار عاش الفيلسوف ديكارت الأمل الوحيد المتبقي لتجديد الفلسفة وتنوير البشرية الأوروبية بعد وفاة المفكر فرانسيس بيكون. عاش مهددا قلقا أرقا لا يهدأ له بال ولا جوار يغير محل إقامته بين يوم وآخر ولا يعطي عنوانه الجديد لأحد تخوفا من عيون الرقابة المتابعة لحركاته وسكناته واتصالاته. لكن أقدام العسس سرعان ما وصلت إليه وخلصت عليه, لتعلو الضجة بعنوان مبهم يقول الموت المشبوه والغامض لرينيه ديكارت, وراح الجدع في شربة ميه لكن فكره الفلسفي المتجدد وقف في زور الباطش لم يستطع ابتلاعه!.. ويقطع المفكر جان جاك روسو مرحلة شرخ الشباب في سلام ودعة, ولا يلتقي بقسوة الاضطهاد والترصد إلا في النصف الثاني من حياته, حيث أوصلته الملاحقات المتعسفة إلي مراحل الجنون لتدفع به وقد فقد توازنه للهيام وحيدا في الطرقات صارخا يا أهل الأرض.. أصبحت وحيدا بلا أخ أو قريب أو صديق.. أصبحت شجرة بلا ظل ولا رابطة ولا أهل ولا دعوة تجمعني بجمع.. تركوني لنفسي أكلم نفسي في عزلتي المفروضة علي داخل حلقة المحظورات والمحاذير.. محظور أن أخاطب أحدا أو يخاطبني هذا الأحد.. محظور التواصل مع أي شخص كان.. محظور أن أمد يدي بالسلام ومحظور تلقي السلام. محظور الحب والجدل والرأي والخصام والأستذة والتلمذة.. محظور الهواء وشمس النهار ونور القمر.. محظور خطوة واحدة خارج دائرة المؤامرة الجهنمية!.
ولم يهنأ الفيلسوف المتعقل إيمانويل كانط طويلا بالريشة التي كانت علي رأسه وحده, فقد أشار إليه أصبع الاتهام التليد بتهمة الهرطقة وإفساد الشباب بأفكاره الهدامة التي تحيد بالنشء عن الصراط المستقيم, وأتي رد كانط بوعد قاطع بإغلاق فمه بالضبة والمفتاح مادام حيا.. وانصاع الفيلسوف لوعده طويلا حتي ارتفع سقف الحرية بوفاة الإمبراطور فريدريك هيوم الثاني صديق الأصوليين, عندها عاد كانط ليصالح بأفكاره بين الدين والعقل, أو الدين ضمن حدود العقل فقط.... وفي طابور المفكرين الذين نالهم الاضطهاد بحكم عقولهم المتطورة كان هيجل الذي عاش يعاني من التوجس والريبة ومن أين تأتيه المصيبة, فقد ظل طوال الوقت تحت مجهر مراقبة السلطة المستبدة, إلي جانب تعقبه من الأصوليين المسيحيين, ومن هنا كانت نصائحه للأهل والزوجة والأصدقاء أن تكون خطاباتهم روتينية لا تضم سطورها سوي السلام والتحية والسؤال عن الصحة وأخبار الأنجال, دون الدخول في أية موضوعات أخري تحتمل التأويل فقد تفسر بعض الكلمات علي سبيل الخطأ فتعطي مدلول المفرقعات التي حتما ستنفجر في وجهه وهو الذي حمل فلسفته ليقبلها ويضعها بعيدا جنب الحيط!
