- 31 مارس 2007
- 22
- 0
- 0
- الجنس
- ذكر
الحمد لله ذي الجلال والجود، والجمال الممدود، تعالت عظمته و توالت نعمته، و صلى الله على نبي الهدى والنور والفضائل، ورسول خير السنن والهدي والشمائل، ورضي الله عن آله الكرام خير آل، وصحبه الأعلام الجبال، والنجوم العظام الأبطال، الذين تحملوا شديد الأثقال، وقاوموا عتيد الأهوال، فنالوا بذلك شريف الأحوال .
وبعد،
فقد انتقيت لك أخي في الله مباحث مليحة وقيمة من كتاب نفيس وبديع، ورأس في بابه وموضوعه الرفيع، ألفه الأستاذ الدكتورعبد الرحمن بن أحمد علوش المدخلي ووضع له عنوانا مثيرا منيرا هو: "فقه التعامل مع الأخطاء على ضوء منهج السلف".
وإنما انتحيت وتيممت من هذا الانتقاء المصفى المرسل إليك أن تدرك وتلمس بعض الحقائق والفصول الراقية، والدقائق والأصول الواقية، التي سنها السلف الصالح المبارك حتى تهتدي بأسرارها وتتحلى بأنوارها وتتملى بأفكارها.
وأقول لك ناصحا محذرا منبها :
اربأ بنفسك أن تكون من أمثال أولئك الجهال المتجاهلين والمتعصبة المتعالمين الذين يدعون اتباع السلف وهم أبعد الناس عن أخلاق ومنهج وروح السلف.
وبعد،
فقد انتقيت لك أخي في الله مباحث مليحة وقيمة من كتاب نفيس وبديع، ورأس في بابه وموضوعه الرفيع، ألفه الأستاذ الدكتورعبد الرحمن بن أحمد علوش المدخلي ووضع له عنوانا مثيرا منيرا هو: "فقه التعامل مع الأخطاء على ضوء منهج السلف".
وإنما انتحيت وتيممت من هذا الانتقاء المصفى المرسل إليك أن تدرك وتلمس بعض الحقائق والفصول الراقية، والدقائق والأصول الواقية، التي سنها السلف الصالح المبارك حتى تهتدي بأسرارها وتتحلى بأنوارها وتتملى بأفكارها.
وأقول لك ناصحا محذرا منبها :
اربأ بنفسك أن تكون من أمثال أولئك الجهال المتجاهلين والمتعصبة المتعالمين الذين يدعون اتباع السلف وهم أبعد الناس عن أخلاق ومنهج وروح السلف.
قد ههيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
وإياك إياك أن تنتن لسانك وفؤادك، وتسود قلبك وتفسد معادك، بالكلام القادح الجارح في أهل العلم والدعاة والمصلحين، وليكن شعارك الإنصاف، والحذر الحذر من الارجاف بتقسيم العلماء إلى أصناف، واحذر وحذر من عواقب وعقوبات غلاة التجريح القبيح، وإليك أخي العبارات النيرات المنيرات التي جادت بها قريحة ناصر السنة حجة الحفاظ مؤرخ الشام أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي المتوفى سنة ٥٧١ رحمه الله تعالى، وهي بحق أصل أصيل ومبدأ جليل وقاعدة ذهبية وفائدة أدبية حق أن تخط بماء الذهب بل أن تكتب بماء العيون :"واعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم، والاقتداء بما مدح الله به قول المتبعين من الاستغفار لمن سبقهم وصف كريم، إذ قال مثنيا عليهم في كتابه وهو بمكارم الأخلاق وضدها عليم : (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) والارتكاب لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتياب وسب الأموات جسيم، (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)."
وهو القائل :
وهو القائل :
فالحق لا يخفى على متأمل % % والبهت يذهب مثل برق خاطف
وكتب
أخوك العبد الفقير السالك إلى ربه الصمد القدير المالك :
أبو عمرو كريم بن أحمد السوسي
أبو عمرو كريم بن أحمد السوسي
المنتقى من كتاب
فقه التعامل مع الأخطاء في ضوء منهج السلف
فقه التعامل مع الأخطاء في ضوء منهج السلف
لكاتبه المشكور بإذن العلي الغفور:
د. عبد الرحمن بن أحمد علوش المدخلي
د. عبد الرحمن بن أحمد علوش المدخلي
الخطأ صفة ملازمة لبني آدم إلا من عصمه الله :
قبل الخوض في ثنايا هذه الرسالة ، لا بد أن تستقر في الأذهان القاعدة السابقة ، ذلك أن الخطأ صفة ملازمة للبشر لا ينجو منه أحد إلا من عصمه الله من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم ، وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : " كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون "[1] .
ولو نجا من الخطأ أحد لنجا منه الصحابة الكرام رضي الله عنهم الذين هم أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"[2] .
لذا تقررت هذه القاعدة عند السلف رحمهم الله وأصبحت عندهم قضية مسلمة ، لا تقبل المساومة ، نستيقن ذلك من خلال النقولات المتوافرة عنهم في ذلك ، ومن خلال تعاملهم مع الأخطاء والعثرات .
فهذا الإمام الشافعي يقول : "قد ألفت هذه الكتب ولم آل فهيا ، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ ، إن الله تعالى يقول : {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}[3][4] .
وقال تلميذه المزني : "لو عورض كتاب سعين مرة لوجد فيه خطأ ، أبى الله أن يكون كتابٌ صحيح غير كتابه"[5]
وقال الإمام أحمد : "ما رأيت أحداً أقل خطأ من يحيى بن سعيد ، ولقد أخطأ في أحاديث ثم قال : "ومن يعرى من الخطأ والتصحيف"[6] .
وقال الإمام الترمذي : "وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان ، والتثبت عند السماع مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم"[7].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "ليس من شرط أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفوراً لهم ، بل ليس من شرطهم ترك الصغائر . مطلقاً ، بل ليس من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه توبة"[8] .
وقال ابن القيم رحمه الله : "وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلوماً جهولاً ، ولكن من عدت غلطاته أقرب إلى الصواب ممن عدت إصاباته"[9] .
وقال مهنا لأحمد : "كان غندر يغلط؟ قال : أليس هو من الناس؟!"[10]
وقال عبد الرحمن بن مهدي : "من يبرئ نفسه من الخطأ فهو مجنون"[11] .
وقال الإمام مالك : "ومن ذا الذي لا يخطئ"[12] .
إذا تقرر ذلك فكيف يتعامل المسلم مع أخطاء الآخرين وعثراتهم؟
درجات الأخطاء والمخطئين :
من المعلوم أن الخطأ ليس بمنزلة واحدة ، فالخطأ إما أن يكون في أمر الدين أو الدنيا ، والخطأ الحاصل في أمر ديني ، إما أن يكون في الأصول أو الفروع ، ولا شك أن الخطأ الواقع في الأصول والعقائد أعظم وقعاً ، وأجدر بالتصحيح والتصويب من الخطأ الحاصل في الفروع ، والخطأ في المسائل الفرعية إما أن يكون في أمر مجمع عليه أو في مسألة اجتهادية ، وإما أن يكون في الكبائر أو الصغائر وبالنسبة للمخطئ لا بد من التفريق:
- بين الخطأ الناتج عن اجتهاد صاحبه وبين خطأ العمد والغفلة والتقصير .
- وبين خطأ ذوي الهيئات الذين لا يعرفون بالذنب ، وخطأ العاصي المسرف على نفسه .
- وبين المجاهر بالخطأ والمستتر به .
- وبين من يتوالى منه حدوث الخطأ وبين من يقع منه على فترات متباعدة .
إلى غير ذلك من الاعتبارات المرعية عند التعامل مع الخطأ والمخطئ ، وهو ما سأحاول إلقاء الضوء عليه في ثنايا هذا البحث ، مستمداً من الله العون فهو حسبي ونعم الوكيل.
* * *
[1]أخرجه الترمذي [كتاب صفة القيامة ، رقم 2499] وقال : حديث غريب ، وابن ماجة [كتاب الزهد ، رقم 4215] والدارمي [كتاب الرقاق ، رقم 2727] وأحمد [ج3 ، ص198] وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة [ج2 ، ص418].[2]أخرجه مسلم [كتاب التوبة ، رقم 2749] والترمذي [صفة الجنة ، رقم 252].
[3]النساء : 82 .
[4]الآداب الشرعية ، [ج2 ، ص141] .
[5]مسند أبي يعلى ، [ج1 ، ص465].
[6]الآداب الشرعية ، ج[2 ، ص141] ، وسير أعلام النبلاء ، [ج9 ، ص181].
[7]كتاب العلل الصغير في آخر كتاب الترمذي ، [ج5 ، ص747 – 748].
[8]مجموع الفتاوى ، [ج11 ، ص66-67].
[9]مدارج السالكين ، [ج2 ، ص522].
[10]الآداب الشرعية ، [ج2 ، ص141].
[11]المصدر السابق ، [ج2 ، ص142].
[12]المصدر السابق ، [ج2 ، ص142].
مقارنة النفس بالغير عند صدور الخطأ :
والأصل في هذه القاعدة قوله تعالى : {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ}[1] .
فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال : بلى وذلك الكذب ، أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت : لا والله ، قال : فعائشة والله خير منك وأطيب ، إنا هذا كذب وإفك باطل[2].
قال القرطبي رحمه الله : "المعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم ، فإن كان ذلك يبعد فيهم فذلك في عائشة وصفوان أبعد"[3] .
وقال الإمام الطبري رحمه الله : "وقال بأنفسهم ؛ لأن أهل الإسلام كلهم بمنزلة نفس واحدة ؛ لأنهم أهل ملة واحدة"[4]
وقال النحاس : "معنى بأنفسهم بإخوانهم ، فأوجب الله على المسلمين إذا سمعوا رجلاً يقذف أحداً ويذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه "[5] .
ويذكر الإمام القرطبي عند هذه الآية لطيفة نفسية تكتب بماء الذهب حيث يقول : "ولأجل هذا قال العلماء : إن الآية أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان ، ومنزلة الصلاح التي حلها المؤمن ، ولُبْسة العفاف التي يستتر بها المسلم لا يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع ، إذا كان أصله فاسداً أو مجهولاً"اهـ[6] .
لذا فإن الواجب على المسلم إذا سمع إشاعة أو خطأ منسوباً لأخيه أن يقيس الأمر على نفسه ، وهذا من باب حسن الظن بالمسلم ، فإذا كان يزكي نفسه ويظن أنها تترفع عن الوقوع في الخطأ فإن حسن الظن بأخيه يلزمه أن يكون الأمر تجاهه كذلك ، وإلا فقد يقع المسلم من حيث لا يشعر في آفة العجب بالنفس والاحتقار للغير ، وهذه من الآفات العظام التي حذر منها أطباء القلوب ، وتوافرت النصوص الشرعية في التنفير منها .
قال ابن القيم رحمه الله : "إن شهود العبد ذنوبه وخطاياه ، موجب له أن لا يرى لنفسه على أحد فضلاً ولا له على أحد حقاً ، فإنه يشهد عيوب نفسه وذنوبه فلا يظن أنه خير من مسلم يؤمن بالله ورسوله ويحرم ما حرم الله ورسوله"[7] .
وقال أبو وهب المروزي : "سألت ابن المبارك : ما الكبر؟ قال : أن تزدري الناس ، فسألته عن العجب ؟ قال : أن ترى أن عند شيئاً ليس عند غيرك ، لا أعلم في المصلين شيئاً شراً من العجب"[8] .
ومن درر ما كتبه ابن حزم رحمه الله تعالى قوله : "من امتُحن بالعُجْب فليفكر في عيوبه! فإن أعجب بفضائله ، فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة! فإن خفِيَت عليه عيوبه جُملةً حتى يظن أنه لا عيب فيه ، فليعلم أن مصيبته إلى الأبد ، وأنه أتم الناس نقصاً وأعظمهم عيوباً وأضعفهم تمييزاً!
وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهلٌ ولا عيب أشد من هذين ؛ لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه ؛ فغالبها وسعى في قمعها .
والأحمق هو الذي يَجهل عيوب نفسه : إما لقلة علمه وتمييزه ، وضعف فكْرته ، وإما لأنه يقدِّرُ أن عيوبه خصالٌ ، وهذا أشدُّ عيبٍ في الأرض ؛ وفي الناس كثير يَفْخرون بالزنا واللياطة والسرقة والظلم ، فيُعْجَبُ بتأتّي هذه النحوس له ، وبقوَّته على هذه المخازي!!"[9].
وقال أيضاً: "واعلمْ يقيناً أنه لا يَسْلم إنسيٌّ مِنْ نقص ، حاشا الأنبياء –صلوات الله عليهم-. فمن خفيتْ عليه عيوب نفسه فقد سقط ، وصار من السُّخف والضعة والرذالة والخسة وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم ، بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الأرذال ، وبحيث ليس تحته منزلة من الدناءة ، فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه ، والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها وعن عيوب غيره التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة .
وما أدري لسماع عيوب الناس خصلة إلا الاتعاظ بما يسمع المرء منها ، فيجتنبها ويسعى في إزالة ما فيه منها بحول الله تعالى وقوته .
وأما النطق بعيوب الناس فعيب كبير ، لا يسوغ أصلاً ، والواجب اجتنابه ، إلا في نصيحة من يتوقع عليه الأذى بمداخلة المعيب ، أو على سبيل تبكيت المعجَب فقط في وجهه لا خلْف ظهره ، ثم يقول للمعجَبِ : ارجع إلى نفسك ، فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك ، ولا تُمَثِّل بين نفسك وبين من هو أكثر عيوباً منها فتستسهل الرذائل وتكون مقلداً لأهل الشر ، وقد ذُمَّ تقليد أهل الخير ، فكيف تقليد أهل الشر؟! ولكن مثّل بين نفسك وبين من هو أفضل منك ، فحينئذ يتلفُ عُجْبك ، وتفيق من هذا الداء القبيح الذي يُولّد عليك الاستخفاف بالناس – وفيهم ، بلا شك ، من هو خير منك – فإذا استخففت بهم بغير حق استخفوا بك بحق ؛ لأن الله تعالى يقول : {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}[10] ، فتُولّد على نفسك أن تكون أهلاً للاستخفاف بك ، بل على الحقيقة ، مع مقتِ الله – عز وجل – وطمس ما فيك من فضيلة..."[11].
* * *
[1]النور : 12 .[2]انظر تفسير الطبري [ج9 ص284] والقرطبي [ج12 ص202] والسيوطي [ج5 ص60].
[3]تفسير القرطبي [ج12 ص202].
[4]تفسير الطبري [ج9 ص284].
[5]تفسير القرطبي [ج12 ص202].
[6]تفسير القرطبي [ج12 ص203].
[7]مفتاح دار السعادة [ج1 ص398].
[8]سير أعلام النبلاء [ج8 ص407].
[9]الأخلاق والسير [ج6 ص6].
[10]الشورى : 42 .
[11]الأخلاق والسير [ص65-66].
المخطئ المجتهد مأجور غير مأزور:
إذا تأكد العقلاء أن الخطأ من لوازم البشر فلا يخلو إما أن يكون المخطئ مجتهداً أو غير ذلك ، فالأول هو المأجور الذي لا يُثَرب عليه ، والأصل في ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب له أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"[1] .وعلى هذا لا بد أن نفرق بين تعاملنا مع الأخطاء بين من أخطأ عن تعمد وقصد ، وبين من أخطأ عن اجتهاد وإرادة للحق ، فالأول مأزور والثاني مأجور وشتان بين الأمرين ، وهذا المسلك هو الذي سار عليه أئمتنا رحمهم الله .
قال الآمدي رحمه الله تعالى : "اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الإثم محطوط عن المجتهدين في الأحكام الشرعية .وذهب بشر المريسي وابن عليَّة ، وأبو بكر الأصم ، ونُفاةُ القياس كالظاهرية والإمامية : إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها متعين ، وعليه دليل قاطع ، فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولا فاسق . وحجَّة أهل الحق في ذلك : ما نقل نقلاً متواتراً لا يدخله ريبة ولا شك ، وعُلِمَ علماً ضرورياً من اختلاف الصحابة فيما بينهم في المسائل، مع استمرارهم على الاختلاف إلى انقراض عصرهم ، ولم يصدر منهم نكير ولا تأثيم لأحد ، لا على سبيل الإبهام ولا التعيين . مع علمنا بأنه لو خالف أحد في وجوب العبادات الخمس وتحريم الزنا والقتل لبادروا إلى تخطئته وتأثيمه"[2].
وقال شيخ الإسلام تعليقاً على قوله تعالى : {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}.
قال : هذان نبيان كريما حكما في حكومة واحدة ، فخص الله أحدهما بفهمهما مع ثنائه على كل منهما بأن آتاه حكماً وعلماً ، فكذلك العلماء المجتهدون للمصيب منهم أجران وللآخر أجر ، وكل منهم مطيع بحسب استطاعته ، ولا يكلف الله ما عجز عن علمه"[3] .
ويقول الإمام القرطبي : "وقال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه رضي الله عنهم : إن الحق في مسائل الفروع في الطرفين ، وكل مجتهد مصيب ، والمطلوب إنما هو الأفضل في ظنه ، والدليل على هذه المقالة أن الصحابة فمن بعدهم قرر بعضهم خلاف بعض ، ولم ير أحد منهم أن يقع الانحمال على قوله دون مخالفه . ومنه ردّ مالك رحمه الله للمنصور أبي جعفر عن حمل الناس على الموطأ . فإذا قال عالم في أمر حلال فذلك هو الحق فيما يختص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله وكذا في العكس ... وعلى هذا يحملون قوله عليه السلام : "إذا اجتهد العالم فأخطأ" أي فأخطأ الأفضل[4] .
وقال شيخ الإسلام : "مذهب أهل السنة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ"[5] .
وقال أيضاً : "ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية ، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة ، وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم ، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته وبينته على اجتهاداته ولا يؤاخذ بما أخطأ تحقيقاً لقوله : {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}"[6] .
وقال أيضاً : "المتأول الذي قصده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُكفَّر بل ولا يفسق – إذا اجتهد فأخطأ – وهذا مشهور عند الناس في المسائل العلمية ، وأما مسائل العقائد : فكثير من الناس كفَّر المخطئين فيها ، وهذا القول لا يُعرف عن أحد من أئمة المسلمين ، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية ، ووقع في ذلك كثير من أتباع الأئمة كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم"[7] .
وقال في موضع آخر : "فأما الصديقون والشهداء والصالحون ، فليسوا معصومين ، وهذا في الذنوب المحققة ، وأما ما اجتهدوا فيه فتارة يصيبون وتارة يخطئون . فإذا اجتهدوا وأصابوا فلهم أجران . وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر على اجتهادهم ، وخطؤهم مغفور لهم . وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين ، فتارة يغلون فيهم يقولون : إنهم معصومون ، وتارة يجفون عنهم ويقولون : إنهم باغون بالخطأ . وأهل العلم والإيمان لا يعصمون ولا يؤثمون"[8] .
وقال أيضاً : "والمتأول المخطئ مغفور له بالكتاب والسنة"[9] .
وقال ابن أبي العز الحنفي : "والقول قد يكون مخالفاً للنص وقائله معذور . فإن المخالفة بتأويل لم يسلم منها أحد من أهل العلم ،وذلك التأويل وإن كان فاسداً فصاحبه مغفور له لحصوله على اجتهاده ، فإن المجتهد إذا اجتهد وأصاب له أجران : أجر على اجتهاده ، وأجر على إصابته الحق ، وإذا اجتهد فأخطأ : فله أجر على اجتهاده ، وخطؤه مغفور له ، فمخالفة النص إن كانت عن قصد فهي كفر ، وإن كانت عن اجتهاد فهي من الخطأ المغفور.."[10] .
وقال ابن القيم رحمه الله : "ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة ، وهو من الإسلام وأهله بمكان ، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يتبع فيها ، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين"[11] .
قد تكلم علماء العصر في هذه المسألة فساروا على نفس المنهج ، إذ النبع واحد .
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله : "وأما موقفنا من العلماء المأولين ، فنقول : من عرف منهم بحسن النية وكان له قدم صدق في الدين واتباع السنة فهو معذور بتأويله السائغ ، فالقول الخطأ إذا كان صادراً عن اجتهاد وحسن قصد لا يذم قائله ، بل يكون له أجر على اجتهاده"[12] .
ولكن هذا الاجتهاد الذي يرفع به الوزر ، ويثبت به الأجر للمجتهد ، هو : ما كان واقعاً من أهل الاجتهاد ، أما العوام فإنهم وإن زعموا الاجتهاد فليس لهم ذلك ؛ لافتقارهم لأدواته ، وإنما عملهم : من القول بالرأي المبني على الظنون والتخرصات والأهواء .
قال الإمام الشاطبي – رحمه الله - : "الاجتهاد الواقع في الشريعة ضربان : أحدهما الاجتهاد المعتبرُ شرعاً وهو الصادر عن أهله الذين اضطلعوا بمعرفة ما يفتقر الاجتهاد إليه...
والثاني : غير المعتبر ، وهو : الصادر عمن ليس بعارفٍ بما يفتقر الاجتهاد إليه ؛ لأن حقيقته أنه رأيٌ بمجرد التشهي ، والأغراض وخبطٌ في عماية واتباعٌ للهوى . فكل رأي صادرٍ على هذا الوجه فلا مرية في عدم اعتباره ؛ لأنه ضد الحق الذي أنزله الله كما قال تعالى : {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ}[13] ، وقال تعالى : {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}... الآية[14] ، وهذا على الجملة لا إشكال فيه"[15] .
وهذا الاجتهاد من غير أهل العلم وقع في عهد النبيصلى الله عليه وسلم في قصة الذين أفتوا المشجوج في البرد بوجوب الغسل .
فعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – قال : خرجنا في سفرٍ فأصاب رجُلاً منا حجرٌ فشجه في رأسه ، فاحتلم ، فسأل أصحابه : هل تجدون لي رخصةً في التيمم؟ قالوا : ما نجد رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل ومات . فلما قدِمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أُخبِرَ بذلك ، قال : "قتلوه ، قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا ، وإنما شفاء العي السؤال"[16].
قال شيخ الإسلام : "أخطأوا بغير اجتهاد ، إذ لم يكونوا من أهل العلم"[17] .
فتأمل يا رعاك الله في تلك النقولات كيف أن أئمتنا لم يشنعوا على المجتهدين إذ وقعوا في خطأ أو زلة ، فأين هذا المنهج السامي ممن يبدِّعون ويفسقون من وقع في أي خطأ دون النظر إلى نيته ومقصده ، ودون التفريق بين المجتهد الذي يبحث عن الحق وينشده وبين صاحب الهوى القاصد للخطأ والمصر عليه ، ومشكلة هؤلاء اعتقادهم أن حكمهم ورأيهم هو حكم الله عز وجل ، وحكم غيرهم هوى وزيغ وضلال ، وهذا من التعصب الأعمى الممقوت الذي نسأل الله عز وجل أن يعافي المسلمين منه .
الخطأ اليسير مغتفر في جانب الخير الكثير:
إن من القواعد السنية السلفية أن المسلم يوزن بسيئاته وحسناته ، فأيهما غلب كان الحكم له ، كما قال تعالى : {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}[18] .فأنت ترى أن الله أخبر أن من كانت حسناته هي الراجحة على سيئاته مع الندم على السيئات كان على سبيل النجاة وطريق الفوز والفلاح ، ومن مالت سيئاته بحسناته كان العطب والعذاب به أولى .
فالخطأ طبيعة بشرية ، ولكن من الناس من يكون خطؤه قليلاً أو غير مقصود بالنسبة لصوابه كما قال ابن عبد البر: "لا يسلم العالم من الخطأ ، فمن أخطأ قليلاً وأصاب كثيراً فهو عالم ، ومن أصاب قليلاً وأخطأ كثيراً فهو جاهل"[19]
وكما قال سفيان الثوري : "ليس يكاد يفلت من الغلط أحد ، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط ، وإن كان الغالب عليه الغلط ترك"[20] .
وهذا الصنف هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود"[21] .
قال الشافعي : "ذوو الهيئات الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة"[22] .
وبهذا المنهج عامل النبيصلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة حينما كتب لكفار قريش عن تحركه لغزوهم .
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد والزبير – وكلنا فارس – قال : "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأة من المشركين معها كتابٌ من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين" فأدركناها وهي تسير على بعير لها ، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : الكتاب ، فقالت : ما معي من كتابٍ ، فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتاباً فقلنا : ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لنجردنك ، فلما رأيت الجِدَّ أهوت إلى حُجْزَتها – وهي محتجزة بكساء – فأخرجته فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : يا رسول الله، قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، فدعني لأضرب عنقه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "ما حملك على ما صنعت؟" قال حاطب : والله ما بي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، أردت أن تكون لي عند القوم يدٌ يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحدٌ من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله ،فقال صلى الله عليه وسلم : "صدق ولا تقولوا له إلا خيراً" فقال عمر : إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه ، فقال : "أليس من أهل بدر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم" فدمعت عينا عمر ، وقال : الله ورسوله أعلم[23] .
قال ابن القيم رحمه الله : "وقد –ارتكب أي حاطب- مثل ذلك الذنب العظيم فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه شهد بدراً ، فدل على أن مقتضى عقوبته قائم لكن منع من ترتيب أثره عليه ما له من المشهد العظيم ، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات"[24].
وثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه وكان يلقب حِماراً ، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتي به يوماً فأمر به فجلد ، فقال رجل من القوم : اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله"[25] أي : الذي علمته .
فهذا الصحابي زلت قدمه ولكن لا يعني أنه فاسد بالكلية بل له من الصفات الحميدة ما توجب محبته وموالاته ، وعلى هذا النهج سار خير الأمة من التابعين فمن بعدهم يقول سعيد بن المسيب : "إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ،ولكن من الناس من لا ينبغي أن نذكر عيوبه ،ومن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله[26] .
وقال الحافظ ابن رجب : "والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه"[27]
وقال الإمام أحمد : "ما رأيت أحداً أقل خطأ من يحيى بن سعيد ولقد أخطأ في أحاديث ثم قال : ومن يعرى من الخطأ والتصحيف"[28] .
وقال الإمام الترمذي : "وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم"[29] . وقال الحافظ المقدسي : "ولو كان كل من وهم في حديث اتهم لكان هذا لا يسلم منه أحد"[30] .
وقال سفيان بن سعيد الثوري : "عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ، ومن لم يحفظ من أخبارهم إلا ما بدر من بعضهم في بعض على الحسد والهفوات والتعصب والشهوات دون أن يعي فضائلهم حُرم التوفيق ودخل في الغيبة وحاد عن الطريق"[31] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : "... والذين شهدوا هذا اللغو متأولين من أهلي الصدق والإخلاص والصلاح غمرت حسناتهم ما كان لهم فيه وغيره من السيئات والخطأ"[32] .
ويقول الإمام الذهبي رحمه الله : "ونحب السنة وأهلها ، ونحب العالم على ما فهي من الاتباع والصفات الحميدة ، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن"[33] .
ونراه رحمه الله يسير وفق هذا المنهج في الجانب العلمي التطبيقي عندما يترجم للأئمة الأعلام ، فمن ذلك قوله في ترجمة أبي بكر القفال قال : "قال أبو الحسن الصفار : سمعت أبا سهل الصعلوكي ، وسئل عن تفسير أبي بكر القفال فقال : قدسه من وجه ، ودنَّسه من وجه : أي دنسه من جهة نصره للاعتزال ،قلت – أي الذهبي-: قد مر موته ،والكمال عزيز وإنما يمدح العالم بكثرة ما له من الفضائل فلا تدفن المحاسن لورطة ، ولعله رجع عنها ، وقد يغفر له باستفراغه الوسع في طلب الحق ولا قوة إلا بالله"[34] .
وقال –أيضاً- في ترجمة قتادة –رحمه الله- : "لعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يُريد بها تعظيم الباري وتنزيهه ، وبذل وسعه ، والله حكم عدل لطيف بعباده ،ولا يسأل عما يفعل ، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه ، وعلم تحريه للحق ، واتسع علمه ، وظهر ذكاؤه ، وعرف صلاحه وورعه واتباعه ، يغفر له زلله ، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه ، نعم لا ونقتدي به في بدعته وخطئه ، ونرجو له التوبة من ذلك"[35] .
ويبين رحمه الله خطأ الإخلال بهذا المنهج والعواقب المترتبة على ذلك فيقول في ترجمة محمد بن نصر المروذي : "ولو أنَّا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له ،قمنا عليه وبدعناه وهجرناه لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده ولا من هو أكبر منهما . والله هو هادي الخلق وهو أرحم الراحمين ، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة"[36] .
وقال في ترجمة الإمام ابن خزيمة- رحمه الله - :"ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده – مع صحة إيمانه ، وتوخّيه لاتباع الحق – أهدرناه وبدعناه ، لقل من يسلم من الأئمة معنا رحم الله الجميع بمنه وكرمه[37] .
فتأمل رحمك الله في هذا العدل والإنصاف . اللهم لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا .
وقال ابن القيم رحمه الله : "... فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة ، وأهدرت محاسنه ، لفسدت العلوم والصناعات وتعطلت معالمها"[38] .
وعلَّق على بعض ألفاظ الهروي في منازل السائرين فقال : "في هذا اللفظ قلق وسوء تعبير ، يجبره حسن حال صاحبه وصدقه ، وتعظيمه لله ورسوله ، ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلا له"[39] .
وقال الحافظ ابن كثير في ترجمة شيخ الإسلام : "وبالجملة فقد كان رحمه الله من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب ، ولكن خطأه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي ، وخطؤه مغفور له"[40] .
وقال شيخ الإسلام : "ليس من شرط أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين في بعض الصغائر مطلقاً، بل ليس من شرطهم ترك الكبائر والكفر الذي تعقبه توبة"[41].
وقال ابن الأصفهاني : "ليس يجب أن نحكم بفساد كتاب لخطأ ما وقع فيه من صاحبه كصنيع العامة إذا وجدوا من أخطأ في مسألة حكموا على صنعته بالفساد"[42] .
بل إن هذه القاعدة مؤصلة عند العرب قبل الإسلام : روى الخطيب البغدادي عن الشعبي قوله : "كانت العرب تقول : إذا كانت محاسن الرجل تغلب مساوئه فذلكم الرجل الكامل ، وإذا كانا متقاربين فذلكم المتماسك ، وإذا كانت المساوئ أكثر من المحاسن فذلكم المتهتك"[43] .
فدل ذلك على أن هذا المنهج مرتكز في الفطرة ، وموجود عند الأصفياء من بني البشر ، ومعلوم عند العرب في جاهليتهم ، فجاء الإسلام فأقر ذلك بعد أن قوَّمه وهذبه .
وإليك أخي القارئ هذا الأنموذج العملي لتقرير ما سبق:
قال عبد الله بن الزبير الحميدي : "كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة فقال لي ذات يوم : ها هنا رجل من قريش له بيان ومعرفة ، فقلت له : من هو؟ قال : محمد بن إدريس الشافعي ، وكان أحمد قد جالسه بالعراق ، فلم يزل بي حتى اجترني إليه ، ودارت مسائل ، فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل : كيف رأيت؟ فجعلت أتتبع ما كان أخطأ فيه وكان ذلك مني بالقرشية – أي بالحسد – فقال لي أحمد بن حنبل : فأنت لا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة وهذا البيان تمر مائة مسألة يخطئ خمساً أو عشراً ، اترك ما أخطأ وخذ ما أصاب"[44] .
فأين نحن من هذا العدل والإنصاف؟!!
وقال الإمام الشافعي : "لا أعلم أحداً أعطي طاعة الله ثم لم يخلطها بمعصية الله إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام ، ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة ، فإن كان كان الأغلب الطاعة فهو العدل ، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح"[45] .
قال ابن حبان : "العدل إذا ظهرت عليه أكثر أمارات الجرح استحق الترك ، كما أن من ظهرت عليه أكثر أمارات التعديل استحق العدالة"[46] .
وقال ابن الأثير رحمه الله : "... إنما السيد من عدَّت سقطاته وأخذت غلطاته فهي الدنيا لا يكمل فيها شيء"[47] .
وقال ابن القيم رحمه الله : "وكيف يعصم من الخطأ من خُلق ظلوماً جهولاً ، ولكن من عدت غلطاته أقرب إلى الصواب ممن عدت إصاباته"[48] . وقال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : "... ومتى لم تتبين لكم المسألة لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل حتى يتبين لكم خطؤه ، بل الواجب السكوت والتوقف ، فإذا تحققت الخطأ بينتموه ولم تهدروا جميع المحاسن لأجل مسألة أو مائة أو مائتين أخطأت فيهن فإني لا أدعي العصمة"[49] .
وللإمام ابن القيم في هذه المسألة كلام نفيس يكتب بماء الذهب حيث قال رحمه الله : "من قواعد الشرع والحكمة أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر ، فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره ، ويعفى عنه ما لا يعفى من غيره ، فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى الخبث ... إلى أن قال : ... وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوف الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها...، وكما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد *** جاءت محاسنه بألف شفيع
وقول الآخر :وإن يكن الفعل الذي ساء واحداً *** فأفعاله اللاتي سررن كثير
والله سبحانه يوازن يوم القيامة بين حسنات العبد وسيئاته فأيهما غلب كان التأثير له"[50].ونختم هذا المبحث بهذا النقل عن شيخ الإسلام الذي يؤصل فيه هذه القاعدة فيقول : "وإنه كثيراً ما يجمع في الفعل الواحد ، أو في الشخص الواحد الأمران : فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه أحدهما ، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر كما يتوجه المدح والأمر والثواب إلى ما تضمنه أحدهما ، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر ، وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات البدعية الفجورية لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على بعض الحسنات البرية ، فهذه طريق الموازنة العادلة ، ومن سلكه كان قائماً بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب بالميزان"[51].
* * *
[1]أخرجه البخاري [كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، رقم 7352] ومسلم [كتاب الأقضية رقم 1716].[2]الجامع لأحكام القرآن [ج11 ص205].
[3]الفتاوى [ج33 ص41].
[4]الجامع لأحكام القرآن [ج11 ص205].
[5]الفتاوى [ج19 ص123].
[6]المصدر السابق [ج20 ص167].
[7] منهاج السنة [ج5 ص239].
[8]الفتاوى [ج35 ص69].
[9]منهاج السنة [ج4 ص452].
[10]الاتباع [ص29].
[11]إعلام الموقعين [ج3 ص295].
[12]المجموع الثمين [ج3 ص24].
[13]المائدة : 49 .
[14]ص: 26 .
[15]الموافقات [ج4 ص167].
[16]رواه أبو داور [ج1 ص93 رقم 336 كتاب الطهارة] [باب في المجروح يتيمم] والدارقطني [ج1 ص90] وله شاهد رواه أحمد في مسنده [ج1، ص370] والدارمي في سننه [ج1 ص56 رقم758] الطهارة ، باب المجروح تصيبه الجنابة .
[17]رفع الملام [ص48].
[18]المؤمنون : 102 ، 103 .
[19]الجامع بيان العلم [ج2 ص48].
[20]الكفاية [ص172] تهذيب الكمال [ج1 ص161].
[21]أخرجه أبو داود [ج4 ص133 رقم 4375] وأحمد [ج6 ص181] وابن حبان [ج1 ص296 رقم94] والبيهقي في الكبرى [ج8 ص297] وأبو يعلى [ج8 ص393 رقم4953] وقال الألباني : صحيح .
[22]النهاية في غريب الحديث [ج5 ص285].
[23]رواه البخاري [ج4 ص19 كتاب الجهاد باب الجاسوس] [وج5 ص9 كتاب المغازي باب فضل من شهد بدر] و[ج5 ص89 المغازي باب غزوة الفتح] ومسلم [ص1941 رقم 2494 فضائل الصحابة باب من فضائل أهل بدر] وأبو داود [ج3 ص47 رقم 2650 2561 ، الجهاد ، باب في حكم الجاسوس] والترمذي [ج5 ص82 رقم 3360] كتاب التفسير ، سورة الممتحنة .
[24]مفتاح دار السعادة [ج1 ص176].
[25]أخرجه البخاري [كتاب الحدود رقم6780].
[26]البداية والنهاية [ج9 ص100] والكفاية [ص138].
[27]القواعد لابن رجب [ص3].
[28]سير أعلام النبلاء [ج9 ص181] والآداب الشرعية [ج2 ص141] .
[29]كتاب العلل الصغير للترمذي في آخر كتاب الجامع [ج5 ،ص747 – 748].
[30]سير أعلام النبلاء [ج16 ، ص127].
[31]جامع بيان العلم وفضله [ج2 ص166].
[32]الاستقامة [ج1 ص297].
[33]السير ، [ج20 ص46 ].
[34]سير أعلام النبلاء [ج16 ص285].
[35]المصدر السابق [ج5 ص271].
[36]المصدر السابق [ج14 ص40].
[37]المصدر السابق [ج14 ص374].
[38]مدارج السالكين [ج2 ص39].
[39]المصدر السابق [ج3 ص150].
[40]البداية والنهاية [ج7 ص145].
[41]مجموع الفتاوى [ج11 ص66].
[42]فيض القدير [ج1 ص21].
[43]الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع [ج2 ص260].
[44]آداب الشافعي ومناقبه للرازي ، [ص44] ، وحلية الأولياء [ج9 ص96].
[45]الكفاية [ص138].
[46]المجروحين [ج1 ص64].
[47]اللباب في تهذيب الأنساب [ج1 ص9].
[48]مدارج السالكين [ج3 ص522].
[49]تاريخ نجد [ج2 ص161].
[50]مفتاح دار السعادة [ج1 ص176-177].
[51]مجموع الفتاوى [ج10 ص366].
عدم تتبع الأخطاء والعثرات وألا يجعل المسلم نفسه حكماً على الآخرين :
إن منهج تتبع الأخطاء والعثرات مرفوض شرعاً ، ثبت عن معاوية رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنك إن تتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت تفسدهم"[1] .وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع أو الجدل في عينه"[2] .
وأخرج الإمام مالك في الموطأ أنه بلغه أن عيسى عليه السلام كان يقول : "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون . ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب ، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد ، فإنما الناس مبتلى ومعافى ، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية"[3].
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن من علامات أهل السعادة والموفقين للتوبة الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها فإنه من شغل بعيب نفسه ، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس ، هذا من علامة الشقاوة كما أن الأول من أمارات السعادة[4] .
وهذه القاعدة يمكن أن تستفاد أيضاً من الأحاديث الواردة في النهي عن التجسس ، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث . ولا تَحسسوا ولا تجسَّسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً"[5] .
فالتجسس وتتبع العثرات والسقطات يدل على فساد القصد وسوء الطوية ،ورحم الله الرافعي إذ يشبه أهل هذا الصنف "بأن منهم من تجدهم قوماً سوساً كطبع السوس لا ينال شيئاً إلا نخره أو عابه . وقوماً دوداً كطبع الدود لا يقع في شيء إلا أفسده أو قذَّره"[6].
إنه طبع الدود والذباب الذي ارتضاه طائفة من البشر فأصبح همهم وغرضهم وديدنهم تتبع السقطات والعثرات مع التغافل عن الحسنات . ورحم الله الشعبي إذ يقول : "لو أصبت تسعاً وتسعين ، وأخطأت واحدة ، لأخذوا الواحدة وتركوا التسع والتسعين"[7].
* * *
وختاماً كن مع الناس كالنحل ، الذي يقع على أحسن الزهور وأطهر الزروع ؛ فيجتني منها ما يفيده ،وما يخدم به الناس . ودع مساوئهم وأخطاءهم . ولا تكن كالذباب الذي يقع على أقذر الأشياء وينشرها في الناس ويؤذي بها الأحياء .صِنْفٌ من الناس يصوِّب نظره إلى عنصر الخير في الناس ويتعامل معهم على أساسه ، وينشره فيهم ، فهو كالنحل الذي لا يقع إلا على الزهور والرياحين الزاكية النظيفة ؛ فيجتني منها ما ينفعه وينفع الآخرين .
وصِنْفٌ آخر يصوِّب نظره إلى عنصر الشر في الناس وإلى الرذائل فيهم ، ويتعامل معهم على أساسه ، وينشره فيهم فيؤذي نفسه ويؤذي الآخرين ، فهو كالذباب الذي لا يقع إلى على أقذر الأشياء وينشرها بين الناس ويؤذي بها الأحياء . فكن كالأول تسعَدْ وتُسْعِد ، ولا تكن كالثاني ، تَشْقَ وتُشْقِ[8] .
* * *
[1]أخرجه أبو داود [كتاب الأدب رقم 4888] وابن حبان [ج13 ص72 رقم5760] وأبو الشيخ في التوبيخ [ص125 رقم95] وصححه العراقي في تخريج الإحياء [ج2 ص200].[2]أخرجه ابن حبان كما في الإحسان [ج13 ص73 رقم5761] وأبو الشيخ في التوبيخ [ص126 رقم96] والقضاعي في مسند الشهاب [رقم 610] وأبو نعيم في الحلية [ج4 ص99] وهو صحيح رجاله ثقات .
[3]موطأ مالك [كتاب الكلام ج2 ص986 رقم8].
[4]مفتاح دار السعادة [ج1 ص298].
[5]صحيح مسلم [كتاب البر والصلة ج4 ص1985 رقم2563].
[6]وحي القلم [ج2 ص53].
[7]حلية الأولياء [ج4 ص320 ، 321]، والسير [ج4 ص308].
[8]الأخلاق الفاضلة [ص71].
إلى هنا انتهى المنتقى المراد، وعلى الله ربنا التوكل والاعتماد، وصلى الله وسلم وبارك على إمام الهدى والتقى نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ذوي المناقب و الأمجاد، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المعاد .

