- 27 أغسطس 2009
- 63,044
- 4,779
- 113
- الجنس
- ذكر
بسم الله الرحمن الرحيم
عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : "
كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال :
( يا غلام ، إني أُعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ،
إذا سأَلت فاسأَل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على
أَن ينفعـوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن
يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك،
رفعت الأقلام وجفت الصحف ) . رواه الترمذي وقال :" حديث حسن صحيح ".
وفي رواية الإمام أحمد : ( احفظ الله تجده أَمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء
يعرفك فـي الشدة ، واعلم أَن ما أَخطأَك لم يكن ليصيبك ، وما أَصابك لم يكن ليخطئك ،
واعلم أَن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسرِ يسرا ) .
الشرح
اصطفى الله تعالى هذه الأمة من بين سائر الأمم ، ليكتب لها التمكين في الأرض ،
وهذا المستوى الرفيع لا يتحقق إلا بوجود تربية إيمانية جادة تؤهلها لمواجهة
الصعوبات التي قد تعتريها ، والأعاصير التي قد تحيق بها ،
في سبيل نشر هذا الدين ، وإقامة شرع الله في الأرض .
ومن هذا المنطلق ، حرص النبي صلى الله عليه وسلم على غرس العقيدة
في النفوس المؤمنة ، وأولى اهتماما خاصا للشباب ، ولا عجب في ذلك! ،
فهم اللبنات القوية والسواعد الفتية التي يعوّل عليها نصرة هذا الدين
وتحمّل أعباء الدعوة .وفي الحديث الذي نتناوله ، مثال حيّ على هذه التنشئة الإسلامية
الفريدة ، للأجيال المؤمنة في عهد النبوة ، بما يحتويه هذا المثال
على وصايا عظيمة ، وقواعد مهمة ، لا غنى للمسلم عنها .
وأولى الوصايا التي احتواها هذا الحديث ،قوله صلى الله عليه وسلم :
( احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ) ،
إنها وصية جامعة ترشد المؤمن بأن يراعي حقوق الله تعالى ،
ويلتزم بأوامره ، ويقف عند حدود الشرع فلا يتعداه ، ويمنع جوارحه من استخدامها
في غير ما خلقت له ، فإذا قام بذلك كان الجزاء من جنس العمل ،
مصداقا لما أخبرنا الله تعالى في كتابه حيث قال :
{ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم }( البقرة : 40 ) ،
وقال أيضا : { فاذكروني أذكركم } ( البقرة : 152 ) .
وهذا الحفظ الذي وعد الله به من اتقاه يقع على نوعين :
الأول : حفظ الله سبحانه وتعالى لعبده في دنياه ، فيحفظه في بدنه وماله وأهله ،
ويوكّل له من الملائكة من يتولون حفظه ورعايته ، كما قال تعالى :
{ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله }( الرعد : 11 )
أي : بأمره ، وهو عين ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم
كل صباح ومساء : ( اللهم إني أسألك العفو والعافية ، في ديني ودنياي وآخرتي
وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي
، وعن يميني وعن شمالي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ) رواه أبو داوود و ابن ماجة ،
وبهذا الحفظ أنقذ الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام من النار ،
وأخرج يوسف عليه السلام من الجبّ ، وحمى موسى عليه السلام من الغرق
وهو رضيع ، وتتسع حدود هذا الحفظ لتشمل حفظ المرء في ذريّته بعد موته ،
كما قال سعيد بن المسيب لولده : " لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أُحفظ فيك " ،
وتلا قوله تعالى : { وكان أبوهما صالحا } ( الكهف : 82 ) .
الثاني : حفظ الله للعبد في دينه ، فيحميه من مضلات الفتن ، وأمواج الشهوات
، ولعل خير ما نستحضره في هذا المقام : حفظ الله تعالى لدين يوسف عليه السلام
، على الرغم من الفتنة العظيمة التي أحاطت به وكادت له ، يقول الله تعالى في ذلك :
{ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين }( يوسف : 24 )
، وتستمر هذه الرعاية للعبد حتى يلقى ربّه مؤمنا موحدا .
ولكن الفوز بهذا الموعود العظيم يتطلب من المسلم إقبالا حقيقيا على الدين
، واجتهادا في التقرب إلى الله عزوجل ، ودوام الاتصال به في الخلوات ،
وهذا هو المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الثانية لهذا الحديث :
( تعرّف إلى الله في الرخاء ، يعرِفك فـي الشدة )
، فمن اتقى ربه حال الرخاء ، وقاه الله حال الشدّة والبلاء .
ثم انتقل الحديث إلى جانب مهم من جوانب العقيدة ، ويتمثّل ذلك
في قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس : ( إذا سأَلت فاسأَل الله ) ،
وسؤال الله تعالى والتوجه إليه بالدعاء من أبرز مظاهر العبوديّة والافتقار إليه ،
بل هو العبادة كلها كما جاء في الحديث : ( الدعاء هو العبادة ) ،
وقد أثنى الله على عباده المؤمنين في كتابه العزيز فقال :
{ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } ( الأنبياء : 90 ).