وفي تاريخ الاضطهاد الفكري علي الجانب العربي جاء الاتهام مرة بتهمة القرمطة التي وقع تحت طائلها الحسين بن منصور الحلاج المولود في مدينة شيراز عام858 م والمؤلف لتسعة وأربعين كتابا منها الساسة والخلفاء والأمراء ولم يبق الزمان من كتبه إلا علي كتابه الطوسين الذي قام بتأليفه في سجنه قبل إعدامه, وكانت الدولة العباسية تعاني من خطر السقوط علي يد القرامطة فألقي القبض علي الحجاج عام913 م بعد مطاردة دامت سنتين ليعلق بالمقلوب في حبل ثلاثة أيام بلياليهم حتي انتهاء التحقيق معه الذي أثبت قرمطته, فحكم عليه بالسجن في معتقل شيد خصيصا من أجله يسمح فيه للبعض بزيارته تحت عين المراقبة اليقظة, وفي أثناء القحط والمجاعة وخطر الدولة الفاطمية وارتفاع الأسعار وتحطيم السجون وإحراق الجسور وعزل الخليفة العباسي مرتين في بغداد, وجد الوزير حامد بن العباس أن قتل الحلاج قد يلقي الرعب في قلوب المعارضين داخلا وخارجا, فقدم الحلاج كبش تضحية علي مذبح المحاكمة أمام محكمة لم يحضر جلستها أحد من الشافعية ولا من الحنابلة الذين كانوا خصوم الدولة وأنصار الحلاج, وانتهي الأمر بالحكم بالإعدام علي الصورة التي نفذت في أسري القراطمة وجواسيسهم, فضرب الحجاج ألف جلدة ثم قطعت أطرافه الأربعة, وضربت عنقه, ثم حملت رأسه إلي خراسان حيث بعض أصحابه.. وحدثت التوابع المتعارف عليها مع مؤلفات كل من يتجاسر ويكون مخالفا سواء للسلطة, أو للفكر المتوارث المتعنت, أو لطمس نور الحقيقة.. أحرقت جميع كتب الحلاج لتأتي النيران الحمقاء علي خلاصة جواهر العقل والقول, وأخذ علي الوراقين عهد بعدم نسخها أو تداولها.. و..تحول الحلاج من زعيم صوفي إلي إمام بعد موته.. ثم إلي شهيد وقديس لينتشر صيته حتي غطي العالم الإسلامي كله من القرن الخامس حتي يومنا هذا.. وفي مطلع القرن العشرين يعيد المستشرق ماسينيون ذكر الحلاج عند زيارته لبغداد عام1908 في بعثة للآثار صور خلالها قبر الحلاج, وكتب عن عبارته الشهيرة في سبيل الحقيقة ثم أعد رسالته للدكتوراه عنوانها عذاب الحلاج فنبه بذلك الباحثين في الشرق والغرب إلي أهميته الأدبية والفكرية والتاريخية, كما نبههم من قبل المستشرق فيتزجرالد إلي الخيام وجمال رباعياته.. وبداية من الخمسينيات أصبح الحلاج رمز الشهيد الحر والزعيم المؤثر والنموذج الرفيع الذي ضحي بحياته من أجل مبادئه, فكتب في رثائه كثير من الشعراء والأدباء منهم الشاعر عبدالوهاب البياتي, والشاعر صلاح عبدالصبور في رائعته مأساة الحلاج.. ذلك المفكر المعذب الذي دخل دائرة العالمية عندما قامت المستشرقة الألمانية أنه ــ ماري شيمل بتأليف كتابها عنه بالألمانية في عام1968 بعنوان الحلاج شهيد الحب الإلهي, وتقوم أنه بتمثيل الدور النسائي في المسرحية الشعرية الإنجليزية موت الحلاج التي كتبها هربت ميسن أستاذ الأدب في جامعة هارفارد بأمريكا.
ومن أشعار الحلاج الشهيد الصوفي الذي مثل بجسده من بعد جز عنقه كالشاة في عيد الأضحية, وحطمت أصابعه الكريمة جزاء كتابته عشرات الكتب ودواوين الشعر كواجهة ضخمة للحياة الروحية في الإسلام, غالبيتها حرقت في بستانها, من بعد حرق صاحبها, ونثر رماده الطاهر فوق نهر دجلة المقدس الذي سكنت فوق هامته ذرات الشهيد نورا هاديا, ونارا علي المستبد المفتري خانق الحرية وعدو الحقيقة وسارق الأمان:
عـجــــبت مــنك ومـــنييـــا مــنـيـة المـتـمـــني
أدنيتـني مـــنـك حـــتي ظـنــنــت أنــــك أنـــي
وغبت في الوجـد حتيأفــنيـتـنـي بـــك عـنـي
يا نعمــتي في حــياتيوراحتي بــعــد دفـنــي
مـــالي بغــــيـرك أنــسإذ كــنت خوفي وأمني
يا من ريـــاض معــانيهقـــد حــــوت كــل فـــن
وإن تـمــنـيت شــــيــئـا فــــأنت كــــل التـمـني
وفي قصيدته لا غني عنك يقول:
إذا هجـــرت فمن لي؟ومــن يجــمـــل كــلــي
ومن لروحي وراحي, يا أكــثـري وأقــلــي
أحبك البعـــض مني وقــــد ذهــبــت بكــلــي
يا كـل كـلي, فكــن ليإن لم تكن لي, فمن لي؟
يا كـــل كـــلي وأهــليعــند انقــطـاعي وذلي
مـــالي ســوي الروح خذهاوالروح جــهد المقـل
وجاء قول الحلاج حول النبي محمد صلي الله عليه وسلم في كتابه الطواسين أي الآيات وعددها اتنا عشر:
سراج من نور الغيب بدا وعاد وجاوز السرج وساد. قمر تجلي من بين الأقمار. سماه الحق أميا وحرميا ومكيا. شرح صدره ورفع قدره وأوجب أمره وأظهر بدره وأشرق شمسه من ناحية تهامة, وأضاء سراجه من معدن الكرامة... هو سيد البرية, الذي اسمه أحمد, ونعته أوحد, وأمره أوكد, وذاته أجود, وصفاته أمجد, وهمته أفرد... جوهره صفوي, كلامه نبوي, علمه علوي, عبارته عربي, قبلته لا مشرقي ولا مغربي, رفيقه ربوي, صاحبه أموي... رفع الغمام, وأشار إلي البيت الحرام, هو التمام, هو الهمام, هو الذي أمر بكسر الأصنام, هو الذي أرسل إلي الأنام... العلوم كلها قطرة في بحره, الحكم كلها غرفة من نهره, الأزمان كلها ساعة من دهره... ما عرفه عارف ألا جهل وصفه: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون.
الأخوة والأخوات فى الله تحية طيبة وبعد,,
فالكاتبة الصحفية المحترفة الأستاذة سناء البيسى,,كتبت هذا المقال
فى جريدة الأهرام يوم السبت الموافق 16 أكتوبر,,وأعجبنى عندما قرأته
فنقلته لكم لعل فيه النفع ,,,,,وقد قسمته لنصفين 1و2 نظرا لدسامته,,
والله الموفق والهادى ألى سواء السبيل,,,
لعلكم تتفكرون
بقلم: سناء البيسى
نوعية لها خصوصيتها بين البشر.. جماعة مختارة اختارت بكامل إرادتها الطريق الصعب.. ناس غير الناس الذين يسدون عين الشمس..
أسماء من نور حفرت علي جدران التاريخ الإنساني غيرت مفاهيم ورؤي التاريخ الإنساني.. قلاع فكر كانت بمثابة رياحين الحياة القفر, وغيث الخصوبة في أزمنة الجدب.. صنف مخه نظيف وقلبه نظيف وضميره نظيف وقع عليه اختيار سمو الإنسانية لينظف للقادمين من بعده سكة التفكير النظيف.. بشر لا يؤثر الراحة ولا الاستراحة, فالفكر مشغول بقضيته, يدافع عنها حتي الرمق الأخير, بصرف النظر عما سيلاقي من عنت, وما يوصله تشبثه بوجهة نظره إلي نهايات الجحيم... حياة علي حد السكين وموت من آثار طعنات السكين, في الظهر والوجه والعقل والقلب, فالحقيقة مهرها غال تطير من أجل عيونها الرقاب, ويكبل المغرم بها بالأصفاد, فتحفرها أظافر العشق إن لم يكن علي صفحات كتاب فعلي جدران الزنازين.. الحقيقة التي خاطر من أجلها كبار المفكرين في سبيل رؤية وجهها الكريم ومعانقتها ولو للحظة خاطفة, بعدها مرحبا بالموت الذي سيموت معه العالم القديم بفكره القديم, وينبثق العالم الجديد علي أنقاض التضحيات الجسام..
والفكر دعوة من الله سبحانه وتعالي.. الذي خلق لنا آلة للتفكير فلم نستخدمها كثيرا, واكتفي أكثرنا بالتلقين دون تفكير, واستخدم بعضنا التفكير داخل جدران التلقين, فالحلول أمامهم جاهزة سلفا وما عليهم سوي اختيار أي منها.. ولم يعملوا بقول الرسول صلي الله عليه وسلم لا عبادة كتفكر لأن التفكر إذا أدي إلي معرفة الحقيقة فقد أصبح بمثابة العبادة.. وفي آيات الله البينات الدعوة المفتوحة للتفكر وإعمال العقل.. قال تعالي في سورة الروم أو لم يتفكروا في أنفسهم.. وفي سورة البقرة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون.. وفي سورة سبأ أن تقوموا لله مثني وفرادي ثم تتفكروا.. وفي سورة الأنعام قل هل يستوي الأعمي والبصير أفلا تتفكرون.. وفي سورة يونس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون.. وفي سورة آل عمران... الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلي جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض.. وفي سورة الأعراف فاقصص القصص لعلهم يتفكرون.. وفي سورة النمل وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون.. وفي سورة الحشر وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون.. وهكذا الدعوة الإلهية للفكر.. ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله التي سلحتنا بسلاح الفكر تدعوه لتجدده ليتسع ويرتفع لإدراك طرف من أسرار المعجزات من حولنا..
علي مدي التاريخ دفع المفكرون ضريبة الفكر للخروج عن الموات المألوف, وكانت المعاناة واحدة في الشرق والغرب, وكأن الجلاد واحد متوالد, والاتهام واحد ممتد, والعقاب واحد محفور في لوح محفوظ بجميع لغات الأرض لا مهرب منه لعربي ولا عجمي ولا أوروبي.... أول شهيد في تاريخ الفكر الغربي منذ ألفين وخمسمائة عام كان سقراط الذي فضل تجرع السم الزعاف من أجل الحقيقة, وكان بإمكانه الفرار من وجه السلطة الغاشمة استجابة لإلحاح الحواريين والأصدقاء, لكنه فضل أن يدفع ثمن أفكاره فقام بعزاء تلامذته بقوله: أمروا بقتلي, ولكن هل يستطيعون قتل حقيقتي أو تشويه سمعتي؟!... ومن بعد سقراط نال أفلاطون من القهر الكثير في جزيرة صقلية من أجل رؤيته المستقبلية وجمهوريته الفاضلة.. ومن بعده أرسطو الذي تسلل خارجا من أثينا تحت جنح الظلام وفي جعبته نور فكره الذي كشف بوضوحه قوي الظلام ليقول: لن أدعهم يرتكبون جريمة أخري في حق الفلسفة من بعد قتلهم سقراط.. وعلي خط النار عاش الفيلسوف ديكارت الأمل الوحيد المتبقي لتجديد الفلسفة وتنوير البشرية الأوروبية بعد وفاة المفكر فرانسيس بيكون. عاش مهددا قلقا أرقا لا يهدأ له بال ولا جوار يغير محل إقامته بين يوم وآخر ولا يعطي عنوانه الجديد لأحد تخوفا من عيون الرقابة المتابعة لحركاته وسكناته واتصالاته. لكن أقدام العسس سرعان ما وصلت إليه وخلصت عليه, لتعلو الضجة بعنوان مبهم يقول الموت المشبوه والغامض لرينيه ديكارت, وراح الجدع في شربة ميه لكن فكره الفلسفي المتجدد وقف في زور الباطش لم يستطع ابتلاعه!.. ويقطع المفكر جان جاك روسو مرحلة شرخ الشباب في سلام ودعة, ولا يلتقي بقسوة الاضطهاد والترصد إلا في النصف الثاني من حياته, حيث أوصلته الملاحقات المتعسفة إلي مراحل الجنون لتدفع به وقد فقد توازنه للهيام وحيدا في الطرقات صارخا يا أهل الأرض.. أصبحت وحيدا بلا أخ أو قريب أو صديق.. أصبحت شجرة بلا ظل ولا رابطة ولا أهل ولا دعوة تجمعني بجمع.. تركوني لنفسي أكلم نفسي في عزلتي المفروضة علي داخل حلقة المحظورات والمحاذير.. محظور أن أخاطب أحدا أو يخاطبني هذا الأحد.. محظور التواصل مع أي شخص كان.. محظور أن أمد يدي بالسلام ومحظور تلقي السلام. محظور الحب والجدل والرأي والخصام والأستذة والتلمذة.. محظور الهواء وشمس النهار ونور القمر.. محظور خطوة واحدة خارج دائرة المؤامرة الجهنمية!.
ولم يهنأ الفيلسوف المتعقل إيمانويل كانط طويلا بالريشة التي كانت علي رأسه وحده, فقد أشار إليه أصبع الاتهام التليد بتهمة الهرطقة وإفساد الشباب بأفكاره الهدامة التي تحيد بالنشء عن الصراط المستقيم, وأتي رد كانط بوعد قاطع بإغلاق فمه بالضبة والمفتاح مادام حيا.. وانصاع الفيلسوف لوعده طويلا حتي ارتفع سقف الحرية بوفاة الإمبراطور فريدريك هيوم الثاني صديق الأصوليين, عندها عاد كانط ليصالح بأفكاره بين الدين والعقل, أو الدين ضمن حدود العقل فقط.... وفي طابور المفكرين الذين نالهم الاضطهاد بحكم عقولهم المتطورة كان هيجل الذي عاش يعاني من التوجس والريبة ومن أين تأتيه المصيبة, فقد ظل طوال الوقت تحت مجهر مراقبة السلطة المستبدة, إلي جانب تعقبه من الأصوليين المسيحيين, ومن هنا كانت نصائحه للأهل والزوجة والأصدقاء أن تكون خطاباتهم روتينية لا تضم سطورها سوي السلام والتحية والسؤال عن الصحة وأخبار الأنجال, دون الدخول في أية موضوعات أخري تحتمل التأويل فقد تفسر بعض الكلمات علي سبيل الخطأ فتعطي مدلول المفرقعات التي حتما ستنفجر في وجهه وهو الذي حمل فلسفته ليقبلها ويضعها بعيدا جنب الحيط!
وفي تاريخ الاضطهاد الفكري علي الجانب العربي جاء الاتهام مرة بتهمة القرمطة التي وقع تحت طائلها الحسين بن منصور الحلاج المولود في مدينة شيراز عام858 م والمؤلف لتسعة وأربعين كتابا منها الساسة والخلفاء والأمراء ولم يبق الزمان من كتبه إلا علي كتابه الطوسين الذي قام بتأليفه في سجنه قبل إعدامه, وكانت الدولة العباسية تعاني من خطر السقوط علي يد القرامطة فألقي القبض علي الحجاج عام913 م بعد مطاردة دامت سنتين ليعلق بالمقلوب في حبل ثلاثة أيام بلياليهم حتي انتهاء التحقيق معه الذي أثبت قرمطته, فحكم عليه بالسجن في معتقل شيد خصيصا من أجله يسمح فيه للبعض بزيارته تحت عين المراقبة اليقظة, وفي أثناء القحط والمجاعة وخطر الدولة الفاطمية وارتفاع الأسعار وتحطيم السجون وإحراق الجسور وعزل الخليفة العباسي مرتين في بغداد, وجد الوزير حامد بن العباس أن قتل الحلاج قد يلقي الرعب في قلوب المعارضين داخلا وخارجا, فقدم الحلاج كبش تضحية علي مذبح المحاكمة أمام محكمة لم يحضر جلستها أحد من الشافعية ولا من الحنابلة الذين كانوا خصوم الدولة وأنصار الحلاج, وانتهي الأمر بالحكم بالإعدام علي الصورة التي نفذت في أسري القراطمة وجواسيسهم, فضرب الحجاج ألف جلدة ثم قطعت أطرافه الأربعة, وضربت عنقه, ثم حملت رأسه إلي خراسان حيث بعض أصحابه.. وحدثت التوابع المتعارف عليها مع مؤلفات كل من يتجاسر ويكون مخالفا سواء للسلطة, أو للفكر المتوارث المتعنت, أو لطمس نور الحقيقة.. أحرقت جميع كتب الحلاج لتأتي النيران الحمقاء علي خلاصة جواهر العقل والقول, وأخذ علي الوراقين عهد بعدم نسخها أو تداولها.. و..تحول الحلاج من زعيم صوفي إلي إمام بعد موته.. ثم إلي شهيد وقديس لينتشر صيته حتي غطي العالم الإسلامي كله من القرن الخامس حتي يومنا هذا.. وفي مطلع القرن العشرين يعيد المستشرق ماسينيون ذكر الحلاج عند زيارته لبغداد عام1908 في بعثة للآثار صور خلالها قبر الحلاج, وكتب عن عبارته الشهيرة في سبيل الحقيقة ثم أعد رسالته للدكتوراه عنوانها عذاب الحلاج فنبه بذلك الباحثين في الشرق والغرب إلي أهميته الأدبية والفكرية والتاريخية, كما نبههم من قبل المستشرق فيتزجرالد إلي الخيام وجمال رباعياته.. وبداية من الخمسينيات أصبح الحلاج رمز الشهيد الحر والزعيم المؤثر والنموذج الرفيع الذي ضحي بحياته من أجل مبادئه, فكتب في رثائه كثير من الشعراء والأدباء منهم الشاعر عبدالوهاب البياتي, والشاعر صلاح عبدالصبور في رائعته مأساة الحلاج.. ذلك المفكر المعذب الذي دخل دائرة العالمية عندما قامت المستشرقة الألمانية أنه ــ ماري شيمل بتأليف كتابها عنه بالألمانية في عام1968 بعنوان الحلاج شهيد الحب الإلهي, وتقوم أنه بتمثيل الدور النسائي في المسرحية الشعرية الإنجليزية موت الحلاج التي كتبها هربت ميسن أستاذ الأدب في جامعة هارفارد بأمريكا.
ومن أشعار الحلاج الشهيد الصوفي الذي مثل بجسده من بعد جز عنقه كالشاة في عيد الأضحية, وحطمت أصابعه الكريمة جزاء كتابته عشرات الكتب ودواوين الشعر كواجهة ضخمة للحياة الروحية في الإسلام, غالبيتها حرقت في بستانها, من بعد حرق صاحبها, ونثر رماده الطاهر فوق نهر دجلة المقدس الذي سكنت فوق هامته ذرات الشهيد نورا هاديا, ونارا علي المستبد المفتري خانق الحرية وعدو الحقيقة وسارق الأمان:
عـجــــبت مــنك ومـــنييـــا مــنـيـة المـتـمـــني
أدنيتـني مـــنـك حـــتي ظـنــنــت أنــــك أنـــي
وغبت في الوجـد حتيأفــنيـتـنـي بـــك عـنـي
يا نعمــتي في حــياتيوراحتي بــعــد دفـنــي
مـــالي بغــــيـرك أنــسإذ كــنت خوفي وأمني
يا من ريـــاض معــانيهقـــد حــــوت كــل فـــن
وإن تـمــنـيت شــــيــئـا فــــأنت كــــل التـمـني
وفي قصيدته لا غني عنك يقول:
إذا هجـــرت فمن لي؟ومــن يجــمـــل كــلــي
ومن لروحي وراحي, يا أكــثـري وأقــلــي
أحبك البعـــض مني وقــــد ذهــبــت بكــلــي
يا كـل كـلي, فكــن ليإن لم تكن لي, فمن لي؟
يا كـــل كـــلي وأهــليعــند انقــطـاعي وذلي
مـــالي ســوي الروح خذهاوالروح جــهد المقـل
وجاء قول الحلاج حول النبي محمد صلي الله عليه وسلم في كتابه الطواسين أي الآيات وعددها اتنا عشر:
سراج من نور الغيب بدا وعاد وجاوز السرج وساد. قمر تجلي من بين الأقمار. سماه الحق أميا وحرميا ومكيا. شرح صدره ورفع قدره وأوجب أمره وأظهر بدره وأشرق شمسه من ناحية تهامة, وأضاء سراجه من معدن الكرامة... هو سيد البرية, الذي اسمه أحمد, ونعته أوحد, وأمره أوكد, وذاته أجود, وصفاته أمجد, وهمته أفرد... جوهره صفوي, كلامه نبوي, علمه علوي, عبارته عربي, قبلته لا مشرقي ولا مغربي, رفيقه ربوي, صاحبه أموي... رفع الغمام, وأشار إلي البيت الحرام, هو التمام, هو الهمام, هو الذي أمر بكسر الأصنام, هو الذي أرسل إلي الأنام... العلوم كلها قطرة في بحره, الحكم كلها غرفة من نهره, الأزمان كلها ساعة من دهره... ما عرفه عارف ألا جهل وصفه: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون.