وإن من تمام هذه العبادة ترك سؤال الناس ، فإن في سؤالهم تذلل لهم ومهانة للنفس ،
ولا يسلم سؤالهم من منّة أو جرح للمشاعر ، أو نيل من الكرامة ،
كما قال طاووس لعطاء رحمهما الله : " إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ،
وجعل دونك حجابه ، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة،
أمرك أن تسأله ، ووعدك أن يجيب " ، وصدق أبو العتاهية إذ قال :
لا تسألن بني آدم حاجـة وسل الذي أبوابه لا تُحجب
فاجعل سؤالك للإله فإنمـا في فضل نعمة ربنـا تتقلب
وقد أثنى الله على عباده المتعففين فقال : { للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله
لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم
بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا } ( البقرة : 273 ) ،
وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم رهطا من أصحابه على ترك سؤال الناس ،
وكان منهم أبوبكر الصديق و أبو ذر الغفاري و ثوبان رضي الله عنهم أجمعين ،
فامتثلوا لذلك جميعا ، حتى إن أحدهم إذا سقط منه سوطه أو خطام ناقته لا يسأل أحدا أن يأتي به .
إن ما سبق ذكره من الثناء على المتعفّفين إنما هو متوجه لمن تعفّف عن سؤال
الناس فيما يقدرون عليه ، وما يملكون فعله ، أما ما يفعله بعض الجهلة من
اللجوء إلى الأولياء والصالحين الأحياء منهم أو الأموات ، ليسألونهم ويطلبون
منهم أعمالاً خارجةً عن نطاق قدرتهم ، فهذا صرفٌ للعبادة لغير الله عزوجل ،
وبالتالي فهو داخل تحت طائلة الشرك .
وفي قوله : ( وإذا استعنت فاستعن بالله ) أمر بطلب العون من الله تعالى دون غيره ،
لأن العبد من شأنه الحاجة إلى من يعينه في أمور معاشه ومعاده ،
ومصالح دنياه وآخرته ، وليس يقدر على ذلك إلا الحي القيوم ،
الذي بيده خزائن السموات والأرض ، فمن أعانه الله فلا خاذل له
، ومن خذله الله فلن تجد له معينا ونصيرا ، قال تعالى
{ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده }( آل عمران : 160 )
، ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قول :
( اللهم أعني ولا تعن علي) ، وأمر معاذا رضي الله عنه ، ألا يدع في دبر كل صلاة أن يقول
( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) رواه النسائي وأبو داود .
وإذا قويت استعانة العبد بربّه ، فإن من شأنها أن تعمّق إيمانه بقضاء الله وقدره ،
والاعتماد عليه في كل شؤونه وأحواله ، وعندها لا يبالي بما يكيد له أعداؤه ،
ويوقن أن الخلق كلهم لن ينفعوه بشيء لم يكتبه الله له ، ولن يستطيعوا أن يضرّوه بشيء
لم يُقدّر عليه ، ولم يُكتب في علم الله ، كما قال سبحانه :
{ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب
من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير } ( الحديد : 22 ) .
ولما وعى سلفنا الصالح هذه الوصية ، أورثهم ذلك ثباتا في العزيمة ،
وتفانيا في نشر هذا الدين ، غير مبالين بالصعوبات التي تواجههم ، والآلام التي تعتريهم ،
لأنهم علموا أن طريق التمكين إنما يكون بالعمل بهذه الوصية النبوية ،
وأن الفرج يأتي من بعد الكرب ، وأن العسر يعقبه اليسر ، وهذا هو الطريق الذي سلكه
أنبياء الله جميعا عليهم السلام ، فما كُتب النصر ل نوح عليه السلام
إلا بعد سلسلة طويلة من الجهاد مع قومه ، والصبر على أذاهم ، وما أنجى الله نبيه
يونس عليه السلام من بطن الحوت ، إلا بعد معاناة طويلة عاشها مستغفرا لربّه ،
راجيا فرجه ، معتمدا عليه في كل شؤونه ، حتى انكشفت غمّته ،
وأنقذه من بلائه ومحنته ، وهكذا يكون النصر مرهونا بالصبر على البلاء والامتحان .
إننا نستوحي من هذا الحديث معالم مهمة ، ووصايا عظيمة ، من عمل بها ،
كتبت له النجاة ، واستنارت له عتبات الطريق ، فما أحوجنا إلى أن
نتبصّر كلام نبينا صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته ،
ونستلهم منها الحلول الناجعة لمشكلات الحياة ،
ونجعلها السبيل الأوحد للنهضة بالأمة نحو واجباتها .
اسلام ويب
التعديل الأخير:

