إعلانات المنتدى


*** أحداث رمضانية عبر الأزمان ***

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

ابنةُ اليمِّ

مدير عام قديرة سابقة و عضو شرف
عضو شرف
26 مايو 2009
25,394
1,156
0
الجنس
أنثى
علم البلد

(مقدمة)
بعض الأحداث الرمضانية التي حدثت في رمضان



hwi35910.gif



1- في رمضان من السنة الثانية للهجرة وقعت غزوة بدر الكبرى وهي من أوائل وأهم الانتصارات الإسلامية التي كان لها أكبر الأثر في تثبيت دعائم الإسلام.
2- في رمضان من السنة الثامنة للهجرة كان الفتح الكبير - فتح مكة.
3- في رمضان من السنة التاسعة للهجرة حضر إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وفد ثقيف لمبايعته.
4- في رمضان سنة 15هـ كانت موقعة القادسية التي انتصر فيها المسلمون على أكبر الإمبراطوريات، وتم القضاء على المجوسية بفارس.
5- في رمضان سنة 53هـ فتح المسلمون جزيرة رودس.
6- في رمضان سنة 64هـ بايع الناس بمكة المكرمة عبدالله بن الزبير - رضي الله عنهما - بالخلافة.
7- في رمضان سنة 91هـ نزل المسلمون إلى الشاطئ الجنوبي لبلاد الأندلس وغزوا بعض الثغور.
8- في رمضان سنة 129هـ ظهرت الدعوة لبني العباس في خراسان.
10- في رمضان سنة 132هـ سقطت الدولة الأموية وقامت الدولة العباسية.
11- في رمضان سنة 217هـ أسس العرب مدينة كانديا بجزيرة كريت.
12- في رمضان سنة 254هـ انفصلت مصر عن الدولة العباسية بقيادة أحمد بن طولون.
13- في رمضان سنة 361هـ تم بناء الجامع الأزهر بالقاهرة.
14- في رمضان سنة 362هـ استولى المعز لدين الله العبيدي على القاهرة.
15- في رمضان سنة 500هـ حاصر السلطان محمد قلعة الباطنية في أصفهان.
16- في رمضان سنة 584هـ بدأ صلاح الدين الأيوبي هجومه على الصليبيين من سوريا قاصدًا مدينة صفد بفلسطين وقد مكنّه الله - تعالى - من الاستيلاء عليها.
17- في رمضان سنة 588هـ رحل السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى بيت المقدس، وقام بتحصينها وتشييد الأسوار حولها.
18- في رمضان سنة 658هـ هزم الجيش الإسلامي المصري حشود التتار، وأوقع بجحافلهم هزيمة منكرة، وذلك بقيادة الظاهر بيبرس.
19- في رمضان سنة 1241هـ استولى إبراهيم باشا على مدينة ميسولوبخي من بلاد اليونان.
20- في رمضان سنة 1393هـ انتصر المسلمون على إسرائيل في أول مواجهة حقيقية بينهما.



الدكتور زيد بن محمد الرماني




وتُتبع بأحداث رمضانية عبر الأزمان
بمشاركة
مشرفي ومراقبي ركن شهر رمضان المبارك
 
التعديل الأخير:

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: *** أحداث رمضانية ***

جزاكم الله خيرًا أختي ابنة اليم
بارك الله فى مجهودك الطيب....؛
واسمحي لي بالمشاركة في موضوعك



تكليف النبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة
التاريخ الهجري السنة الأولى من البعثة


قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، عشراً بمكة وعشراً بالمدينة‏.‏ فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/ 8‏)‏‏.‏ فهذا إسناد صحيح إلى الشعبي، وهو يقتضي أن إسرافيل قرن معه بعد الأربعين ثلاث سنين ثم جاءه جبريل‏.‏ وأما الشيخ شهاب الدين أبو شامة فإنه قد قال‏:‏ وحديث عائشة لا ينافي هذا، فإنه يجوز أن يكون أول أمره الرؤيا‏.‏ ثم وكل به إسرافيل في تلك المدة التي كان يخلو فيها بحراء، فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة ولا يقيم معه تدريجاً له وتمريناً إلى أن جاءه جبريل، فعلَّمه بعدما غطه ثلاث مرات، فحكت عائشة ما جرى له مع جبريل ولم تحك ما جرى له مع إسرافيل اختصاراً للحديث، أو لم تكن وقفت على قصة إسرافيل‏.‏ وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يحيى بن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين، فمكث بمكة عشراً، وبالمدينة عشراً‏.‏ ومات وهو ابن ثلاث وستين، وهكذا روى يحيى بن سعيد، وسعيد بن المسيب‏.‏ ثم روى أحمد، عن غندر، ويزيد بن هارون، كلاهما عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال‏:‏ بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأُنزل عليه القرآن، وهو ابن أربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين‏.‏ ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة‏.‏ وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، قال‏:‏ أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة‏:‏ سبع سنين يرى الضوء، ويسمع الصوت، وثماني سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشر سنين‏.‏ قال أبو شامة‏:‏ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى عجائب قبل بعثته فمن ذلك‏:‏ ما في صحيح مسلم‏:‏ عن جابر بن سمرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلِّم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن‏)‏‏)‏‏.‏ انتهى كلامه‏.‏ وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الخلاء والانفراد عن قومه، لما يراهم عليه من الضلال المبين، من عبادة الأوثان، والسجود للأصنام، وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء الله إليه صلوات الله وسلامه عليه‏‏.‏ وقد ذكر محمد بن إسحاق، عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة - قال‏:‏ وكان واعية - عن بعض أهل العلم قال‏:‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهراً من السنة يتنسك فيه‏.‏ وكان من نسك قريش في الجاهلية، يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته وقضائه لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة‏.‏ وهكذا روي عن وهب بن كيسان أنه سمع عبيد بن عمير يحدث عبد الله بن الزبير مثل ذلك، وهذا يدل على أن هذا كان من عادة المتعبدين في قريش، أنهم يجاورون في حراء للعبادة، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة‏:‏ وثورٍ ومَن أرْسَى ثبيراً مَكانه وراقٍ ليرقى في حِراءَ ونازِلِ هكذا صوبه على رواية هذا البيت كما ذكره السهيلي، وأبو شامة، وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمهم الله، وقد تصحف على بعض الرواة فقال فيه‏:‏ وراق ليرقى في حر ونازل - وهذا ركيك ومخالف للصواب والله أعلم‏.‏ وحراء‏:‏ يقصر ويمدّ ويصرف ويمنع، وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المارّ إلى منى، له قلة مشرفة على الكعبة منحنية، والغار في تلك الحنية، وما أحسن ما قال رؤبة بن العجاج‏:‏ فَلا وربِّ الآمِناتِ القُطَّن وربِّ رُكنٍ من حِراءَ مُنْحني وقوله في الحديث‏:‏ والتحنث التعبد، تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث من حنث البِنْيَة فيما قاله السهيلي الدخول في الحنث، ولكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها الخروج من ذلك الشيء‏.‏ كحنث‏:‏ أي خرج من الحنث، وتحوب، وتحرج، وتأثم، وتهجد هو ترك الهجود وهو‏:‏ النوم للصلاة، وتنجس وتقذر، أوردها أبو شامة‏.‏ وقد سئل ابن الأعرابي عن قوله يتحنث أي يتعبد‏.‏ فقال‏:‏ لا أعرف هذا إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام‏.‏ قال ابن هشام‏:‏ والعرب تقول التحنث والتحنف يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا‏:‏ جدف وجذف كما قال رؤبة بن العجاج‏.‏ ‏(‏ج/ ص‏:‏ 3/10‏)‏‏.‏ لو كان أحجاري مع الأحذاف * يريد الأجداث‏.‏ قال ابن هشام‏:‏ وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول‏:‏ فُمَّ في موضع ثمَّ‏.‏ قلت‏:‏ ومن ذلك قول بعض المفسرين وفومها أن المراد ثومها‏.‏ وقد اختلف العلماء في تعبده عليه السلام قبل البعثة هل كان على شرع أم لا‏؟‏ وما ذلك الشرع‏؟‏ فقيل‏:‏ شرع نوح، وقيل‏:‏ شرع إبراهيم، وهو الأشبه الأقوى‏.‏ وقيل‏:‏ موسى، وقيل‏:‏ عيسى، وقيل‏:‏ كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه، وعمل به‏.‏ ولبسط هذه الأقوال ومناسباتها مواضع أخر في أصول الفقه‏.‏ والله أعلم‏.‏ وقوله‏:‏ حتى فجئه الحق وهو بغار حراء‏:‏ أي جاء بغتة على غير موعد كما قال تعالى‏:‏ ‏( ‏وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ )‏ الآية ‏[‏سورة القصص‏:‏ 86‏]‏‏.‏ وقد كان نزول صدر هذه السورة الكريمة وهي‏:‏ ‏( ‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ‏ )‏ ‏[‏سورة العلق‏:‏ 1-5‏]‏‏.‏ وهي أول ما نزل من القرآن كما قررنا ذلك في التفسير، وكما سيأتي أيضاً في يوم الاثنين كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ سئل عن صوم يوم الاثنين‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ذاك يوم ولدت فيه، ويوم أنزل عليّ فيه‏)‏‏)‏ وقال ابن عباس‏:‏ ولد نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين‏.‏ وهكذا قال عبيد بن عمير، وأبو جعفر الباقر، وغير واحد من العلماء‏:‏ أنه عليه الصلاة والسلام أوحي إليه يوم الاثنين، وهذا ما لا خلاف فيه بينهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3 /11‏)‏ ثم قيل‏:‏ كان ذلك في شهر ربيع الأول، كما تقدم عن ابن عباس وجابر، أنه ولد عليه السلام، في الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، والمشهور أنه بعث عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان، كما نصَّ على ذلك عبيد بن عمير، ومحمد بن إسحاق، وغيرهما‏.‏ قال ابن إسحاق مستدلاً على ذلك بما قال الله تعالى‏:‏ ‏( ‏شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ‏ )‏ ‏[‏البقرة‏:185]‏‏.‏ فقيل في عشره‏.‏ وروى الواقدي بسنده عن أبي جعفر الباقر أنه قال‏:‏ كان ابتداء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وقيل في الرابع والعشرين منه‏.‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان‏)‏‏)‏‏.‏ وروى ابن مردويه في ‏(‏تفسيره‏)‏ عن جابر بن عبد الله مرفوعاً نحوه، ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين‏.‏ وأما قول جبريل‏:‏ اقرأ‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ما أنا بقارئ‏)‏‏)‏ فالصحيح أن قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏ما أنا بقارئ‏)‏‏)‏ نفي‏:‏ أي لست ممن يحسن القراءة‏.‏ وممن رجحه النووي، وقبله الشيخ أبو شامة، ومن قال‏:‏ إنها استفهامية فقوله بعيد؛ لأن الباء لا تزاد في الإثبات‏.‏ ويؤيد الأول رواية أبي نعيم من حديث المعتمر بن سليمان، عن أبيه‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو خائف يرعد - ‏(‏‏(‏ما قرأت كتاباً قط، ولا أحسنه، وما أكتب، وما أقرأ‏)‏‏)‏ فأخذه جبريل فغتَّه غتاً شديداً‏.‏ ثم تركه‏.‏ فقال له‏:‏ اقرأ‏.‏ فقال محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما أرى شيئاً أقرأه، و ما أقرأ، وما أكتب‏)‏‏)‏‏.‏ يروى ‏"‏فغطني‏"‏ كما في ‏(‏الصحيحين‏)‏، و‏"‏غتني‏"‏، ويروى ‏"‏قد غتني‏"‏‏:‏ أي خنقني حتى بلغ مني الجهد، يروى بضم الجيم، وفتحها، وبالنصب، وبالرفع، وفعل به ذلك ثلاثاً‏.‏ قال أبو سليمان الخطابي‏:‏ وإنما فعل ذلك به ليبلو صبره، ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، وتأخذه الرحضاء‏:‏ أي البهر والعرق‏.‏ وقال غيره‏:‏ إنما فعل ذلك لأمور‏:‏ منها‏:‏ أن يستيقظ لعظمة ما يلقى إليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏)‏ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً‏ )‏ ‏[‏سورة المزمل‏:‏ 5‏]‏‏.‏ ولهذا كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحي يحمرُّ وجهه، ويغطّ كما يغطّ البكر من الإبل، ويتفصد جبينه عرقاً في اليوم الشديد البرد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:3/12‏)‏ وقوله فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة يرجف فؤاده‏.‏ وفي رواية‏:‏ بوادره، جمع بادرة‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ وهي لحمة بين المنكب والعنق‏.‏ وقال غيره‏:‏ هو عروق تضطرب عند الفزع، وفي بعض الروايات ترجف بآدله واحدتها بادلة‏.‏ وقيل‏:‏ بادل، وهو ما بين العنق والترقوة، وقيل‏:‏ أصل الثدي، وقيل‏:‏ لحم الثديين، وقيل‏:‏ غير ذلك‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏زملوني، زملوني‏)‏‏)‏ فلما ذهب عنه الروع قال لخديجة‏:‏ ‏(‏‏(‏مالي‏؟‏ أي شيء عرض لي‏؟‏‏)‏‏)‏ وأخبرها ما كان من الأمر‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لقد خشيت على نفسي‏)‏‏)‏‏.‏ وذلك لأنه شاهد أمراً لم يعهده قبل ذلك‏.‏ ولا كان في خلده‏.‏ ولهذا قالت خديجة‏:‏ ابشر، كلا والله لا يخزيك الله أبداً‏.‏ قيل‏:‏ من الخزي، وقيل‏:‏ من الحزن، وهذا لعلمها بما أجرى الله به جميل العوائد في خلقه أن من كان متصفاً بصفات الخير لا يخزى في الدنيا، ولا في الآخرة، ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة‏.‏ فقالت‏:‏ إنك لتصل الرحم، وتصدُق الحديث - وقد كان مشهوراً بذلك صلوات الله وسلامه عليه عند الموافق والمفارق - وتحمل الكلّ‏.‏ أي عن غيرك تعطي صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤنة عياله‏.‏ وتكسب المعدوم‏:‏ أي تسبق إلى فعل الخير فتبادر إلى إعطاء الفقير فتكسب حسنته قبل غيرك، ويسمى الفقير معدوماً؛ لأن حياته ناقصة‏.‏ فوجوده وعدمه سواء كما قال بعضهم‏:‏ ليسَ من ماتَ فاستراحَ بميتٍ إنما الميتُ ميِّتُ الأحياء وقال أبو الحسن التهامي، فيما نقله عنه القاضي عياض في شرح مسلم‏:‏ عدَّ ذا الفقر ميتاً وكساهُ كفناً بالياً ومأواه قـبرا وقال الخطابي‏:‏ الصواب وتكسب المعدم، أي‏:‏ تبذل إليه، أو يكون تلبس العدم بعطيته مالاً يعيش به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/13‏)‏‏.‏ واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بالمعدوم ههنا المال المعطى‏:‏ أي يعطى المال لمن هو عادمه‏.‏ ومن قال إن المراد أنك تكسب باتجارك المال المعدوم، أو النفيس القليل النظير، فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلف ما ليس له به علم، فإن مثل هذا لا يمدح به غالباً، وقد ضعَّف هذا القول عياض، والنووي وغيرهما، والله أعلم‏.‏ وتقري الضيف‏:‏ أي تكرمه في تقديم قراه، وإحسان مأواه‏.‏ وتعين على نوائب الحق، ويروي الخير‏:‏ أي إذا وقعت نائبة لأحد في خير أعنت فيها، وقمت مع صاحبها حتى يجد سداداً من عيش أو قواماً من عيش‏.‏ وقوله‏:‏ ثم أخذتْه فانطلقت به إلى ابن عمها ورقة ابن نوفل، وكان شيخاً كبيراً قد عمي‏.‏ وقد قدَّمنا طرفاً من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله‏.‏ وأنه كان ممن تنصر في الجاهلية، ففارقهم وارتحل إلى الشام، هو وزيد بن عمرو، وعثمان بن الحويرث، وعبيد الله بن جحش، فتنصروا كلهم؛ لأنهم وجدوه أقرب الأديان إذ ذاك إلى الحق، إلا زيد بن عمرو بن نفيل؛ فإنه رأى فيه دخلاً، وتخبيطاً، وتبديلاً، وتحريفاً، وتأويلاً، فأبت فطرته الدخول فيه أيضاً‏.‏ وبشروه الأحبار والرهبان بوجود نبي، قد أزف زمانه، واقترب أوانه، فرجع يتطلب ذلك، واستمر على فطرته، وتوحيده‏.‏ لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية‏.‏ وأدركها ورقة بن نوفل، وكان يتوسمها في رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمنا بما كانت خديجة تنعته له وتصفه له، وما هو منطوٍ عليه من الصفات الطاهرة الجميلة، وما ظهر عليه من الدلائل، والآيات‏.‏ ولهذا لما وقع ما وقع أخذت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت به إليه فوقفت به عليه، وقالت‏:‏ ابن عم اسمع من ابن أخيك‏.‏ فلما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى قال ورقة‏:‏ سبُّوح سبُّوح، هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ولم يذكر عيسى، وإن كان متأخراً بعد موسى؛ لأنه كانت شريعته متممة، ومكملة لشريعة موسى عليهما السلام، ونسخت بعضها على الصحيح من قول العلماء‏.‏ كما قال‏:‏ ‏)‏ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) ‏[‏آل عمران‏:‏ 50‏]‏‏.‏ وقول ورقة هذا كما قالت الجن‏:‏ ‏( ‏يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ )‏‏.‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 30‏]‏‏.‏ ثم قال ورقة‏:‏ يا ليتني فيها جذعاً أي يا ليتني أكون اليوم شاباً متمكناً من الإيمان، والعلم النافع، والعمل الصالح، يا ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك‏:‏ يعني حتى أخرج معك وأنصرك‏؟‏ فعندها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أو مخرجي هم‏؟‏‏)‏‏)‏ قال السهيلي‏:‏ وإنما قال ذلك؛ لأن فراق الوطن شديد على النفوس، فقال‏:‏ نعم ‏!‏إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3 /14‏)‏‏.‏ وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً‏:‏ أي أنصرك نصراً عزيزاً أبداً‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏‏(‏ثم لم ينشب ورقة أن توفي‏)‏‏)‏‏:‏ أي توفي بعد هذه القصة بقليل رحمه الله ورضي عنه، فإن مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وجد، وإيمان بما حصل من الوحي، ونية صالحة للمستقبل‏.‏ وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حسن، عن ابن لهيعة، حدثني أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة‏.‏ أن خديجة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة بن نوفل فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض، فأحسبه لو كان من أهل النار، لم يكن عليه ثياب بياض‏)‏‏)‏‏.‏ وهذا إسناد حسن، لكن رواه الزهري، وهشام، عن عروة مرسلاً فالله أعلم‏.‏ وروى الحافظ أبو يعلى، عن شريح بن يونس، عن إسماعيل، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة بن نوفل فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض، أبصرته في بطنان الجنة، وعليه السندس‏)‏‏)‏‏.‏ وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يبعث يوم القيامة أمة وحده‏)‏‏)‏‏.‏ وسئل عن أبي طالب فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها‏)‏‏)‏‏.‏ وسئل عن خديجة لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أبصرتها على نهر في الجنة، في بيت من قصب، لا صخب فيه، ولا، نصب‏)‏‏)‏‏.‏ إسناد حسن، ولبعضه شواهد في ‏(‏الصحيح‏)‏، والله أعلم‏.‏ وقال الحافظ أبو بكر البزار‏:‏ حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تسبوا ورقة؛ فإني رأيت له جنة، أو جنتين‏)‏‏)‏‏.‏ وكذا رواه ابن عساكر من حديث أبي سعيد الأشج، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة‏.‏ وهذا إسناد جيد، وروي مرسلاً وهو أشبه‏.‏ روى الحافظان البيهقي، وأبو نعيم، في كتابيهما ‏(‏دلائل النبوة‏)‏ من حديث يونس بن بكير، عن يونس بن عمرو، عن أبيه، عن عمرو بن شرحبيل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة‏:‏ ‏(‏‏(‏إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر‏)‏‏)‏‏.‏ قالت‏:‏ معاذ الله ما كان ليفعل ذلك بك‏.‏ فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/ 15‏)‏‏.‏ فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرت له خديجة حديثه له فقالت‏:‏ يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده أبو بكر‏.‏ فقال انطلق بنا إلى ورقة‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ومن أخبرك‏؟‏‏)‏‏)‏ قال‏:‏ خديجة‏.‏ فانطلقا إليه فقصا عليه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي‏:‏ يا محمد يا محمد فأنطلق هارباً في الأرض‏)‏‏)‏‏.‏ فقال له لا تفعل‏.‏ إذا أتاك فاثبت، حتى تسمع ما يقول لك، ثم ائتني فأخبرني‏.‏ فلما خلا ناداه يا محمد قل‏:‏ ‏( ‏بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين )‏ حتى بلغ‏:‏ ‏{‏ولا الضالين‏}‏ قل لا إله إلا الله‏.‏ فأتى ورقة فذكر له ذلك، فقال له ورقة‏:‏ ابشر ثم ابشر‏.‏ فأنا أشهد أنك الذي بشَّر بك ابن مريم، وإنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا‏.‏ ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك‏.‏ فلما توفي ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير؛ لأنه آمن بي وصدقني‏)‏‏)‏‏.‏ يعني‏:‏ ورقة‏.‏ هذا لفظ البيهقي‏.‏ وهو مرسل وفيه غرابة، وهو كون الفاتحة أول ما نزل‏.‏ وقد قدمنا من شعره ما يدل على إضماره الإيمان، وعقده عليه، وتأكده عنده‏.‏ وذلك حين أخبرته خديجة ما كان من أمره مع غلامها ميسرة، وكيف كانت الغمامة تظلله في هجير القيظ‏.‏ فقال ورقة في ذلك أشعاراً قدمناها قبل هذا، منها قوله‏:‏ لججت وكنت في الذكرى لجوجاً لأمرٍ طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصفٍ فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكَّتين على رجائي حديثك أن أرى منه خروجا بما أخبرتنا من قول قس من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمداً سيسود قوماً ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور يقيم به البرية أن تعوجا فيلقى من يحاربه خساراً ويلقى من يسالمه فلوجا فياليتي إذا ما كان ذاكم شهدت وكنت أولهم ولوجا ولو كان الذي كرهت قريش ولو عجت بمكتها عجيجا أرجّي بالذي كرهوا جميعاً إلى ذي العرش إذ سلفوا عروجا فإن يبقوا وأبق تكن أمور يضج الكافرون لها ضجيجا ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/16‏)‏‏.‏ وقال أيضاً في قصيدته الأخرى‏:‏ وأخبار صدق خبرت عن محمدٍ يخِّبرها عنه إذا غاب ناصح بأن ابن عبد الله أحمد مرسلٌ إلى كل من ضمت عليه الأباطح وظني به ٌأن سوف يبعث صادقاً كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له بهاء ومنشور من الحق واضح ويتبعه حياً لؤي بن غالبٍ شبابهم والأشيبون الجحاجح فإن ابق حتى يدرك الناس دهره فإني به مستبشر الودِّ فارح وإلا فإني يا خديجة فاعلمي عن أرضك في الأرض العريضة سائح وقال يونس عن بكير، عن ابن إسحاق قال ورقة‏:‏ فان يكُ حقاً يا خديجة فاعلمي حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما من الله وحي يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز فيها بتوبةٍ ويشقى به العاني الغرير المضلَّل فريقان منهم فرقة في جنانه وأخرى بأحواز الجحيم تعلَّل إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت مقامع في هاماتهم ثم تشعل فسبحان من يهوي الرياح بأمره ومن هو في الأيام ما شاء يفعل ومن عرشه فوق السموات كلها واقضاؤه في خلقه لا تبدل وقال ورقة أيضاً‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/17‏)‏ يا للرجال وصَرْف الدهر والقدر وما لشيءٍ قضاه الله من غير حتى خديجة تدعوني لأخبرها أمراً أراه سيأتي الناس من أخر وخبرتني بأمر قد سمعت به فيما مضى من قديم الدهر والعصر بأن أحمد يأتيه فيخبره جبريل أنك مبعوث إلى البشر فقلت علَّ الذي ترجين ينجزه لك الإله فرجِّي الخير وانتظري وأرسليه إلينا كي نسائله عن أمره ما يرى في النوم والسهر فقال حين أتانا منطقاً عجباً يقف منه أعالي الجلد والشعر إني رأيت أمين الله واجهني في صورة أكملت من أعظم الصور ثم استمر فكاد الخوف يذعرني مما يسلِّم من حولي من الشجر فقلت ظني وما أدري أيصدقني أن سوف يبعث يتلو مُنزل السور وسوف يبليك إن أعلنت دعوتهم من الجهاد بلا منّ ولا كدر هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي من الدلائل، وعندي في صحتها عن ورقة نظر والله أعلم‏.‏ وقال ابن إسحاق‏:‏ حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي - وكان واعية -عن بعض أهل العلم‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجة أبعد حتى تحسر البيوب عنه، ويفضي إلى شعاب مكة، وبطون أوديتها، فلا يمر بحجر، ولا شجر إلا قال‏:‏ السلام عليك يا رسول الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3 /18‏)‏ قال فيلتفت حوله عن يمينه، وعن شماله، وخلفه، فلا يرى إلا الشجر والحجارة‏.‏ فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك يرى ويسمع، ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاء من كرامة الله، وهو بحراء في شهر رمضان‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال‏:‏ سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي‏:‏ حدثنا يا عبيد، كيف كان بدو ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة، حين جاءه جبريل قال‏:‏ فقال عبيد وأنا حاضر - يحدث عبد الله ابن الزبير ومن عنده من الناس -‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء في كل سنة شهراً يتحنث قال‏:‏ وكان ذلك مما يحبب به قريش في الجاهلية، والتحنث‏:‏ التبرز‏.‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به، إذا انصرف من جواره الكعبة، قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعاً، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته، من السنة التي بعثه فيها‏.‏ وذلك الشهر شهر رمضان، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، ورحم العباد به، جاءه جبريل بأمر الله تعالى‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب‏.‏ فقال اقرأ، قلت ما أقرأ‏؟‏ قال‏:‏ فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني‏.‏ فقال‏:‏ اقرأ؛ قال‏:‏ قلت ما أقرأ‏؟‏ قال‏:‏ فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني‏.‏ فقال اقرأ، قلت ما أقرأ‏؟‏ قال‏:‏ فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني‏.‏ فقال اقرأ، قلت‏:‏ ماذا أقرأ‏؟‏ ما أقول ذلك إلا افتدا منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي‏.‏ فقال‏:‏ ‏)‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ )‏ ‏[‏سورة العلق‏:‏ 1-5‏]‏‏.‏ قال‏:‏ فقرأتها، ثم انتهى وانصرف عني، وهببت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتاباً‏.‏ قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول‏:‏ يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل‏.‏ قال‏:‏ فرفعت رأسي إلى السماء فأنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، يقول‏:‏ يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل‏.‏ فوقفت أنظر إليه، فما أتقدم، وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فما أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك‏.‏ فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي، وما أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني‏.‏ وانصرفت راجعاً إلى أهلي، حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفاً إليها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3 /19‏)‏ فقالت‏:‏ يا أبا القاسم أين كنت‏؟‏ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة، ورجعوا إليّ‏.‏ ثم حدثتها بالذي رأيت‏.‏ فقالت‏:‏ أبشر يا ابن العم، واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة‏.‏ ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال ورقة‏:‏ قدوس، قدوس، والذي نفس ورقة بيده؛ لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، وقولي له‏:‏ فليثبت‏.‏ فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة‏.‏ فقال‏:‏ يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره‏.‏ فقال له ورقة‏:‏ والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً يعلمه‏.‏ ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله‏.‏ وهذا الذي ذكره عبيد بن عمير كما ذكرناه كالتوطئة لما جاء بعده من اليقظة، كما تقدم من قول عائشة رضي الله عنها، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ويحتمل أن هذا المنام كان بعد ما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئذ، ويحتمل أنه كان بعده بمدة، والله أعلم‏.‏ وقال موسى بن عقبة‏:‏ عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال‏:‏ وكان فيما بلغنا أول ما رأى - يعني‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه فذكرها لامرأته خديجة فعصمها الله عن التكذيب، وشرح صدرها للتصديق‏.‏ فقالت‏:‏ أبشر فإن الله لم يصنع بك إلا خيراً، ثم إنه خرج من عندها، ثم رجع إليها فأخبرها أنه رأى بطنه شق ثم غسل وطهر، ثم أعيد كما كان‏.‏ قالت‏:‏ هذا والله خير فأبشر‏.‏ ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة، فأجلسه على مجلس كريم معجب كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك فيه الياقوت، واللؤلؤ، فبشره برسالة الله عز وجل، حتى اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏‏)‏‏.‏ فقال له جبريل‏:‏ اقرأ، فقال‏:‏ كيف اقرأ‏؟‏ فقال‏:‏ ‏( ‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ‏ )‏ ‏[‏سورة العلق‏:‏ 1- 5‏]‏‏.‏ قال‏:‏ ويزعم ناس أن ‏( ‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ‏ )‏ أول سورة نزلت عليه، والله أعلم‏.‏ قال فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة ربه، واتبع ما جاءه به جبريل من عند الله، فلما انصرف منقلباً إلى بيته، جعل لا يمرُّ على شجر، ولا حجر، إلا سلَّم عليه، فرجع إلى أهله مسروراً موقناً أنه قد رأى أمراً عظيماً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3 /20‏)‏ فلما دخل على خديجة قال‏:‏ أرأيتك التي كنت حدثتك أني رأيته في المنام فإنه جبريل استعلن إليّ، أرسله إليّ ربي عزَّ وجل، وأخبرها بالذي جاءه من الله وما سمع منه‏.‏ فقالت‏:‏ أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيراً، وأقبل الذي جاءك من أمر الله فإنه حق، وأبشر فإنك رسول الله حقاً‏.‏ ثم انطلقت من مكانها فأتت غلاماً لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانياً من أهل نينوى يقال له‏:‏ عداس، فقالت له‏:‏ يا عداس أذكرك بالله إلا ما أخبرتني هل عندك علم من جبريل‏؟‏ فقال‏:‏ قدوس قدوس، ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان‏؟‏ فقالت‏:‏ أخبرني بعلمك فيه‏.‏ قال‏:‏ فإنه أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى عليهما السلام‏.‏ فرجعت خديجة من عنده فجاءت ورقة بن نوفل فذكرت له ما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما ألقاه إليه جبريل‏.‏ فقال لها ورقة‏:‏ يا بنية أخي ما أدري لعل صاحبك النبي الذي ينتظر أهل الكتاب الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، وأقسم بالله لئن كان إياه، ثم أظهر دعواه وأنا حي لأبلين الله في طاعة رسوله وحسن مؤازرته للصبر والنصر‏.‏ فمات ورقة رحمه الله‏.‏ قال الزهري‏:‏ فكانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال الحافظ البيهقي بعد إيراده ما ذكرناه‏:‏ والذي ذكر فيه من شق بطنه، يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه، يعني‏:‏ شق بطنه عند حليمة، ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى، ثم ثالثة حين عرج به إلى السماء والله أعلم‏.‏ وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة ورقة بإسناده إلى سليمان بن طرخان التيمي‏.‏ قال‏:‏ بلغنا أن الله تعالى بعث محمداً رسولاً على رأس خمسين سنة من بناء الكعبة وكان أول شيء اختصه به من النبوة، والكرامة رؤيا كان يراها، فقصَّ ذلك على زوجته خديجة بنت خويلد، فقالت له‏:‏ ابشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيراً‏.‏ فبينما هو ذات يوم في حراء، وكان يفر إليه من قومه إذ نزل عليه جبريل فدنا منه فخافه رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة شديدة، فوضع جبريل يده على صدره، ومن خلفه بين كتفيه‏.‏ فقال‏:‏ اللهم احطط وزره، واشرح صدره، وطهر قلبه، يا محمد أبشر ‏!‏فإنك نبي هذه الأمة‏.‏ اقرأ، فقال له نبي الله‏:‏ - وهو خائف يرعد - ما قرأت كتاباً قط، ولا أحسنه، وما أكتب، وما أقرأ‏.‏ فأخذه جبريل فغته غتاً شديداً، ثم تركه، ثم قال له‏:‏ اقرأ، فأعاد عليه مثله فأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك، فرأى فيه من صفاءه، وحسنه كهيئة اللؤلؤ والياقوت، وقال له‏:‏ )‏ اقرأ باسم ربك الذي خلق‏ ‏‏)‏ الآيات‏.‏ ثم قال له‏:‏ لا تخف يا محمد إنك رسول الله، ثم انصرف وأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم همه فقال كيف أصنع‏؟‏ وكيف أقول لقومي‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/ 21‏)‏ ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خائف، فأتاه جبريل من أمامه وهو في صعرته، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً عظيماً ملأ صدره‏.‏ فقال له جبريل‏:‏ لا تخف يا محمد‏:‏ جبريل رسول الله جبريل رسول الله إلى أنبيائه ورسله، فأيقن بكرامة الله، فإنك رسول الله‏.‏ فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمرُّ على شجرٍ ولا حجرٍ إلا هو ساجد يقول‏:‏ السلام عليك يا رسول الله‏.‏ فاطمأنت نفسه وعرف كرامة الله إياه، فلما انتهى إلى زوجته خديجة أبصرت ما بوجهه من تغير لونه فأفزعها ذلك، فقامت إليه فلما دنت منه جعلت تمسح عن وجهه وتقول‏:‏ لعلك لبعض ما كنت ترى وتسمع قبل اليوم‏.‏ فقال‏:‏ يا خديجة أرأيت الذي كنت أرى في المنام، والصوت الذي كنت أسمع في اليقظة، وأهال منه فإنه جبريل قد استعلن لي وكلمني وأقرأني كلاماً فزعت منه ثم عاد إليّ فأخبرني أني نبي هذه الأمة، فأقبلت راجعاً فأقبلت على شجر، وحجارة، فقلن السلام عليك يا رسول الله‏.‏ فقالت خديجة‏:‏ أبشر فوالله لقد كنت أعلم أن الله لن يفعل بك إلا خيراً وأشهد أنك نبي هذه الأمة الذي تنتظره اليهود، قد أخبرني به ناصح غلامي وبحيرى الراهب، وأمرني أن أتزوجك منذ أكثر من عشرين سنة‏.‏ فلم تزل برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طعم وشرب وضحك، ثم خرجت إلى الراهب، وكان قريباً من مكة، فلما دنت منه وعرفها‏.‏ قال‏:‏ مالك يا سيدة نساء قريش‏؟‏ فقالت‏:‏ أقبلت إليك لتخبرني عن جبريل‏؟‏ فقال‏:‏ سبحان الله ربنا القدوس ما بال جبريل يذكر في هذه البلاد التي يعبد أهلها الأوثان‏؟‏ جبريل أمين الله ورسوله إلى أنبيائه ورسله، وهو صاحب موسى، وعيسى، فعرفت كرامة الله لمحمد‏.‏ ثم أتت عبداً لعتبة بن ربيعة يقال له‏:‏ عداس فسألته فأخبرها بمثل ما أخبرها الراهب وأزيد‏.‏ قال‏:‏ جبريل كان مع موسى حين أغرق الله فرعون وقومه، وكان معه حين كلمه الله على الطور، وهو صاحب عيسى بن مريم الذي أيده الله به‏.‏ ثم قامت من عنده، فأتت ورقة بن نوفل، فسألته عن جبريل، فقال لها مثل ذلك، ثم سألها ما الخبر فأحلفته أن يكتم ما تقول له، فحلف لها‏.‏ فقالت له‏:‏ إن ابن عبد الله ذكر لي، وهو صادق، أحلف بالله ما كذب ولا كذب، أنه نزل عليه جبريل بحراء، وأنه أخبره أنه نبي هذه الأمة، وأقرأه آيات أرسل بها‏.‏ قال‏:‏ فذعر ورقة لذلك، وقال‏:‏ لئن كان جبريل قد استقرت قدماه على الأرض لقد نزل على خير أهل الأرض، وما نزل إلا على نبي، وهو صاحب الأنبياء والرسل، يرسله الله إليهم وقد صدقتك عنه، فأرسلي إلي ابن عبد الله أسأله، وأسمع من قوله، وأحدثه، فإني أخاف أن يكون غير جبريل، فإن بعض الشياطين يتشبه به ليضل به بعض بني آدم ويفسدهم حتى يصير الرجل بعد العقل الرضي مدلهاً مجنوناً‏.‏ فقامت من عنده، وهي واثقة بالله أن لا يفعل بصاحبها إلا خيراً، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قال ورقة، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏)‏ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ )‏ الآيات ‏[‏القلم‏:‏ 1-2‏]‏‏.‏ فقال لها‏:‏ كلا والله إنه لجبريل‏.‏ فقالت له‏:‏ أحب أن تأتيه فتخبره لعل الله أن يهديه فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ورقة‏:‏ هذا الذي جاءك جاءك في نور أو ظلمة‏؟‏ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة جبريل، وما رآه من عظمته، وما أوحاه إليه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/ 22‏)‏ فقال ورقة‏:‏ أشهد أن هذا جبريل، وأن هذا كلام الله فقد أمرك بشيء تبلغه قومك وأنه لأمر نبوة فإن أُدرك زمانك أتبعك، ثم قال‏:‏ أبشر ابن عبد المطلب بما بشرك الله به‏.‏ قال‏:‏ وذاع قول ورقة وتصديقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك على الملأ من قومه، قال وفتر الوحي‏.‏ فقالوا‏:‏ لو كان من عند الله لتتابع، ولكن الله قلاه فأنزل الله ‏(‏ والضحى ‏)‏ و ‏( ‏ألم نشرح ‏)‏ بكمالهما‏.‏ وقال البيهقي‏:‏ حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس عن ابن إسحاق، حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير، أنه حدثه عن خديجة بنت خويلد، أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بيّنه مما أكرمه الله به من نبوته‏:‏ يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك‏.‏ فقال‏:‏ نعم ‏!‏ فقالت‏:‏ إذا جاءك فأخبرني‏.‏ فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها إذ جاء جبريل فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال‏:‏ يا خديجة ‏!‏ هذا جبريل‏.‏ فقالت‏:‏ أتراه الآن‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏!‏ قالت‏:‏ فاجلس إلى شقي الأيمن، فتحول فجلس، فقالت‏:‏ أتراه الآن‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏!‏ قالت‏:‏ فتحول فاجلس في حجري فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس في حجرها فقالت‏:‏ هل تراه الآن‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏!‏ فتحسرت رأسها فشالت خمارها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها فقالت‏:‏ هل تراه الآن‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قالت‏:‏ ما هذا بشيطان إن هذا لملك يا ابن عم، فاثبت وأبشر، ثم آمنت به وشهدت أن ما جاء به هو الحق‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ فحدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث، فقال‏:‏ قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة، إلا أني سمعتها تقول‏:‏ أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها فذهب عندك ذلك جبريل عليه السلام‏.‏ قال البيهقي‏:‏ وهذا شيء كان من خديجة تصنعه تستثبت به الأمر احتياطاً لدينها وتصديقاً‏.‏ فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان قد وثق بما قال له جبريل، وأراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى، وما كان من تسليم الشجر، والحجر عليه صلى الله عليه وسلم تسليماً‏.‏ وقد قال مسلم في ‏(‏صحيحه‏)‏‏:‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا إبراهيم بن طهمان، حدثني سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إني لأعرف حجراً بمكة، كان يسلم عليَّ قبل أن بعث، إني لأعرفه الآن‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3 /23‏)‏ وقال أبو داود الطيالسي‏:‏ حدثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن بمكة لحجراً كان يسلم عليّ ليالي بعثت، إني لأعرفه إذا مررت عليه‏)‏‏)‏‏.‏ وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن عباد بن عبد الله، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏.‏ قال‏:‏ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر، ولا جبل، إلا قال السلام عليك يا رسول الله‏.‏ وفي رواية لقد رأيتني أدخل معه - يعني‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم - الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال‏:‏ السلام عليكم يا رسول الله‏.‏ وأنا أسمعه‏. في غار حراء ( 610 م ) كما في الرحيق المختوم لما تقاربت سنه صلى الله عليه وسلم الأربعين، وكانت تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، حبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السَّوِيق والماء، ويذهب إلى غار حراء في جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة ـ وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع الحديد ـ فيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه‏.‏ وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، وليكون انقطاعه عن شواغل الأرض وضَجَّة الحياة وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة نقطة تحول لاستعداده لما ينتظره من الأمر العظيم، فيستعد لحمل الأمانة الكبرى وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ‏.‏‏.‏‏.‏ دبر الله له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرًا من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله‏.‏ جبريل ينزل بالوحي ولما تكامل له أربعون سنة ـ وهي رأس الكمال، وقيل‏:‏ ولها تبعث الرسل ـ بدأت طلائع النبوة تلوح وتلمع، فمن ذلك أن حجرًا بمكة كان يسلم عليه، ومنها أنه كان يرى الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، حتى مضت على ذلك ستة أشهر ـ ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ـ فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته صلى الله عليه وسلم بحراء شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض، فأكرمه بالنبوة، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن‏.‏ وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن لنا أن نحدد ذلك اليوم بأنه كان يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلًا، وقد وافق 10 أغسطس سنة610 م، وكان عمره صلى الله عليه وسلم إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية، وستة أشهر، و12 يومًا، وذلك نحو 39 سنة شمسية وثلاثة أشهر وعشرين يومًا‏.‏ ولنستمع إلى عائشة الصديقة رضي الله عنها تروى لنا قصة هذه الواقعة التي كانت نقطة بداية النبوة، وأخذت تفتح دياجير ظلمات الكفر والضلال حتى غيرت مجرى الحياة، وعدلت خط التاريخ، قالت عائشة رضي الله عنها‏.‏ أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيَتَحَنَّث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال‏:‏ اقرأ‏:‏ قال‏:‏ ‏(‏ما أنا بقارئ‏)‏، قال‏:‏ ‏(‏فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال‏:‏ اقرأ، قلت‏:‏ مـا أنـا بقـارئ، قـال‏:‏ فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلـغ منـى الجهد، ثم أرسلني فقال‏:‏ اقرأ، فقلت‏:‏ ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثـم أرسلـني فـقـال‏:‏ ‏( ‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم ) ‏العلق‏:‏1‏:‏ 3‏ ‏)‏، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال‏:‏ ‏(‏زَمِّلُونى زملونى‏)‏، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة‏:‏ ‏(‏ما لي‏؟‏‏)‏ فأخبرها الخبر، ‏(‏لقد خشيت على نفسي‏)‏، فقالت خديجة‏:‏ كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ـ وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانى، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي ـ فقالت له خديجة‏:‏ يابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة‏:‏ يابن أخي، ماذا ترى‏؟‏ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأي، فقال له ورقة‏:‏ هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعا، ليتنى أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أو مخرجيّ هم‏؟‏‏)‏ قال‏:‏نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِىَ، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن توفي، وفَتَر الوحى‏.‏ فَتْرَة الوحى أما مدة فترة الوحى فاختلفوا فيها على عدة أقوال‏.‏ والصحيح أنها كانت أيامًا، وقد روى ابن سعد عن ابن عباس ما يفيد ذلك‏.‏ وأما ما اشتهر من أنها دامت ثلاث سنوات أو سنتين ونصفًا فليس بصحيح‏.‏ وقد ظهر لى شىء غريب بعد إدارة النظر في الروايات وفي أقوال أهل العلم‏.‏ ولم أر من تعرض له منهم، وهو أن هذه الأقوال والروايات تفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجاور بحراء شهرًا واحدًا، وهو شهر رمضان من كل سنة، وذلك من ثلاث سنوات قبل النبوة،وأن سنة النبوة كانت هي آخر تلك السنوات الثلاث، وأنه كان يتم جواره بتمام شهر رمضان، فكان ينزل بعده من حراء صباحًا ـ أي لأول يوم من شهر شوال ـ ويعود إلى البيت‏.‏ وقد ورد التنصيص في رواية الصحيحين على أن الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة إنما نزل وهو صلى الله عليه وسلم راجع إلى بيته بعد إتمام جواره بتمام الشهر‏.‏ أقول‏:‏ فهذا يفيد أن الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة إنما نزل في أول يوم من شهر شوال بعد نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيه بالنبوة والوحى؛ لأنه كان آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزول الوحى كان في ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان فإن هذا يعنى أن فترة الوحى كانت لعشرة أيام فقط‏.‏ وأن الوحى نزل بعدها صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من النبوة‏.‏ ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر الأواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيد السعيد، والله أعلم‏.‏ وقد بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام الفترة كئيبًا محزونًا تعتريه الحيرة والدهشة، فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه‏:‏ وفتر الوحي فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوْفي بذِرْوَة جبل لكى يلقى نفسه منه تَبدَّى له جبريل فقال‏:‏ يا محمد، إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتَقَرّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفي بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك‏.‏ جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية قال ابن حجر‏:‏ وكان ذلك ‏[‏أي انقطاع الوحي أيامًا‏]‏؛ ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلم وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود، فلما حصل له ذلك وأخذ يرتقب مجىء الوحى أكرمه الله بالوحي مرة ثانية‏.‏ قال‏:‏ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جوارى هبطت ‏[‏فلما استبطنت الوادي‏]‏ فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أرشيئًا، فرفعت رأسى فرأيت شيئًا، ‏[‏فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فَجُئِثْتُ منه رعبًا حتى هويت إلى الأرض‏]‏ فأتيت خديجة فقلت‏:‏ ‏[‏زملوني، زملوني‏]‏، دثرونى، وصبوا على ماء باردًا‏)‏، قال‏:‏ ‏(‏فدثرونى وصبوا على ماء باردًا، فنزلت‏:‏ ‏) يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ‏ )‏ ‏‏المدثر‏:‏ 1‏:‏ 5‏ ‏‏)‏ وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ثم حمى الوحى بعد وتتابع‏.‏ وهذه الآيات هي مبدأ رسالته صلى الله عليه وسلم وهي متأخرة عن النبوة بمقدار فترة الوحى‏.‏ وتشتمل على نوعين من التكليف مع بيان ما يترتب عليه‏:‏ النوع الأول‏:‏ تكليفه صلى الله عليه وسلم بالبلاغ والتحذير، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏( ‏قُمْ فَأَنذِرْ‏ )‏ فإن معناه‏:‏ حذر الناس من عذاب الله إن لم يرجعوا عما هم فيه من الغى والضلال وعبادة غير الله المتعال، والإشراك به في الذات والصفات والحقوق و الأفعال‏.‏ النوع الثاني‏:‏ تكليفه صلى الله عليه وسلم بتطبيق أوامر الله سبحانه وتعالى على ذاته، والالتزام بها في نفسه؛ ليحرز بذلك مرضاة الله، ويصير أسوة حسنة لمن آمن بالله وذلك في بقية الآيات‏.‏ فقوله‏:‏ ‏( ‏وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ‏ )‏ معناه‏:‏ خصه بالتعظيم، ولا تشرك به في ذلك أحدًا‏.‏ وقوله‏:‏ ‏( ‏وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ‏ )‏ المقصود الظاهر منه‏:‏ تطهير الثياب والجسد، إذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين يديه أن يكون نجسًا مستقذرًا‏.‏ وإذا كان هذا التطهر مطلوبًا فإن التطهر من أدران الشرك وأرجاس الأعمال والأخـلاق أولـى بالطـلب، وقولــه‏:‏ ‏( ‏وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ )‏ معناه‏:‏ ابتعد عن أسباب سخط الله وعذابه، وذلك بالتزام طاعته وترك معصيته‏.‏ وقوله‏:‏ ‏( ‏وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ‏)‏ أي‏:‏ لا تحسن إحسانًا تريد أجره من الناس أو تريد له جزاء أفضل في هذه الدنيا‏.‏ أما الآية الأخيرة ففيها تنبيه على ما يلحقه من أذى قومه حين يفارقهم في الدين ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده وبتحذيرهم من عذابه وبطشه، فقال‏:‏ ‏( ‏وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ‏ )‏، ثم إن مطلع الآيات تضمنت النداء العلوى ـ في صوت الكبير المتعال ـ بانتداب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة‏:‏ ‏( ‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ‏ )‏، كأنه قيل‏:‏ إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، أما أنت الذي تحمل هذا العبء الكبير فما لك والنوم‏؟‏ وما لك والراحة‏؟‏ وما لك والفراش الدافئ‏؟‏ والعيش الهادئ‏؟‏ والمتاع المريح‏!‏ قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك، قم للجهد والنصب، والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة، وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل، والجهاد الطويل الشاق، قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد‏.‏ إنها كلمة عظيمة رهيبة تنزعه صلى الله عليه وسلم من دفء الفراش في البيت الهادئ والحضن الدافئ، لتدفع به في الخضم، بين الزعازع والأنواء، وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء‏.‏ وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا؛ لم يسترح ولم يسكن، ولم يعـش لنفسه ولا لأهله‏.‏ قام وظل قائمًا على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به، عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى، عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عامًا؛ لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد منذ أن سمع النداء العلوى الجليل، وتلقى منه التكليف الرهيب‏.‏‏.‏‏.‏ جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء‏.‏
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
وفاة أبي طالب وأم المؤمنين خديجة
التاريخ الهجري 10 من النبوة


ألح المرض بأبي طالب، فلم يلبث أن وافته المنية، وكانت وفاته في رجب سنة عشر من النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر‏.‏ وقيل‏:‏ توفي في رمضان قبل وفاة خديجة رضي الله عنها بثلاثة أيام‏.‏ وفي الصحيح عن المسيب‏:‏ أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، فقال‏:‏ ‏(‏أي عم، قل‏:‏ لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله‏)‏ فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية‏:‏ يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب‏؟‏ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر شيء كلمهم به‏:‏ على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لأستغفرن لك ما لم أنه عنـه‏)‏، فـنزلت‏:‏‏ (‏ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ‏ )‏ ‏[‏التوبة‏:‏113‏]‏ ونزلت‏:‏ ‏( ‏إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ )‏ ‏[‏القصص‏:‏ 56‏]‏‏.‏ ولا حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب من الحياطة والمنع، فقد كان الحصن الذي احتمت به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء، ولكنه بقى على ملة الأشياخ من أجداده، فلم يفلح كل الفلاح‏.‏ ففي الصحيح عن العباس بن عبد المطلب، قال للنبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏هو في ضَحْضَاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار‏)‏ وعن أبي سعيد الخدرى أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ـ وذكر عنده عمه ـ فقال‏:‏ ‏(‏لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار تبلغ كعبيه‏)‏ وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلاثة أيام ـ على اختلاف القولين ـ توفيت أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة، ولها خمس وستون سنة على أشهر الأقوال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره‏.‏ إن خديجة كانت من نعم الله الجليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه، وتؤازره في أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته، وتشاركه في مغارم الجهاد المر،وتواسيه بنفسها ومالها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏آمنت بى حين كفر بى الناس، وصدقتنى حين كذبني الناس، وأشركتنى في مالها حين حرمنى الناس، ورزقنى الله ولدها وحرم ولد غيرها‏)‏ وفي الصحيح عن أبي هريرة قال‏:‏ أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال‏:‏ يا رسول الله، هـذه خديجة قـد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقـرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ‏.‏ تراكم الأحزان وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيام معدودة، فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه‏.‏ فإنهم تجرأوا عليه وكاشفوه بالنكال والأذى بعد موت أبي طالب، فازداد غمًا على غم، حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجـاء أن يستجيبوا لدعوتـه، أو يؤووه وينصـروه على قومــه، فلم يـر مـن يؤوى ولم يـر ناصرًا، بل آذوه أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله قومـه‏.‏ وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى الله عليه وسلم اشتدت على أصحابه حتى التجأ رفيقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الهجرة عن مكة، فخرج حتى بلغ بَرْك الغِمَاد، يريد الحبشة، فأرجعه ابن الدُّغُنَّة في جواره‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابًا، ودخل بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها‏:‏ ‏(‏لا تبكى يابنية، فإن الله مانع أباك‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ويقول بين ذلك‏:‏ ‏(‏ما نالت منى قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب‏)‏‏.‏ ولأجل توالى مثل هذه الآلام في هذا العام سمى بعام الحزن، وعرف به في السيرة والتاريخ‏.‏
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
سرية سيف البحر بقيادة حمزة رضي الله عنه
التاريخ الهجري 1 هـ

في رمضان سنة 1 هـ، الموافق مارس سنة 623م، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه السرية حمزة بن عبد المطلب، وبعثه في ثلاثين رجلاً من المهاجرين يعترضون عيراً لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فلبغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا واصطفوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجني ـ وكان حليفاً للفريقين جميعاً ـ بين هؤلاء وهؤلاء حتى جحز بينهم فلم يقتتلوا‏.‏ وكان لواء حمزة أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبيض، وحمله أبو مرثد كَناز بن حصين الغَنَوي‏.‏
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
فصل في فريضة شهر رمضان
التاريخ الهجري 2 هـ


قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة فرض صيام شهر رمضان، وقد قيل‏:‏ إنه فرض في شعبان منها ثم حكى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عنه فقالوا‏:‏ هذا يوم نجى الله فيه موسى وغرق فيه آل فرعون‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏نحن أحق بموسى منكم‏)‏‏)‏ فصامه وأمر الناس بصيامه، وهذا الحديث ثابت في ‏(‏الصحيحين‏)‏ عن ابن عباس‏:‏ وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ‏ )‏ ‏[‏البقرة‏:‏183-185‏]‏ الآية‏.‏ وقد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه الكفاية من إيراد الأحاديث المتعلقة بذلك والآثار المروية في ذلك والأحكام المستفادة منه ولله الحمد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/312‏)‏ وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي، حدثنا عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل‏.‏ قال‏:‏ أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فذكر أحوال الصلاة قال‏:‏ وأما أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء ثم أن الله فرض عليه الصيام وأنزل‏:‏ ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) ‏إلى قوله ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين‏ )‏ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكيناً فأجزأ ذلك عنه‏.‏ ثم إن الله أنزل الآية الأخرى‏:‏ ‏( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) ‏إلى قوله‏:‏ ‏( ‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏ )‏ فأثبت صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام فهذان حولان‏.‏ قال‏:‏ وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا‏.‏ ثم أن رجلاً من الأنصار يقال له‏:‏ صرمة كان يعمل صائماً حتى أمسى فجاء أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائماً، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جهد جهداً شديداً فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏مالي أراك قد جهدت جهداً شديداً‏؟‏‏)‏‏)‏ فأخبره، قال‏:‏ وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله‏:‏ ‏( ‏أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم‏ )‏ إلى قوله‏:‏ ‏( ‏ثم أتموا الصيام إلى الليل‏ )‏‏.‏ ورواه أبو داود في ‏(‏سننه‏)‏، والحاكم في ‏(‏مستدركه‏)‏ من حديث المسعودي نحوه‏.‏ وفي ‏(‏الصحيحين‏)‏ من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت‏:‏ كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر‏.‏ وللبخاري، عن ابن عمر، وابن مسعود مثله، ولتحرير هذا موضع آخر من التفسير ومن ‏(‏الأحكام الكبير‏)‏ وبالله المستعان‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة أمر الناس بزكاة الفطر، وقد قيل‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس قبل الفطر بيوم - أو يومين - وأمرهم بذلك، قال‏:‏ وفيها صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد وخرج بالناس إلى المصلى فكان أول صلاة عيد صلاها وخرجوا بين يديه بالحربة وكانت للزبير وهبها له النجاشي فكانت تحمل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأعياد‏.‏ قلت‏:‏ وفي هذه السنة فيما ذكره غير واحد من المتأخرين فرضت الزكاة ذات النصب كما سيأتي تفصيل ذلك كله بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/314‏)‏
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: *** أحداث رمضانية ***

غزوة بدر الكبرى
التاريخ الهجري 2 هـ


وكانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان قال ابن اسحق‏:‏ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال لقريش وتجارة من تجارتهم وفيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص وقال ابن عقبة وابن عائذ في أصحاب أبي سفيان هم سبعون رجلاً وكانت عيرهم ألف بعير ولم يكن لحويطب بن عبد العزى فيها شيء فلذلك لم يخرج معهم وقال ابن سعد هي العير التي خرج لها حتى بلغ ذا العسيرة تحين قفولها من الشام فبعث طلحة بن عبيد الله التيمي وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يتجسسان خبر العير قال ابن اسحق‏:‏ فحدثني محمد بن مسلم الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا عن ابن عباس كل قد حدثني بعض الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلاً من الشام ندب المسلمين إليهم وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً‏.‏ وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفاً من أمر الناس حتى أصاب خبراً من بعض الركبان أن محمداً قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في أصحابه فخرج ضمضم بن عمرو سريعاً إلى مكة‏.‏ وقال ابن سعد فخرج المشركون من أهل مكة سراعاً ومعهم القيان والدفوف وأقبل أبو سفيان بن حرب بالعير وقد خافوا خوفاً شديداً حين دنوا من المدينة واستبطئوا ضمضماً والنفير حتى وردوا بدراً وهو خائف فقال لمجدي بن عمرو هل أحسست أحداً من عيون محمد‏.‏ قال ابن اسحق فأخبرني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قالا وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا لقد أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم عني ما أحدثك فقال لها وما رأيت قالت رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل إلى المسجد والناس يتبعونه فبينا هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل أرفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منه فلقة قال العباس والله إن هذا لرؤيا وأنت فاكتميها ولا تذكريها ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة ابن ربيعة وكان صديقاً له فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش قال العباس فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة فلما رآني أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم فقال لي أبو جهل يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية قال قلت وما ذاك قال ذاك الرؤيا التي رأت عاتكة قال فقلت وما رأت قال يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يك حقاً ما تقول فسيكون وإن تقضى الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب قال العباس فوالله ما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئاً‏.‏ وعند ابن عقبة في هذا الخبر أن العباس قال لأبي جهل هل أنت منته فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك فقال من حضرهما ما كنت يا أبا الفضل جهولاً ولا خرفاً‏.‏ وكذلك قال ابن عائذ وزاد فقال له العباس مهلاً يا مصفر أسته ولقي العباس من عاتكة أذى شديداً حين أفشى من حديثها‏.‏ رجع إلى خبر ابن اسحق‏:‏ قال ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبقى امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ثم لم تكن عندك غير لشيء مما سمعت قال فقلت قد والله فعلت ما كان مني إليه من كبير وأيم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفيكنه قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه قال فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأوقع به وكان رجلاً خفيفاً حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر قال إذ خرج نحو باب المسجد يشتد قال قلت في نفسي ماله لعنه الله أكل هذا فرق مني أن أشاتمه قال فإذا هو قد سمع مالم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث قال فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر فتجهز الناس سراعاً وقالوا يظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلاً وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب قد تخلف وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة وكان قد لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها فاستأجره بها على أن يجزي عنه بعثه فخرج عنه وتخلف أبو لهب‏.‏ قال ابن عقبة وابن عائذ خرجوا في خمسين وتسعمائة مقاتل وساقوا مائة فرس‏.‏ وروينا عن ابن سعد قال أنا عبيد الله عن أبيه قال لما أسرنا القوم في بدر قلنا كم كنتم قال كنا ألفاً‏.‏ قال ابن اسحق وحدثني عبد الله بن أبي نجيح أن أمية بن خلف كان أجمع القعود وكان شيخاً جليلاً جسيماً ثقيلاً فأتاه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال يا أبا علي استجمر فإنما أنت من النساء قال قبحك الله وقبح ما جئت به قال ثم تجهز وخرج مع الناس قيل وكان سبب تثبطه ما ذكره البخاري في الصحيح من حديثه مع سعيد بن معاذ وأبي جهل بمكة وقول سعد له إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنه قاتلك‏.‏ قلت المشهور عند أرباب السير أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك لأخيه أبي بن خلف بمكة قبل الهجرة وهو الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يوم أحد بحربته وهذا أيضاً لا ينافي خبر سعد والله أعلم‏.‏ قال ابن اسحق‏:‏ ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب فقالوا إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني المدلجي وكان من أشراف بني كنانة فقال أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجوا سراعاً‏.‏ وذكر ابن عقبة وابن عائذ في هذا الخبر وأقبل المشركون ومعهم إبليس لعنه الله في صورة سراقة يحدثهم أن بني كنانة وراءه وقد أقبلوا لنصرهم وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس وأني جار لكم‏.‏ قال ابن اسحق وعمير بن وهب أو الحرث بن هشام كان الذي رآه حين نكص على عقبيه عند نزول الملائكة وقال إني أرى ما لا ترون فلم يزل حتى أوردهم ثم أسلمهم ففي ذلك يقول حسان‏:‏ سرنا وساروا إلى بدر لحينهم لو يعلمون يقين العلم ما ساروا في أبيات ذكرها‏.‏ قال ابن اسحق‏:‏ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه قال ابن هشام لثمان ليال خلون منه وقال ابن سعد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه بعد ما وجه طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بعشر ليال وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره ببئر أبي عنبة وهي على ميل من المدينة فعرض أصحابه ورد من استصغر وخرج في ثلاثمائة رجل وخمسة نفر كان المهاجرون منهم أربعة وستين رجلاً وسائرهم من الأنصار وثمانية تخلفوا لعذر ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهامهم وأجورهم ثلاثة من المهاجرين عثمان بن عفان خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فأقام عليها حتى ماتت وطلحة وسعيد بن زيد بعثهما يتجسسان خبر العير وخمسة من الأنصار أبو لبابة بن عبد المنذر خلفه على المدينة وعاصم بن عدي العجلاني خلفه على أهل العالية والحرث بن حاطب العمري رده من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم والحرث بن الصمة كسر من الروحاء وخوات بن جبير كسر أيضاً‏.‏قال ابن اسحق ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير وكان أبيض وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان إحداهما مع علي بن أبي طالب والأخرى مع بعض الأنصار وقال ابن سعد كان لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر ولواء الأوس مع سعد بن معاذ كذا قال والمعروف أن سعد بن معاذ كان يومئذ على حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وأن لواء المهاجرين كان بيد علي‏.‏ قرئ على أبي حفص عمر بن عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن غدير بعربيل بغوطة دمشق وأنا أسمع أخبركم أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن الحرستاني قراءة عليه وأنت حاضر في الرابعة فأقر به أنا أبو الحسن علي بن المسلم بن محمد السلمي سماعاً قال أنا أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن أبي الحديد قال أنا أبو الحسن علي بن موسى بن الحسين السمسار قال أنا أبو القاسم المظفر بن حاجب بن مالك بن الركين الفرغاني أنا أبو الحسن محمد بن يزيد بن عبد الصمد الدمشقي ثنا أحمد يعني ابن أبي أحمد الجرجاني ثنا شبابة بن سوار الفزاري ثنا قيس بن الربيع عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى علياً الراية يوم بدر وهو ابن عشرين سنة‏.‏قال ابن اسحق وكانت إبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيراً فاعتقبوها فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد يعتقبون بعيراً وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيراً وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيراً‏.‏وروينا عن ابن سعد قال أنا يونس بن محمد المؤدب ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زرعن ابن مسعود قال كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير وكان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا كانت عقبة النبي صلى الله عليه وسلم قالا اركب حتى نمشي عنك فيقول ما أنتما بأقوى مني على المشي وما أنا بأغنى عن الأجر منكما‏.‏ انتهى ما رويناه عن ابن سعد والمعروف أن أبا لبابة رجع من بئر أبي عنبة ولم يصحبهم إلى بدر رده رسول الله صلى الله عليه وسلم والياً على المدينة وقد تقدم‏.‏ قال ابن اسحق وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أحد بني مازن بن النجار فسلك طريقه إلى المدينة حتى إذا كان بعرق الظبية لقوا رجلاً من الأعراب فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبراً ثم ارتحل حتى أتى على واد يقال له زفران وجذع فيه ثم نزل فأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله امض لما أمر الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له بخير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشيروا علي فذكر ابن عقبة وابن عائذ أن عمر قال يا رسول الله إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت ولا آمنت منذ كفرت والله لنقاتلنك فاتهب لذلك أهبته وأعدد لذلك عدته‏.‏ رجع إلى خبر ابن اسحق‏:‏ قال وإنما يريد الأنصار وذلك أنهم عدد الناس وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلنا إليها فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرة إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ لعلك تريدنا يا رسول الله فقال أجل قال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً إنا لعبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى‏.‏ وقد روينا من طريق مسلم أن الذي قال ذلك سعد بن عبادة سيد الخزرج وإنما يعرف ذلك عن سعد بن معاذ‏.‏ كذلك رواه ابن اسحق وابن عقبة وابن سعد وابن عائذ وغيرهم‏.‏ واختلف في شهود سعد بن عبادة بدراً لم يذكره ابن عقبة ولا ابن اسحق في البدريين وذكره الواقدي والمدائني وابن الكلبي فيهم‏.‏ وروينا عن ابن سعد أنه كان يتهيأ للخروج إلى بدر ويأتي دور الأنصار يحضهم على الخزرج فنهش قبل أن يخرج فأقام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب له بسهمه وأجره وليس ذلك بمجمع عليه ولا ثبت ولم يذكره أحد ممن يروي المغازي في تسمية من شهد بدراً ولكنه قد شهد أحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ رجع إلى الأول‏:‏ قال فسر النبي صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال سيروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران ثم نزل قريباً من بدر فركب هو ورجل من أصحابه قال ابن هشام هو وأبو بكر الصديق - قال ابن اسحق كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان - حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتنا أخبرناك فقال الشيخ ذاك بذاك قال نعم قال الشيخ فإنه قد بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان الذي أخبرني صدق فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به قريش فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن من ماء ثم انصرف عنه قال يقول الشيخ ما ‏"‏ من ماء ‏"‏ أمن العراق ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج وعريص أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد فأتوهما فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فقالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما فلما أذلقوهما قالا نحن لأبي سفيان فتركوهما وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه ثم سلم وقال إذا صدقاكم ضربتوهما وإذا كذباكم تركتوهما صدقاً والله إنهما لقريش أخبراني عن قريش قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالغدوة القصوى والكثيب العقنقل فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم القوم قالا كثير قال ما عدتهم قالا ما ندري قال كم ينحرون كل يوم قالا يوماً تسعاً ويوماً عشراً قال صلى الله عليه وسلم القوم ما بين التسعمائة والألف ثم قال لهما فمن فيهم من أشراف قريش قالا عقبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحرث بن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحرث وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال هذه مكة قد ألقت عليكم أفلاذ كبدها‏.‏ قال ابن عقبة وزعموا أن أول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل بن هشام عشر جزائر ثم نحر لهم صفوان بن أمية بعسفان تسع جزائر ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشر جزائر ومالوا من قديد إلى مناة من نحو البحر فظلوا فيها فأقاموا فيها يوماً فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسع جزائر ثم أصبح بالجحفة فنحر لهم عتبة بن ربيعة عشر جزائر ثم أصبحوا بالأبواء فنحر لهم مقيس بن عمرو الجمحي تسع جزائر ونحر لهم العباس بن عبد المطلب عشر جزائر ونحر لهم الحارث بن عامر بن نوفل تسعاً ونحر لهم أبو البختري على ماء بدر عشر جزائر ونحر لهم مقيس الجمحي على ماء بدر تسعاً ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم‏.‏ وقال ابن عائذ كان مسيرهم وإقامتهم حتى بلغوا الجحفة عشر ليال‏.‏ قال ابن اسحق وكان بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء قد مضيا حتى نزلا بدراً فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه ومجدي بن عمرو الجهني على الماء فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما تلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها إنما تأتي العير غداً أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك فقال مجدي صدقت ثم خلص بينهما وسمع ذلك عدي وبسبس فجلسا على بعيريهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بما سمعا ثم أقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذراً حتى ورد الماء فقال لمجدي بن عمرو هل أحسست أحداً قال ما رأيت أحداً أنكره إلا أني رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته ثم شمه فإذا فيه النوى فقال هذه والله غلائف يثرب فرجع إلى أصحابه سريعاً فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدراً بيسار وانطلق حتى أسرع وأقبلت قريش فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن أبي الصلت بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف رؤيا فقال إني فيما يرى النائم وإني لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وفلان وفلان فعدد رجالاً ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش ثم رأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه قال فبلغت أبا جهل فقال وهذا أيضاً نبي آخر من بني المطلب سيعلم غداً من المقتول إن نحن التقينا‏.‏ قال ابن اسحق ولما رأى أبو سفيان بن حرب أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش أنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم وقد نجاها الله فارجعوا فقال أبو جهل بن هشام والله لا نرجع حتى نرد بدر وكان بدر موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثاً فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبحسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها وقال الأخنس بن شريق وكان حليفاً لبني زهرة يا بني زهرة قد نجى الله أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وإنما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول هذا فرجعوا فلم يشهدها زهري ولا عدوي أيضاً ومضى القوم وكان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة فقالوا والله لقد علمنا يا بني هاشم وإن خرجتم معنا أن هواكم لمع محمد فرجع طالب إلى مكة مع من رجع ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي وبعث الله السماء وكان الوادي دهساً فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير وأصاب قريشاً منها ما لم يقدروا على أن يرتجلوا معه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر فنول به‏.‏قال ابن اسحق فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة قال يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم تغور ما وراءه من القلب ثم تبني عليه حوضاً فتملأه ماء فتشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أشرت بالرأي فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضاً على القليب الذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية‏.‏ وروينا عن ابن سعد في هذا الخبر فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرأي ما أشار به الحباب‏.‏ قال ابن اسحق فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث أن سعد بن معاذ قال يا نبي الله ألا نبني لك عريشاً تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك ولحقت بمن وراءنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حباً منهم ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له بخير ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشاً فكان فيه‏.‏قال ابن اسحق وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي قال اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم إحنهم الغداة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر إن يك في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا وقد كان خفاق بن أيماء بن رحضة أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري بعث إلى قريش حين مروا به ابناً له بجزائر أهداها لهم وقال إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا قال فأرسلوا إليه مع ابنه إن وصلتك رحم قد قضيت الذي عليك فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف ولئن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد ما لأحد بالله من طاقة فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم حكيم بن حزام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذي نجاني من يوم بدر‏.‏ قال وحدثني أبي رحمه الله اسحق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار قال لما اطمأن القوم بعثوا عمير ابن وهب الجمحي فقالوا احزر لنا أصحاب محمد فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون ولكن أمهلوني حتى أللقوم كمين أو مدد قال فضرب في بطن الوادي حتى أبعد فلم ير شيئاً فرجع إليهم فقال ما رأيت شيئاً ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم فإذا أصابوا منكم عدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم‏.‏ فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة فقال يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها هل لك إلى أن لا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر قال وما ذلك يا حكيم قال ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي قال قد فعلت أنت علي بذلك إنما هو حليفي فعلى عقله وما أصيب من ماله فائت أين ابن الحنطلية يعني أبا جهل بن هشام‏.‏ ثم قام عتبة خطيباً فقال يا معشر قريش أنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه شيئاً والله لئن أصبتموه لا يزال رجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمه وابن خاله ورجلاً من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب فإن أصابوه فذاك الذي أردتم وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون قال حكيم فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعاً له من جرابها فقلت له يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا للذي قال فقال انتفخ والله سحره حين رأى محمداً وأصحابه كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وما بعتبة ما قال ولكنه قد رأى أن محمداً وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه قد تخوف عليه ثم بعث إلى عامر الحضرمي فقال هذا حليفك يريد أن ترجع بالناسي وقد رأيت ثأرك بعينيك فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ واعمراه فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوسقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة فلما بلغ عتبة قول أبي جهل انتفخ والله سحره قال سيعلم مصفر أسته من انتفخ سحره أنا أم هو ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له‏.‏ وقال ابن عائذ وقال رجال من المشركين لما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غر هؤلاء دينهم منهم أبو البختري بن هشام وعتبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وذكر غيرهم لما تقالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعينهم فأنزل الله تعالى: ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ) الآية حتى نزلوا وتعبئوا للقتال والشيطان معهم لا يفارقهم‏.‏ قال ابن اسحق وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي وكان رجلاً شرساً سيء الخلق فقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تسخب رجله دماً نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد زعم أن تبر يمينه واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد ابن عتبة حتى نصل من الصف دعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار وهم عوف ومعوذ ابنا الحرث وأمهما عفراء ورجل آخر يقال له عبد الله بن رواحة فقالوا من أنتم قالوا رهط من الأنصار قالوا ما لنا بكم من حاجة‏.‏ وقال ابن عقبة وابن عائذ حين ذكرا خروج الأنصار قال فاستحيا النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك لأنه كان أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد معهم فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون الشوكة لبني عمه فناداهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ارجعوا إلى مصافكم وليقم إليهم بنو عمهم‏.‏ رجع إلى ابن اسحق ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم قم يا عبيدة بن الحرث وقم يا حمزة وقم يا علي فلما قاموا ودنوا منهم قالوا من أنتم قال عبيدة عبيدة وقال حمزة حمزة وقال علي علي قالوا نعم أكفاء كرام فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة بن ربيعة وبارز حمزة شيبة بن ربيعة وبارز علي الوليد بن عتبة فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فدففا عليه واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه‏.‏ قال وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا أكفاء كرام وإنما نريد قومنا قال ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم وقال إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش معه أبو بكر الصديق‏.‏ قال وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل به القوم فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو مسند مستنتل من الصف قال ابن هشام فطعن في بطنه بالقدح وقال استو يا سواد فقال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني قال فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال استقد فاعتنقه فقبل بطنه فقال ما حملك على هذا يا سواد قال يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقاله‏.‏ قال ابن اسحق ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش فدخله ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده بالنصر ويقول فيما يقول اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد وأبو بكر يقول يا رسول الله بعض مناشدتك ربك فإن الله منجز لك ما وعدك وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع - يريد الغبار‏.‏ وقال ابن سعد في هذا الخبر وجاءت ريح لم يروا مثلها شدة ثم ذهبت فجاءت ريح أخرى ثم ذهبت فجاءت ريح أخرى فكانت الأولى جبريل في ألف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والثانية ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والثالثة إسرافيل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وروينا من طريق مسلم حدثنا هناد بن السري ثنا ابن المبارك عن عكرمة بن عمار قال حدثني سماك الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلاً فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني وفيه فأنزل الله عز وجل عند ذلك ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) فأمده الله بالملائكة‏.‏ قال أبو زميل فحدثني ابن عباس قال بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين الحديث‏.‏ وروينا من طريق البخاري حدثني إبراهيم بن موسى قال أنا عبد الوهاب ثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب‏.‏ وروينا عن ابن سعد قال أنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن بدر ثنا أيوب ويزيد بن حازم أنهما سمعا عكرمة يقرؤها فثبتوا الذين آمنوا قال حماد وزاد أيوب قال قال عكرمة فاضربوا فوق الأعناق قال كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه وتندر يد الرجل لا يدري من ضربه‏.‏قال ابن اسحق وقد رمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل فكان أول قتيل من المسلمين ثم رمى حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فقتل ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم وقال والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجلاً فيقتل صابراً محتبساً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء قال ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل وقال ابن عقبة أول قتيل من المسلمين يومئذ عمير بن الحمام‏.‏ وقال ابن سعد فكان أول من جرح من المسلمين مهجع مولى عمر بن الخطاب فقتله عامر بن الحضرمي وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة ويقال قتله جبان بن العرقة ويقال عمير بن الحمام قتله خالد بن الأعلم العقيلي‏.‏قال ابن اسحق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عوف بن الحارث وهو ابن عفراء قال يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده قال غمسه يده في القوم حاسراً فنزع درعاً عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل‏.‏ وحدثني محمد بن مسلم عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري حليف بني زهرة أنه حدثه أنه لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال أبو جهل اللهم اقطعنا للرحم وأتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة فكان هو المستفتح على نفسه قال ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشاً ثم قال شاهت الوجوه ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال شدوا فكانت الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديد قريش وأسر من أسر من أشرافهم‏.‏قال ابن عقبة وابن عائذ فكانت تلك الحصباء عظيماً شأنها لم تترك من المشركين رجلاً إلا ملأت عينيه وجعل المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم وبادر النفر كل رجل منهم منكباً على وجهه لا يدري أين يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه‏.‏رجع إلى خبر ابن اسحق‏:‏ فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشح السيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافون عليه كرة العدو ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لي في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك فكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال‏.‏ قال وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يومئذ إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحداً من بين هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله فإنما خرج مستكرهاً‏.‏ وذكر ابن عقبة فيهم عقيلاً ونوفلاً قال فقال أبو حذيفة أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لألجمنه السيف قال فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب يا أبا حفص فقال عمر والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي حفص أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف فقال عمر يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق فكان أبو حذيفة يقول ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلتها يومئذ ولا أزال منها خائفاً إلا أن تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيداً فلقي أبا البختري المجذر بن ذياد البلوي فقال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة قال وزميلي قال له المجذر لا والله ما نحن بتاركي زميلك ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك قال لا والله إذن لأموتن أنا وهو جميعاً لا تحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصاً على الحياة فقتله المجذر ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلني فقاتلني فقتلته‏.‏ فقال ابن عقبة ويزعم ناس أن أبا اليسر قتل أبا البختري بن هشام ويأبى عظم الناس إلا أن المجذر هو الذي قتله بل قتله غير شك أبو داود المازني وسلبه سيفه فكان عند بنيه حتى باعه بعضهم من بعض ولد أبي البختري‏.‏ قال ابن اسحق حدثني يحيى بن عباد عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال وحدثنيه أيضاً عبد الله بن أبي بكر وغيرهما أن عبد الرحمن ابن عوف لقيه أمية بن خلف معه ابنه علي ومع عبد الرحمن أدراعاً استلبها قال هل لك في فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك قال قلت نعم فطرحت الأدراع من يدي فأخذت بيده ويد ابنه وهو يقول ما رأيت كاليوم قط أما لكم حاجة في اللبن ثم خرجت أمشي بهما‏.‏ قال حدثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف أن أمية بن خلف قال له من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره قال قلت ذاك حمزة بن عبد المطلب قال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل قال عبد الرحمن فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي وكان هو الذي يعذب بلالاً بمكة على ترك الإسلام فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بصخرة عظيمة فتوضع على صدره ثم يقول لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد فيقول بلال أحد أحد قال فلما رآه قال رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال قلت اسمع يا ابن السوداء قال لا نجوت إن نجا قال ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة قال فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية بن خلف صيحة ما سمعت مثلها قط قال فقلت انج بنفسك ولا نجا به فوالله ما أغني عنك شيئاً قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما قال فكان عبد الرحمن يقول يرحم الله بلالاً ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري‏.‏ قال ابن اسحق وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن ابن عباس قال حدثني رجل من بني غفار قال أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب قال فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلاً يقول أقدم حيزوم فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت‏.‏ قال وحدثني عبد الله بن أبي بكر عن بعض بني ساعدة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدر قال بعد أن ذهب بصره لو كنت اليوم بدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي منه خرجت الملائكة لا أشك ولا أتمارى قال وحدثني أبي اسحق بن يسار عن رجال من بني مازن بن النجار عن أبي داود المازني وكان شهد بدراً قال إني لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري‏.‏ وحدثني من لا أتهم عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن عباس قالت كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء قد أرسلوها في ظهورهم ويوم حنين عمائم حمرا‏.‏ وروينا هذا الخبر من طريق مالك بن سليمان الهروي عن الهياج عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس بمعناه ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عدداً ومدداً لا يضربون‏.‏ وذكر ابن هشام عن بعض أهل العلم أن جبريل عليه السلام كانت عليه يوم بدر عمامة صفراء وكان شعارهم يوم بدر أحد أحد‏.‏قال ابن اسحق فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى وكان أول ما لقى أبا جهل كما حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس وعبد الله بن أبي بكر أيضاً قد حدثني ذلك قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة وهم يقولون أبو الحكم لا يخلص إليه قال فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فو الله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها قال وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جسمي وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها‏.‏ قال القاضي أبو الفضل عياض بن موسى‏:‏ وزاد ابن وهب في روايته فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلصقت‏.‏ قال ابن اسحق ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان ثم مر بأبي جهل - وهو عقير - معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس في القتلى وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح في ركبته فإني ازدحمت يوماً أنا وهو على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش على أحدهما جحشاً لم يزل أثره به قال عبد الله بن مسعود فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه قال وقد كانت ضبث بي مرة بمكة فآذاني ولكزني ثم قلت له هل أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا أخزاني أعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدبرة قال قلت لله ولرسوله‏.‏ قال ابن هشام ويقال أعار على رجل قتلتموه أخبرني لمن الدائرة اليوم‏.‏ قال ابن اسحق وزعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول قال لي لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعباً قال ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبي جهل قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله الذي لا إله إلا غيره قال وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت نعم والله الذي لا إله إلا غيره ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله تعالى‏.‏ أخبرنا عبد الرحيم بن يوسف الموصلي بقراءة والدي عليه قال أنا أبو علي حنبل بن عبد الله الرصافي أن أبا القاسم بن الحصين أخبره قال أنا أبو علي بن المذهب قال أنا أبو بكر القطيعي قال أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال إني لواقف يوم بدر في الصف نظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما تمنيت لو كنت بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال يا عم هل تعرف أبا جهل بن هشام قال قلت نعم وما حاجتك يا ابن أخي قال بلغني أنه كان يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا قال فغمزني الآخر فقال مثلها قال فعجبت لذلك قال فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس فقلت لهما ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال أيكما قتله فقال كل واحد منهما أنا قتلته قال هل مسحتما سيفيكما قالا لا فنظر في السيفين فقال كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح وهما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء‏.‏ رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن يوسف بن الماجشون فوقع لنا عالياً‏.‏ وروينا عن ابن عقبة أن عبد الله بن مسعود وجده مقنعاً في الحديد وهو منكب لا يتحول فظن أنه قد أثبت فتناول قائم سيفه فاستله وهو منكب لا يتحرك فرفع سابغة البيضة عن قفاه فضربه فوقع رأسه بين يديه ثم سلبه فلما نظر إليه إذا هو ليس به جراح وأبصر في عنقه خدراً وفي يديه وكتفيه كهيئة آثار السياط فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال ذاك ضرب الملائكة‏.‏وروينا عن ابن عائذ ثنا الوليد قال حدثني خليد عن قتادة أنه سمعه يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لكل أمة فرعوناً وأن فرعون هذه الأمة أبو جهل قتله الله شر قتلة قتله ابنا عفراء وقتلته الملائكة وتدافه ابن مسعود يعني أجهز عليه‏.‏ قال ابن اسحق وقاتل عكاشة بن محصن الأسدي يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلاً من حطب فقال قاتل بهذا يا عكاشة فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه فعاد سيفاً في يده طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى العون ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل في الردة وهو عنده‏.‏ وقال الواقدي وحدثني أسامة بن زيد الليثي عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الأشهل قالوا انكسر سيف سلمة بن أسلم بن الحريس يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيباً كان في يده من عراجين ابن طاب فقال اضرب به فإذا سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد‏.‏ قال ابن اسحق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ درعه فملأها فذهبوا ليحركوه فتزايل فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة‏.‏وروينا عن الطبري ثنا موسى بن الحسن الكسائي ثنا شيبان بن فروخ ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس ابن مالك قال أنشأ عمر بن الخطاب يحدثنا عن أهل بدر فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس من بدر يقول هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله قال عمر فوالذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حدها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم فقال يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً فإني وجدت ما وعدني الله حقاً فقال عمر يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها فقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعوا أن يردوا شيئاً‏.‏ وروينا عن ابن عائذ أخبرني الوليد بن مسلم أخبرني سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس عن أبي طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثاً فلما كان يوم بدر أقام ثلاثاً وألقى بضعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش في طوي من أطواء بدر ثم أمر براحلته فشد عليها رحلها فقلنا أنه منطلق لحاجة فانطلق حتى وقف على شفى الركى فجعل يقول يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان الحديث‏.‏ وروينا من طريق مالك بن سليمان الهروي ثنا معمر عن حميد الطويل عن أنس وفي آخره قال قتادة أحياهم الله حتى سمعوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم توبيخاً لهم‏.‏هذا حمل لهذا الخبر على ظاهره‏.‏ وقد روينا عن عائشة رضي الله عنها أنها تأولت ذلك وقالت إنما أراد النبي صلى الله رجع إلى الخبر عن ابن اسحق‏:‏ قال وتغير وجه أبي حذيفة بن عتبة عند طرح أبيه في القليب ففطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له لعلك دخلك في شأن أبيك شيء فقال لا والله لكني كنت أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلاً فكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام فلما رأيت ما مات عليه أخذني ذلك قال فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيراً‏.‏ ومات يومئذ فتية من قريش على كفرهم ممن كان فتن على الإسلام فافتتن بعد إسلامه منهم من بني أسد الحرث بن زمعة بن الأسود من بني مخزوم أبو قيس بن الفاكه وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة‏.‏ ومن بني جمح علي بن أمية بن خلف‏.‏ ومن بني سهم العاصي بن منبه بن الحجاج فنزل فيهم ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم )‏ ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في العسكر مما جمع الناس فجمع فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو لنا وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه لولا نحن ما أصبتموه نحن شغلنا عنكم العدو فهو لنا وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأينا أن نقتل العدو حين منحنا الله أكنافهم ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن له من يمنعه ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو فما أنتم بأحق به منا فنزعه الله من أيديهم فجعله إلى رسول الله فقسمه في المسلمين عن بواء يقول عن السواء‏.‏ وروينا عن ابن عائذ أخبرني الوليد بن مسلم قال وأخبرني سعيد بن بشير عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما كان يوم بدر قال من قتل قتيلاً فله سلبه ومن جاء بأسير فله سلبه فجاء أبو اليسر بأسيرين فقال سعد أي رسول الله أما والله ما كان بنا جبن عن العدو ولا ضن بالحياة أن نصنع ما صنع إخواننا ولكن رأيناك قد أفردت فكرهنا أن تكون بمضيعة قال فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوزعوا تلك الغنائم بينهم المشهور أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من قتل قتيلاً فله سلبه ‏"‏ إنما كان يوم حنين وأما قوله ذلك يوم بدر وأحد فأكثر ما يوجد من رواية من لا يحتج به‏.‏ وقد روى أرباب المغازي والسير أن سعد بن أبي وقاص قتل يوم بدر سعيد بن العاص وأخذ سيفه فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه حتى نزلت سورة الأنفال وأن الزبير بن العوام بارز يومئذ رجلاً فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه وأن ابن مسعود نفله رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سلب أبي جهل‏.‏ وأما ابن الكلبي فمضعف عندهم وروايته عن أبي صالح عن ابن عباس مخصوصة بمزيد تضعيف‏.‏ رجع إلى خبر ابن اسحق‏:‏ ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة بشيراً إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين وبعث زيد بن حارثة إلى السافلة قال أسامة بن زيد فأتانا الخبر حين سوينا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل عليه السلام قافلاً إلى المدينة ومعه الأسارى من المشركين وفيهم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحرث واحتمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه النفل الذي أصيب من المشركين وجعل عليه عبد الله بن كعب من بني مازن بن النجار ثم أقبل عليه السلام حتى إذا خرج من مضيق الصفراء فقسم النفل بين المسلمين على السواء وبالصفراء أمر علياً فقتل النضر بن الحرث ثم بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط فقال حين قتله من للصبية يا محمد قال النار والذي قتله عاصم بن ثابت ابن أبي الأفلح وقيل علي والذي أسره عبد الله بن سلمة ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم‏.‏قال ابن اسحق وحدثني نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه وقال استوصوا بهم خيراً قال فكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب لأبيه وأمه في الأسارى فقال مر بي أخي مصعب ورجل من الأنصار يأسرني فقال له شد يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك فكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ثم فدى بأربعة آلاف درهم وهي أعلى الفداء‏.‏ وذكر قاسم بن ثابت في دلائله أن قريشاً لما توجهت إلى بدر مر هاتف من الجن على مكة في اليوم الذي وقع بهم المسلمون وهو ينشد بأبعد صوت ولا أزار الحنيفيون بدراً وقيعة سينقض منها ركن كسرى وقيصرا أبادت رجالاً من قريش وأبرزت خرائد يضربن الترائب حسرا فيا ويح من أمسى عدو محمد بقد جار عن قصد الهوى وتحيرا فقال قائلهم من الحنفيون فقالوا هو محمد وأصحابه يزعمون أنهم على دين إبراهيم الحنيف ثم لم يلبث النفر أن جاءهم الخبر‏.‏ رجع إلى الأول‏:‏ وكان أول من قدم بمصابهم الحيسمان بن عبد الله الخزاعي وكان يسمى ابن عبد عمرو وأسلم بعد ذلك فقال قتل عتبة وشيبة وأبو الحكم وأمية وفلان وفلان فقال صفوان بن أمية وهو جالس في الحجر والله أن يعقل هذا فسلوه عني فسألوه فقال هو ذاك جالساً في الحجر وقد رأيت أباه وأخاه حين قتلا. غزوة بدر الكبرى ( 2 هـ ) كما وردت في الرحيق المختوم سبب الغزوة سبق في ذكر غزوة العشيرة أن عيراً لقريش أفلتت من النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابها من مكة إلى الشام، فلما قرب رجوعها من الشام إلى مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى الشمال ليقوما باكتشاف خبرها، فوصلا إلى الحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير، فأسرعا إلى المدينة وأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر‏.‏ وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها‏:‏ ألف بعير موقرة بأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبي‏.‏ ولم يكن معها من الحرب إلا نحو أربعين رجلا‏.‏ إنها فرصة ذهبية للمسلمين ليصيبوا أهل مكة بضربة اقتصادية قاصمة، تتألم لها قلوبهم على مر العصور، لذلك أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً‏:‏ ‏(‏هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها‏)‏‏.‏ ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة - بدل العير- هذا الاصطدام العنيف في بدر؛ ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة، وهم يحسبون أن مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السرايا والغزوات الماضية؛ ولذلك لم ينكر على أحد تخلفه في هذه الغروة‏.‏ مبلغ قوة الجيش الإسلامي وتوزيع القيادات واستعد رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ـ 313، أو 314، أو 317 رجلاً ـ 82 أو 83 أو 86 من المهاجرين و 61 من الأوس و 170 من الخرزج‏.‏ ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفالا بليغا، ولا اتخذوا أهبتهم كاملة، فلم يكن معهم إلا فرس أو فرسان‏:‏ فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرا يعتقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً واحد‏.‏ واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة ابن عبد المنذر، واستعمله على المدينة‏.‏ ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي العبدري، وكان هذا اللواء أبيض‏.‏ وقسم جيشه إلى كتيبتين‏:‏ 1- كتيبة المهاجرين‏:‏ وأعطى رايتها علي بن أبي طالب، ويقال لها‏:‏ العقاب‏.‏ 2- وكتبية الأنصار‏:‏ وأعطى رايتها سعد بن معاذ‏.‏ ـ وكانت الرايتان سوداوين ـ‏.‏ وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو- وكانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش - كما سبق - وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وظلت القيادة العامة في يده صلى الله عليه وسلم كقائد أعلى للجيش‏.‏ وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الجيش غير المتأهب، فخرج من نقب المدينة، ومضى على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكة، حتى بلغ بئر الروحاء، فلما ارتحل منها ترك طريق مكة إلى اليسار، وانحرف ذات اليمين على النازية يريد بدراً فسلك في ناحية منه حتى جزع ودياً يقال له‏:‏ رحقان بين النازية وبين مضيق الصفراء، ثم مر على المضيق ثم انصب منه حتى قرب من الصفراء، ومن هنالك بعث بسبس بن عمرو الجني وعدي بن أبي الزغباء الجهي إلى بدر يتجسسان له أخبار العير‏.‏ النذير في مكة وأما خبر العير فإن أبا سفيان - وهو المسئول عنها - كان على غاية من الحيطة والحذر، فقد كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالأخطار، وكان يتحسس الأخبار ويسأل من لقى من الركبان، ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته بأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير، وحينئذ استأجر أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخاً لقريش بالنفير إلى عيرهم؛ ليمنعوه من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وخرج ضمضم سريعاً حتى أتى مكة، فخرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره، وقد جدع أنفه وحول رحله، وشقق قميصه، وهو يقول‏:‏ يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث‏.‏‏.‏‏.‏ الغوث‏. أهل مكة يتجهزون للغزو فتحفز الناس سراعًا وقالوا‏:‏ أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي‏؟‏ كلا والله ليعلمن غير ذلك، فكانوا بين رجلين‏:‏ إما خارج، وإما باعث مكانه رجلًا، وأوعبوا في الخروج فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوض عنه رجلًا كان له عليه دين، وحشدوا من حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدى فلم يخرج منهم أحد‏.‏ قوام الجيش المكي وكان قوام هذا الجيش نحو ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية سيره، وكان معه مائة فرس وستمائة دِرْع، وجمال كثيرة لا يعرف عددها بالضبط، وكان قائده العام أبا جهل ابن هشام، وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش، فكانوا ينحرون يومًا تسعًا ويومًا عشرًا من الإبل‏.‏ مشكلة قبائل بني بكر ولما أجمع هذا الجيش على المسير ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداوة والحرب، فخافوا أن تضربهم هذه القبائل من الخلف، فيكونوا بين نارين، فكاد ذلك يثنيهم، ولكن حينئذ تبدى لهم إبليس في صورة سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجى ـ سيد بني كنانة ـ فقال لهم‏:‏ أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه‏.‏ جيش مكة يتحرك وحينئذ خرجوا من ديارهم، كما قال الله‏:‏ ‏)‏ بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ‏ )‏ ‏( ‏الأنفال‏:‏47‏)‏، وأقبلوا ـ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ بحدهم وحديدهم يحادون الله ويحادون رسوله ‏)‏ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ‏ )‏ ‏( القلم‏:‏25‏)‏، وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لجرأة هؤلاء على قوافلهم‏.‏ تحركوا بسرعة فائقة نحو الشمال في اتجاه بدر، وسلكوا في طريقهم وادى عُسْفَان، ثم قُدَيْدًا، ثم الجُحْفَة، وهناك تلقوا رسالة جديدة من أبي سفيان يقول لهم فيها‏:‏ إنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها الله فارجعوا‏.‏ العير تفلت وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسى، ولكنه لم يزل حذرًا متيقظًا، وضاعف حركاته الاستكشافية، ولما اقترب من بدر تقدم عيره حتى لقى مَجْدِىَّ بن عمرو، وسأله عن جيش المدينة، فقال‏:‏ ما رأيت أحدًا أنكره إلا إني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا، فبادر أبو سفيان إلى مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهما، ففته فإذا فيه النوى، فقال‏:‏ هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى عيره سريعًا، وضرب وجهها محولًا اتجاهها نحو الساحل غربًا، تاركًا الطريق الرئيسى الذي يمر ببدر على اليسار، وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة‏.‏ هَمّ الجيش المكي بالرجوع، ووقوع الانشقاق فيه ولما تلقى هذه الرسالة جيش مكة هم بالرجوع، ولكن قام طاغية قريش أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائلًا‏:‏ والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بها ثلاثًا، فننحر الجَزُور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف لنا القِيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يـزالون يهابوننا أبدًا‏.‏ ولكن على رغم أبي جهل ـ أشار الأخْنَس بن شَرِيق بالرجوع فعصوه،فرجع هو وبنو زُهْرَة ـ وكان حليفًا لهم، ورئيسًا عليهم في هذا النفير ـ فلم يشهد بدرًا زهرى واحد، وكانوا حوالى ثلاثمائة رجل،واغتبطت بنو زهرة بَعْدُ برأي الأخنس بن شريق، فلم يزل فيهم مطاعًا معظمًا‏.‏ وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتد عليهم أبو جهل، وقال‏:‏ لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع‏.‏ فسار جيش مكة وقوامه ألف مقاتل بعد رجوع بني زهرة ـ وهو يقصد بدرًا ـ فواصل سيره حتى نزل قريبًا من بدر، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى على حدود وادى بدر‏.‏ موقف الجيش الإسلامي في ضيق وحرج أما استخبارات جيش المدينة فقد نقلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو لا يزال في الطريق بوادي ذَفِرَان ـ خبر العير والنفير، وتأكد لديه بعد التدبر في تلك الأخبار أنه لم يبق مجال لاجتناب اللقاء الدامي، وأنه لا بد من إقدام يبني على الشجاعة والبسالة، والجراءة، والجسارة، فمما لا شك فيه أنه لو ترك جيش مكة يجوس خلال تلك المنطقة يكون ذلك تدعيمًا لمكانة قريش العسكرية، وامتدادًا لسلطانها السياسي، وإضعافًا لكلمة المسلمين وتوهينًا لها،بل ربما تبقى الحركة الإسلامية بعد ذلك جسدًا لا روح فيه، ويجرؤ على الشر كل من فيه حقد أو غيظ على الإسلام في هذه المنطقة‏.‏ ثم هل هناك ضمان للمسلمين بامتناع جيش مكة عن مواصلة سيره نحو المدينة، حتى ينقل المعركة إلى أسوارها، ويغزو المسلمين في عقر دارهم‏؟‏ كلا‏!‏ فلو حدث من جيش المدينة نكول ما، لكان له أسوأ الأثر على هيبة المسلمين وسمعتهم‏.‏ المجلس الاستشاري ونظرًا إلى هذا التطور الخطير المفاجيء عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا عسكريًا استشاريًا أعلى، أشار فيه إلى الوضع الراهن، وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه وقادته‏.‏ وحينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس،وخافوا اللقاء الدامى،وهم الذين قال الله فيهم‏:‏ ‏( ‏كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ‏ )‏ ‏(‏الأنفال‏:‏5، 6‏)‏، وأمــا قادة الجيش فقـام أبو بكر الصديق فقال وأحسن،ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن،ثم قام المقداد بن عمرو فقال‏:‏ يا رسول الله، امض لما أراك الله،فنحن معك،والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى‏:‏ ‏( ‏فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ )‏ (‏المائدة‏:‏24)‏، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا ودعا له به‏.‏ وهؤلاء القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين، وهم أقلية في الجيش، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرف رأي قادة الأنصار؛ لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش، ولأن ثقل المعركة سيدور على كواهلهم، مع أن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم، فقال بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة‏:‏ ‏(‏أشيروا علىّ أيها الناس‏)‏ وإنما يريد الأنصار، وفطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ‏.‏ فقال‏:‏ والله، ولكأنك تريدنا يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أجل‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فقد آمنا بك، فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُر في الحرب، صُدَّق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تَقَرَّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله‏.‏ وفي رواية أن سعد بن معاذ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها ألا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم‏:‏ فاظعن حيث شئت، وصِلْ حَبْل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فهو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غِمْدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك‏.‏ فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال‏:‏ ‏(‏سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين، والله لكإني الآن أنظر إلى مصارع القوم‏)‏‏.‏ الجيش الإسلامي يواصل سيره ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذَفِرَان، فسلك على ثنايا يقال لها‏:‏ الأصافر، ثم انحط منها إلى بلد يقال له‏:‏ الدَّبَّة، وترك الحَنَّان بيمين ـ وهو كَثِيب عظيم كالجبل ـ ثم نزل قريبًا من بدر‏.‏ الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم بعملية الاستكشاف وهناك قام صلى الله عليه وسلم بنفسه بعملية الاستكشاف مع رفيقه في الغار أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة إذا هما بشيخ من العرب، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قريش وعن محمد وأصحابه ـ سأل عن الجيشين زيادة في التكتم ـ ولكن الشيخ قال‏:‏ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا أخبرتنا أخبرناك‏)‏، قال‏:‏ أو ذاك بذاك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏‏.‏ قال الشيخ‏:‏ فإنه بلغنى أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا ـ للمكان الذي به جيش المدينة‏.‏ وبلغنى أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا ـ للمكان الذي به جيش مكة‏.‏ ولما فرغ من خبره قال‏:‏ ممن أنتما‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نحن من ماء‏)‏، ثم انصرف عنه، وبقى الشيخ يتفوه‏:‏ ما من ماء‏؟‏ أمن ماء العراق‏؟‏ الحصول على أهم المعلومات عن الجيش المكي وفي مساء ذلك اليوم بعث صلى الله عليه وسلم استخباراته من جديد ليبحث عن أخبار العدو، وقام لهذه العملية ثلاثة من قادة المهاجرين؛ على بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد ابن أبي وقاص في نفر من أصحابه، ذهبوا إلى ماء بدر فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة، فألقوا عليهما القبض، وجاءوا بهما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فاستخبرهما القوم، فقالا‏:‏ نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان ـ لاتزال في نفوسهم بقايا أمل في الاستيلاء على القافلة ـ فضربوهما ضربًا موجعًا حتى اضطر الغلامان أن يقولا‏:‏ نحن لأبي سفيان فتركوهما‏.‏ ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مـن الصلاة قال لهم كالعاتب‏:‏ ‏(‏إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله، إنهما لقريش‏)‏‏.‏ ثم خاطب الغلامين قائلًا‏:‏ ‏(‏أخبرإني عن قريش‏)‏، قالا‏:‏ هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما‏:‏ ‏(‏كم القوم‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ كثير‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ما عدتهم‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ لا ندرى، قال‏:‏ ‏(‏كم ينحرون كل يوم‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف‏)‏، ثم قال لهما‏:‏ ‏(‏فمن فيهم من أشراف قريش‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البَخْتَرىّ بن هشام، وحكيم بن حِـزام، ونَوْفَل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطُعَيْمَة بن عدى، والنضر بن الحارث، وَزمْعَة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأميــة بن خلف في رجال سمياهم‏.‏ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال‏:‏ ‏(‏هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها‏)‏‏.‏ نزول المطر وأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلا طهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلب به الرمل، وثبت الأقدام، ومهد به المنزل، وربط به على قلوبهم‏.‏ الجيش الإسلامي يسبق إلى أهم المراكز العسكرية وتحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحُبَاب بن المنذر كخبير عسكرى وقال‏:‏ يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه‏؟‏ أم هو الرأي والحرب والمكيدة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بل هو الرأي والحرب والمكيدة‏)‏‏.‏ قال‏:‏ يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم ـ قريش ـ فننزله ونغوّر ـ أي نُخَرِّب ـ ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لقد أشرت بالرأي‏)‏‏.‏ فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو، فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من القلب‏.‏ مقر القيادة وبعد أن تم نزول المسلمين على الماء اقترح سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبني المسلمون مقرًا لقيادته؛ استعدادًا للطوارئ، وتقديرًا للهزيمة قبل النصر، حيث قال‏:‏ يا نبى الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بِمَنْ وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك‏.‏ فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا ودعا له بخير، وبني المسلمون عَرِيشًا على تل مرتفع يقع في الشمال الشرقى لميدان القتال، ويشرف على ساحة المعركة‏.‏ كما تم اختيار فرقة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم حول مقر قيادته‏.‏ تعبئة الجيش وقضاء الليل ثم عبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه‏.‏ ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده‏:‏ ‏(‏هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله‏)‏‏.‏ ثم بات رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع شجرة هنالك، وبات المسلمون ليلهم هادئي الأنفاس منيري الآفاق، غمرت الثقة قلوبهم، وأخذوا من الراحة قسطهم؛ يأملون أن يروا بشائر ربهم بعيونهم صباحًا‏:‏ ‏( ‏إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ‏ ) ( ‏الأنفال‏:‏11‏).‏ كانت هذه الليلة ليلة الجمعة، السابعة عشرة من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم في 8 أو 12 من نفس الشهر‏.‏ الجيش المكي في عرصة القتال، ووقوع الانشقاق فيه أما قريش فقضت ليلتها هذه في معسكرها بالعدوة القصوى، ولما أصبحت أقبلت في كتائبها، ونزلت من الكثيب إلى وادي بدر‏.‏ وأقبل نفر منهم إلى حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏[‏دعوهم‏]‏، فما شرب أحد منهم يومئذ إلا قتل، سوى حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل، وأسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان إذا اجتهد في اليمين قال‏:‏ لا والذي نجاني من يوم بدر‏.‏ فلما اطمأنت قريش بعثت عُمَيْر بن وهب الجُمَحِى للتعرف على مدى قوة جيش المدينة، فدار عمير بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم فقال‏:‏ ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلًا أو ينقصون، ولكن أمهلونى حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد‏؟‏ فضرب في الوادى حتى أبعد، فلم ير شيئًا، فرجع إليهم فقال‏:‏ ما وجدت شيئًا، ولكنى قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم،فإذا أصابوا منكم أعدادكم فما خير العيش بعد ذلك‏؟‏ فروا رأيكم‏.‏ وحينئذ قامت معارضة أخرى ضد أبي جهل ـ المصمم على المعركة ـ تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال، فقد مشى حكيم بن حزام في الناس، وأتى عتبة ابن ربيعة فقال‏:‏ يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر‏؟‏ قال‏:‏ وما ذاك يا حكيم‏؟‏ قال‏:‏ ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمى ـ المقتول في سرية نخلة ـ فقال عتبة‏:‏ قد فعلت‏.‏ أنت ضامن علىّ بذلك‏.‏ إنما هو حليفي، فعلى عقله ‏[‏ديته‏]‏ وما أصيب من ماله‏.‏ ثم قال عتبة لحكيم بن حزام‏:‏ فائت ابن الحَنْظَلِيَّةِ ـ أبا جهل، والحنظلية أمه ـ فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره‏.‏ ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبًا فقال‏:‏ يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لايزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلًا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألْفَاكُمْ ولم تَعَرَّضُوا منه ما تريدون‏.‏ وانطلق حكيم بن حزام إلى أبي جهل ـ وهو يهيئ درعًا له ـ قال‏:‏ يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلنى بكذا وكذا، فقال أبو جهل‏:‏ انتفخ والله سَحْرُهُ حين رأي محمدًا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأي أن محمدًا وأصحابه أكلة جَزُور، وفيهم ابنه ـ وهو أبو حذيفة بن عتبة كان قد أسلم قديمًا وهاجر ـ فَتَخَوَّفَكُمْ عليه‏.‏ ولما بلغ عتبة قول أبي جهل‏:‏ انتفخ والله سحره، قال عتبة‏:‏ سيعلم مُصَفِّر اسْتَه من انتفخ سحره، أنا أم هو‏؟‏ وتعجل أبو جهل، مخافة أن تقوى هذه المعارضة، فبعث على إثر هذه المحاورة إلى عامر بن الحضرمى ـ أخي عمرو بن الحضرمى المقتول في سرية عبد الله بن جحش ـ فقال‏:‏ هذا حليفك ‏[‏أي عتبة‏]‏ يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانْشُد خُفْرَتَك ، ومَقْتَلَ أخيك، فقام عامر فكشف عن استه، وصرخ‏:‏ واعمراه، واعمراه، فحمى القوم، وحَقِبَ أمرهم، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة‏.‏ وهكذا تغلب الطيش على الحكمة، وذهبت هذه المعارضة دون جدوى‏.‏ الجيشان يتراآن ولما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اللهم هذه قريش قد أقبلت بخُيَلائها وفَخْرها تُحَادُّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحْنِهُم ‏[‏الغداة‏]‏‏)‏ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر‏:‏ ‏(‏إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يَرْشُدُوا‏)‏‏.‏ وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوف المسلمين، وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب، فقد كان في يديه قِدْح يعدل به، وكان سَوَاد بن غَزِيَّة مُسْتَنْصِلًا من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال‏:‏ ‏(‏استو يا سواد‏)‏، فقال سواد‏:‏ يا رسول الله، أوجعتنى فأقدنى، فكشف عن بطنه وقال‏:‏ ‏(‏استقد‏)‏، فاعتنقه سواد وقبل بطنه، فقال‏:‏ ‏(‏ما حملك على هذا يا سواد‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ يا رسول الله، قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك‏.‏ فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير‏.‏ ولما تم تعديل الصفوف أصدر أوامره إلى جيشه بألا يبدأوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة، ثم أدلى إليهم بتوجيه خـاص في أمـر الحـرب، فقال‏:‏ ‏(‏إذا أكثبوكم ـ يعنى اقتربوا منكم ـ فارموهم، واستبقوا نبلكم، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم‏)‏ ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة،وقام سعد بن معاذ بكتيبة الحراسة على باب العريش‏.‏ أما المشركون فقد استفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال‏:‏ اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لانعرفه،فأحِنْه الغداة،اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم، وفي ذلك أنزل الله‏:‏ ‏) إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ‏ )‏ ‏[‏الأنفال‏:‏19‏]. ساعة الصفر وأول وقود المعركة وكان أول وقود المعركة الأسود بن عبد الأسد المخزومى ـ وكان رجلًا شرسًا سيئ الخلق ـ خرج قائلًا‏:‏ أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه‏.‏ فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فلما التقيا ضربه حمزة فأطَنَّ قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دمًا نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن تبر يمينه، ولكن حمزة ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض‏.‏ المبـــارزة وكان هذا أول قتل أشعل نار المعركة، فقد خرج بعده ثلاثة من خيرة فرسان قريش كانوا من عائلة واحدة، وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، فلما انفصلوا من الصف طلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار عَوْف ومُعَوِّذ ابنا الحارث ـ وأمهما عفراء ـ وعبد الله بن رواحة، فقالوا‏:‏ من أنتم‏؟‏ قالوا‏:‏ رهط من الأنصار‏.‏ قالوا‏:‏ أكِِفَّاء كرام، ما لنا بكم حاجة، وإنما نريد بني عمنا، ثم نادى مناديهم‏:‏ يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا على‏)‏، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا‏:‏ من أنتم‏؟‏ فأخبروهم، فقالوا‏:‏ أنتم أكفاء كرام، فبارز عبيدة ـ وكان أسن القوم ـ عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز على الوليد‏.‏ فأما حمزة وعلى فلم يمهلا قرنيهما أن قتلاهما، وأما عبيدة فاختلف بينه وبين قرنه ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم كَرَّ على وحمزة على عتبة فقتلاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، فلم يزل ضَمِنًا حتى مات بالصفراء،بعد أربعة أو خمسة أيام من وقعة بدر، حينما كان المسلمون في طريقهم إلى المدينة‏.‏ وكان على يقسم بالله أن هذه الآية نــزلت فيهم‏:‏ ‏( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ‏ )‏ الآية ‏[‏الحج‏:‏19‏]‏‏.‏ الهجوم العام وكانت نهاية هذه المبارزة بداية سيئة بالنسبة للمشركين؛ إذ فقدوا ثلاثة من خيرة فرسانهم وقادتهم دفعة واحدة،فاستشاطوا غضبًا،وكروا على المسلمين كرة رجل واحد‏.‏ وأما المسلمون فبعد أن استنصروا ربهم واستغاثوه وأخلصوا له وتضرعوا إليه تلقوا هجمات المشركين المتتالية، وهم مرابطون في مواقعهم، واقفون موقف الدفاع، وقد ألحقوا بالمشركين خسائر فادحة، وهم يقولون‏:‏ أحَد أحَد‏.‏ الرسول صلى الله عليه وسلم يناشد ربه أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان منذ رجوعه بعد تعديل الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول‏:‏ ‏(‏اللّهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك‏)‏، حتى إذا حَمِىَ الوَطِيسُ، واستدارت رحى الحرب بشدة واحتدم القتال، وبلغت المعركة قمتها، قال‏:‏ ‏(‏اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا‏)‏‏.‏ وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق، وقال‏:‏ حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك‏.‏ وأوحى الله إلى ملائكته‏:‏ ‏( ‏أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ )‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 12‏]‏،وأوحى إلى رسوله‏:‏ ‏)‏ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ‏ )‏ ‏[‏الأنفال‏:‏9‏]‏ ـ أي إنهم ردف لكم، أو يردف بعضهم بعضًا أرسالًا، لا يأتون دفعة واحدة‏.‏ نزول الملائكة وأغفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة واحدة، ثم رفع رأسه فقال‏:‏ ‏(‏أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثَنَاياه النَّقْعُ‏)‏ ‏[‏أي الغبار‏]‏ وفي رواية ابن إسحاق‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، وعلى ثناياه النقع‏)‏‏.‏ ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب العريش وهو يثب في الدرع ويقول‏:‏ ‏( ‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ‏ )‏ ‏[‏القمر‏:‏45‏]‏ ،ثم أخذ حَفْنَةً من الحَصْبَاء، فاستقبل بها قريشًا وقال‏:‏ ‏(‏شاهت الوجوه‏)‏ ورمى بها في وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه من تلك القبضة، وفي ذلك أنزل الله‏:‏ )‏ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى‏ )‏ ‏[‏الأنفال‏:‏17‏]‏‏.‏ الهجوم المضاد وحينئذ أصدر إلى جيشه أوامره الأخيرة بالهجمة المضادة فقال‏:‏ ‏(‏شدوا‏)‏، وحرضهم على القتال، قائلًا‏:‏ ‏(‏والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة‏)‏، وقال وهو يحضهم على القتال‏:‏ ‏(‏قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض‏)‏، ‏[‏وحينئذ‏]‏ قال عُمَيْر بن الحُمَام‏:‏ بَخْ بَخْ‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما يحملك على قولك‏:‏ بخ بخ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لا، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال‏:‏ ‏(‏فإنك من أهلها‏)‏‏.‏ فأخرج تمرات من قَرَنِه فجعل يأكل منهن، ثم قال‏:‏ لئن أنا حييت حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل‏.‏ وكذلك سأله عوف بن الحارث ـ ابن عفراء ـ فقال‏:‏ يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏غَمْسُه يده في العَدُوّ حاسرًا‏)‏، فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل‏.‏ وحين أصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر بالهجوم المضاد كانت حدة هجمات العدو قد ذهبت وفتر حماسه، فكان لهذه الخطة الحكيمة أثر كبير في تعزيز موقف المسلمين، فإنهم حينما تلقوا أمر الشد والهجوم ـ وقد كان نشاطهم الحربي على شبابه ـ قاموا بهجوم كاسح مرير، فجعلوا يقلبون الصفوف، ويقطعون الأعناق‏.‏ وزادهم نشاطًا وحدة أن رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع، وقد تقدمهم فلم يكن أحد أقرب من المشركين منه، وهو يقول في جزم وصراحة‏:‏ ‏( ‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ )‏ فقاتل المسلمون أشد القتال ونصرتهم الملائكة‏.‏ ففي رواية ابن سعد عن عكرمة قال‏:‏ كان يومئذ يَنْدُر رأس الرجل لا يدرى من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدرى من ضربها‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول‏:‏ أقدم حَيْزُوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخْضَرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصارى فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏(‏صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة‏)‏‏.‏ وقال أبو داود المازنى‏:‏ إني لأتبع رجلًا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيرى، وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا،فقال العباس‏:‏ إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح، من أحسن الناس وجهًا على فرس أبْلَق، وما أراه في القوم، فقال الأنصاري‏:‏ أنا أسرته يا رسول الله، فقال‏:‏ ‏(‏اسكت فقد أيدك الله بملك كريم‏)‏‏.‏ وقال علي‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ولأبي بكر‏:‏ ‏(‏مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، أو يكون في القتال‏)‏‏.‏ إبليس ينسحب عن ميدان القتال ولما رأى إبليس ـ وكان قد جاء في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي كما ذكرنا، ولم يكن فارقهم منذ ذلك الوقت ـ فلما رأي ما يفعل الملائكة بالمشركين فر ونكص على عقبيه، وتشبث به الحارث بن هشام ـ وهو يظنه سراقة ـ فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا، وقال له المشركون‏:‏ إلى أين يا سراقة‏؟‏ ألم تكن قلت‏:‏ إنك جار لنا، لا تفارقنا‏؟‏ فقال‏:‏ ‏( ‏إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏ )‏ ‏[‏الأنفال‏:‏48‏]‏، ثم فر حتى ألقى نفسه في البحر‏.‏ الهزيمة الساحقة وبدأت أمارات الفشل والاضطراب في صفوف المشركين، وجعلت تتهدم أمام حملات المسلمين العنيفة، واقتربت المعركة من نهايتها، وأخذت جموع المشركين في الفرار والانسحاب المبدد، وركب المسلمون ظهورهم يأسرون ويقتلون، حتى تمت عليهم الهزيمة‏.‏ صمود أبي جهل أما الطاغية الأكبر أبو جهل، فإنه لما رأى أول أمارات الاضطراب في صفوفه حاول أن يصمد في وجه هذا السيل، فجعل يشجع جيشه ويقول لهم في شراسة ومكابرة‏:‏ لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد، فإنهم قد عجلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، ولا ألفين رجلًا منكم قتل منهم رجلًا، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم بسوء صنيعهم‏.‏ ولكن سرعان ما تبدت له حقيقة هذه الغطرسة، فما لبث إلا قليلًا حتى أخذت الصفوف تتصدع أمام تيارات هجوم المسلمين‏.‏ نعم، بقى حوله عصابة من المشركين ضربت حوله سياجًا من السيوف، وغابات من الرماح، ولكن عاصفة هجوم المسلمين بددت هذا السياج، وأقلعت هذه الغابات، وحينئذ ظهر هذا الطاغية، ورآه المسلمون يجول على فرسه، وكان الموت ينتظر أن يشرب من دمه بأيدى غلامين أنصاريين‏.‏ مصرع أبي جهل قال عبد الرحمن بن عوف رضي اله عنه إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت، فإذا عن يمينى وعن يسارى فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرًا من صاحبه‏:‏ يا عم، أرني أبا جهل، فقلت‏:‏ يابن أخي، فما تصنع به‏؟‏ قال‏:‏ أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك‏.‏ قال‏:‏ وغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس‏.‏ فقلت‏:‏ ألا تريان‏؟‏ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه، قال‏:‏ فابتدراه فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـقال‏:‏ ‏(‏أيكما قتله‏؟‏‏)‏ فقـال كـل واحد منهما‏:‏ أنا قتلته، قال‏:‏ ‏(‏هل مسحتما سيفيكما‏؟‏‏)‏ فـقالا‏:‏ لا‏.‏ فنـظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلــى السيفـين فقال‏:‏ ‏(‏كلاكما قتله‏)‏، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسَلَبِه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومُعَوِّذ ابن عفراء‏.‏ وقال ابن إسحاق‏:‏ قال معاذ بن عمرو بن الجموح‏:‏ سمعت القوم، وأبو جهل في مثل الحَرَجَة ـ والحرجة‏:‏ الشجر الملتف، أو شجرة من الأشجار لا يوصل إليها، شبه رماح المشركين وسيوفهم التي كانت حول أبي جهل لحفظه بهذه الشجرة ـ وهم يقولون‏:‏ أبو الحكم لا يخلص إليه، قال‏:‏ فلما سمعتها جعلته من شاني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطَنَّتْ قدمه ـ أطارتها ـ بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تَطِيحُ من تحت مِرْضِخَة النوى حين يضرب بها‏.‏ قال‏:‏ وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عَامَّةَ يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تَمَطَّيْتُ بها عليها حتى طرحتها، ثم مر بأبي جهل ـ وهو عَقِيرٌ ـ مُعَوِّذ ابن عفراء فضربه حتى أثبته، فتركه وبه رَمَق، وقاتل معوذ حتى قتل‏.‏ ولما انتهت المعركة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من ينظر ما صنع أبو جهل‏؟‏‏)‏ فتفرق الناس في طلبه، فوجده عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وبه آخر رمق، فوضع رجله على عنقه وأخذ لحيته ليحتز رأسه، وقال‏:‏ هل أخزاك الله يا عدو الله‏؟‏ قال‏:‏ وبماذا أخزاني‏؟‏ أأعمد من رجل قتلتموه‏؟‏ أو هل فوق رجل قتلتموه‏؟‏ وقال‏:‏ فلو غير أكَّار قتلنى، ثم قال‏:‏ أخبرني لمن الدائرة اليوم‏؟‏ قال‏:‏ لله ورسوله، ثم قال لابن مسعود ـ وكان قد وضع رجله على عنقه‏:‏ لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رُوَيْعِىَ الغنم، وكان ابن مسعود من رعاة الغنم في مكة‏.‏ وبعد أن دار بينهما هذا الكلام احتز ابن مسعود رأسه، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل، فقال‏:‏ ‏(‏الله الذي لا إله إلا هو‏؟‏‏)‏ فرددها ثلاثًا، ثم قال‏:‏ ‏(‏الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، انطلق أرنيه‏)‏، فانطلقـنا فــأريته إيـاه، فقال‏:‏ ‏(‏هذا فرعون هذه الأمة‏)‏‏.‏ من روائع الإيمان في هذه المعركة لقد أسلفنا نموذجين رائعين من عمير بن الحمام وعوف بن الحارث ـ ابن عفراء ـ وقد تجلت في هذه المعركة مناظر رائعة تبرز فيها قوة العقيدة وثبات المبدأ، ففي هذه المعركة التقى الآباء بالأبناء، والإخوة بالإخوة، خالفت بينهما المبادئ ففصلت بينهما السيوف، والتقى المقهور بقاهره فشفي منه غيظه‏.‏ 1- روى ابن إسحاق عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه‏:‏ ‏(‏إني قد عرفت أن رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقى أبا البَخْتَرِيّ بن هشام فلا يقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهًا‏)‏، فقال أبو حذيفة بن عتبة‏:‏ أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه ـ أو لألجمنه ـ بالسيف، فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لعمر بن الخطاب‏:‏ ‏(‏يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف‏)‏، فقال عمر‏:‏ يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق‏.‏ فكان أبو حذيفة يقول‏:‏ ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها عنى الشهادة‏.‏ فقتل يوم اليمامة شهيدًا‏.‏ 2- وكان النهي عن قتل أبي البختري؛ لأنه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، وكان لا يؤذيه، ولا يبلغ عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض صحيفة مقاطعة بني هاشم وبني المطلب‏.‏ ولكن أبا البختري قتل على رغم هذا كله، وذلك أن المُجَذَّر بن زياد الْبَلَوِىّ لقيه في المعركة ومعه زميل له، يقاتلان سويًا، فقال المجذر‏:‏ يا أبا البخترى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك، فقال‏:‏ وزميلي‏؟‏ فقال المجذر‏:‏ لا والله ما نحن بتاركي زميلك، فقال‏:‏والله إذن لأموتن أنا وهو جميعًا، ثم اقتتلا، فاضطر المجذر إلى قتله‏.‏ 3- كان عبد الرحمن بن عوف وأمية بن خلف صديقين في الجاهلية بمكة، فلما كان يوم بدر مر به عبد الرحمن، وهو واقف مع ابنه على بن أمية، آخذًا بيده، ومع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، وهو يحملها، فلما رآه قال‏:‏ هل لك في‏؟‏ فأنا خير من هذه الأدراع التي معك، ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن‏؟‏ ـ يريد أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن ـ فطرح عبد الرحمن الأدراع، وأخذهما يمشى بهما، قال عبد الرحمن‏:‏ قال لي أمية بن خلف، وأنا بينه وبين ابنه‏:‏ من الرجل منكم المعلم بريشة النعامة في صدره‏؟‏ قلت‏:‏ ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال‏:‏ ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل‏.‏ قال عبد الرحمن‏:‏ فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي ـ وكان أمية هو الذي يعذب بلالًا بمكة ـ فقال بلال‏:‏ رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا‏.‏ قلت‏:‏ أي بلال، أسيري‏.‏ قال‏:‏ لا نجوت إن نجا‏.‏ قلت‏:‏ أتسمع يابن السوداء‏.‏ قال‏:‏ لا نجوت إن نجا‏.‏ ثم صرخ بأعلى صوته‏:‏ يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا‏.‏ قال‏:‏ فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل الْمَسَكَة، وأنا أذب عنه، قال‏:‏ فأخلف رجل السيف، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، فقلت‏:‏ انج بنفسك، ولا نجاء بك، فوالله ما أغني عنك شيئًا‏.‏ قال‏:‏ فَهَبَرُوهُمَا بأسيافهم حتى فرغوا منهما، فكان عبد الرحمن يقول‏:‏ يرحم الله بلالًا، ذهبت أدراعي، وفجعني بأسيري‏.‏ وروى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف قال‏:‏ كاتبت أمية بن خلف كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي ـ أي خاصتي ومالي ـ بمكة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة‏.‏‏.‏‏.‏ فلما كان يوم بدر خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس، فأبصره بلال، فخرج حتى وقف على مجلس الأنصار فقال‏:‏ أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه ليشغلهم، فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا، وكان رجلًا ثقيلًا، فلما أدركونا قلت له‏:‏ ابرك، فبرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه‏.‏ وكان عبد الرحمن يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه‏.‏ 4- وقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومئذ خاله العاص بن هشام بن المغيرة، ولم يلتفت إلى قرابته منه، ولكن حين رجع إلى المدينة قال للعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الأسر‏:‏ يا عباس أسلم، فوالله أن تسلم أحب إلى من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك‏.‏ 5- ونادى أبو بكر الصديق رضي الله عنه ابنه عبد الرحمن ـ وهو يومئذ مع المشركين ـ فقال‏:‏ أين مالي يا خبيث‏؟‏ فقال عبد الرحمن‏:‏ لَمْ يَبْقَ غَيْرُ شَكَّةٍ ويَعْبُوب وصَارِمٍ يَقْتُلُ ضُلاَّل الشِّيَبْ 6ـ ولما وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، وسعد بن معاذ قائم على بابه يحرسه متوشحًا سيفه، رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له‏:‏ والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم‏؟‏ قال‏:‏ أجل والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك أحب إلىّ من استبقاء الرجال‏.‏ 7- وانقطع يومئذ سيف عُكَّاشَة بن مِحْصَن الأسدي، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جِذْلًا من حطب، فقال‏:‏ ‏(‏قاتل بهذا يا عكاشة‏)‏، فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه، فعاد سيفًا في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله تعالى للمسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العَوْن، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد، حتى قتل في حروب الردة وهو عنده‏.‏ 8- وبعد انتهاء المعركة مر مصعب بن عمير العبدري بأخيه أبي عزيز بن عمير الذي خاض المعركة ضد المسلمين،مر به وأحد الأنصار يشد يده، فقال مصعب للأنصاري‏:‏ شد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك، فقال أبو عزيز لأخيه مصعب‏:‏ أهذه وصاتك بي‏؟‏ فقال مصعب‏:‏ إنه ـ أي الأنصاري ـ أخي دونك‏.‏ 9- ولما أمر بإلقاء جيف المشركين في القَلِيب، وأخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه ابنه أبي حذيفة، فإذا هو كئيب قد تغير، فقال‏:‏ ‏(‏يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ لا والله، يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا مصرعه، ولكنني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلًا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك‏.‏ فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقال له خيرًا‏. قتلى الفريقين انتهت المعركة بهزيمة ساحقة بالنسبة للمشركين، وبفتح مبين بالنسبة للمسلمين، وقد استشهد من المسلمين في هذه المعركة أربعة عشر رجلًا، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار‏.‏ أما المشركون فقد لحقتهم خسائر فادحة، قتل منهم سبعون، وأسر سبعون‏.‏ وعامتهم القادة والزعماء والصناديد‏.‏ ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى فقال‏:‏ ‏(‏بئس العشيرة كنتم لنبيكم؛ كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس‏)‏، ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قُلُب بدر‏.‏ وعن أبي طلحة‏:‏ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طَويّ من أطواء بدر خَبِيث مُخْبث‏.‏ وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرْصَة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى، واتبعه أصحابه‏.‏ حتى قام على شفة الرَّكِىّ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، ‏(‏يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله‏؟‏ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا‏؟‏‏)‏ فقال عمر‏:‏ يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها‏؟‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم‏)‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون‏)‏‏.‏ مكة تتلقى نبأ الهزيمة فر المشركون من ساحة بدر في صورة غير منظمة؛ تبعثروا في الوديان والشعاب، واتجهوا صوب مكة مذعورين، لا يدرون كيف يدخلونها خجلًا‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ وكان أول من قدم بمصاب قريش الحَيْسُمَان بن عبد الله الخزاعى، فقالوا‏:‏ ما وراءك‏؟‏ قال‏:‏ قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف، في رجال من الزعماء سماهم‏.‏ فلما أخذ يعد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحِجْر‏:‏ والله إن يعقل هذا، فاسألوه عنى‏.‏ قالوا‏:‏ ما فعل صفوان بن أمية‏؟‏ قال‏:‏ ها هو ذا جالس في الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا‏.‏ وقال أبو رافع ـ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كنت غلامًا للعباس وكان الإسلام قد دخلنا أهلَ البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يكتم إسلامه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزًا، وكنت رجلًا ضعيفًا أعمل الأقداح، أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحى وعندى أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طُنُب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهرى، فبينما هو جالس إذ قال الناس‏:‏ هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال له أبو لهب‏:‏ هلم إلىَّ، فعندك لعمرى الخبر، قال‏:‏ فجلس إليه،والناس قيام عليه‏.‏ فقال‏:‏ يابن أخي، أخبرني كيف كان أمر الناس‏؟‏ قال‏:‏ ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لَقِينَا رجال بيض على خيل بُلْق بين السماء والأرض، والله ما تُلِيق شيئًا، ولا يقوم لها شيء‏.‏ قال أبو رافع‏:‏ فرفعت طنب الحجرة بيدى، ثم قلت‏:‏ تلك والله الملائكة‏.‏ قال‏:‏ فرفع أبو لهب يده، فضرب بها وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملنى فضرب بى الأرض، ثم برك علىّ يضربني، وكنت رجلًا ضعيفًا فقامت أم الفضل إلى عمود من عُمُد الحجرة فأخذته، فضربته به ضربة فَلَعَتْ في رأسه شجة منكرة، وقالت‏:‏ استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلًا، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة ‏[‏وهي قرحة تتشاءم بها العرب‏]‏ فقتلته، فتركه بنوه، وبقى ثلاثة أيام لا تقرب جنازته، ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السبة في تركه حفروا له، ثم دفعوه بعود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه‏.‏ هكذا تلقت مكة أنباء الهزيمة الساحقة في ميدان بدر، وقد أثر ذلك فيهم أثرًا سيئًا جدًا، حتى منعوا النياحة على القتلى؛ لئلا يشمت بهم المسلمون‏.‏ ومن الطرائف أن الأسود بن المطلب أصيب ثلاثة من أبنائه يوم بدر، وكان يحب أن يبكي عليهم، وكان ضرير البصر، فسمع ليلًا صوت نائحة، فبعث غلامه، وقال‏:‏ انظر هل أحل النَّحْبُ‏؟‏ هل بكت قريش على قتلاها‏؟‏ لعلي أبكي على أبي حكيمة ـ ابنه ـ فإن جوفي قد احترق، فرجع الغلام وقال‏:‏ إنما هي امرأة تبكى على بعير لها أضلته، فلم يتمالك الأسود نفسه وقال‏:‏ أتبكي أن يضل لها بعير ويمنعها من النوم السهود فلا تبكي على بكر ولكن على بدر تقاصرت الجدود على بدر سراة بني هصيص ومخزوم ورهط أبي الوليد وبكى إن بكيت على عقيل وبكى حارثا أسد الأسود وبكيهم ولا تسمى جميعا وما لأبي حكيمة من نديد ألا قد ساد بعدهم رجال ولولا يوم بدر لم يسودوا المدينة تتلقى أنباء النصر ولما تم الفتح للمسلمين أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيرين إلى أهل المدينة؛ ليعجل لهم البشرى، أرسل عبد الله بن رواحة بشيرًا إلى أهل العالية، وأرسل زيد بن حارثة بشيرًا إلى أهل السافلة‏.‏ وكان اليهود والمنافقون قد أرجفوا في المدينة بإشاعة الدعايات الكاذبة، حتى إنهم أشاعوا خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، ولما رأي أحد المنافقين زيد بن حارثة راكبًا القَصْوَاء ـ ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ لقد قتل محمد، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وجاء فَلاّ فلما بلغ الرسولان أحاط بهما المسلمون، وأخذوا يسمعون منهما الخبر، حتى تأكد لديهم فتح المسلميـن، فَعَمَّت البهجـة والسـرور، واهتزت أرجاء المدينة تهليلًا وتكبيرًا، وتقدم رءوس المسلمين ـ الذين كانوا بالمدينة ـ إلى طريق بدر، ليهنئوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الفتح المبين‏.‏ قال أسامة بن زيد‏:‏ أتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت عند عثمان بن عفان، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفنى عليها مع عثمان‏.‏ الجيش النبوي يتحرك نحو المدينة أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر بعد انتهاء المعركة ثلاثة أيام، وقبل رحيله من مكان المعركة وقع خلاف بين الجيش حول الغنائم، ولما اشتد هذا الخلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يرد الجميع ما بأيديهم، ففعلوا، ثم نزل الوحى بحل هذه المشكلة‏.‏ عن عبادة بن الصامت قال‏:‏ خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يطاردون ويقتلون، وأكبت طائفة على المغنم يحرزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لا يصيب العدو منه غِرَّة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم‏:‏ نحن حويناها، وليس لأحد فيها نصيب،وقال الذين خرجوا في طلب العدو‏:‏ لستم أحق بها منا، نحـن نحـينا منـها العـدو وهزمناه، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به، فأنزل الله‏:‏ ‏( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏ )‏ ‏[‏الأنفال‏:‏1‏]‏‏.‏ فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين‏.‏ وبعد أن أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ثلاثة أيام تحرك بجيشه نحو المدينة ومعه الأسارى من المشركين، واحتمل معه النفل الذي أصيب من المشركين، وجعل عليه عبد الله بن كعب، فلما خرج من مَضِيق الصفراء نزل على كَثِيب بين المضيق وبين النَّازِيَة، وقسم هنالك الغنائم على المسلمين على السواء بعد أن أخذ منها الخمس‏.‏ وعندما وصل إلى الصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث ـ وكان هو حامل لواء المشركين يوم بدر، وكان من أكابر مجرمى قريش، ومن أشد الناس كيدًا للإسلام وإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فضرب عنقه علي بن أبي طالب‏.‏ ولمـا وصل إلى عِرْق الظُّبْيَةِ أمر بقتل عُقْبَة بن أبي مُعَيْط ـ وقد أسلفنا بعض ما كان عليه من إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي كان ألقى سَلا جَزُور على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، وهو الذي خنقه بردائه وكاد يقتله، لولا اعتراض أبي بكر رضي الله عنه ـ فلما أمر بقتله قال‏:‏ من للصِّبْيَةِ يا محمد‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏النار‏)‏‏.‏ فقتله عاصم ابن ثابت الأنصارى، ويقال‏:‏ علي بن أبي طالب‏.‏ وكان قتل هذين الطاغيتين واجبًا نظرًا إلى سوابقهما، فلم يكونا من الأسارى فحسب، بل كانا من مجرمى الحرب بالاصطلاح الحديث‏.‏ وفود التهنئة ولما وصل صلى الله عليه وسلم إلى الرَّوْحَاء لقيه رءوس المسلمين ـ الذين كانوا قد خرجوا للتهنئة والاستقبال حين سمعوا بشارة الفتح من الرسولين ـ يهنئونه بالفتح‏.‏ وحينئذ قال لهم سَلَمَة بن سلامة‏:‏ما الذي تهنئوننا به‏؟‏ فوالله إن لَقِينا إلا عجائز صُلْعًا كالْبُدْن المعُقَّلَةِ، فنحرناها، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ ‏(‏يا بن أخي، أولئك الملأ‏)‏‏.‏ وقال أسيد بن حضير‏:‏ يا رسول الله، الحمد لله الذي أظفرك، وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏صدقت‏)‏‏.‏ ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مظفرًا منصورًا قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أبي وأصحابه في الإسلام ظاهرًا‏.‏ وقدم الأسارى بعد بلوغه المدينة بيوم، فقسمهم على أصحابه، وأوصى بهم خيرًا‏.‏ فكان الصحابة يأكلون التمر، ويقدمون لأسرائهم الخبز، عملًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم قضية الأسارى ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة استشار أصحابه في الأسارى، فقال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعَشِيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله، فيكونوا لنا عضدًا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما ترى يابن الخطاب‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننى من فلان ـ قريب لعمر ـ فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عَقِيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين‏.‏ وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم‏.‏ فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء‏:‏ فلما كان من الغد قال عمر‏:‏ فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت‏:‏ يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك‏؟‏ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أبكى للذى عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، فقد عرض علىّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة‏)‏ ـ شجرة قريبة‏.‏ وأنزل الله تعالى‏:‏ ‏( ‏مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏ )‏ ‏[‏الأنفال‏:‏67، 68‏]‏‏.‏ والكتاب الذي سبق من الله قيل‏:‏ هو قوله تعالى‏:‏ ‏( ‏فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء‏ )‏ ‏[‏محمد‏:‏ 4‏]‏‏.‏ ففيه الإذن بأخذ الفدية من الأسارى؛ ولذلك لم يعذبوا، وإنما نزل العتاب لأنهم أسروا الكفار قبل أن يثخنوا في الأرض، وقيل‏:‏ بل الآية المذكورة نزلت فيما بعد، وإنما الكتاب الذي سبق من الله هو ما كان في علم الله من إحلال الغنائم لهذه الأمة، أو من المغفرة والرحمة لأهل بدر‏.‏ وحيث إن الأمر كان قد استقر على رأي الصديق فقد أخذ منهم الفداء، وكان الفداء من أربعة آلاف درهم إلى ثلاثة آلاف درهم إلى ألف درهم، وكان أهل مكة يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن عنده فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم، فإذا حذقوا فهو فداء‏.‏ ومنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدة من الأسارى فأطلقهم بغير فداء، منهم‏:‏ المطلب ابن حَنْطَب، وصَيْفي بن أبي رفاعة، وأبو عزة الجُمَحِى، وهو الذي قتله أسيرا في أحد، وسيأتي‏.‏ ومنّ على خَتَنِه أبي العاص بشرط أن يخلى سبيل زينب، وكانت قد بعثت في فدائه بمال بعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة، أدخلتها بها على أبي العاص، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، واستأذن أصحابه في إطلاق أبي العاص ففعلوه، واشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي العاص أن يخلى سبيل زينب، فخلاها فهاجرت، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار، فقال‏:‏ ‏(‏كونا ببطن يَأجَج حتى تمر بكما زينب فتصحباها‏)‏، فخرجا حتى رجعا بها‏.‏ وقصة هجرتها طويلة ومؤلمة جدًا‏.‏ وكان في الأسرى سهيل بن عمرو، وكان خطيبًا مِصْقَعًا، فقال عمر‏:‏ يا رسول الله، انزع ثنيتي سهيل بن عمرو يَدْلَعْ لسَانُه، فلا يقوم خطيبًا عليك في موطن أبدًا، بيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفض هذا الطلب؛ احترازًا عن المُثْلَةِ، وعن بطش الله يوم القيامة‏.‏ وخرج سعد بن النعمان معتمرًا فحبسه أبو سفيان، وكان ابنه عمرو بن أبي سفيان في الأسرى، فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل سعد‏.‏ القرآن يتحدث حول موضوع المعركة وحول موضوع هذه المعركة نزلت سورة الأنفال، وهذه السورة تعليق إلهي ـ إن صح هذا التعبير ـ على هذه المعركة، يختلف كثيرًا عن التعاليق التي ينطق بها الملوك والقواد بعد الفتح‏.‏ إن الله تعالى لفت أنظار المسلمين ـ أولًا ـ إلى بعض التقصيرات الأخلاقية التي كانت قد بقيت فيهم، وصدر بعضها منهم؛ ليسعوا في تحلية نفوسهم بأرفع مراتب الكمال، وفي تزكيتها عن هذه التقصيرات‏.‏ ثم ثَنَّى بما كان في هذا الفتح من تأييد الله وعونه ونصره بالغيب للمسلمين‏.‏ ذكر لهم ذلك لئلا يغتروا بشجاعتهم وبسالتهم، فتتسور نفوسهم الغطرسة والكبرياء، بل ليتوكلوا على الله، ويطيعوه ويطيعوا رسوله عليه الصلاة والسلام‏.‏ ثم بين لهم الأهداف والأغراض النبيلة التي خاض الرسول صلى الله عليه وسلم لأجلها هذه المعركة الدامية الرهيبة، ودلهم على الصفات والأخلاق التي تتسبب في الفتوح في المعارك‏.‏ ثم خاطب المشركين والمنافقين واليهود وأسارى المعركة، ووعظهم موعظة بليغة، تهديهم إلى الاستسلام للحق والالتزام به‏.‏ ثم خاطب المسلمين حول موضوع الغنائم، وقنن لهم مبادئ وأسس هذه المسألة‏.‏ ثم بين وشرع لهم من قوانين الحرب والسلم ما كانت الحاجة تمس إليها بعد دخول الدعوة الإسلامية في هذه المرحلة، حتى تمتاز حروب المسلمين عن حروب أهل الجاهلية، ويتفوق المسلمون في الأخلاق والقيم والمثل، ويتأكد للدنيا أن الإسلام ليس مجرد وجهة نظر، بل هو دين يثقف أهله عمليًا على الأسس والمبادئ التي يدعو إليها‏.‏ ثم قرر بنودًا من قوانين الدولة الإسلامية التي تقيم الفرق بين المسلمين الذين يسكنون داخل حدودها، والذين يسكنون خارجها‏.‏ وفي السنة الثانية من الهجرة فرض صيام رمضان، وفرضت زكاة الفطر، وبينت أنصبة الزكاة الأخرى، وكانت فريضة زكاة الفطر وتفصيل أنصبة الزكاة الأخرى تخفيفًا لكثير من الأوزار التي كان يعانيها عدد كبير من المهاجرين اللاجئين الذين كانوا فقراء لا يستطيعون ضربًا في الأرض‏.‏ ومن أحسن المواقع وأروع الصدقات أن أول عيد تعيد به المسلمون في حياتهم هو العيد الذي وقع في شوال سنة 2 هـ، إثر الفتح المبين الذي حصل لهم في غزوة بدر‏.‏ فما أروع هذا العيد السعيد الذي جاء به الله بعد أن تَوَّجَ هامتهم بتاج الفتح والعز، وما أروق منظر تلك الصلاة التي صلوها بعد أن خرجوا من بيوتهم يرفعون أصواتهم بالتكبير والتوحيد والتحميد، وقد فاضت قلوبهم رغبة إلى الله، وحنينًا إلى رحمته ورضوانه بعد ما أولاهم به من النعم،وأيدهم به من النصر، وقد ذكرهم بذلك قائلًا‏:‏ ( ‏وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكرُونَ ) ‏( ‏الأنفال‏:‏26).
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: *** أحداث رمضانية ***

ولادة الحسن بن علي بن أبي طالب
التاريخ الهجري 3 هـ

أبو محمد القرشي الهاشمي، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ابنته فاطمة الزهراء، وريحانته، وأشبه خلق الله به في وجهه، ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه رسول الله بريقه وسماه حسناً، وهو أكبر ولد أبويه‏.‏ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حباً شديداً حتى كان يقبل ذبيبته وهو صغير، وربما مص لسانه واعتنقه وداعبه‏.‏ وربما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد في الصلاة فيركب على ظهره فيُقره على ذلك ويطيل السجود من أجله‏.‏ وربما صعد معه إلى المنبر، وقد ثبت في الحديث أنه عليه السلام بينما هو يخطب، إذ رأى الحسن والحسين مقبلين فنزل إليهما فاحتضنهما وأخذهما معه إلى المنبر وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏صدق الله ‏( ‏إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ‏ ) ‏‏[‏التغابن‏:‏ 15‏]‏ إني رأيت هذين يمشيان ويعثران فلم أملك أن نزلت إليهما‏)‏‏)‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنكم لمن روح الله، وإنكم لتبجلون وتحببون‏)‏‏)‏‏.‏ وقد ثبت في ‏(‏صحيح البخاري‏)‏‏:‏ عن أبي عاصم، عن عمر ابن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث، أن أبا بكر صلى بهم العصر بعد وفاة رسول الله بليالٍ، ثم خرج هو وعلي يمشيان فرأى الحسن يلعب مع الغلمان فاحتمله على عنقه، وجعل يقول‏:‏ بأبي شبه النبي ليس شبيهاً بعلي‏.‏ قال‏:‏ وعلي يضحك‏.‏ وروى سفيان الثوري وغير واحد قالوا‏:‏ ثنا وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، سمعت أبا جحيفة يقول‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان الحسن بن علي يشبهه‏.‏ ورواه البخاري ومسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، قال وكيع‏:‏ لم يسمع إسماعيل من أبي جحيفة إلا هذا الحديث‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا زمعة، عن ابن أبي مليكة قالت‏:‏ كانت فاطمة تنقر للحسن بن علي وتقول‏:‏ بأبي شبه النبي ليس شبيهاً بعلي‏.‏ وقال عبد الرزاق وغيره‏:‏ عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال‏:‏ كان الحسن بن علي أشبههم وجهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ورواه أحمد‏:‏ عن عبد الرزاق بنحوه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/38‏)‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا حجاج، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ، عن علي قال‏:‏ الحسن أشبه برسول الله ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ما أسفل من ذلك‏.‏ ورواه الترمذي من حديث إسرائيل وقال‏:‏ حسن غريب‏.‏ وقال أبو داود الطيالسي‏:‏ ثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي قال‏:‏ كان الحسن أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس به ما أسفل من ذلك‏.‏ وقد روي عن ابن عباس، وابن الزبير، أن الحسن بن علي كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا حازم بن الفضيل، ثنا معتمر، عن أبيه، قال‏:‏ سمعت أبا تميمة يحدث عن أبي عثمان النهدي، يحدثه أبو عثمان، عن أسامة بن زيد، قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخده، ويقعد الحسن على فخده الأخرى، ثم يضمنا ثم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم ارحمهما فإني أرحمهما‏)‏‏)‏‏.‏ وكذا رواه البخاري، عن النهدي، عن محمد بن الفضيل أخو حازم به، وعن علي بن المديني، عن يحيى القطان، عن سليمان التيمي، عن أبي تميمة، عن أبي عثمان، عن أسامة‏.‏ وأخرجه أيضاً‏:‏ عن موسى بن إسماعيل ومسدد، عن معتمر، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن أسامة فلم يذكر أبا تميمة، والله أعلم‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم إني أحبهما فأحبهما‏)‏‏)‏‏.‏ وقال شعبة‏:‏ عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي عاتقه، وهو يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم إني أحبه فأحبه‏)‏‏)‏‏.‏ أخرجاه من حديث شعبة‏.‏ ورواه علي بن الجعد، عن فضيل بن مرزوق، عن عدي، عن البراء، فزاد‏:‏ ‏(‏‏(‏وأحب من أحبه‏)‏‏)‏‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن بن علي‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه‏)‏‏)‏‏.‏ ورواه مسلم‏:‏ عن أحمد، وأخرجاه من حديث شعبة، وقال أحمد‏:‏ ثنا أبو النضر، ثنا ورقاء، عن عبيد الله، عن أبي يزيد، عن نافع بن جبير، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏ كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سوق من أسواق المدينة، فانصرف وانصرفت معه، فجاء إلى فناء فاطمة، فقال‏:‏ أي لكع، أي لكع، أي لكع، فلم يجبه أحد، فانصرف وانصرفت معه إلى فناء فقعد‏.‏ قال‏:‏ فجاء الحسن بن علي - قال أبو هريرة‏:‏ ظننا أن أمه حبسته لتجعل في عنقه السخاب - فلما دخل التزمه رسول الله، والتزم هو رسول الله، ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إني أحبه وأحب من يحبه‏)‏‏)‏ ثلاث مرات‏.‏ وأخرجاه من حديث سفيان بن عيينة، عن عبد الله به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/39‏)‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا حماد الخياط، ثنا هشام بن سعد، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏ خرج رسول الله إلى سوق بني قينقاع متكئاً على يدي، فطاف فيها، ثم رجع فاحتبى في المسجد، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أين لكاع، ادعوا لي لكاع‏)‏‏)‏ فجاء الحسن فاشتد حتى وثب في حبوته فأدخل فمه في فمه، ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه‏)‏‏)‏ ثلاثاً‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ ما رأيت الحسن إلا فاضت عينيّ، أو قال دمعت عينيّ، أو بكيت‏.‏ وهذا على شرط مسلم ولم يخرجوه‏.‏ وقد رواه الثوري، عن نعيم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكر مثله، أو نحوه‏.‏ ورواه معاوية بن أبي برود، عن أبيه، عن أبي هريرة بنحوه، وفيه زيادة‏.‏ وروى أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي نحوا من هذا‏.‏ ورواه عثمان بن أبي اللباب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة بنحوه، وفيه زيادة‏.‏ وروى أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي نحواً من هذا السياق‏.‏ وقال سفيان الثوري وغيره‏:‏ عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني‏)‏‏)‏ غريب من هذا الوجه‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا ابن نمير، ثنا الحجاج - يعني‏:‏ ابن دينار - عن جعفر بن إياس، عن عبد الرحمن بن مسعود، عن أبي هريرة قال‏:‏ خرج علينا رسول الله ومعه حسن وحسين هذا على عاتقه، وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة، وهذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل‏:‏ يا رسول الله إنك لتحبهما‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني‏)‏‏)‏‏.‏ تفرد به أحمد‏.‏ وقال أبو بكر ابن عياش‏:‏ عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء الحسن والحسين، فجعلا يتوثبان على ظهره إذا سجد، فأراد الناس زجرهما، فلما سلم قال للناس‏:‏ ‏(‏‏(‏هذان ابناي، من أحبهما فقد أحبني‏)‏‏)‏‏.‏ ورواه النسائي من حديث‏:‏ عبيد الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن عاصم به‏.‏ وقد ورد عن عائشة، وأم سلمة أميّ المؤمنين، أن رسول الله اشتمل على الحسن والحسين وأمهما وأبيهما فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً‏)‏‏)‏‏.‏ وقال محمد بن سعد‏:‏ ثنا محمد بن عبد الله الأسدي، ثنا شريك، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏من سره أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسن بن علي‏)‏‏)‏‏.‏ وقد رواه وكيع، عن الربيع بن سعد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر، فذكر مثله، وإسناده لا بأس به، ولم يخرجوه‏.‏ وجاء من حديث علي وأبي سعيد وبريده أن رسول الله قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما‏)‏‏)‏‏.‏ وقال أبو القاسم البغوي‏:‏ ثنا داود بن عمرو، ثنا إسماعيل ابن عياش، حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعد بن راشد، عن يعلى بن مرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/40‏)‏ قال‏:‏ جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله، فجاء أحدهما قبل الآخر فجعل يده تحت رقبته ثم ضمه إلى إبطه، ثم جاء الآخر فجعل يده إلى الأخرى في رقبته ثم ضمه إلى إبطه، وقبّل هذا، ثم قبّل هذا‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم إني أحبهما فأحبهما‏)‏‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أيها الناس إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة‏)‏‏)‏‏.‏ وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي خيثم، عن محمد بن الأسود بن خلف، عن أبيه‏:‏ أن رسول الله أخذ حسناً فقبله، ثم أقبل عليهم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الولد مبخلة مجبنة‏)‏‏)‏‏.‏ وقال ابن خزيمة‏:‏ ثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي، ثنا زيد بن الحباب ح، وقال أبو يعلى أبو خيثمة‏:‏ ثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل رسول الله إليهما فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏صدق الله ‏!‏ ‏( ‏إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ‏ )‏، رأيت هذين الصبين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته‏)‏‏)‏‏.‏ وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الحسين بن واقد‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه‏.‏ وقد رواه محمد الضمري، عن زيد بن أرقم، فذكر القصة للحسن وحده‏.‏ وفي حديث عبد الله بن شداد، عن أبيه، أن رسول الله صلى بهم إحدى صلاتي العشي فسجد سجدة أطال فيها السجود، فلما سلم قال الناس له في ذلك، قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن ابني هذا - يعني‏:‏ الحسن - ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته‏)‏‏)‏‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ عن أبي الزبير، عن جابر، قال‏:‏ دخلت على رسول الله وهو حامل الحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما على أربع، فقلت‏:‏ نعم الحمل حملكما فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ونعم العدلان هما‏)‏‏)‏‏.‏ على شرط مسلم ولم يخرجوه‏.‏ وقال أبو يعلى‏:‏ ثنا أبو هاشم، ثنا أبو عامر، ثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس‏.‏ قال‏:‏ خرج رسول الله وهو حامل الحسن على عاتقه فقال له رجل‏:‏ يا غلام، نعم المركب ركبت، فقال رسول الله‏:‏ ‏(‏‏(‏ونعم الراكب هو‏)‏‏)‏‏.‏ وقال أحمد‏:‏ حدثنا تليد بن سليمان، ثنا أبو الحجاف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏ نظر رسول الله إلى علي وحسن وحسين وفاطمة فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم‏)‏‏)‏‏.‏ وقد رواه النسائي من حديث أبي نعيم، وابن ماجه من حديث وكيع، كلاهما عن سفيان الثوري، عن أبي الحجاف داود بن أبي عوف، قال وكيع‏:‏ وكان مريضاً - عن أبي حازم، عن أبي هريرة أن رسول الله قال عن الحسن والحسين‏:‏ ‏(‏‏(‏من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/41‏)‏ وقد رواه أسباط عن السدي، عن صبيح مولى أم سلمة، عن زيد بن أرقم فذكره‏.‏ وقال بقية‏:‏ عن بجير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب، قال‏:‏ سمعت رسول الله يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏الحسن مني والحسين من علي‏)‏‏)‏‏.‏ فيه نكارة لفظاً ومعنى‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عوف، عن عمير بن إسحاق‏.‏ قال‏:‏ كنت مع الحسن بن علي فلقينا أبو هريرة فقال‏:‏ أرني أقبّل منك حيث رأيت رسول الله يقبّل، فقال‏:‏ بقميصه، قال‏:‏ فقبّل سرته‏.‏ تفرد به أحمد، ثم رواه عن إسماعيل بن علية، عن ابن عوف‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا هاشم بن القاسم، عن جرير، عن عبد الرحمن أبي عوف الجرشي، عن معاوية‏.‏ قال رأيت رسول الله يمص لسانه - أو قال شفته يعني‏:‏ الحسن بن علي - وإنه لن يُعذب لسان أو شفتان يمصهما رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ تفرد به أحمد‏.‏ وقد ثبت في الصحيح عن أبي بكرة‏.‏ وروى أحمد عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين‏)‏‏)‏‏.‏ وقد تقدم هذا الحديث في ‏(‏دلائل النبوة‏)‏، وتقدم قريباً عند نزول الحسن لمعاوية عن الخلافة، ووقع ذلك تصديقاً لقوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ هذا، وكذلك ذكرناه في كتاب ‏(‏دلائل النبوة‏)‏ ولله الحمد والمنة‏.‏ وقد كان الصديق يجله ويعظمه ويكرمه ويحبه ويتفداه‏.‏ وكذلك عمر ابن الخطاب، فروى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبيه‏:‏ أن عمر لما عمل الديوان فرض للحسن والحسين مع أهل بدر في خمسة آلاف خمسة آلاف، وكذلك كان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما‏.‏ وقد كان الحسن بن علي يوم الدار - وعثمان بن عفان محصور - عنده ومعه السيف متقلداً به يحاجف عن عثمان فخشي عثمان عليه فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييباً لقلب علي، وخوفاً عليه رضي الله عنهم‏.‏ وكان علي يكرم الحسن إكراماً زائداً، ويعظمه ويبجله، وقد قال له يوماً‏:‏ يا بني ألا تخطب حتى أسمعك‏؟‏ فقال‏:‏ إني أستحي أن أخطب وأنا أراك، فذهب علي فجلس حيث لا يراه الحسن، ثم قام الحسن في الناس خطيباً وعليّ يسمع، فأدى خطبة بليغة فصيحة‏.‏ فلما انصرف جعل علي يقول ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم‏.‏ وقد كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من النعم عليه‏.‏ وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما، رضي الله عنهما وأرضاهما‏.‏ وكان ابن الزبير يقول‏:‏ والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي‏.‏ وقال غيره‏:‏ كان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول الله يجلس في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلم عليهن وربما أتحفنه، ثم ينصرف إلى منزله‏.‏ ولما نزل لمعاوية عن الخلافة من ورعه صيانة لدماء المسلمين، كان له على معاوية في كل عام جائزة، وكان يفد إليه، فربما أجازه بأربعمائة ألف درهم، وراتبه في كل سنة مائة ألف‏.‏ فانقطع سنة عن الذهاب، وجاء وقت الجائزة فاحتاج الحسن إليها - وكان من أكرم الناس - فأراد أن يكتب إلى معاوية ليبعث بها إليه‏.‏ فلما نام تلك الليلة رأى رسول الله في المنام فقال له‏:‏ ‏(‏‏(‏يا بني أتكتب إلى مخلوق بحاجتك‏؟‏‏)‏‏)‏ وعلمه دعاء يدعو به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/42‏)‏ فترك الحسن ما كان همّ به من الكتابة، فذكره معاوية وافتقده، وقال‏:‏ ابعثوا إليه بمائتي ألف فلعل له ضرورة في تركه القدوم علينا، فحملت إليه من غير سؤال‏.‏ قال صالح بن أحمد‏:‏ سمعت أبي يقول‏:‏ الحسن بن علي مدني ثقة‏.‏ حكاه ابن عساكر في ‏(‏تاريخه‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ وقاسم الله ماله ثلاث مرات، وخرج من ماله مرتين، وحج خمساً وعشرين مرة ماشياً وإن الجنائب لتقاد بين يديه‏.‏ وروى ذلك البيهقي من طريق عبيد الله بن عمير، عن ابن عباس وقال‏:‏ علي بن زيد بن جدعان‏.‏ وقد علق البخاري في ‏(‏صحيحه‏)‏‏:‏ أنه حج ماشياً والجنائب تقاد بين يديه‏.‏ وروى داود بن رشيد، عن حفص، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال‏:‏ حج الحسن بن علي ماشياً والجنائب تقاد بين يديه ونجائبه تقاد إلى جنبه‏.‏ وقال العباس بن الفضل‏:‏ عن القاسم، عن محمد بن علي قال‏:‏ قال الحسن بن علي‏:‏ إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة إلى المدينة على رجليه‏.‏ قالوا‏:‏ وكان يقرأ في بعض خطبه سورة إبراهيم، وكان يقرأ كل ليلة سورة الكهف قبل أن ينام، يقرأها من لوح كان يدور معه حيث كان من بيوت نسائه، فيقرأه بعد ما يدخل في الفراش قبل أن ينام رضي الله عنه‏.‏ وقد كان من الكرم على جانب عظيم‏.‏ قال محمد بن سيرين‏:‏ ربما أجاز الحسن بن علي على الرجل الواحد بمائة ألف‏.‏ وقال سعيد بن عبد العزيز‏:‏ سمع الحسن رجلاً إلى جانبه يدعو الله أن يملكه عشرة آلاف درهم، فقام إلى منزله فبعث بها إليه‏.‏ وذكروا أن الحسن رأى غلاماً أسود يأكل من رغيف لقمة، ويطعم كلباً هناك لقمة، فقال له‏:‏ ما حملك على هذا‏؟‏ فقال‏:‏ إني أستحي منه أن آكل ولا أطعمه‏.‏ فقال له الحسن‏:‏ لا تبرح من مكانك حتى آتيك، فذهب إلى سيده فاشتراه واشترى الحائط الذي هو فيه، فأعتقه وملّكه الحائط‏.‏ فقال الغلام‏:‏ يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له‏.‏ قالوا‏:‏ وكان كثير التزوج، وكان لا يفارقه أربع حرائر، وكان مطلاقاً مصداقاً‏.‏ يقال‏:‏ إنه أحصن سبعين امرأة‏.‏ وذكروا أنه طلق امرأتين في يوم، واحدة من بني أسد، وأخرى من بني فزارة - فزارية - وبعث إلى كل واحدة منهما بعشرة آلاف، وبزقاق من عسل‏.‏ وقال للغلام‏:‏ اسمع ما تقول كل واحدة منهما‏.‏ فأما الفزارية فقالت‏:‏ جزاه الله خيراً، ودعت له‏.‏ وأما الأسدية فقالت‏:‏ متاع قليل من حبيب مفارق‏.‏ فرجع الغلام إليه بذلك فارتجع الأسدية وترك الفزارية‏.‏ وقد كان علي يقول لأهل الكوفة‏:‏ لا تزوجوه فإنه مطلاق‏.‏ فيقولون‏:‏ والله يا أمير المؤمنين لو خطب إلينا كل يوم لزوجناه منا من شاء ابتغاء في صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وذكروا أنه نام مع امرأته خولة بنت منظور الفزاري -وقيل‏:‏ هند بنت سهيل - فوق إجار فعمدت المرأة فربطت رجله بخمارها إلى خلخالها، فلما استيقظ قال لها‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقالت‏:‏ خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب، فأعجبه ذلك منها، واستمر بها سبعة أيام بعد ذلك‏.‏ وقال أبو جعفر الباقر‏:‏ جاء رجل إلى الحسين بن علي فاستعان به في حاجة، فوجده معتكفاً فاعتذر إليه، فذهب إلى الحسن فاستعان به فقضى حاجته، وقال‏:‏ لقضاء حاجة أخ لي في الله أحب إليّ من اعتكاف شهر‏.‏ وقال هشيم‏:‏ عن منصور، عن ابن سيرين قال‏:‏ كان الحسن بن علي لا يدعو إلى طعامه أحداً يقول‏:‏ هو أهون من أن يدعى إليه أحد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/43‏)‏ وقال أبو جعفر‏:‏ قال علي‏:‏ يا أهل الكوفة، لا تزوجوا الحسن بن علي فإنه مطلاق‏.‏ فقال رجل من همذان‏:‏ والله لنزوجنه، فما رضي أمسك، وما كره طلق‏.‏ وقال أبو بكر الخرائطي - في كتاب ‏(‏مكارم الأخلاق‏)‏ -‏:‏ ثنا ابن المنذر - هو إبراهيم - ثنا القواريري، ثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن محمد بن سيرين قال‏:‏ تزوج الحسن بن علي امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم‏.‏ وقال عبد الرزاق‏:‏ عن الثوري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن الحسن بن سعد، عن أبيه قال‏:‏ متع الحسن بن علي امرأتين بعشرين ألفاً وزقاق من عسل، فقالت إحداهما - وأراها الحنفية - متاع قليل من حبيب مفارق‏.‏ وقال الواقدي‏:‏ حدثني علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين قال‏:‏ كان الحسن بن علي مطلاقاً للنساء، وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه‏.‏ وقال جويرية بن أسماء‏:‏ لما مات الحسن بكى عليه مروان في جنازته‏.‏ فقال له الحسين‏:‏ أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه‏؟‏ فقال‏:‏ إني كنت أفعل إلى أحلم من هذا، وأشار هو إلى الجبل‏.‏ وقال محمد بن سعد‏:‏ أنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، عن ابن عون، عن محمد بن إسحاق قال‏:‏ ما تكلم عندي أحد كان أحب إليّ إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي‏.‏ وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه كان بينه وبين عمرو بن عثمان خصومة فقال‏:‏ ليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه قط‏.‏ قال محمد بن سعد‏:‏ وأنا الفضل بن دكين، أنا مساور الجصاص، عن رزين بن سوار قال‏:‏ كان بين الحسن ومروان خصومة، فجعل مروان يغلظ للحسن وحسن ساكت، فامتخط مروان بيمينه‏.‏ فقال له الحسن‏:‏ ويحك‏!‏ أما علمت أن اليمنى للوجه، والشمال للفرج‏؟‏ أفٍ لك‏.‏ فسكت مروان‏.‏ وقال أبو العباس‏:‏ محمد بن يزيد المبرد، قيل للحسن بن علي‏:‏ إن أبا زر يقول‏:‏ الفقر أحب إليّ من الغنى، والسقم أحب إليّ من الصحة، فقال‏:‏ رحم الله أبا زر، أما أنا فأقول‏:‏ من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمنَ أن يكون في غير الحالة التي اختار الله له‏.‏ وهذا أحد الوقوف على الرضا بما تعرف به القضاء‏.‏ وقال أبو بكر محمد بن كيسان الأصم‏:‏ قال الحسن ذات يوم لأصحابه‏:‏ إني أخبركم عن أخٍ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجاً عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجاً عن سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه‏.‏ وكان خارجاً عن سلطان جهله فلا يمد يداً إلا على ثقة المنفعة، ولا يخطو خطاة إلا لحسنة، وكان لا يسخط ولا يتبرم‏.‏ كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا غُلب على الكلام لم يُغلب على الصمت، كان أكثرهم دهره صامتاً، فإذا قال يذر القائلين‏.‏ وكان لا يشارك في دعوى، ولا يدخل في مراء، ولا يدلي بحجة، حتى يرى قاضياً يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول تفضلاً وتكرماً، كان لا يغفل عن إخوانه ولا يستخص بشيء دونهم‏.‏ كان لا يكرم أحداً فيما يقع العذر بمثله، كان إذا ابتداه أمران لا يرى أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه‏.‏ رواه ابن عساكر والخطيب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/44‏).
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب بنت خزيمة
التاريخ الهجري 4 هـ

وفي شهر رمضان من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية‏. وقد حكى أبو عمر ابن عبد البر، عن علي بن عبد العزيز الجرجاني أنه قال‏:‏ كانت أخت ميمونة بنت الحارث‏.‏ ثم استغربه وقال‏:‏ لم أره لغيره‏.‏ وهي التي يقال لها أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم، وبرها لهم وإحسانها إليهم، وأصدقها ثنتي عشرة أوقية ونشا، ودخل بها في رمضان، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها‏.‏ قال أبو عمر ابن عبد البر، عن علي بن عبد العزيز الجرجاني‏:‏ ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف‏.‏ قال ابن الأثير في ‏(‏أسد الغابة‏)‏‏:‏ وقيل كانت تحت عبد الله بن جحش، فقتل عنها يوم أحد‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ ولا خلاف أنها ماتت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة حتى توفيت رضي الله عنها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 4/ 104‏).
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
غزوة بني المُصطلق أو غزوة المريسيع
التاريخ الهجري 5 هـ

وهذه الغزوة وإن لم تكن طويلة الذيل، عريضة الأطراف من حيث الوجهة العسكريـة، إلا أنها وقعـت فيـها وقـائـع أحدثـت البلبلـة والاضطـراب فـي المجتمـع الإسلامي، وتمخضت عن افتضاح المنافقين، والتشريعات التعزيرية التي أعطت المجتمع الإسلامي صورة خاصة من النبل والكرامة وطهارة النفوس‏.‏ ونسرد الغزوة أولاً، ثم نذكر تلك الوقائع‏.‏ كانت هذه الغزوة في شعبان سنة خمس عند عامة أهل المغازي، وسنة ست على قول ابن إسحاق‏.‏ وسببها أنه بلغه صلى الله عليه وسلم أن رئيس بني المصطلق الحارث بن أبي ضِرَار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث بُرَيْدَة بن الحصيب الأسلمي لتحقيق الخبر، فأتاهم، ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر‏.‏ وبعد أن تأكد لديه صلى الله عليه وسلم صحة الخبر ندب الصحابة، وأسرع في الخروج، وكان خروجه لليلتين خلتا من شعبان، وخرج معه جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وقيل‏:‏ أبا ذر، وقيل‏:‏ نُمَيْلَة بن عبد الله الليثي، وكان الحارث بن أبي ضرار قد وجه عينًا ؛ ليأتيه بخبر الجيش الإسلامي، فألقي المسلمون عليه القبض وقتلوه‏.‏ ولما بلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله عينه، خافوا خوفاً شديداً وتفرق عنهم من كان معهم من العرب، وانتهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المُرَيْسِيع ـ بالضم فالفتح مصغراً، اسم لماء من مياههم في ناحية قُدَيْد إلى الساحل ـ فتهيأوا للقتال‏.‏ وَصَفَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملوا حملة رجل واحد، فكانت النصرة وانهزم المشركون، وقتل من قتل، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري والنعم والشاء، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، قتله رجل من الأنصار ظناً منه أنه من العدو‏.‏ كذا قال أهل المغازي والسير، قال ابن القيم‏:‏ هو وَهْم، فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم على الماء فسبي ذراريهم وأموالهم، كما في الصحيح أغار رسول صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون، وذكر الحديث‏.‏ انتهي‏.‏ وكان من جملة السبي‏:‏ جُوَيْرِيَة بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت ابن قيس، فكاتبها، فـأدي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجهـا، فأعـتق المسلـمون بسبـب هـذا التزويـج مـائـة أهـل بيـت مـن بنـي المصطلق قـد أسلمـوا، وقـالـوا‏:‏ أصهـار رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأما الوقائع التي حدثت في هذه الغزوة، فلأجل أن مبعثها كان هو رأس النفاق عبد الله بن أبي وأصحابه، نري أن نورد أولاً شيئاً من أفعالهم في المجتمع الإسلامي‏.‏ دور المنافقين قبل غزوة بني المصطلق‏‏ قدمنا مراراً أن عبد الله بن أبي كان يَحْنَقُ على الإسلام والمسلمين، ولاسيما على رسول الله صلى الله عليه وسلم حَنَقًا شديداً ؛ لأن الأوس والخزرج كانوا قد اتفقوا على سيادته، وكانوا ينظمون له الخَرَزَ ليتوجوه إذ دخل فيهم الإسلام، فصرفهم عن ابن أبي، فكان يري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي استلبه ملكه‏.‏ وقد ظهر حنقه هذا وتحرقه منذ بداية الهجرة قبل أن يتظاهر بالإسلام، وبعد أن تظاهر به‏.‏ ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة على حمار ليعود سعد بن عبادة، فمر بمجلس فيه عبد الله بن أبي فخَمَّرَ ابن أبي أنفه، وقال‏:‏ لا تُغَبِّرُوا علينا‏.‏ ولما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المجلس القرآن، قال‏:‏ اجلس في بيتك، ولا تؤذنا في مجالسنا‏.‏ وهذا قبل أن يتظاهر بالإسلام، ولما تظاهر به بعد بدر لم يزل إلا عدوًا لله ولرسوله وللمؤمنين، ولم يكن يفكر إلا في تشتيت المجتمع الإسلامي وتوهين كلمة الإسلام‏.‏ وكان يوإلى أعداءه، وقد تدخل في أمر بني قينقاع كما ذكرنا، وكذلك جاء في غزوة أحد من الشر والغدر والتفريق بين المسلمين، وإثارة الارتباك والفوضي في صفوفهم بما مضي‏.‏ وكان من شدة مكر هذا المنافق وخداعه بالمؤمنين أنه كان بعد التظاهر بالإسلام، يقوم كل جمعة حين يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للخطبة، فيقول‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزروه، واسمعـوا لــه وأطيعوا، ثم يجلس، فيقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخطب‏.‏ وكان من وقاحة هذا المنافق أنه قام في يوم الجمعة التي بعد أحد ـ مع ما ارتكبه من الشر والغدر الشنيع ـ قام ليقول ما كان يقوله من قبل، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا له‏:‏ اجلس أي عدو الله، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطي رقاب الناس، وهو يقول‏:‏ والله لكأنما قلت بُجْرًا أن قمت أشدد أمره، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد‏.‏‏.‏‏.‏ فقال‏:‏ ويلك، ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ والله ما أبتغي أن يستغفر لي‏.‏ وكانت له اتصالات ببني النضير يؤامر معهم ضد المسلمين حتى قال لهم‏:‏ ‏)‏ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ‏ )‏ ‏[‏ الحشر‏:‏ 11‏]‏‏.‏ وكذلك فعل هو وأصحابه في غزوة الأحزاب من إثارة القلق والاضطراب وإلقاء الرعب والدهشة في قلوب المؤمنين ما قصه الله تعالى في سورة الأحزاب‏:‏ ‏)‏ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا‏ )‏ إلى قوله‏:‏ ‏)‏ يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا )‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 12: 20‏]‏‏.‏ بيد أن جميع أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين كانوا يعرفون جيداً أن سبب غلبة الإسلام ليس هو التفوق المادي وكثرة السلاح والجيوش والعدد، وإنما السبب هي القيم والأخلاق والمثل التي يتمتع بها المجتمع الإسلامي وكل من يمت بصلة إلى هذا الدين، وكانوا يعرفون أن منبع هذا الفيض إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو المثل الأعلى ـ إلى حد الإعجاز ـ لهذه القيم، كما عرفوا بعد إدارة دفة الحروب طيلة خمس سنين، أن القضاء على هذا الدين وأهله لا يمكن عن طريق استخدام السلاح، فقرروا أن يشنوا حرباً دعائية واسعة ضد الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد، وأن يجعلوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم أول هدف لهذه الدعاية الكاذبة الخاطئة‏.‏ ولما كان المنافقون هم الطابور الخامس في صفوف المسلمين، ولكونهم سكان المدينة، كان يمكن لهم الاتصال بالمسلمين واستفزاز مشاعرهم كل حين‏.‏ تحمل فريضة الدعاية هؤلاء المنافقون، وعلى رأسهم ابن أبي‏.‏ وقد ظهرت خطتهم هذه جلية حينما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش، بعد أن طلقها زيد بن حارثة، فقد كان من تقاليد العرب أنهم كانوا يعتبرون المتبني مثل الابن الصلبي، فكانوا يعتقدون حرمة حليلة المتبني على الرجل الذي تبناه، فلما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب وجد المنافقون ثُلْمَتَيْن ـ حسب زعمهم ـ لإثارة المشاغب ضد النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ الأولى‏:‏ أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة، والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة، فكيف صح له هذا الزواج‏؟‏ الثانية‏:‏ أن زينب كانت زوجة ابنه ـ مُتَبَنَّاه ـ فالزواج بها من أكبر الكبائر، حسب تقاليد العرب‏.‏ وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل، واختلقوا قصصاً وأساطير، قالوا‏:‏ إن محمداً رآها بغتة، فتأثر بحسنها وشغفته حباً، وعلقت بقلبه، وعلم بذلك ابنه زيد فخلي سبيلها لمحمد، وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة نشراً بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان، وقد أثرت تلك الدعاية أثراً قوياً في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور، وينبئ عن سعة نشر هذه الدعاية أن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله‏:‏ ‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا‏ )‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 1‏]‏‏.‏ وهذه إشارات عابرة، وصور مصغرة لما اقترفه المنافقون قبل غزوة بني المصطلق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكابد كل ذلك بالصبر واللين والتلطف، وكان عامة المسلمين يحترزون عن شرهم، أو يتحملونه بالصبر ؛ إذ كانوا قد عرفوهم بافتضاحهم مرة بعد أخري حسب قوله تعالى‏:‏ ‏( ‏أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ‏ )‏ ‏[‏التوبة ‏:‏126‏]‏‏.‏ دور المنافقين في غزوة بني المصطلق‏ ولما كانت غزوة بني المصطلق وخرج فيها المنافقون مثلوا قوله تعالى‏:‏ ‏( ‏لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ )‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 47‏]‏ فقد وجدوا متنفسين للتنفس بالشر، فأثاروا الارتباك الشديد في صفوف المسلمين، والدعاية الشنيعة ضد النبي صلى الله عليه وسلم، وهاك بعض التفصيل عنها‏:‏ 1- قول المنافقين‏:‏( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏ ) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الغزوة مقيماً على المُرَيْسِيع، ووردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير يقال له‏:‏ جَهْجَاه الغفاري، فازدحم هو وسِنَان بن وَبَر الجهني على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني‏:‏ يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه‏:‏ يا معشر المهاجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم‏؟‏ دعوها فإنها مُنْتِنَة‏)‏، وبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن سلول فغضب ـ وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلام حدث ـ وقال‏:‏ أو قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول‏:‏ سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأكُلْكَ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره فقال لهم‏:‏ هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم‏.‏ فأخبر زيد بن أرقم عمه بالخبر، فأخبر عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عمر، فقال عمر‏:‏ مُرْ عَبَّاد بن بشر فليقتله‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه‏؟‏ لا ولكن أَذِّنْ بالرحيل‏)‏، وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، فارتحل الناس، فلقيه أسيد بن حضير فحياه، وقال‏:‏ لقد رحت في ساعة منكرة‏؟‏ فقال له‏:‏ ‏(‏أو ما بلغك ما قال صاحبكم‏؟‏‏)‏ يريد ابن أبي، فقال‏:‏ وما قال‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏)‏، قال‏:‏ فأنت يا رسول الله، تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال‏:‏ يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخَرَز ليتوجوه، فإنه يري أنك استلبته ملكاً‏.‏ ثم مشي بالناس يومهم ذلك حتى أمسي، وليلتهم حتى أصبح، وصَدْر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مَـسَّ الأرض فوقعوا نياماً‏.‏ فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث‏.‏ أما ابن أبي فلما علم أن زيد بن أرقم بلغ الخبر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحلف بالله ما قلت ما قال، ولا تكلمت به، فقال من حضر من الأنصار‏:‏ يا رسول الله عسي أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل‏.‏ فصدقه، قال زيد‏:‏ فأصابني هَمٌّ لم يصبني مثله قط، فجلست في بيتي، فأنزل الله‏:‏ ‏)‏ إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ‏ )‏ إلى قوله‏:‏ ‏( ‏هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا‏ )‏ إلى ‏( ‏لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ‏ )‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 1 ـ 8‏]‏، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها علي‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏إن الله قد صدقك‏)‏‏.‏ وكان ابن هذا المنافق ـ وهو عبد الله بن عبد الله بن أبي ـ رجلاً صالحاً من الصحابة الأخيار، فتبرأ من أبيه، ووقف له على باب المدينة، واستل سيفه، فلما جاء ابن أبي قال له‏:‏ والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أذن له فخلي سبيله، وكان قد قال عبد الله ابن عبد الله بن أبي‏:‏ يا رسول الله، إن أردت قتله فمرني بذلك، فأنا والله أحمل إليك رأسه‏.‏ 2- حديث الإفك‏‏ وفي هذه الغزوة كانت قصة الإفك، وملخصها‏:‏ أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها، وكانت تلك عادته مع نسائه، فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها، ففقدت عقداً لأختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هَوْدَجَها فظنوها فيه فحملوا الهودج، ولا ينكرون خِفَّتَه؛ لأنها رضي الله عنها كانت فَتِيَّةَ السن لم يَغْشَهَا اللحم الذي كان يثقلها، وأيضاً فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته، ولو كان الذي حمله واحداً أو اثنين لم يخف عليهما الحال، فرجعت عائشة إلى منازلهم، وقد أصابت العقد، فإذا ليس به داع ولا مجيب، فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها، والله غالب على أمره، يدبر الأمر من فوق عرشه كما يشاء، فغلبتها عيناها، فنامت، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المُعَطَّل‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ وكان صفوان قد عَرَس في أخريات الجيش ؛ لأنه كان كثير النوم، فلما رآها عرفها، وكان يراها قبل نزول الحجاب، فاسترجع وأناخ راحلته، فقربها إليها، فركبتها، وما كلمها كلمة واحدة، ولم تسمع منه إلا استرجاعه، ثم سار بها يقودها، حتى قدم بها، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة، فلما رأي ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته، وما يليق به، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفساً، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يستحكي الإفك، ويستوشيه، ويشيعه، ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه، فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لايتكلم، ثم استشار أصحابه ـ لما استلبث الوحي طويلاً ـ في فراقها، فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يفارقها، ويأخذ غيرها، تلويحاً لاتصريحاً، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها، وألا يلتفت إلى كلام الأعداء‏.‏ فقام على المنبر يستعذر من عبد الله ابن أبي، فأظهر أسيد بن حضير سيد الأوس رغبته في قتله فأخذت سعد بن عبادة ـ سيد الخزرج، وهي قبيلة ابن أبي ـ الحمية القبلية، فجري بينهما كلام تثاور له الحيان، فخفضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سكتوا وسكت‏.‏ أما عائشة فلما رجعت مرضت شهراً، وهي لا تعلم عن حديث الإفك شيئاً، سوى أنها كانت لا تعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كانت تعرفه حين تشتكي، فلما نَقِهَتْ خرجت مع أم مِسْطَح إلى البَرَاز ليلاً، فعثرت أم مسطح في مِرْطِها، فدعت على ابنها، فاستنكرت ذلك عائشة منها، فأخبرتها الخبر، فرجعت عائشة واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لتأتي أبويها وتستيقن الخبر، ثم أتتهما بعد الإذن حتى عرفت جلية الأمر، فجعلت تبكي، فبكت ليلتين ويوماً، لم تكن تكتحل بنوم، ولا يرقأ لها دمع، حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فتشهد وقال‏:‏ ‏(‏أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله تاب الله عليه‏)‏‏.‏ وحينئذ قَلَص دمعها، وقالت لكل من أبويها أن يجيبا، فلم يدريا ما يقولان‏.‏ فقالت‏:‏ والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم‏:‏ إني بريئة ـ والله يعلم أني بريئة ـ لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر ـ والله يعلم أني منه بريئة ـ لتُصَدِّقنِّي، والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف، قال‏:‏ ‏( ‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ‏ )‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 18‏]‏‏.‏ ثم تحولت واضطجعت، ونزل الوحي ساعته، فَسُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك‏.‏ فكانت أول كلمة تكلم بها‏:‏ ‏(‏يا عائشة، أما الله فقد برأك‏)‏، فقالت لها أمها‏:‏ قومي إليه‏.‏‏.‏ فقالت عائشة ـ إدلالاً ببراءة ساحتها، وثقة بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله‏.‏ والذي أنزله الله بشأن الإفك هو قوله تعالي‏:‏ ‏( ‏إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ‏.‏‏.‏‏.)‏ ‏[‏ النور‏:‏ 11: 20]‏‏.‏ العشر الآيات‏.‏ ثم تحولت واضطجعت، ونزل الوحي ساعته، فَسُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها‏:‏ ‏(‏يا عائشة، أما الله فقد برأك‏)‏، فقالت لها أمها‏:‏ قومي إليه‏.‏ فقالت عائشة ـ إدلالاً ببراءة ساحتها، وثقة بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله‏.‏ والذي أنزله الله بشأن الإفك هو قوله تعالى‏:‏ ‏( ‏إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ العشر الآيات ‏[‏النور‏:‏ 11: 20‏]‏‏.‏ وجُلِد من أهل الإفك مِسْطَح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحَمْنَة بنت جحش، جلدوا ثمانين ثمانين، ولم يُحَدّ الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك، والذي تولي كبره ؛ إما لأن الحدود تخفيف لأهلها، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، وإما للمصلحة التي ترك لأجلها قتله‏.‏ وهكذا وبعد شهر أقشعت سحابة الشك والارتياب والقلق والاضطراب عن جو المدينة، وافتضح رأس المنافقين افتضاحاً لم يستطع أن يرفع رأسه بعد ذلك، قال ابن إسحاق‏:‏ وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر‏:‏ ‏(‏كيف ترى يا عمر‏؟‏ أما والله لوقتلته يوم قلت لي‏:‏ اقتله، لأرعدت له آنف، ولو أمرتها اليوم بقتله لقتلته‏)‏‏.‏ قال عمر‏:‏ قد والله علمتُ، لأمْر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: *** أحداث رمضانية ***

ولادة الحسن بن علي بن أبي طالب
التاريخ الهجري 3 هـ

أبو محمد القرشي الهاشمي، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ابنته فاطمة الزهراء، وريحانته، وأشبه خلق الله به في وجهه، ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه رسول الله بريقه وسماه حسناً، وهو أكبر ولد أبويه‏.‏ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حباً شديداً حتى كان يقبل ذبيبته وهو صغير، وربما مص لسانه واعتنقه وداعبه‏.‏ وربما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد في الصلاة فيركب على ظهره فيُقره على ذلك ويطيل السجود من أجله‏.‏ وربما صعد معه إلى المنبر، وقد ثبت في الحديث أنه عليه السلام بينما هو يخطب، إذ رأى الحسن والحسين مقبلين فنزل إليهما فاحتضنهما وأخذهما معه إلى المنبر وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏صدق الله ‏( ‏إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ‏ ) ‏‏[‏التغابن‏:‏ 15‏]‏ إني رأيت هذين يمشيان ويعثران فلم أملك أن نزلت إليهما‏)‏‏)‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنكم لمن روح الله، وإنكم لتبجلون وتحببون‏)‏‏)‏‏.‏ وقد ثبت في ‏(‏صحيح البخاري‏)‏‏:‏ عن أبي عاصم، عن عمر ابن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث، أن أبا بكر صلى بهم العصر بعد وفاة رسول الله بليالٍ، ثم خرج هو وعلي يمشيان فرأى الحسن يلعب مع الغلمان فاحتمله على عنقه، وجعل يقول‏:‏ بأبي شبه النبي ليس شبيهاً بعلي‏.‏ قال‏:‏ وعلي يضحك‏.‏ وروى سفيان الثوري وغير واحد قالوا‏:‏ ثنا وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، سمعت أبا جحيفة يقول‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان الحسن بن علي يشبهه‏.‏ ورواه البخاري ومسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، قال وكيع‏:‏ لم يسمع إسماعيل من أبي جحيفة إلا هذا الحديث‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا زمعة، عن ابن أبي مليكة قالت‏:‏ كانت فاطمة تنقر للحسن بن علي وتقول‏:‏ بأبي شبه النبي ليس شبيهاً بعلي‏.‏ وقال عبد الرزاق وغيره‏:‏ عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال‏:‏ كان الحسن بن علي أشبههم وجهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ورواه أحمد‏:‏ عن عبد الرزاق بنحوه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/38‏)‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا حجاج، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ، عن علي قال‏:‏ الحسن أشبه برسول الله ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ما أسفل من ذلك‏.‏ ورواه الترمذي من حديث إسرائيل وقال‏:‏ حسن غريب‏.‏ وقال أبو داود الطيالسي‏:‏ ثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي قال‏:‏ كان الحسن أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس به ما أسفل من ذلك‏.‏ وقد روي عن ابن عباس، وابن الزبير، أن الحسن بن علي كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا حازم بن الفضيل، ثنا معتمر، عن أبيه، قال‏:‏ سمعت أبا تميمة يحدث عن أبي عثمان النهدي، يحدثه أبو عثمان، عن أسامة بن زيد، قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخده، ويقعد الحسن على فخده الأخرى، ثم يضمنا ثم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم ارحمهما فإني أرحمهما‏)‏‏)‏‏.‏ وكذا رواه البخاري، عن النهدي، عن محمد بن الفضيل أخو حازم به، وعن علي بن المديني، عن يحيى القطان، عن سليمان التيمي، عن أبي تميمة، عن أبي عثمان، عن أسامة‏.‏ وأخرجه أيضاً‏:‏ عن موسى بن إسماعيل ومسدد، عن معتمر، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن أسامة فلم يذكر أبا تميمة، والله أعلم‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم إني أحبهما فأحبهما‏)‏‏)‏‏.‏ وقال شعبة‏:‏ عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي عاتقه، وهو يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم إني أحبه فأحبه‏)‏‏)‏‏.‏ أخرجاه من حديث شعبة‏.‏ ورواه علي بن الجعد، عن فضيل بن مرزوق، عن عدي، عن البراء، فزاد‏:‏ ‏(‏‏(‏وأحب من أحبه‏)‏‏)‏‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن بن علي‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه‏)‏‏)‏‏.‏ ورواه مسلم‏:‏ عن أحمد، وأخرجاه من حديث شعبة، وقال أحمد‏:‏ ثنا أبو النضر، ثنا ورقاء، عن عبيد الله، عن أبي يزيد، عن نافع بن جبير، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏ كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سوق من أسواق المدينة، فانصرف وانصرفت معه، فجاء إلى فناء فاطمة، فقال‏:‏ أي لكع، أي لكع، أي لكع، فلم يجبه أحد، فانصرف وانصرفت معه إلى فناء فقعد‏.‏ قال‏:‏ فجاء الحسن بن علي - قال أبو هريرة‏:‏ ظننا أن أمه حبسته لتجعل في عنقه السخاب - فلما دخل التزمه رسول الله، والتزم هو رسول الله، ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إني أحبه وأحب من يحبه‏)‏‏)‏ ثلاث مرات‏.‏ وأخرجاه من حديث سفيان بن عيينة، عن عبد الله به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/39‏)‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا حماد الخياط، ثنا هشام بن سعد، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏ خرج رسول الله إلى سوق بني قينقاع متكئاً على يدي، فطاف فيها، ثم رجع فاحتبى في المسجد، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أين لكاع، ادعوا لي لكاع‏)‏‏)‏ فجاء الحسن فاشتد حتى وثب في حبوته فأدخل فمه في فمه، ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه‏)‏‏)‏ ثلاثاً‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ ما رأيت الحسن إلا فاضت عينيّ، أو قال دمعت عينيّ، أو بكيت‏.‏ وهذا على شرط مسلم ولم يخرجوه‏.‏ وقد رواه الثوري، عن نعيم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكر مثله، أو نحوه‏.‏ ورواه معاوية بن أبي برود، عن أبيه، عن أبي هريرة بنحوه، وفيه زيادة‏.‏ وروى أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي نحوا من هذا‏.‏ ورواه عثمان بن أبي اللباب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة بنحوه، وفيه زيادة‏.‏ وروى أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي نحواً من هذا السياق‏.‏ وقال سفيان الثوري وغيره‏:‏ عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني‏)‏‏)‏ غريب من هذا الوجه‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا ابن نمير، ثنا الحجاج - يعني‏:‏ ابن دينار - عن جعفر بن إياس، عن عبد الرحمن بن مسعود، عن أبي هريرة قال‏:‏ خرج علينا رسول الله ومعه حسن وحسين هذا على عاتقه، وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة، وهذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل‏:‏ يا رسول الله إنك لتحبهما‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني‏)‏‏)‏‏.‏ تفرد به أحمد‏.‏ وقال أبو بكر ابن عياش‏:‏ عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء الحسن والحسين، فجعلا يتوثبان على ظهره إذا سجد، فأراد الناس زجرهما، فلما سلم قال للناس‏:‏ ‏(‏‏(‏هذان ابناي، من أحبهما فقد أحبني‏)‏‏)‏‏.‏ ورواه النسائي من حديث‏:‏ عبيد الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن عاصم به‏.‏ وقد ورد عن عائشة، وأم سلمة أميّ المؤمنين، أن رسول الله اشتمل على الحسن والحسين وأمهما وأبيهما فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً‏)‏‏)‏‏.‏ وقال محمد بن سعد‏:‏ ثنا محمد بن عبد الله الأسدي، ثنا شريك، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏من سره أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسن بن علي‏)‏‏)‏‏.‏ وقد رواه وكيع، عن الربيع بن سعد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر، فذكر مثله، وإسناده لا بأس به، ولم يخرجوه‏.‏ وجاء من حديث علي وأبي سعيد وبريده أن رسول الله قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما‏)‏‏)‏‏.‏ وقال أبو القاسم البغوي‏:‏ ثنا داود بن عمرو، ثنا إسماعيل ابن عياش، حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعد بن راشد، عن يعلى بن مرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/40‏)‏ قال‏:‏ جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله، فجاء أحدهما قبل الآخر فجعل يده تحت رقبته ثم ضمه إلى إبطه، ثم جاء الآخر فجعل يده إلى الأخرى في رقبته ثم ضمه إلى إبطه، وقبّل هذا، ثم قبّل هذا‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم إني أحبهما فأحبهما‏)‏‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أيها الناس إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة‏)‏‏)‏‏.‏ وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي خيثم، عن محمد بن الأسود بن خلف، عن أبيه‏:‏ أن رسول الله أخذ حسناً فقبله، ثم أقبل عليهم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الولد مبخلة مجبنة‏)‏‏)‏‏.‏ وقال ابن خزيمة‏:‏ ثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي، ثنا زيد بن الحباب ح، وقال أبو يعلى أبو خيثمة‏:‏ ثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل رسول الله إليهما فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏صدق الله ‏!‏ ‏( ‏إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ‏ )‏، رأيت هذين الصبين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته‏)‏‏)‏‏.‏ وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الحسين بن واقد‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه‏.‏ وقد رواه محمد الضمري، عن زيد بن أرقم، فذكر القصة للحسن وحده‏.‏ وفي حديث عبد الله بن شداد، عن أبيه، أن رسول الله صلى بهم إحدى صلاتي العشي فسجد سجدة أطال فيها السجود، فلما سلم قال الناس له في ذلك، قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن ابني هذا - يعني‏:‏ الحسن - ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته‏)‏‏)‏‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ عن أبي الزبير، عن جابر، قال‏:‏ دخلت على رسول الله وهو حامل الحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما على أربع، فقلت‏:‏ نعم الحمل حملكما فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ونعم العدلان هما‏)‏‏)‏‏.‏ على شرط مسلم ولم يخرجوه‏.‏ وقال أبو يعلى‏:‏ ثنا أبو هاشم، ثنا أبو عامر، ثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس‏.‏ قال‏:‏ خرج رسول الله وهو حامل الحسن على عاتقه فقال له رجل‏:‏ يا غلام، نعم المركب ركبت، فقال رسول الله‏:‏ ‏(‏‏(‏ونعم الراكب هو‏)‏‏)‏‏.‏ وقال أحمد‏:‏ حدثنا تليد بن سليمان، ثنا أبو الحجاف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏ نظر رسول الله إلى علي وحسن وحسين وفاطمة فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم‏)‏‏)‏‏.‏ وقد رواه النسائي من حديث أبي نعيم، وابن ماجه من حديث وكيع، كلاهما عن سفيان الثوري، عن أبي الحجاف داود بن أبي عوف، قال وكيع‏:‏ وكان مريضاً - عن أبي حازم، عن أبي هريرة أن رسول الله قال عن الحسن والحسين‏:‏ ‏(‏‏(‏من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/41‏)‏ وقد رواه أسباط عن السدي، عن صبيح مولى أم سلمة، عن زيد بن أرقم فذكره‏.‏ وقال بقية‏:‏ عن بجير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب، قال‏:‏ سمعت رسول الله يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏الحسن مني والحسين من علي‏)‏‏)‏‏.‏ فيه نكارة لفظاً ومعنى‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عوف، عن عمير بن إسحاق‏.‏ قال‏:‏ كنت مع الحسن بن علي فلقينا أبو هريرة فقال‏:‏ أرني أقبّل منك حيث رأيت رسول الله يقبّل، فقال‏:‏ بقميصه، قال‏:‏ فقبّل سرته‏.‏ تفرد به أحمد، ثم رواه عن إسماعيل بن علية، عن ابن عوف‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ثنا هاشم بن القاسم، عن جرير، عن عبد الرحمن أبي عوف الجرشي، عن معاوية‏.‏ قال رأيت رسول الله يمص لسانه - أو قال شفته يعني‏:‏ الحسن بن علي - وإنه لن يُعذب لسان أو شفتان يمصهما رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ تفرد به أحمد‏.‏ وقد ثبت في الصحيح عن أبي بكرة‏.‏ وروى أحمد عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين‏)‏‏)‏‏.‏ وقد تقدم هذا الحديث في ‏(‏دلائل النبوة‏)‏، وتقدم قريباً عند نزول الحسن لمعاوية عن الخلافة، ووقع ذلك تصديقاً لقوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ هذا، وكذلك ذكرناه في كتاب ‏(‏دلائل النبوة‏)‏ ولله الحمد والمنة‏.‏ وقد كان الصديق يجله ويعظمه ويكرمه ويحبه ويتفداه‏.‏ وكذلك عمر ابن الخطاب، فروى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبيه‏:‏ أن عمر لما عمل الديوان فرض للحسن والحسين مع أهل بدر في خمسة آلاف خمسة آلاف، وكذلك كان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما‏.‏ وقد كان الحسن بن علي يوم الدار - وعثمان بن عفان محصور - عنده ومعه السيف متقلداً به يحاجف عن عثمان فخشي عثمان عليه فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييباً لقلب علي، وخوفاً عليه رضي الله عنهم‏.‏ وكان علي يكرم الحسن إكراماً زائداً، ويعظمه ويبجله، وقد قال له يوماً‏:‏ يا بني ألا تخطب حتى أسمعك‏؟‏ فقال‏:‏ إني أستحي أن أخطب وأنا أراك، فذهب علي فجلس حيث لا يراه الحسن، ثم قام الحسن في الناس خطيباً وعليّ يسمع، فأدى خطبة بليغة فصيحة‏.‏ فلما انصرف جعل علي يقول ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم‏.‏ وقد كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من النعم عليه‏.‏ وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما، رضي الله عنهما وأرضاهما‏.‏ وكان ابن الزبير يقول‏:‏ والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي‏.‏ وقال غيره‏:‏ كان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول الله يجلس في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلم عليهن وربما أتحفنه، ثم ينصرف إلى منزله‏.‏ ولما نزل لمعاوية عن الخلافة من ورعه صيانة لدماء المسلمين، كان له على معاوية في كل عام جائزة، وكان يفد إليه، فربما أجازه بأربعمائة ألف درهم، وراتبه في كل سنة مائة ألف‏.‏ فانقطع سنة عن الذهاب، وجاء وقت الجائزة فاحتاج الحسن إليها - وكان من أكرم الناس - فأراد أن يكتب إلى معاوية ليبعث بها إليه‏.‏ فلما نام تلك الليلة رأى رسول الله في المنام فقال له‏:‏ ‏(‏‏(‏يا بني أتكتب إلى مخلوق بحاجتك‏؟‏‏)‏‏)‏ وعلمه دعاء يدعو به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/42‏)‏ فترك الحسن ما كان همّ به من الكتابة، فذكره معاوية وافتقده، وقال‏:‏ ابعثوا إليه بمائتي ألف فلعل له ضرورة في تركه القدوم علينا، فحملت إليه من غير سؤال‏.‏ قال صالح بن أحمد‏:‏ سمعت أبي يقول‏:‏ الحسن بن علي مدني ثقة‏.‏ حكاه ابن عساكر في ‏(‏تاريخه‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ وقاسم الله ماله ثلاث مرات، وخرج من ماله مرتين، وحج خمساً وعشرين مرة ماشياً وإن الجنائب لتقاد بين يديه‏.‏ وروى ذلك البيهقي من طريق عبيد الله بن عمير، عن ابن عباس وقال‏:‏ علي بن زيد بن جدعان‏.‏ وقد علق البخاري في ‏(‏صحيحه‏)‏‏:‏ أنه حج ماشياً والجنائب تقاد بين يديه‏.‏ وروى داود بن رشيد، عن حفص، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال‏:‏ حج الحسن بن علي ماشياً والجنائب تقاد بين يديه ونجائبه تقاد إلى جنبه‏.‏ وقال العباس بن الفضل‏:‏ عن القاسم، عن محمد بن علي قال‏:‏ قال الحسن بن علي‏:‏ إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة إلى المدينة على رجليه‏.‏ قالوا‏:‏ وكان يقرأ في بعض خطبه سورة إبراهيم، وكان يقرأ كل ليلة سورة الكهف قبل أن ينام، يقرأها من لوح كان يدور معه حيث كان من بيوت نسائه، فيقرأه بعد ما يدخل في الفراش قبل أن ينام رضي الله عنه‏.‏ وقد كان من الكرم على جانب عظيم‏.‏ قال محمد بن سيرين‏:‏ ربما أجاز الحسن بن علي على الرجل الواحد بمائة ألف‏.‏ وقال سعيد بن عبد العزيز‏:‏ سمع الحسن رجلاً إلى جانبه يدعو الله أن يملكه عشرة آلاف درهم، فقام إلى منزله فبعث بها إليه‏.‏ وذكروا أن الحسن رأى غلاماً أسود يأكل من رغيف لقمة، ويطعم كلباً هناك لقمة، فقال له‏:‏ ما حملك على هذا‏؟‏ فقال‏:‏ إني أستحي منه أن آكل ولا أطعمه‏.‏ فقال له الحسن‏:‏ لا تبرح من مكانك حتى آتيك، فذهب إلى سيده فاشتراه واشترى الحائط الذي هو فيه، فأعتقه وملّكه الحائط‏.‏ فقال الغلام‏:‏ يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له‏.‏ قالوا‏:‏ وكان كثير التزوج، وكان لا يفارقه أربع حرائر، وكان مطلاقاً مصداقاً‏.‏ يقال‏:‏ إنه أحصن سبعين امرأة‏.‏ وذكروا أنه طلق امرأتين في يوم، واحدة من بني أسد، وأخرى من بني فزارة - فزارية - وبعث إلى كل واحدة منهما بعشرة آلاف، وبزقاق من عسل‏.‏ وقال للغلام‏:‏ اسمع ما تقول كل واحدة منهما‏.‏ فأما الفزارية فقالت‏:‏ جزاه الله خيراً، ودعت له‏.‏ وأما الأسدية فقالت‏:‏ متاع قليل من حبيب مفارق‏.‏ فرجع الغلام إليه بذلك فارتجع الأسدية وترك الفزارية‏.‏ وقد كان علي يقول لأهل الكوفة‏:‏ لا تزوجوه فإنه مطلاق‏.‏ فيقولون‏:‏ والله يا أمير المؤمنين لو خطب إلينا كل يوم لزوجناه منا من شاء ابتغاء في صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وذكروا أنه نام مع امرأته خولة بنت منظور الفزاري -وقيل‏:‏ هند بنت سهيل - فوق إجار فعمدت المرأة فربطت رجله بخمارها إلى خلخالها، فلما استيقظ قال لها‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقالت‏:‏ خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب، فأعجبه ذلك منها، واستمر بها سبعة أيام بعد ذلك‏.‏ وقال أبو جعفر الباقر‏:‏ جاء رجل إلى الحسين بن علي فاستعان به في حاجة، فوجده معتكفاً فاعتذر إليه، فذهب إلى الحسن فاستعان به فقضى حاجته، وقال‏:‏ لقضاء حاجة أخ لي في الله أحب إليّ من اعتكاف شهر‏.‏ وقال هشيم‏:‏ عن منصور، عن ابن سيرين قال‏:‏ كان الحسن بن علي لا يدعو إلى طعامه أحداً يقول‏:‏ هو أهون من أن يدعى إليه أحد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/43‏)‏ وقال أبو جعفر‏:‏ قال علي‏:‏ يا أهل الكوفة، لا تزوجوا الحسن بن علي فإنه مطلاق‏.‏ فقال رجل من همذان‏:‏ والله لنزوجنه، فما رضي أمسك، وما كره طلق‏.‏ وقال أبو بكر الخرائطي - في كتاب ‏(‏مكارم الأخلاق‏)‏ -‏:‏ ثنا ابن المنذر - هو إبراهيم - ثنا القواريري، ثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن محمد بن سيرين قال‏:‏ تزوج الحسن بن علي امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم‏.‏ وقال عبد الرزاق‏:‏ عن الثوري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن الحسن بن سعد، عن أبيه قال‏:‏ متع الحسن بن علي امرأتين بعشرين ألفاً وزقاق من عسل، فقالت إحداهما - وأراها الحنفية - متاع قليل من حبيب مفارق‏.‏ وقال الواقدي‏:‏ حدثني علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين قال‏:‏ كان الحسن بن علي مطلاقاً للنساء، وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه‏.‏ وقال جويرية بن أسماء‏:‏ لما مات الحسن بكى عليه مروان في جنازته‏.‏ فقال له الحسين‏:‏ أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه‏؟‏ فقال‏:‏ إني كنت أفعل إلى أحلم من هذا، وأشار هو إلى الجبل‏.‏ وقال محمد بن سعد‏:‏ أنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، عن ابن عون، عن محمد بن إسحاق قال‏:‏ ما تكلم عندي أحد كان أحب إليّ إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي‏.‏ وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه كان بينه وبين عمرو بن عثمان خصومة فقال‏:‏ ليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه قط‏.‏ قال محمد بن سعد‏:‏ وأنا الفضل بن دكين، أنا مساور الجصاص، عن رزين بن سوار قال‏:‏ كان بين الحسن ومروان خصومة، فجعل مروان يغلظ للحسن وحسن ساكت، فامتخط مروان بيمينه‏.‏ فقال له الحسن‏:‏ ويحك‏!‏ أما علمت أن اليمنى للوجه، والشمال للفرج‏؟‏ أفٍ لك‏.‏ فسكت مروان‏.‏ وقال أبو العباس‏:‏ محمد بن يزيد المبرد، قيل للحسن بن علي‏:‏ إن أبا زر يقول‏:‏ الفقر أحب إليّ من الغنى، والسقم أحب إليّ من الصحة، فقال‏:‏ رحم الله أبا زر، أما أنا فأقول‏:‏ من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمنَ أن يكون في غير الحالة التي اختار الله له‏.‏ وهذا أحد الوقوف على الرضا بما تعرف به القضاء‏.‏ وقال أبو بكر محمد بن كيسان الأصم‏:‏ قال الحسن ذات يوم لأصحابه‏:‏ إني أخبركم عن أخٍ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجاً عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجاً عن سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه‏.‏ وكان خارجاً عن سلطان جهله فلا يمد يداً إلا على ثقة المنفعة، ولا يخطو خطاة إلا لحسنة، وكان لا يسخط ولا يتبرم‏.‏ كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا غُلب على الكلام لم يُغلب على الصمت، كان أكثرهم دهره صامتاً، فإذا قال يذر القائلين‏.‏ وكان لا يشارك في دعوى، ولا يدخل في مراء، ولا يدلي بحجة، حتى يرى قاضياً يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول تفضلاً وتكرماً، كان لا يغفل عن إخوانه ولا يستخص بشيء دونهم‏.‏ كان لا يكرم أحداً فيما يقع العذر بمثله، كان إذا ابتداه أمران لا يرى أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه‏.‏ رواه ابن عساكر والخطيب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/44‏).
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب بنت خزيمة
التاريخ الهجري 4 هـ

وفي شهر رمضان من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية‏. وقد حكى أبو عمر ابن عبد البر، عن علي بن عبد العزيز الجرجاني أنه قال‏:‏ كانت أخت ميمونة بنت الحارث‏.‏ ثم استغربه وقال‏:‏ لم أره لغيره‏.‏ وهي التي يقال لها أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم، وبرها لهم وإحسانها إليهم، وأصدقها ثنتي عشرة أوقية ونشا، ودخل بها في رمضان، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها‏.‏ قال أبو عمر ابن عبد البر، عن علي بن عبد العزيز الجرجاني‏:‏ ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف‏.‏ قال ابن الأثير في ‏(‏أسد الغابة‏)‏‏:‏ وقيل كانت تحت عبد الله بن جحش، فقتل عنها يوم أحد‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ ولا خلاف أنها ماتت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة حتى توفيت رضي الله عنها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 4/ 104‏).
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
غزوة بني المُصطلق أو غزوة المريسيع
التاريخ الهجري 5 هـ

وهذه الغزوة وإن لم تكن طويلة الذيل، عريضة الأطراف من حيث الوجهة العسكريـة، إلا أنها وقعـت فيـها وقـائـع أحدثـت البلبلـة والاضطـراب فـي المجتمـع الإسلامي، وتمخضت عن افتضاح المنافقين، والتشريعات التعزيرية التي أعطت المجتمع الإسلامي صورة خاصة من النبل والكرامة وطهارة النفوس‏.‏ ونسرد الغزوة أولاً، ثم نذكر تلك الوقائع‏.‏ كانت هذه الغزوة في شعبان سنة خمس عند عامة أهل المغازي، وسنة ست على قول ابن إسحاق‏.‏ وسببها أنه بلغه صلى الله عليه وسلم أن رئيس بني المصطلق الحارث بن أبي ضِرَار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث بُرَيْدَة بن الحصيب الأسلمي لتحقيق الخبر، فأتاهم، ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر‏.‏ وبعد أن تأكد لديه صلى الله عليه وسلم صحة الخبر ندب الصحابة، وأسرع في الخروج، وكان خروجه لليلتين خلتا من شعبان، وخرج معه جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وقيل‏:‏ أبا ذر، وقيل‏:‏ نُمَيْلَة بن عبد الله الليثي، وكان الحارث بن أبي ضرار قد وجه عينًا ؛ ليأتيه بخبر الجيش الإسلامي، فألقي المسلمون عليه القبض وقتلوه‏.‏ ولما بلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله عينه، خافوا خوفاً شديداً وتفرق عنهم من كان معهم من العرب، وانتهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المُرَيْسِيع ـ بالضم فالفتح مصغراً، اسم لماء من مياههم في ناحية قُدَيْد إلى الساحل ـ فتهيأوا للقتال‏.‏ وَصَفَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملوا حملة رجل واحد، فكانت النصرة وانهزم المشركون، وقتل من قتل، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري والنعم والشاء، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، قتله رجل من الأنصار ظناً منه أنه من العدو‏.‏ كذا قال أهل المغازي والسير، قال ابن القيم‏:‏ هو وَهْم، فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم على الماء فسبي ذراريهم وأموالهم، كما في الصحيح أغار رسول صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون، وذكر الحديث‏.‏ انتهي‏.‏ وكان من جملة السبي‏:‏ جُوَيْرِيَة بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت ابن قيس، فكاتبها، فـأدي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجهـا، فأعـتق المسلـمون بسبـب هـذا التزويـج مـائـة أهـل بيـت مـن بنـي المصطلق قـد أسلمـوا، وقـالـوا‏:‏ أصهـار رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأما الوقائع التي حدثت في هذه الغزوة، فلأجل أن مبعثها كان هو رأس النفاق عبد الله بن أبي وأصحابه، نري أن نورد أولاً شيئاً من أفعالهم في المجتمع الإسلامي‏.‏ دور المنافقين قبل غزوة بني المصطلق‏‏ قدمنا مراراً أن عبد الله بن أبي كان يَحْنَقُ على الإسلام والمسلمين، ولاسيما على رسول الله صلى الله عليه وسلم حَنَقًا شديداً ؛ لأن الأوس والخزرج كانوا قد اتفقوا على سيادته، وكانوا ينظمون له الخَرَزَ ليتوجوه إذ دخل فيهم الإسلام، فصرفهم عن ابن أبي، فكان يري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي استلبه ملكه‏.‏ وقد ظهر حنقه هذا وتحرقه منذ بداية الهجرة قبل أن يتظاهر بالإسلام، وبعد أن تظاهر به‏.‏ ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة على حمار ليعود سعد بن عبادة، فمر بمجلس فيه عبد الله بن أبي فخَمَّرَ ابن أبي أنفه، وقال‏:‏ لا تُغَبِّرُوا علينا‏.‏ ولما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المجلس القرآن، قال‏:‏ اجلس في بيتك، ولا تؤذنا في مجالسنا‏.‏ وهذا قبل أن يتظاهر بالإسلام، ولما تظاهر به بعد بدر لم يزل إلا عدوًا لله ولرسوله وللمؤمنين، ولم يكن يفكر إلا في تشتيت المجتمع الإسلامي وتوهين كلمة الإسلام‏.‏ وكان يوإلى أعداءه، وقد تدخل في أمر بني قينقاع كما ذكرنا، وكذلك جاء في غزوة أحد من الشر والغدر والتفريق بين المسلمين، وإثارة الارتباك والفوضي في صفوفهم بما مضي‏.‏ وكان من شدة مكر هذا المنافق وخداعه بالمؤمنين أنه كان بعد التظاهر بالإسلام، يقوم كل جمعة حين يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للخطبة، فيقول‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزروه، واسمعـوا لــه وأطيعوا، ثم يجلس، فيقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخطب‏.‏ وكان من وقاحة هذا المنافق أنه قام في يوم الجمعة التي بعد أحد ـ مع ما ارتكبه من الشر والغدر الشنيع ـ قام ليقول ما كان يقوله من قبل، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا له‏:‏ اجلس أي عدو الله، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطي رقاب الناس، وهو يقول‏:‏ والله لكأنما قلت بُجْرًا أن قمت أشدد أمره، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد‏.‏‏.‏‏.‏ فقال‏:‏ ويلك، ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ والله ما أبتغي أن يستغفر لي‏.‏ وكانت له اتصالات ببني النضير يؤامر معهم ضد المسلمين حتى قال لهم‏:‏ ‏)‏ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ‏ )‏ ‏[‏ الحشر‏:‏ 11‏]‏‏.‏ وكذلك فعل هو وأصحابه في غزوة الأحزاب من إثارة القلق والاضطراب وإلقاء الرعب والدهشة في قلوب المؤمنين ما قصه الله تعالى في سورة الأحزاب‏:‏ ‏)‏ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا‏ )‏ إلى قوله‏:‏ ‏)‏ يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا )‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 12: 20‏]‏‏.‏ بيد أن جميع أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين كانوا يعرفون جيداً أن سبب غلبة الإسلام ليس هو التفوق المادي وكثرة السلاح والجيوش والعدد، وإنما السبب هي القيم والأخلاق والمثل التي يتمتع بها المجتمع الإسلامي وكل من يمت بصلة إلى هذا الدين، وكانوا يعرفون أن منبع هذا الفيض إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو المثل الأعلى ـ إلى حد الإعجاز ـ لهذه القيم، كما عرفوا بعد إدارة دفة الحروب طيلة خمس سنين، أن القضاء على هذا الدين وأهله لا يمكن عن طريق استخدام السلاح، فقرروا أن يشنوا حرباً دعائية واسعة ضد الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد، وأن يجعلوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم أول هدف لهذه الدعاية الكاذبة الخاطئة‏.‏ ولما كان المنافقون هم الطابور الخامس في صفوف المسلمين، ولكونهم سكان المدينة، كان يمكن لهم الاتصال بالمسلمين واستفزاز مشاعرهم كل حين‏.‏ تحمل فريضة الدعاية هؤلاء المنافقون، وعلى رأسهم ابن أبي‏.‏ وقد ظهرت خطتهم هذه جلية حينما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش، بعد أن طلقها زيد بن حارثة، فقد كان من تقاليد العرب أنهم كانوا يعتبرون المتبني مثل الابن الصلبي، فكانوا يعتقدون حرمة حليلة المتبني على الرجل الذي تبناه، فلما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب وجد المنافقون ثُلْمَتَيْن ـ حسب زعمهم ـ لإثارة المشاغب ضد النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ الأولى‏:‏ أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة، والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة، فكيف صح له هذا الزواج‏؟‏ الثانية‏:‏ أن زينب كانت زوجة ابنه ـ مُتَبَنَّاه ـ فالزواج بها من أكبر الكبائر، حسب تقاليد العرب‏.‏ وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل، واختلقوا قصصاً وأساطير، قالوا‏:‏ إن محمداً رآها بغتة، فتأثر بحسنها وشغفته حباً، وعلقت بقلبه، وعلم بذلك ابنه زيد فخلي سبيلها لمحمد، وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة نشراً بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان، وقد أثرت تلك الدعاية أثراً قوياً في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور، وينبئ عن سعة نشر هذه الدعاية أن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله‏:‏ ‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا‏ )‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 1‏]‏‏.‏ وهذه إشارات عابرة، وصور مصغرة لما اقترفه المنافقون قبل غزوة بني المصطلق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكابد كل ذلك بالصبر واللين والتلطف، وكان عامة المسلمين يحترزون عن شرهم، أو يتحملونه بالصبر ؛ إذ كانوا قد عرفوهم بافتضاحهم مرة بعد أخري حسب قوله تعالى‏:‏ ‏( ‏أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ‏ )‏ ‏[‏التوبة ‏:‏126‏]‏‏.‏ دور المنافقين في غزوة بني المصطلق‏ ولما كانت غزوة بني المصطلق وخرج فيها المنافقون مثلوا قوله تعالى‏:‏ ‏( ‏لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ )‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 47‏]‏ فقد وجدوا متنفسين للتنفس بالشر، فأثاروا الارتباك الشديد في صفوف المسلمين، والدعاية الشنيعة ضد النبي صلى الله عليه وسلم، وهاك بعض التفصيل عنها‏:‏ 1- قول المنافقين‏:‏( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏ ) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الغزوة مقيماً على المُرَيْسِيع، ووردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير يقال له‏:‏ جَهْجَاه الغفاري، فازدحم هو وسِنَان بن وَبَر الجهني على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني‏:‏ يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه‏:‏ يا معشر المهاجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم‏؟‏ دعوها فإنها مُنْتِنَة‏)‏، وبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن سلول فغضب ـ وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلام حدث ـ وقال‏:‏ أو قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول‏:‏ سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأكُلْكَ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره فقال لهم‏:‏ هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم‏.‏ فأخبر زيد بن أرقم عمه بالخبر، فأخبر عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عمر، فقال عمر‏:‏ مُرْ عَبَّاد بن بشر فليقتله‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه‏؟‏ لا ولكن أَذِّنْ بالرحيل‏)‏، وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، فارتحل الناس، فلقيه أسيد بن حضير فحياه، وقال‏:‏ لقد رحت في ساعة منكرة‏؟‏ فقال له‏:‏ ‏(‏أو ما بلغك ما قال صاحبكم‏؟‏‏)‏ يريد ابن أبي، فقال‏:‏ وما قال‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏)‏، قال‏:‏ فأنت يا رسول الله، تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال‏:‏ يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخَرَز ليتوجوه، فإنه يري أنك استلبته ملكاً‏.‏ ثم مشي بالناس يومهم ذلك حتى أمسي، وليلتهم حتى أصبح، وصَدْر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مَـسَّ الأرض فوقعوا نياماً‏.‏ فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث‏.‏ أما ابن أبي فلما علم أن زيد بن أرقم بلغ الخبر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحلف بالله ما قلت ما قال، ولا تكلمت به، فقال من حضر من الأنصار‏:‏ يا رسول الله عسي أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل‏.‏ فصدقه، قال زيد‏:‏ فأصابني هَمٌّ لم يصبني مثله قط، فجلست في بيتي، فأنزل الله‏:‏ ‏)‏ إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ‏ )‏ إلى قوله‏:‏ ‏( ‏هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا‏ )‏ إلى ‏( ‏لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ‏ )‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 1 ـ 8‏]‏، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها علي‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏إن الله قد صدقك‏)‏‏.‏ وكان ابن هذا المنافق ـ وهو عبد الله بن عبد الله بن أبي ـ رجلاً صالحاً من الصحابة الأخيار، فتبرأ من أبيه، ووقف له على باب المدينة، واستل سيفه، فلما جاء ابن أبي قال له‏:‏ والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أذن له فخلي سبيله، وكان قد قال عبد الله ابن عبد الله بن أبي‏:‏ يا رسول الله، إن أردت قتله فمرني بذلك، فأنا والله أحمل إليك رأسه‏.‏ 2- حديث الإفك‏‏ وفي هذه الغزوة كانت قصة الإفك، وملخصها‏:‏ أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها، وكانت تلك عادته مع نسائه، فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها، ففقدت عقداً لأختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هَوْدَجَها فظنوها فيه فحملوا الهودج، ولا ينكرون خِفَّتَه؛ لأنها رضي الله عنها كانت فَتِيَّةَ السن لم يَغْشَهَا اللحم الذي كان يثقلها، وأيضاً فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته، ولو كان الذي حمله واحداً أو اثنين لم يخف عليهما الحال، فرجعت عائشة إلى منازلهم، وقد أصابت العقد، فإذا ليس به داع ولا مجيب، فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها، والله غالب على أمره، يدبر الأمر من فوق عرشه كما يشاء، فغلبتها عيناها، فنامت، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المُعَطَّل‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ وكان صفوان قد عَرَس في أخريات الجيش ؛ لأنه كان كثير النوم، فلما رآها عرفها، وكان يراها قبل نزول الحجاب، فاسترجع وأناخ راحلته، فقربها إليها، فركبتها، وما كلمها كلمة واحدة، ولم تسمع منه إلا استرجاعه، ثم سار بها يقودها، حتى قدم بها، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة، فلما رأي ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته، وما يليق به، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفساً، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يستحكي الإفك، ويستوشيه، ويشيعه، ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه، فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لايتكلم، ثم استشار أصحابه ـ لما استلبث الوحي طويلاً ـ في فراقها، فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يفارقها، ويأخذ غيرها، تلويحاً لاتصريحاً، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها، وألا يلتفت إلى كلام الأعداء‏.‏ فقام على المنبر يستعذر من عبد الله ابن أبي، فأظهر أسيد بن حضير سيد الأوس رغبته في قتله فأخذت سعد بن عبادة ـ سيد الخزرج، وهي قبيلة ابن أبي ـ الحمية القبلية، فجري بينهما كلام تثاور له الحيان، فخفضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سكتوا وسكت‏.‏ أما عائشة فلما رجعت مرضت شهراً، وهي لا تعلم عن حديث الإفك شيئاً، سوى أنها كانت لا تعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كانت تعرفه حين تشتكي، فلما نَقِهَتْ خرجت مع أم مِسْطَح إلى البَرَاز ليلاً، فعثرت أم مسطح في مِرْطِها، فدعت على ابنها، فاستنكرت ذلك عائشة منها، فأخبرتها الخبر، فرجعت عائشة واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لتأتي أبويها وتستيقن الخبر، ثم أتتهما بعد الإذن حتى عرفت جلية الأمر، فجعلت تبكي، فبكت ليلتين ويوماً، لم تكن تكتحل بنوم، ولا يرقأ لها دمع، حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فتشهد وقال‏:‏ ‏(‏أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله تاب الله عليه‏)‏‏.‏ وحينئذ قَلَص دمعها، وقالت لكل من أبويها أن يجيبا، فلم يدريا ما يقولان‏.‏ فقالت‏:‏ والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم‏:‏ إني بريئة ـ والله يعلم أني بريئة ـ لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر ـ والله يعلم أني منه بريئة ـ لتُصَدِّقنِّي، والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف، قال‏:‏ ‏( ‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ‏ )‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 18‏]‏‏.‏ ثم تحولت واضطجعت، ونزل الوحي ساعته، فَسُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك‏.‏ فكانت أول كلمة تكلم بها‏:‏ ‏(‏يا عائشة، أما الله فقد برأك‏)‏، فقالت لها أمها‏:‏ قومي إليه‏.‏‏.‏ فقالت عائشة ـ إدلالاً ببراءة ساحتها، وثقة بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله‏.‏ والذي أنزله الله بشأن الإفك هو قوله تعالي‏:‏ ‏( ‏إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ‏.‏‏.‏‏.)‏ ‏[‏ النور‏:‏ 11: 20]‏‏.‏ العشر الآيات‏.‏ ثم تحولت واضطجعت، ونزل الوحي ساعته، فَسُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها‏:‏ ‏(‏يا عائشة، أما الله فقد برأك‏)‏، فقالت لها أمها‏:‏ قومي إليه‏.‏ فقالت عائشة ـ إدلالاً ببراءة ساحتها، وثقة بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله‏.‏ والذي أنزله الله بشأن الإفك هو قوله تعالى‏:‏ ‏( ‏إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ العشر الآيات ‏[‏النور‏:‏ 11: 20‏]‏‏.‏ وجُلِد من أهل الإفك مِسْطَح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحَمْنَة بنت جحش، جلدوا ثمانين ثمانين، ولم يُحَدّ الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك، والذي تولي كبره ؛ إما لأن الحدود تخفيف لأهلها، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، وإما للمصلحة التي ترك لأجلها قتله‏.‏ وهكذا وبعد شهر أقشعت سحابة الشك والارتياب والقلق والاضطراب عن جو المدينة، وافتضح رأس المنافقين افتضاحاً لم يستطع أن يرفع رأسه بعد ذلك، قال ابن إسحاق‏:‏ وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر‏:‏ ‏(‏كيف ترى يا عمر‏؟‏ أما والله لوقتلته يوم قلت لي‏:‏ اقتله، لأرعدت له آنف، ولو أمرتها اليوم بقتله لقتلته‏)‏‏.‏ قال عمر‏:‏ قد والله علمتُ، لأمْر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
 

ابو العزام

مراقب الأركان العامة والتقنية
مراقب عام
27 أغسطس 2009
63,014
4,770
113
الجنس
ذكر
رد: *** أحداث رمضانية ***

جزاكم الله خيرا ..
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: *** أحداث رمضانية ***

سرية أبي بكر الصديق أو زيد بن حارثة التاريخ الهجري 6 هـ


في رمضان سنة 6هـ‏.‏ كان بطن من فَزَارة يريد اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق‏.‏ قال سَلَمَة بن الأكْوَع‏:‏ وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة، فوردنا الماء، فقتل أبو بكر من قتل، ورأيت طائفة وفيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم، ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، وفيهم امرأة هي أم قِرْفَة، عليها قَشْعٌ من أدِيم، معها ابنتها من أحسن العرب، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها، فلم أكشف لها ثوبا، وقد سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت أم قِرْفَة، فبعث بها إلى مكة، وفدي بها أسري من المسلمين هناك‏.‏ وكانت أم قرفة شيطانة تحاول اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، وجهزت ثلاثين فارساً من أهل بيتها لذلك، فلاقت جزاءها، وقتل الثلاثون‏.‏

..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....


غزوة فتح مكة

التاريخ الهجري 8 هـ



قال ابن القيم‏:‏ هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمـين، واستنقذ به بلــده وبيته الذي جعله هدي للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشر بـه أهـل السمـاء، وضـربت أطناب عِزِّه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به فــي ديــن الله أفواجـاً، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجاً ا‏.‏ هـ‏.‏ سبب الغزوة‏‏ قدمنا في وقعة الحديبية أن بنداً من بنود هذه المعاهدة يفيد أن من أحب أن يدخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر جزءاً من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق‏.‏ وحسب هذا البند دخلت خُزَاعَة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وصارت كل من القبيلتين في أمن من الأخري، وقد كانت بين القبيلتين عداوة وتوترات في الجاهلية، فلما جاء الإسلام، ووقعت هذه الهدنة، وأمن كل فريق من الآخر ـ اغتنمها بنو بكر، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فخرج نَوْفَل بن معاوية الدِّيلي في جماعة من بني بكر في شهر شعبان سنة 8 هـ، فأغاروا على خزاعة ليلاً، وهم على ماء يقال له‏:‏ ‏[‏الوَتِير‏]‏ فأصابوا منهم رجالاً، وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم رجال من قريش مستغلين ظلمة الليل، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر‏:‏ يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة‏:‏ لا إله اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثأركم‏.‏ فلعمري إنكم لتَسرِقُون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه‏؟‏ ولما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي، وإلى دار مولي لهم يقال له‏:‏ رافع‏.‏ وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي، فخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فوقف عليه، وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نصرت يا عمرو بن سالم‏)‏، ثم عرضت له سحابة من السماء، فقال‏:‏ ‏(‏إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب‏)‏‏.‏ ثم خرج بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي في نفر من خُزَاعَة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة‏.‏ أبو سفيان يخرج إلى المدينة ليجدد الصلح‏ ولا شك أن ما فعلت قريش وحلفاؤها كان غدراً محضاً ونقضاً صريحاً للميثاق، لم يكن له أي مبرر، ولذلك سرعان ما أحست قريش بغدرها، وخافت وشعرت بعواقبه الوخيمة، فعقدت مجلساً استشارياً، وقررت أن تبعث قائدها أبا سفيان ممثلاً لها ليقوم بتجديد الصلح‏.‏ وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بما ستفعله قريش إزاء غدرتهم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العَقْدَ، ويزيد في المدة‏)‏‏.‏ وخرج أبو سفيان ـ حسب ما قررته قريش ـ فلقي بديل بن ورقاء بعُسْفَان ـ وهو راجع من المدينة إلى مكة ـ فقال‏:‏ من أين أقبلت يا بديل‏؟‏ ـ وظن أنه أتي النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي‏.‏ قال‏:‏ أو ما جئت محمداً‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان‏:‏ لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوي، فأتي مبرك راحلته، فأخذ من بعرها، ففته، فرأي فيها النوي، فقال‏:‏ أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً‏.‏ وقدم أبو سفيان المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال‏:‏ يا بنية، أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني‏؟‏ قالت‏:‏ بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس‏.‏ فقال‏:‏ والله لقد أصابك بعدي شر‏.‏ ثم خرج حتى أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه، فلم يرد عليه شيئاً، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ما أنا بفاعل‏.‏ ثم أتي عمر بن الخطاب فكلمه، فقال‏:‏ أأنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فوالله لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتكم به، ثم جاء فدخل على على بن أبي طالب، وعنده فاطمة، وحسن، غلام يدب بين يديهما، فقال‏:‏ يا علي، إنك أمس القوم بي رحماً، وإني قد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائباً، اشفع لي إلى محمد، فقال‏:‏ ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه‏.‏ فالتفت إلى فاطمة، فقال‏:‏ هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر‏؟‏ قالت‏:‏ والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وحيئذ أظلمت الدنيا أمام عيني أبي سفيان، فقال لعلى بن أبي طالب في هلع وانزعاج ويأس وقنوط‏:‏ يا أبا الحسن، إني أري الأمور قد اشتدت علي، فانصحني، قال‏:‏ والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك‏.‏ ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الْحَقْ بأرضك‏.‏ قال‏:‏ أو تري ذلك مغنياً عني شيئاً‏؟‏ قال‏:‏ لا والله ما أظنه، ولكني لم أجد لك غير ذلك‏.‏ فقام أبو سفيان في المسجد، فقال‏:‏ أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره، وانطلق‏.‏ ولما قدم على قريش، قالوا‏:‏ ما وراءك‏؟‏ قال‏:‏ جئت محمداً فكلمته، فوالله ما رد على شيئاً، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيراً، ثم جئت عمر بن الخطاب، فوجدته أدني العدو، ثم جئت علياً فوجدته ألين القوم، قد أشار على بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عني شيئاً أم لا‏؟‏ قالوا‏:‏ وبم أمرك‏؟‏ قال‏:‏ أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا‏:‏ فهل أجاز ذلك محمد‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قالوا‏:‏ ويلك، إن زاد الرجل على أن لعب بك‏.‏ قال‏:‏ لا والله ما وجدت غير ذلك‏.‏ التهيؤ للغزوة ومحاولة الإخفاء‏‏ يؤخذ من رواية الطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عائشة ـ قبل أن يأتي إليه خبر نقض الميثاق بثلاثة أيام ـ أن تجهزه، ولا يعلم أحد، فدخل عليها أبو بكر، فقال‏:‏ يابنية، ما هذا الجهاز‏؟‏ قالت‏:‏ والله ما أدري‏.‏ فقال‏:‏ والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد رسول الله‏؟‏ قالت‏:‏ والله لا علم لي، وفي صباح الثالثة جاء عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكباً، وارتجز‏:‏ يا رب إني ناشد محمداً‏.‏‏.‏‏.‏ الأبيات‏.‏ فعلم الناس بنقض الميثاق، وبعد عمرو جاء بديل، ثم أبو سفيان، وتأكد عند الناس الخبر، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة، وقال‏:‏ ‏(‏اللّهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها‏)‏‏.‏ وزيادة في الإخفاء والتعمية بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قوامها ثمانية رجال، تحت قيادة أبي قتادة بن رِبْعِي، إلى بطن إضَم، فيما بين ذي خَشَب وذي المروة، على ثلاثة بُرُد من المدينة، في أول شهر رمضان سنة 8 هـ ؛ ليظن الظان أنه صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلك الأخبار، وواصلت هذه السرية سيرها، حتى إذا وصلت حيثما أمرت بلغها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة، فسارت إليه حتى لحقته‏.‏ وكتب حاطب بن أبي بَلْتَعَة إلى قريش كتاباً يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جُعْلاً على أن تبلغه قريشاً، فجعلته في قرون رأسها، ثم خرجت به، وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علياً والمقداد والزبير بن العوام وأبا مَرْثَد الغَنَوِي فقال‏:‏ ‏(‏انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَةَ خَاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى قريش‏)‏، فانطلقوا تعادي بهم خيلهم حتى وجدوا المرأة بذلك المكان، فاستنـزلوها، وقالوا‏:‏ معك كتاب‏؟‏ فقالت‏:‏ ما معي كتاب، ففتشوا رحلها فلم يجدوا شيئاً‏.‏ فقال لها علي‏:‏ أحلف بالله، ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك‏.‏ فلما رأت الجد منه قالت‏:‏ أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليهم، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه‏:‏ ‏(‏من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش‏)‏ يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً، فقال‏:‏ ‏(‏ما هذا يا حطب‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ لا تَعْجَلْ على يا رسول الله‏.‏ والله إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ مُلْصَقـًا في قريش ؛ لست من أنْفَسِهم، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك له قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي‏.‏ فقال عمر بن الخطاب‏:‏ دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله، وقد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنه قد شهد بدراً، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال‏:‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم‏)‏، فذَرَفَتْ عينا عمر، وقال‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ وهكذا أخذ الله العيون، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيئهم للزحف والقتال‏.‏ الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة‏‏ ولعشر خلون من شهر رمضان المبارك 8 هـ، غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة متجهاً إلى مكــة، في عشرة ألاف من الصحابة رضي الله عنهم، واستخـلف على المدينة أبا رُهْم الغفاري‏.‏ ولما كان بالجُحْفَة ـ أو فوق ذلك ـ لقيه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً، ثم لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان ابن الحارث وابن عمته عبد الله بن أبي أمية، فأعرض عنهما، لما كان يلقاه منهما من شدة الأذي والهجو، فقالت له أم سلمة‏:‏ لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقي الناس بك‏.‏ وقال على لأبي سفيان بن الحارث‏:‏ ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف‏:‏ ‏( ‏قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ‏ )‏ ‏[‏يوسف‏:‏91‏]‏، فإنه لا يرضي أن يكون أحد أحسن منه قولاً‏.‏ ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏) قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )‏ ‏[‏يوسف‏:‏92‏]‏، فأنشده أبو سفيان أبياتاً منها‏:‏ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال‏:‏ ‏(‏أنتَ طَرَّدْتَنِي كل مُطَرَّد‏؟‏‏)‏‏.‏ الجيش الإسلامي ينزل بمَرِّ الظَّهْرَان‏‏ وواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيره وهو صائم، والناس صيام، حتى بلغ الكُدَيْد ـ وهو ماء بين عُسْفَان وقُدَيْد ـ فأفطر، وأفطر الناس معه‏.‏ ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران ـ وادي فاطمة ـ نزله عشاء، فأمر الجيش، فأوقدوا النيران، فأوقدت عشرة آلاف نار، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبو سفيان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ وركب العباس ـ بعد نزول المسلمين بمر الظهران ـ بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وخرج يلتمس، لعله يجد بعض الحَطَّابة أو أحداً يخبر قريشاً ليخرجوا يستأمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخلها‏.‏ وكان الله قد عمي الأخبار عن قريش، فهم على وَجَلٍ وترقب، وكان أبو سفيان يخرج يتجسس الأخبار، فكان قد خرج هو وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار‏.‏ قال العباس‏:‏ والله إني لأسير عليها ـ أي على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول‏:‏ ما رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً‏.‏ قال‏:‏ يقول بديل‏:‏ هذه والله خزاعة، حَمَشَتْها الحرب، فيقول أبو سفيان‏:‏ خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها‏.‏ قال العباس‏:‏ فعرفت صوته، فقلت‏:‏ أبا حَنْظَلَة‏؟‏ فعرف صوتي، فقال‏:‏ أبا الفضل‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ مالك‏؟‏ فداك أبي وأمي‏.‏ قلت‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله‏.‏ قال‏:‏ فما الحيلة فداك أبي وأمي‏؟‏، قلت‏:‏ والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة، حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك، فركب خلفي، ورجع صاحباه‏.‏ قال‏:‏ فجئت به، فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين، قالوا‏:‏ من هذا‏؟‏ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا‏:‏ عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته‏.‏ حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال‏:‏ من هذا‏؟‏ وقام إلى، فلما رأي أبا سفيان على عجز الدابة قال‏:‏ أبو سفيان، عدو الله‏؟‏ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضتُ البغلة فسبقت، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر، فقال‏:‏ يا رسول الله، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه، قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت‏:‏ والله لا يناجيه الليلة أحد دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت‏:‏ مهلاً يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا، قال‏:‏ مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك كان أحب إلى من إسلام الخطاب، لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به‏)‏، فذهبت، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال‏:‏ ‏(‏ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك‏؟‏ لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغني عني شيئاً بعد‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله‏؟‏‏)‏، قال‏:‏ بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك‏:‏ أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيء‏.‏ فقال له العباس‏:‏ ويحك أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة الحق‏.‏ قال العباس‏:‏ يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن‏)‏‏.‏ الجيش الإسلامي يغادر مر الظهران إلى مكة‏‏ وفي هذا الصباح ـ صباح يوم الثلاثاء للسابع عشر من شهر رمضان سنة 8 هـ ـ غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران إلى مكة، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خَطْمِ الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها، ففعل، فمرت القبائل على راياتها، كلما مرت به قبيلة قال‏:‏ يا عباس، من هذه‏؟‏ فيقول ـ مثلا ـ سليم، فيقول‏:‏ مإلى ولِسُلَيْم‏؟‏ ثم تمر به القبيلة فيقول‏:‏ يا عباس، من هؤلاء‏؟‏ فيقول‏:‏ مُزَيْنَة، فيقول‏:‏ ما لي ولمزينة‏؟‏ حتى نفذت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها، فإذا أخبره قال‏:‏ مالي ولبني فلان‏؟‏ حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يري منهم إلا الحَدَق من الحديد، قال‏:‏ سبحان الله‏!‏ يا عباس، من هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال‏:‏ ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة‏.‏ ثم قال‏:‏ والله يا أبا الفضل، لقد أصبح مُلْكُ ابن أخيك اليوم عظيماً‏.‏ قال العباس‏:‏ يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال‏:‏ فنعم إذن‏.‏ وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له‏:‏ اليوم يوم الملحمة، اليوم تُسْتَحَلُّ الحُرْمَة، اليـوم أذل الله قـريشاً‏.‏ فلما حـاذي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان قال‏:‏ يا رسول الله، ألم تسمع ما قال سعد‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏وما قال‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ قال كذا وكذا‏.‏ فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف‏:‏ يا رسول الله، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏بل اليوم يوم تُعَظَّم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً‏)‏ ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه قيس، ورأي أن اللواء لم يخرج عن سعد‏.‏ وقيل‏:‏ بل دفعه إلى الزبير‏.‏ قريش تباغت زحف الجيش الإسلامي‏ ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان ومضي قال له العباس‏:‏ النجاء إلى قومك‏.‏ فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة، وصرخ بأعلى صوته‏:‏ يا معشر قريش، هذا محمد، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به‏.‏ فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن‏.‏ فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت‏:‏ اقتلوا الحَمِيت الدسم الأخمش الساقين، قُبِّحَ من طَلِيعَة قوم‏.‏ قال أبو سفيان‏:‏ ويلكم، لاتغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن‏.‏ قالوا‏:‏ قاتلك الله، وما تغني عنا دارك‏؟‏ قال‏:‏ ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن‏.‏ فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، ووبشوا أوباشاً لهم، وقالوا‏:‏ نقدم هؤلاء، فإن كان لقريش شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا‏.‏ فتجمع سفهاء قريش وأخِفَّاؤها مع عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو بالخَنْدَمَة ليقاتلوا المسلمين‏.‏ وكان فيهم رجل من بني بكر ـ حِمَاس بن قيس ـ كان يعد قبل ذلك سلاحاً، فقالت له امرأته‏:‏ لماذا تعد ما أري‏؟‏ قال‏:‏ لمحمد وأصحابه‏.‏ قالت‏:‏ والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء‏.‏ قال‏:‏ إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال‏:‏ إن يقبلوا اليوم فمالي عِلَّه ** هــذا ســلاح كامــل وألَّه وذو غِرَارَيْن سريع السَّلَّة ** فكان هذا الرجل فيمن اجتمعوا في الخندمة‏.‏ الجيش الإسلامي بذي طُوَى‏‏ أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضي حتى انتهي إلى ذي طوي ـ وكان يضع رأسه تواضعاً لله حين رأي ما أكرمه الله به من الفتح، حتى أن شعر لحيته ليكاد يمس واسطة الرحل ـ وهناك وزع جيشه، وكان خالد بن الوليد على المُجَنَّبَةِ اليمني ـ وفيها أسْلَمُ وسُلَيْم وغِفَار ومُزَيْنَة وجُهَيْنَة وقبائل من قبائل العرب ـ فأمره أن يدخل مكة من أسفلها، وقال‏:‏ ‏( ‏إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصداً، حتى توافوني على الصفا ‏)‏‏.‏ وكان الزبير بن العوام على المُجَنَّبَةِ اليسري، وكان معه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يدخل مكة من أعلاها ـ من كَدَاء ـ وأن يغرز رايته بالحَجُون، ولا يبرح حتى يأتيه‏.‏ وكان أبو عبيدة على الرجالة والحُسَّر ـ وهم الذيم لاسلاح معهم ـ فأمره أن يأخذ بطن الوادي حتى ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ الجيش الإسلامي يدخل مكة‏ وتحركت كل كتيبة من الجيش الإسلامي على الطريق التي كلفت الدخول منها‏.‏ فأما خالد وأصحابه فلم يلقهم أحد من المشركين إلا أناموه‏.‏ وقتل من أصحابه من المسلمين كُرْز بن جابر الفِهْرِي وخُنَيْس بن خالد بن ربيعة‏.‏ كانا قد شذا عن الجيش، فسلكا طريقاً غير طريقه فقتلا جميعاً، وأما سفهاء قريش فلقيهم خالد وأصحابه بالخَنْدَمَة فناوشوهم شيئا من قتال، فأصابوا من المشركين اثني عشر رجلاً، فانهزم المشركون، وانهزم حِمَاس بن قيس ـ الذي كان يعد السلاح لقتال المسلمين ـ حتى دخل بيته، فقال لامرأته‏:‏ أغلقي على بابي‏.‏ فقالت‏:‏ وأين ما كنت تقول‏؟‏ فقال‏:‏ وأقبل خالد يجوس مكة حتى وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا‏.‏ وأما الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحَجُون عند مسجد الفتح، وضرب له هناك قبة، فلم يبرح حتى جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ الرسول صلى الله عليه وسلم يدخل المسجد الحرام ويطهره من الأصنام‏ ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول‏:‏ ‏)‏ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا‏ ) ‏[‏الإسراء‏:‏81‏]‏، ‏( ‏قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ‏ )‏ ‏[‏سبأ‏:‏49‏]‏ والأصنام تتساقط على وجوهها‏.‏ وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرماً يومئذ، فاقتصر على الطواف، فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت فدخلها، فرأي فيها الصور، ورأي فيها صورة إبراهيم، وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ يستقسمان بالأزلام، فقال‏:‏ ‏(‏قاتلهم الله، والله ما استقسما بها قط‏)‏‏.‏ ورأي في الكعبة حمامة من عيدان، فكسرها بيده، وأمر بالصور فمحيت‏.‏ الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي في الكعبة ثم يخطب أمام قريش‏ ثم أغلق عليه الباب، وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب حتى إذا كان بينه وبينه ثلاثة أذرع وقف، وجعل عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه ـ وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ـ ثم صلي هناك‏.‏ ثم دار في البيت، وكبر في نواحيه، ووحد الله، ثم فتح الباب، وقريش قد ملأت المسجد صفوفاً ينتظرون ماذا يصنع‏؟‏ فأخذ بعضادتي الباب وهم تحته، فقال‏:‏ ‏(‏لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثُرَة أو مال أو دم فهو تحت قدمي هاتين، إلا سِدَانَة البيت وسِقاية الحاج، ألاوقتيل الخطأ شبه العمد ـ السوط والعصا ـ ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولاد‏.‏ يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية‏:‏ ‏)‏ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ). لا تثريب عليكم اليوم ثم قال‏:‏ ‏(‏يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال‏:‏ ‏(‏فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته‏:‏ ‏( ‏لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ‏ )‏ اذهبوا فأنتم الطلقاء‏)‏‏.‏ مفتاح البيت إلى أهله ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فقام إليه علي رضي الله عنه ومفتاح الكعبة في يده فقال‏:‏ اجمع لنا الحجابة مع السقاية، صلى الله عليك ـ وفي رواية أن الذي قال ذلك هو العباس ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أين عثمان بن طلحة‏؟‏‏)‏‏.‏ فدعي له، فقال له‏:‏ ‏(‏هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء‏)‏، وفي رواية ابن سعد في الطبقات أنه قال له حين دفع المفتاح إليه‏:‏ ‏(‏خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف‏)‏‏.‏ بلال يؤذن على الكعبة وحانت الصلاة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن يصعد فيؤذن على الكعبة، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب‏:‏ لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه‏.‏ فقال الحارث‏:‏ أما والله لو أعلم أنه حق لاتبعته‏.‏ فقال أبو سفيان‏:‏ أما والله لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء‏.‏ فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم‏:‏ ‏(‏لقد علمت الذي قلتم‏)‏ ثم ذكر ذلك لهم‏.‏ فقال الحارث وعتاب‏:‏ نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك‏.‏ صلاة الفتح أو صلاة الشكر ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ دار أم هانئ بنت أبي طالب، فاغتسل وصلى ثماني ركعات في بيتها ـ وكان ضحى ـ فظنها من ظنها صلاة الضحى، وإنما هذه صلاة الفتح، وأجارت أم هانئ حموين لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ‏)‏، وقد كان أخوها علي بن أبي طالب أراد أن يقتلهما، فأغلقت عليهما باب بيتها، وسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها ذلك‏.‏ إهدار دم رجال من أكابر المجرمين وأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ دماء تسعة نفر من أكابر المجرمين، وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد العزى بن خطل، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن نفيل بن وهب، ومقيس بن صبابة، وهبار بن الأسود، وقينتان كانتا لابن الأخطل، كانت تغنيان بهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب، وهي التي وجد معها كتاب حاطب‏.‏ فأما ابن أبي سرح فجاء به عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وشفع فيه، فحقن دمه، وقبل إسلامه بعد أن أمسك عنه رجاء أن يقوم إليه بعض الصحابة فيقتله، وكان قد أسلم قبل ذلك وهاجر، ثم ارتد ورجع إلى مكة‏.‏ وأما عكرمة بن أبي جهل، ففر إلى اليمن، فاستأمنت له امرأته، فأمنه النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته، فرجع معها وأسلم وحسن إسلامه‏.‏ وأما ابن خطل فكان متعلقًا بأستار الكعبة، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، فقال‏:‏ ‏(‏اقتله‏)‏ فقتله‏.‏ وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبدالله، وكان مقيس قد أسلم قبل ذلك، ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله، ثم ارتد ولحق بالمشركين‏.‏ وأما الحارث فكان شديد الأذى لرسول الله بمكة، فقتله علي‏.‏ وأما هبار بن الأسود فهو الذي كان قد عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجرت، فنخس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها، ففر هبار يوم مكة ثم أسلم وحسن إسلامه‏.‏ وأما القينتان فقتلت إحداهما، واستؤمن للأخرى فأسلمت، كما استؤمن لسارة وأسلمت‏.‏ قال ابن حجر‏:‏ وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارث بن طلاطل الخزاعي، قتله على‏.‏ وذكر الحاكم أيضاً ممن أهدر دمه كعب بن زهير، وقصته مشهورة، وقد جاء بعد ذلك وأسلم ومدح، ووحشي بن حرب، وهند بنت عتبة امرأه أبي سفيان، وقد أسلمت، وأرنب مولاه ابن خطل أيضاً قتلت، وأم سعد قتلت، فيما ذكر ابن إسحاق، فكملت العدة ثامنية رجال وست نسوة، ويحتمل أن تكون أرنب وأم سعد القينتان، أختلف في اسمهما أو باعتبار الكنية واللقب‏.‏ إسلام صفوان بن أمية، وفضالة بن عمير لم يكن صفوان ممن أهدر دمه، لكنه بصفته زعيماً كبيراً من زعماء قريش خاف على نفسه وفر، فاستأمن له عمير بن وهب الجمحي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه، وأعطاه عمامته التي دخل بها مكة، فلحقة عمير وهو يريد أن يركب البحر من جدة إلى اليمن فرده، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اجعلني بالخيار شهرين‏.‏ قال ‏(‏أنت بالخيار أربعة أشهر‏)‏ ثم أسلم صفوان، وقد كانت امرأته أسلمت قبله، فأقرهما على النكاح الأول‏.‏ وكان فضالة رجلاً جريئا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الطواف؛ ليقتله، فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما في نفسه فأسلم‏.‏ خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم الثاني من الفتح‏:‏ ولما كان الغد من يوم الفتح قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بما هو أهله، ثم قال‏:‏ ‏(‏أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا‏:‏ إن الله أذن لرسولة ولم يأذن لكم، وإنما حلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب‏)‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده ولا تلتقط ساقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه‏)‏، فقال العباس‏:‏ يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال‏:‏ ‏(‏إلا الإذخر‏)‏‏.‏ وكانت خزاعة قتلت يومئذ رجلا من بنى ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الصدد‏:‏ ‏(‏يا معشر خزاعة، ارفعو أيديكم عن القتل، فلقد كثر القتل إن نفع، ولقد قتلتم قتيالا لأدينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين، إن شاءوا فدم قاتله، وإن شاءوا فعقله‏)‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ فقام رجل من أهل اليمن يقال له‏:‏ شاه فقال‏:‏ اكتب لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اكتبو لأبي شاه‏)‏‏.‏ تخوف الأنصار من بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ولما تم فتح مكة على الرسول صلى الله عليه وسلم - وهي بلده ووطنه ومولده - قال الأنصار فيما بينهم‏:‏ أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده أن يقيم بها - وهو يدعو على الصفا رافعاً يديه - فلما فرغ من دعائة قال‏:‏ ‏(‏ماذا قلتم‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم‏)‏‏.‏ أخذ البيعة وحين فتح الله مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، تبين لأهل مكة الحق، وعلموا أن لا سبيل إلى النجاح إلا الإسلام، فأذعنوا له، واجتمعوا للبيعة، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا يبايع الناس، وعمر بن الخطاب أسفل منه، يأخذ على الناس فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا‏.‏ وفي المدارك‏:‏ روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر قاعد أسفل منه، يبايعهن بأمره، ويبلغهن عنه، فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة، خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها؛ لما صنعت بحمزة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئا‏)‏، فبايع عمر النساء على ألا يشركن بالله شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ولا تسرقن‏)‏ فقالت هند‏:‏ إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أنا أصبت من ماله هنات‏؟‏ فقال أبو سفيان‏:‏ وما أصبت فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فقال‏:‏ ‏(‏وإنك لهند‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏ولا يزنين‏)‏‏.‏ فقالت‏:‏ أو تزني الحرة‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏ولا يقتلن أولادهن‏)‏‏.‏ فقالت‏:‏ ربيناهم صغارا، وقتلناهم كبارا، فأنتم وهم أعلم ـ وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدرـ فضحك عمر حتى استلقى فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ولا يأتين ببهتان‏)‏ فقالت‏:‏ والله إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏ولا يعصينك في معروف‏)‏ فقالت‏:‏ والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك‏.‏ ولما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول‏:‏ كنا منك في غرور‏.‏ وفي الصحيح‏:‏ جاءت هند بنت عتبة فقالت‏:‏ يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يغزوا من أهل خبائك‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏وأيضا، والذي نفسي بيده‏)‏ قالت‏:‏ يا رسول ال،له إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج أن أطعم من الذي له عيالنا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا أره إلا بالمعروف‏)‏‏.‏ إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة وعمله فيها وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يومًا يجدد معالم الإسلام، ويرشد الناس إلى الهدى والتقى، وخلال هذه الآيام أمر أبا أسيد الخزاعي، فجدد أنصاب الحرم، وبث سراياه للدعوة إلى الإسلام، ولكسر الأوثان التي كانت حول مكة، فكسرت كلها، ونادى مناديه بمكة‏:‏ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره‏.‏
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: *** أحداث رمضانية ***

عمرو بن العاص إلى سواع التاريخ الهجري 8 هـ


ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه وهو صنم لهذيل برهاط، على قرابة 150 كيلوا مترا شمال شرقي مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن‏:‏ ما تريد‏؟‏ قال‏:‏ أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه قال‏:‏ لا تقدر على ذلك قال‏:‏ لم ‏؟‏ قال تمنع قال‏:‏ حتى الآن أنت على الباطل‏؟‏ ويحك فهل يسمع أو يبصر‏؟‏ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئا، ثم قال للسادن‏:‏ كيف رأيت‏؟‏ قال‏:‏ أسلمت لله‏.‏
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....

خالد بن الوليد إلى العزى

التاريخ الهجري 8 هـ

ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان ـ سنة 8 هـ ـ ليهدمها وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة وهي أعظم أصنامهم‏.‏ وكان سدنتها بني شيبان، فخرج إليها خالد في ثلاثين فارسًا حتى انتهى إليها، فهدمها‏.‏ ولما رجع إليها سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏هل رأيت شيئا‏؟‏‏)‏ قال ‏:‏ لا قال‏:‏ ‏(‏فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها‏)‏ فرجع خالد متغيظًا قد جرد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال‏:‏ ‏(‏نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبدا‏)‏‏.‏
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



سعد بن زيد إلى مناة

التاريخ الهجري 8 هـ


سعد بن زيد بن الأشهلي في عشرين فارسًا إلى مناة وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فلما انتهى سعد إليها قال له سادنها‏:‏ ما تريد‏؟‏ قال‏:‏ هدم مناة، قال‏:‏ أنت وذاك، فأقبل إليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها، فقال لها السادن‏:‏ مناة دونك بعض عصاتك‏.‏ فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا في خزانته شيئًا‏.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



وفد ثقيف‏

التاريخ الهجري 9 هـ


كانت وفادتهم في رمضان سنة 9 هـ، وقصة إسلامهم أن رئيسهم عروة بن مسعود الثقفي جاء إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعد مرجعه من غزوة الطائف في ذي القعدة سنة 8 هـ قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم عروة، ورجع إلى قومه، ودعاهم إلى الإسلام ـ وهو يظن أنهم يطيعونه ؛ لأنه كان سيدا مطاعاً في قومه، وكان أحب إليهم من أبكارهم ـ فلما دعاهم إلى الإسلام رموه بالنبل من كل وجه حتى قتلوه، ثم أقاموا بعد قتله أشهراً، ثم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب مَنْ حولهم من العرب ـ الذين كانوا قد بايعوا وأسلموا ـ فأجمعوا أن يرسلوا رجلاً إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فكلموا عَبْد يالِيل بن عمرو، وعرضوا عليه ذلك فأبي، وخاف أن يصنعوا به إذا رجع مثل ما صنعوا بعروة‏.‏ وقال‏:‏ لست فاعلاً حتى ترسلوا معي رجالاً، فبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، فصاروا ستة فيهم عثمان بن أبي العاص الثقفي، وكان أحدثهم سناً‏.‏ فلما قدموا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحية المسجد، لكي يسمعوا القرآن، ويروا الناس إذا صلوا، ومكثوا يختلفون إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهو يدعوهم إلى الإسلام، حتى سأل رئيسهم أن يكتب لهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قضية صلح بينه وبين ثقيف، يأذن لهم فيه بالزنا وشرب الخمور وأكل الربا، ويترك لهم طاغيتهم اللات، وأن يعفيهم من الصلاة، وألا يكسروا أصنامهم بأيديهم، فأبي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يقبل شيئاً من ذلك، فخلوا وتشاوروا فلم يجدوا محيصاً عن الاستسلام لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فاستسلموا وأسلموا، واشترطوا أن يتولي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هدم اللات، وأن ثقيفاً لا يهدمونها بأيديهم أبداً‏.‏ فقبل ذلك، وكتب لهم كتاباً، وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص الثقفي ؛ لأنه كان أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم الدين والقرآن‏.‏ وذلك أن الوفد كانوا كل يوم يغدون إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ويخلفون عثمان بن أبي العاص في رحالهم، فإذا رجعوا وقالوا بالهاجرة عمد عثمان بن أبي العاص إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاستقرأه القرآن، وسأله عن الدين، وإذا وجده نائماً عمد إلى أبي بكر لنفس الغرض ‏(‏وكان من أعظم الناس بركة لقومه في زمن الردة، فإن ثقيفاً لما عزمت على الردة قال لهم‏:‏ يا معشر ثقيف، كنتم آخر الناس إسلاماً، فلا تكونوا أول الناس ردة، فامتنعوا عن الردة، وثبتوا على الإسلام‏)‏‏.‏ ورجع الوفد إلى قومه فكتمهم الحقيقة، وخوفهم بالحرب والقتال، وأظهر الحزن والكآبة، وأن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سألهم الإسلام وترك الزنا والخمر والربا وغيرها وإلا يقاتلهم‏.‏ فأخذت ثقيفاً نخوة الجاهلية، فمكثوا يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقي اللّه في قلوبهم الرعب، وقالوا للوفد‏:‏ ارجعوا إليه فأعطوه ما سأل‏.‏ وحينئذ أبدي الوفد حقيقة الأمر، وأظهروا ما صالحوا عليه، فأسلمت ثقيف‏.‏ وبعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رجالاً لهدم اللات، أمر عليهم خالد بن الوليد، فقام المغيرة ابن شعبة، فأخذ الكُرْزِين وقال لأصحابه‏:‏ واللّه لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين، ثم سقط يركض، فارتج أهل الطائف، وقالوا‏:‏ أبعد اللّه المغيرة، قتلته الرَّبَّةُ، فوثب المغيرة فقال‏:‏ قبحكم اللّه، إنما هي لُكَاع حجارة ومَدَر، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا أعلى سورها، وعلا الرجال فهدموها وسووها بالأرض حتى حفروا أساسها، وأخرجوا حليها ولباسها، فبهتت ثقيف، ورجع خالد مع مفرزته إلى رسول اللّْه صلى الله عليه وسلم بحليها وكسوتها، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، وحمد الله على نصرة نبيه وإعزاز دينه
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



قدوم رسول ملوك حمير إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم

التاريخ الهجري 9 هـ


قال الواقدي‏:‏ وكان ذلك في رمضان سنة تسع‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ وقدم على رسول الله كتاب ملوك حمير ورسلهم بإسلامهم مقدمه من تبوك‏.‏ وهم‏:‏ الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان، قيل‏:‏ ذي رعين، ومعافر، وهمدان، وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم، ومفارقتهم الشرك وأهله، فكتب إليهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النَّبيّ إلى الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل‏:‏ ذي رعين، ومعافر، وهمدان؛ أما بعد ذلكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو فإنه قد وقع نبأ رسولكم منقلبنا من أرض الرُّوم فلقينا بالمدينة، فبلَّغ ما أرسلتم به وخبرنا ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم، وقتلكم المشركين، وأنَّ الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغاني خمس الله، وسهم النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصفيه وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء وعلى ما سقي الغرب نصف العشر، وأن في الإبل في الأربعين ابنة لبون، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيراً فهو خير له، ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر وأنثى، حر أو عبد دينار واف، من قيمة المعافري أو عرضه ثياباً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/89‏)‏ فمن أدَّى ذلك إلى رسول الله فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فانه عدو لله ولرسوله، أما بعد فإن رسول الله محمداً النَّبيّ أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذ أتاك رسلي فأوصيكم بهم خيراً‏:‏ معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن مرة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم، وأبلغوها رسلي، وإن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضياً، أما بعد فإن محمداً يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم أن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين، فأبشر بخير وآمرك بحمير خيراً ولا تخونوا ولا تخاذلوا فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم، وأن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، وإنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكاً قد بلّغ الخبر وحفظ الغيب فآمركم به خيراً، وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم فآمركم بهم خيراً، فإنهم منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏)‏‏)‏‏.‏ وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حسن، حدثنا عمارة عن ثابت، عن أنس بن مالك‏:‏ أن مالك ذي يزن أهدى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حلة قد أخذها بثلاثة وثلاثين بعيراً وثلاثة وثلاثين ناقة‏.‏ ورواه أبو داود عن عمرو بن عون الواسطي، عن عمارة بن زاذان الصيدلاني، عن ثابت البناني، عن أنس به‏.‏ وقد رواه الحافظ البيهقي ها هنا - حديث كتاب عمرو بن حزم - فقال‏:‏ أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العبَّاس الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله ابن أبي بكر عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال‏:‏ هذا كتاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقِّه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتاباً وعهداً وأمره فيه أمره، فكتب‏:‏ ‏(‏‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهداً من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره‏:‏ بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوه والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر النَّاس بالخير ويأمرهم به، ويعلم النَّاس القرآن ويفقِّههم في الدين، وأن ينهى النَّاس فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر، وأن يخبر النَّاس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحق ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله حرَّم الظلم ونهى عنه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/90‏)‏ فقال تعالى‏: ‏( أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏ ) ‏‏[‏هود‏:‏ 18-19‏]‏‏.‏ وأن يبشر النَّاس بالجنة وبعملها، وينذر النَّاس النار وعملها، ويستألف النَّاس حتَّى يتفقَّهوا في الدين، ويعلم النَّاس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمره الله به، والحج الأكبر الحج والحج الأصغر العمرة، وأن ينهى النَّاس أن يصلِّي الرجل في ثوب واحد صغير إلا أن يكون واسعاً فيخالف بين طرفيه عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ويفضي بفرجه إلى السماء، ولا ينقض شعر رأسه إذا عفى في قفاه، وينهى النَّاس إن كان بينهم هيج أن يدعو إلى القبائل والعشائر وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعى إلى العشائر والقبائل فليعطفوا فيه بالسيف حتَّى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر النَّاس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمرهم الله عز وجل، وأمروا بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود، وأن يغلس الصبح وأن يهجر بالهاجرة حتَّى تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مبدرة، والمغرب حين يقبل الليل لا تؤخر حتَّى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل، وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار فيما سقى المغل، وفيما سقت السماء العشر، وما سقى الغرب فنصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي عشرين أربع شياه، وفي أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد فهو خير له، ومن أسلم من يهودي أو نصراني إسلاماً خالصاً من نفسه فدان دين الإسلام، فإنه من المؤمنين له مالهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يغير عنها، وعلى كل حالم ذكر وأنثى حر أو عبد دينار واف أو عرضه من الثياب، فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله ورسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعاً، صلوات الله على محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏)‏‏)‏‏.‏ قال الحافظ البيهقي‏:‏ وقد روى سليمان بن داود عن الزُّهري، عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده هذا الحديث موصولاً بزيادات كثيرة، ونقصان عن بعض ما ذكرناه في الزكاة، والدِّيات وغير ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/91‏)‏ قلت‏:‏ ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في سننه مطولاً‏.‏ وأبو داود في كتاب المراسيل، وقد ذكرت ذلك بأسانيده وألفاظه في السنن ولله الحمد والمنة‏.‏ وسنذكر بعد الوفود بعث النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم الأمراء إلى اليمن لتعليم النَّاس، وأخذ صدقاتهم وأخماسهم معاذ بن جبل، وأبو موسى، وخالد بن الوليد، وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



إسلام جرير بن عبد الله البجلي

التاريخ الهجري 10 هـ


فأسلم بعد نزول المائدة، وكان إسلامه في رمضان سنة عشر، وكان قدومه ورسول الله يخطب، وكان قد قال في خطبته‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه يقدم عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، وإن على وجهه مسحة ملك‏)‏‏)‏‏.‏ فلما دخل نظر الناس إليه، فكان كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروه بذلك فحمد الله تعالى‏.‏ ويروى‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جالسه بسط له رداءه وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه‏)‏‏)‏‏.‏ وبعثه رسول الله إلى ذي الخلصة - وكان بيتاً تعظمه دوس في الجاهلية - فذكر أنه لا يثبت على الخيل، فضرب في صدره وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم ثبته، واجعله هادياً مهدياً‏)‏‏)‏ فذهب فهدمه‏.‏ وفي ‏(‏الصحيحين‏)‏ أنه قال‏:‏ ما حجبني رسول الله منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم‏.‏ وكان عمر بن الخطاب يقول‏:‏ جرير يوسف هذه الأمة‏.‏ وقال عبد الملك بن عمير‏:‏ رأيت جريراً كأن وجهه شقة قمر‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ كان جرير هو وجماعة مع عمر في بيت، فاشتم عمر من بعضهم ريحاً، فقال‏:‏ عزمت على صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ‏.‏ فقال جرير‏:‏ أو نقوم كلنا فنتوضأ يا أمير المؤمنين ‏؟‏‏.‏ فقال عمر‏:‏ نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت في الإسلام‏.‏ وقد كان عاملاً لعثمان على همدان، يقال‏:‏ أنه أصيبت عينه هناك، فلما قتل عثمان اعتزل علياً معاوية، ولم يزل مقيماً بالجزيرة حتى توفي بالسراة، سنة إحدى وخمسين، قاله الواقدي‏.‏ وقيل‏:‏ سنة أربع‏.‏ وقيل‏:‏ سنة ست وخمسين‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة ولي زياد على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو الربيع بن زياد الحارثي، ففتح بلخ صلحاً، وكانوا قد غلقوها بعد ما صالحهم الأحنف، وفتح قوهستان عنوة‏.‏ وكان عندها أتراك فقتلهم ولم يبق منهم إلا ترك طرخان، فقتله قتيبة بن مسلم بعد ذلك كما سيأتي‏.‏ وفي هذه السنة‏:‏ غزا الربيع ما وراء النهر فغنم وسلم، وكان قد قطع ما وراء النهر قبله الحكم بن عمرو، وكان أول من شرب من النهر غلام للحكم، فسقى سيده وتوضأ الحكم وصلى وراء النهر ركعتين ثم رجع‏.‏ فلما كان الربيع هذا غزا ما وراء النهر فغنم وسلم‏.‏ وفي هذه السنة‏:‏ حج بالناس يزيد بن معاوية فيما قاله أبو معشر والواقدي‏.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



وقعة البويب التي اقتص فيها المسلمون من الفرس

التاريخ الهجري 13 هـ


فلما سمع بذلك أمراء الفرس، وبكثرة جيوش المثنى، بعثوا إليه جيشاً آخر مع رجل يقال له‏:‏ مهران فتوافوا هم وإياهم بمكان يقال له‏:‏ البويب، قريب من مكان الكوفة اليوم، وبينهما الفرات‏.‏ فقالوا‏:‏ إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم‏؟‏ فقال المسلمون‏:‏ بل اعبروا إلينا‏.‏ فعبرت الفرس إليهم فتواقفوا، وذلك في شهر رمضان، فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم، وعبى الجيش، وجعل يمر على كل راية من رايات الأمراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت‏.‏ وفي القوم جرير بن عبد الله البجلي في بجلة وجماعة من سادات المسلمين‏.‏ وقال المثنى لهم‏:‏ إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيأوا، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا‏.‏ فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول‏.‏ فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم، واقتتلوا قتالاً شديداً‏.‏ ورأى المثنى في بعض صفوفه خللاً، فبعث إليهم رجلاً يقول‏:‏ الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول لكم‏:‏ لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا‏.‏ فلما رأى ذلك منهم - وهم بنو عجل - أعجبه وضحك‏.‏ وبعث إليهم يقول‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 36‏)‏ يا معشر المسلمين عاداتكم، انصروا الله ينصركم‏.‏ وجعل المثنى المسلمون يدعون الله بالظفر والنصر‏.‏ فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره، وحمل على مهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة، وحمل غلام من بني تغلب نصراني فقتل مهران وركب فرسه‏.‏ كذا ذكره سيف بن عمر‏.‏ وقال محمد بن إسحاق‏:‏ بل حمل عليه المنذر بن حسان بن ضرار الضبي فطعنه واحتز رأسه جرير بن عبد الله البجلي، واختصما في سلبه فأخذ جرير السلاح، وأخذ المنذر منطقته‏.‏ وهربت المجوس، وركب المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلاً‏.‏ وسبق المثنى بن حارثة إلى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون‏.‏ فركبوا أكتافهم بقية ذلك اليوم وتلك الليلة، ومن أبعد إلى الليل فيقال‏:‏ أنه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة ألف، ولله الحمد والمنة‏.‏ وغنم المسلمون مالاً جزيلاً وطعاماً كثيراً، وبعثوا بالبشارة والأخماس إلى عمر رضي الله عنه‏.‏ وقد قتل من سادات المسلمين هذا اليوم بشر كثير أيضاً، وذلت لهذه الوقعة رقاب الفرس، وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة، فغنموا شيئاً عظيماً لا يمكن حصره‏.‏ وجرت أمور يطول ذكرها بعد يوم البويب، وكانت هذه الوقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام‏.‏ وقد قال الأعور الشني العبدي في ذلك‏:‏ هاجت لأعور دار الحي أحزاناً واستبدلت بعد عبد القيس حساناً وقد أرانا بها الشمل مجتمع إذ بالنخيلة قتلى جند مهراناً إذ كان سار المثنى بالخيول لهم فقتل الزحف من فرس وجيلاناً سما لمهران والجيش الذي معه حتى أبادهم مثنى ووحداناً
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: *** أحداث رمضانية ***

التراويح خلف أبي بن كعب التاريخ الهجري 14 هـ


قال ابن جرير والواقدي‏:‏ في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أُبي بن كعب في التراويح، وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان‏.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....

مشاورات حول بداية التأريخ الهجري

التاريخ الهجري 16 هـ


اتفق الصحابة رضي الله عنهم في سنة ست عشرة - وقيل‏:‏ سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة - في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وذلك أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه رفع إليه صك - أي‏:‏ حجة - لرجل على آخر، وفيه‏:‏ إنه يحل عليه في شعبان‏.‏ فقال عمر‏:‏ أي شعبان‏؟‏ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها أو السنة الماضية، أو الآتية‏؟‏ ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تاريخ يتعرفون به حلول الديون وغير ذلك‏.‏ فقال قائل‏:‏ أرخوا كتاريخ الفرس فكره ذلك وكانت الفرس يؤرخون بملكوهم واحداً بعد واحد‏.‏ وقال قائل‏:‏ أرخوا بتاريخ الروم‏.‏ وكانوا يؤرخون بملك اسكندر بن فلبس المقدوني فكره ذلك‏.‏ وقال آخرون‏:‏ أرخوا بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون‏:‏ بل بمبعثه، وقال آخرون‏:‏ بل بهجرته‏.‏ وقال آخرون‏:‏ بل بوفاته عليه السلام‏.‏ فمال عمر رضي الله عنه إلى التاريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره واتفقوا معه على ذلك‏.‏ وقال البخاري في ‏(‏صحيحه‏)‏‏:‏ التاريخ ومتى أرخوا التاريخ‏.‏ حدثنا عبد الله بن مسلم، ثنا عبد العزيز، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال‏:‏ ما عدوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3 /252‏)‏ وقال الواقدي‏:‏ حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال‏:‏ استشار عمر في التاريخ فأجمعوا على الهجرة‏.‏ وقال أبو داود الطيالسي، عن قرة بن خالد السدوسي، عن محمد بن سيرين قال‏:‏ قام رجل إلى عمر فقال‏:‏ أرخوا‏.‏ فقال‏:‏ ما أرخوا‏؟‏ فقال‏:‏ شيء تفعله الأعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا‏.‏ فقال عمر‏:‏ حسن فأرخوا‏.‏ فقالوا‏:‏ من أي السنين نبدأ‏؟‏ فقالوا‏:‏ من مبعثه، وقالوا‏:‏ من وفاته‏.‏ ثم أجمعوا على الهجرة‏.‏ ثم قالوا‏:‏ وأي الشهور نبدأ‏؟‏ قالوا‏:‏ رمضان‏.‏ ثم قالوا‏:‏ المحرم، فهو مصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فاجتمعوا على المحرم‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا قتيبة، ثنا نوح بن قيس الطائي، عن عثمان بن محصن‏:‏ أن ابن عباس كان يقول في قوله تعالى‏:‏ ‏( ‏وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) ‏‏[‏الفجر‏:‏1-2‏]‏‏:‏ هو المحرم فجر السنة‏.‏ وروى عن عبيد بن عمير قال‏:‏ إن المحرم شهر الله وهو رأس السنة يكسي البيت، ويؤرخ به الناس، ويضرب فيه الورق‏.‏ وقال أحمد‏:‏ حدثنا روح بن عبادة، ثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار قال‏:‏ إن أول من ورخ الكتب يعلى بن أمية باليمن، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في ربيع الأول وأن الناس أرخوا لأول السنة‏.‏ وروى محمد بن إسحاق، عن الزهري، وعن محمد بن صالح، عن الشعبي أنهما قالا‏:‏ أرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم، ثم أرخوا من بنيان إبراهيم وإسماعيل البيت، ثم أرخوا من موت كعب بن لؤي، ثم أرخوا من الفيل، ثم أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة وذلك سنة سبع عشرة - أو ثماني عشرة - وقد ذكرنا هذا الفصل محرراً بأسانيده وطرقه في السيرة العمرية ولله الحمد‏.‏ والمقصود‏:‏ أنهم جعلوا ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وجعلوا أولها من المحرم فيما اشتهر عنهم وهذا هو قول جمهور الأئمة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3 /253‏)‏ وحكى السهيلي وغيره عن الإمام مالك أنه قال‏:‏ أول السنة الإسلامية ربيع الأول لأنه الشهر الذي هاجر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقد استدل السهيلي على ذلك في موضع آخر بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لمسجد أسس على التقوى من أول يوم‏}‏ أي‏:‏ من أول يوم حلول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو أول يوم من التاريخ كما اتفق الصحابة على أول سني التاريخ عام الهجرة‏.‏ ولا شك أن هذا الذي قاله الإمام مالك رحمه الله مناسب، ولكن العمل على خلافه، وذلك لأن أول شهور العرب المحرم فجعلوا السنة الأولى سنة الهجرة، وجعلوا أولها المحرم كما هو المعروف لئلا يختلط النظام والله أعلم‏.‏
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



وفاة سهل بن حُنيف

التاريخ الهجري 38 هـ
ابن واهب بن العليم بن ثعلبة الأنصاري الأوسي، شهد بدراً، وثبت يوم أُحُد، وحضر بقية المشاهد، وكان صاحباً لعلي بن أبي طالب، وقد شهد معه مشاهده كلها أيضاً غير الجمل فإنه كان قد استخلفه على المدينة، ومات سهل بن حُنيف في سنة ثمان وثلاثين بالكوفة، وصلى عليه علي فكبر خمساً وقيل‏:‏ ستاً‏.‏ وقال‏:‏ إنه من أهل بدر رضي الله عنه‏.‏ صنوان بن بيضاء أخو سهيل بن بيضاء شهد المشاهد كلها وتوفي في هذه السنة في رمضانها وليس له عقب‏.‏
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



وفاة المغيرة بن شعبة

التاريخ الهجري 50 هـ


ابن أبي عامر بن مسعود أبو عيسى ويقال‏:‏ أبو عبد الله الثقفي، وعروة بن مسعود الثقفي عم أبيه‏.‏ كان المغيرة من دهاة العرب، وذوي آرائها، أسلم عام الخندق بعد ما قتل ثلاثة عشر من ثقيف، مرجعهم من عند المقوقس وأخذ أموالهم فغرم دياتهم عروة بن مسعود، وشهد الحديبية، وكان واقفاً يوم الصلح على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف صلتاً‏.‏ وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إسلام أهل الطائف هو وأبو سفيان بن حرب فهدما اللات، وقدمنا كيفية هدمهما إياها‏.‏ وبعثه الصديق إلى البحرين، وشهد اليمامة واليرموك فأصيبت عينه يومئذ‏.‏ وقيل‏:‏ بل نظر إلى الشمس وهي كاسفة فذهب ضوء عينه‏.‏ وشهد القادسية، وولاه عمر فتوحاً كثيرة، منه همدان وميسان، وهو الذي كان رسول سعد إلى رستم فكلمه بذلك الكلام البليغ، فاستنابه عمر على البصرة‏.‏ فلما شهد عليه بالزنا ولم يثبت عزله عنها وولاه الكوفة، واستمر به عثمان حيناً ثم عزله، فبقي معتزلاً حتى كان أمر الحكمين فلحق بمعاوية‏.‏ فلما قتل علي وصالح معاوية الحسن ودخل الكوفة ولاه عليها فلم يزل أميرها حتى مات في هذه السنة على المشهور‏.‏ قاله محمد بن سعد وغيره‏.‏ وقال الخطيب‏:‏ أجمع الناس على ذلك، وذلك في رمضان منها عن سبعين سنة‏.‏ وقال أبو عبيد‏:‏ مات سنة تسع وأربعين‏.‏ وقال ابن عبد البر‏:‏ سنة إحدى وخمسين‏.‏ وقيل‏:‏ سنة ثمان وخمسين‏.‏ وقيل‏:‏ سنة ست وثلاثين وهو غلط‏.‏ قال محمد بن سعد‏:‏ وكان أصهب الشعر جداً، أكشف، مقلص الشفتين، أهتم ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، وكان يفرق رأسه أربعة قرون‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ القضاة أربعة أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وأبو موسى‏.‏ والدهاة أربعة‏:‏ معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد‏.‏ وقال الزهري‏:‏ الدهاة في الفتنة خمسة‏:‏ معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة وكان معتزلاً، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء، وكانا مع علي‏.‏ قلت‏:‏ والشيعة يقولون‏:‏ الأشباح خمسة‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين‏.‏ والأضداد خمسة‏:‏ أبو بكر، وعمر، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ سمعت المغيرة يقول‏:‏ ما غلبني أحد إلا فتى مرة، أردت أن أتزوج امرأة فاستشرته فيها‏.‏ فقال‏:‏ أيها الأمير‏!‏ لا أرى لك أن تتزوجها‏.‏ فقلت له‏:‏ لِمَ‏؟‏ فقال‏:‏ إني رأيت رجلاً يقبلها‏.‏ ثم بلغني عنه أنه تزوجها‏.‏ فقلت له‏:‏ ألم تزعم أنك رأيت رجلاً يقبلها‏؟‏ فقال‏:‏ نعم‏!‏ رأيت أباها يقبلها وهي صغيرة‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ سمعت قبيصة بن جابر يقول‏:‏ صحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب، لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/54‏)‏
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



وفاة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق

التاريخ الهجري 56 هـ


وزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب أزواجه إليه، المبرّأة من فوق سبع سموات رضي الله عنها، وعن أبيها‏.‏ وأمها‏:‏ هي أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، تكنى عائشة‏:‏ بأم عبد الله‏.‏ قيل‏:‏ كناها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن أختها عبد الله بن الزبير‏.‏ وقيل‏:‏ إنها أسقطت من رسول الله سقطاً فسماه عبد الله، ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكراً غيرها، ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها، ولم يكن في أزواجه أحب إليه منها‏.‏ تزوجها بمكة بعد وفاة خديجة، وقد أتاه الملك بها في المنام في سرقة من حريرة مرتين أو ثلاثاً فيقول‏:‏ هذه زوجتك‏.‏ قال‏:‏ فأكشف عنك فإذا هي أنت، فأقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إن يكن هذا من عند الله يمضه‏)‏‏)‏ فخطبها من أبيها‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول الله أو تحل لك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم ‏!‏‏)‏‏)‏ قال‏:‏ أولست أخوك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بلى في الإسلام، وهي لي حلال‏)‏‏)‏، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحظيت عنده‏.‏ وقد قدمنا ذلك في أول السيرة، وكان ذلك قبل الهجرة بسنتين‏.‏ وقيل‏:‏ بسنة ونصف‏.‏ وقيل‏:‏ بثلاث سنين، وكان عمرها إذ ذاك ست سنين، ثم دخل بها وهي بنت تسع سنين بعد بدر، في شوال من سنة ثنتين من الهجرة فأحبها‏.‏ ولما تكلم فيها أهل الإفك بالزور والبهتان، غار الله لها فأنزل لها براءتها في عشر آيات من القرآن تتلى على تعاقب الزمان‏.‏ وقد ذكرنا ذلك مفصلاً فيما سلف، وشرحنا الآيات والأحاديث الواردة في ذلك في غزوة المريسيع، وبسطنا ذلك أيضاً في كتاب التفسير بما فيه كفاية ومقنع، ولله الحمد والمنة‏.‏ وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها، واختلفوا في بقية أمهات المؤمنين، هل يكفر من قذفهن أم لا‏؟‏ على قولين، وأصحهما أنه يكفر، لأن المقذوفة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى إنما غضب لها لأنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي وغيرها منهن سواء‏.‏ ومن خصائصها‏:‏ رضي الله عنها أنها كان لها في القسم يومان يومها ويوم سودة حين وهبتها ذلك تقرباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه مات في يومها وفي بيتها وبين سحرها ونحرها، وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، وأول ساعة من الآخرة، ودفن في بيتها‏.‏ وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن مصعب بن إسحاق بن طلحة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه ليهون عليّ أني رأيت بياض كف عائشة في الجنة‏)‏‏)‏ تفرد به أحمد‏.‏ وهذا في غاية ما يكون من المحبة العظيمة أنه يرتاح لأنه رأى بياض كفها أمامه في الجنة‏.‏ ومن خصائصها‏:‏ أنها أعلم نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي أعلم النساء على الإطلاق‏.‏ قال الزهري‏:‏ لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواجه وعلم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل‏.‏ وقال عطاء بن أبي رباح‏:‏ كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأياً في العامة‏.‏ وقال عروة‏:‏ ما رأيت أحداً أعلم بفقه، ولا طب، ولا شعر من عائشة‏.‏ ولم ترو امرأة ولا رجل غير أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث بقدر روايتها رضي الله عنها‏.‏ وقال أبو موسى الأشعري‏:‏ ما أشكل علينا أصحاب محمد حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً‏.‏ رواه الترمذي، وقال أبو الضحى‏:‏ عن مسروق رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/100‏)‏ فأما ما يلهج به كثير من الفقهاء وعلماء الأصول من إيراد حديث‏:‏ ‏(‏‏(‏خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء‏)‏‏)‏ فإنه ليس له أصل ولا هو مثبت في شيء من أصول الإسلام، وسألت عنه شيخنا أبا الحجاج المزي فقال‏:‏ لا أصل له‏.‏ ثم لم يكن في النساء أعلم من تلميذاتها عمرة بنت عبد الرحمن، وحفصة بنت سيرين، وعائشة بنت طلحة‏.‏ وقد تفردت أم المؤمنين عائشة بمسائل عن الصحابة لم توجد إلا عندها، وانفردت باختيارات أيضاً، وردت أخبار بخلافها بنوع من التأويل‏.‏ وقد جمع ذلك غير واحد من الأئمة، فمن ذلك قال الشعبي‏:‏ كان مسروق إذا حدث عن عائشة قال‏:‏ حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله المبرأة من فوق سبع سموات‏.‏ وثبت في ‏(‏صحيح البخاري‏)‏ من حديث أبي عثمان النهدي عن عمرو بن العاص قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله أي الناس أحب عليك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏عائشة‏)‏‏)‏‏.‏ قلت‏:‏ ومن الرجال‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أبوها‏)‏‏)‏‏.‏ وفي ‏(‏صحيح البخاري‏)‏ أيضاً عن أبي موسى قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام‏)‏‏)‏‏.‏ وقد استدل كثير من العلماء ممن ذهب إلى تفضيل عائشة على خديجة بهذا الحديث، قال‏:‏ فإنه دخل فيه سائر النساء الثلاث المذكورات وغيرهن‏.‏ ويعضد ذلك أيضاً الحديث الذي رواه البخاري، حدثنا إسماعيل بن خليل، ثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت‏:‏ ‏(‏‏(‏استأذنت هالة بنت خويلد - أخت خديجة - على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم هالة‏)‏‏)‏‏.‏ قالت عائشة‏:‏ فغرت وقلت‏:‏ ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر الأول، قد أبدلك الله خيراً منها‏؟‏ هكذا رواه البخاري، فأما ما يروى فيه من الزيادة‏:‏ ‏(‏‏(‏والله ما أبدلني خيراً منها‏)‏‏)‏ فليس يصح سندها‏.‏ وقد ذكرنا ذلك مطولاً عند وفاة خديجة، وذكرنا حجة من ذهب إلى تفضيلها على عائشة بما أغنى عن إعادته ههنا‏.‏ وروى البخاري‏:‏ عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً‏:‏ ‏(‏‏(‏يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام‏)‏‏)‏‏.‏ فقلت‏:‏ وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى‏.‏ وثبت في ‏(‏صحيح البخاري‏)‏ أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، فاجتمع أزواجه إلى أم سلمة وقلن لها‏:‏ قولي له يأمر الناس أن يهدوا له حيث كان‏.‏ فقالت أم سلمة‏:‏ فلما دخل عليّ قلت له ذلك فأعرض عني، ثم قلن لها ذلك فقالت له فأعرض عنها، ثم لما دار إليها قالت له، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ الوحي في بيت وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/101‏)‏ وذكر‏:‏ ‏(‏‏(‏أنهن بعثن فاطمة ابنته إليه فقالت‏:‏ إن نساءك ينشدونك العدل في ابنة أبي بكر بن أبي قحافة‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا بنية ألا تحبين من أحب‏؟‏‏)‏‏)‏ قالت‏:‏ قلت‏:‏ بلى ‏!‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فأحبي هذه‏)‏‏)‏‏.‏ ثم بعثن زينب بنت جحش فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة فتكلمت زينب ونالت من عائشة، فانتصرت عائشة منها وكلمتها حتى أفحمتها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عائشة ويقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنها ابنة أبي بكر‏)‏‏)‏‏.‏ وذكرنا أن عماراً لما جاء يستصرخ الناس ويستفزهم إلى قتال طلحة والزبير أيام الجمل، صعد هو والحسن بن علي على منبر الكوفة، فسمع عمار رجلاً ينال من عائشة فقال له‏:‏ اسكت مقبوحاً منبوذاً، والله إنها لزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا وفي الآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أو إياها‏.‏ وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا معاوية بن عمر، ثنا زائدة، ثنا عبد الله بن خيثم، حدثني عبد الله بن أبي مليكة أنه حدثه ذكوان - حاجب عائشة -‏:‏ أنه جاء عبد الله بن عباس يستأذن على عائشة فجئت - وعند رأسها عبد الله بن أخيها عبد الرحمن - فقلت‏:‏ هذا ابن عباس يستأذن فأكب عليها ابن أخيها عبد الله فقال‏:‏ هذا عبد الله بن عباس يستأذن وهي تموت، فقالت‏:‏ دعني من ابن عباس‏.‏ فقال‏:‏ يا أماه ‏!‏‏!‏ إن ابن عباس من صالح بنيك يسلم عليك ويودعك‏.‏ فقالت‏:‏ ائذن له إن شئت‏.‏ قال‏:‏ فأدخلته، فلما جلس قال‏:‏ أبشري‏.‏ فقالت‏:‏ بماذا‏؟‏ فقال‏:‏ ما بينك وبين أن تلقي محمداً والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، وكنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيباً‏.‏ وسقطت قلادتك ليلة الأبواء فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبح الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله آية التيمم، فكان ذلك في سببك، وما أنزل الله من الرخصة لهذه الأمة، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات، جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس مسجد من مساجد الله إلا يتلى فيه آناء الليل وآناء النهار‏.‏ فقالت‏:‏ دعني منك يا ابن عباس، والذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسياً منسياً‏.‏ والأحاديث في فضائلها ومناقبها كثيرة جداً‏.‏ وقد كانت وفاتها في هذا العام سنة ثمان وخمسين‏.‏ وقيل‏:‏ قبله بسنة‏.‏ وقيل‏:‏ بعده بسنة، والمشهور في رمضان منه‏.‏ وقيل‏:‏ في شوال، والأشهر ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان‏.‏ وأوصت أن تدفن بالبقيع ليلاً، وصلى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر، ونزل في قبرها خمسة، وهم عبد الله، وعروة ابنا الزبير بن العوام، من أختها أسماء بنت أبي بكر، والقاسم، وعبد الله ابنا أخيها محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر‏.‏ وكان عمرها يومئذ سبعاً وستين سنة، لأنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرها ثمان عشرة سنة، وكان عمرها عام الهجرة ثمان سنين أو تسع سنين فالله أعلم، ورضي الله تعالى عن أبيها وعن الصحابة أجمعين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/102‏).
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



الحجاج بن يوسف يدخل الكوفة في رمضان

التاريخ الهجري 75 هـ


ففيها غزا محمد بن مروان - أخو عبد الملك بن مروان وهو والد مروان الحمار - صائفة الروم حين خرجوا من عند مرعش، وفيا ولي عبد الملك نيابة المدينة ليحيى بن الحكم بن أبي العاص، وهو عمه، وعزل عنها الحجاج‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/11‏)‏ وفيها ولي عبد الملك الحجاج بن يوسف نيابة العراق والبصرة والكوفة وما يتبع ذلك من الأقاليم الكبار، وذلك بعد موت أخيه بشر، فرأى عبد الملك أنه لا يسد عنه أهل العراق غير الحجاج لسطوته وقهره وقسوته وشهامته، فكتب إليه وهو بالمدينة ولاية العراق، فسار من المدينة إلى العراق في اثني عشر راكباً، فدخل الكوفة على حين غفلة من أهلها وكان تحتهم النجائب، فنزل قريب الكوفة فاغتسل واختضب ولبس ثيابه وتقلد سيفه وألقى عذبة العمامة بين كتفيه، ثم سار فنزل دار الإمارة، وذلك يوم الجمعة وقد أذن المؤذن الأول لصلاة الجمعة، فخرج عليهم وهم لا يعلمون، فصعد المنبر وجلس عليه وأمسك عن الكلام طويلاً، وقد شخصوا إليه بأبصارهم وجثوا على الركب وتناولوا الحصى ليحذفوه بها، وقد كانوا حصبوا الذي كان قبله فلما سكت أبهتهم وأحبوا أن يسمعوا كلامه، فكان أول ما تكلم به أن قال‏:‏ يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، والله إن كان أمركم ليهمني قبل أن آتي إليكم، ولقد كنت أدعو الله أن يبتليكم بي ولقد سقط مني البارحة سوطي الذي أؤدبكم به فاتخذت هذا مكانه - وأشار إلى سيفه -، ثم قال‏:‏ والله لآخذن صغيركم بكبيركم، وحركم بعبدكم، ثم لأرصعنكم رصع الحداد الحديدة، والخباز العجينة‏.‏ فلما سمعوا كلامه جعل الحصى يتساقط من أيديهم، وقيل إنه دخل الكوفة في شهر رمضان ظهراً فأتى المسجد وصعد المنبر وهو معتجر بعمامة حمراء متلثم بطرفها، ثم قال‏:‏ عليَّ بالناس ‏!‏ فظنه الناس وأصحابه من الخوارج فهموا به حتى إذا اجتمع الناس قام وكشف عن وجهه اللثام وقال‏:‏ أنا ابن جَلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني ثم قال‏:‏ أما والله إني لأحمل الشيء بحمله، وأحذوه بنعله، وأحزمه بفتله، وإني لأرى رؤوساً قد أينعت وآن اقتطافها، وإني لأنظر إلى الدماء تترقرق بين العمائم واللحى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/12‏)‏ قد شمرت عن ساقها فشمري ثم أنشد‏:‏ هذا أوان الشد فاشتدي زِيمْ قد لفَّها الليل بسوَّاق حطمْ لست براعي إبل ولا غنمْ ولا بجزَّارٍ على ظهرٍ وضمْ ثم قال‏:‏ قد لفَّها الليل بعصلبيِّ * أروع خراج من الدوي * مهاجر ليس بأعرابي ثم قال‏:‏ إني يا أهل العراق ما أُغمز بغماز، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذُكاء وجربت من الغاية القصوى، وإن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نثر كنانته ثم عجم عيدانها عوداً عوداً فوجدني أمرّها عوداً وأصلبها مغمزاً فوجهني إليكم فأنتم طالما رتعتم في أودية الفتن، وسلكتم سبيل الغي، واخترتم جدد الضلال، أما والله لألحونَّكم لحي العود، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، إني والله لا أعد إلا وفيت، ولا أخلق إلا فريت، فإياي وهذه الجماعات وقيلاً وقالاً، والله لتستقيمن على سبيل الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلاً في جسده‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/13‏)‏ ثم قال‏:‏ من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب -يعني الذين كانوا قد رجعوا عنه لما سمعوا بموت بشر ابن مروان كما تقدم -سفكت دمه وانتهبت ماله، ثم نزل فدخل منزله ولم يزد على ذلك، ويقال إنه لما صعد المنبر واجتمع الناس تحته أطال السكوت حتى أن محمد بن عمير أخذ كفاً من حصى وأراد أن يحصبه بها، وقال‏:‏ قبحه الله ما أعياه وأذمه ‏!‏فلما نهض الحجاج وتكلم بما تكلم به جعل الحصى يتناثر من يده وهو لا يشعر به، لما يرى من فصاحته وبلاغته‏.‏ ويقال إنه قال في خطبته هذه‏:‏ شاهت الوجوه إن الله ضرب مثلاً‏:‏ ‏( ‏قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ‏ )‏ ‏[‏النحل‏:‏112‏]‏ وأنتم أولئك فاستووا واستقيموا، فوالله لأذيقنكم الهوان حتى تذروا، ولأعصبنكم عصب السلمة حتى تنقادوا، وأقسم بالله لتقبلنّ على الإنصاف ولتدعن الأرجاف وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، وإيش الخبر وما الخبر، أو لأهبرنكم بالسيف هبراً يدع النساء أيامى والأولاد يتامى، حتى تمشوا السُّمَّهي وتقلعوا عن ها وها‏.‏ في كلام طويل بليغ غريب يشتمل على وعيد شديد ليس فيه وعد بخير‏.‏ فلما كان في اليوم الثالث سمع تكبيراً في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال‏:‏ يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني سمعت تكبيراً في الأسواق ليس بالتكبير الذي يراد به الترغيب، ولكنه تكبير يراد به الترهيب‏.‏ وقد عصفت عجاجة تحتها قصف، يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الإماء والأيامى، ألا يربع كل رجل منكم على ظلمه، ويحسن حقن دمه، ويبصر موضع قدمه، فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالاً لما قبلها وأدباً لما بعدها‏.‏ قال فقام إليه عمير بن ضابئ التميمي ثم الحنظلي فقال‏:‏ أصلح الله الأمير إنا في هذا البعث وأنا شيخ كبير وعليل‏:‏ وهذا ابني هو أشب مني‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/14‏)‏ قال‏:‏ ومن أنت‏؟‏ قال عمير بن ضابئ التميمي، قال‏:‏ أسمعت كلامنا بالأمس‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏!‏ قال ألست الذي غزا عثمان بن عفان‏؟‏ قال‏:‏ بلى قال‏:‏ وما حملك على ذلك‏؟‏ قال‏:‏ كان حبس أبي وكان شيخاً كبيراً، قال‏:‏ أوليس هو الذي يقول‏:‏ هممتُ ولم أفعل وكدت وليتني فعلت وولَّيتُ البكاء حلائلا ثم قال الحجاج‏:‏ إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين، ثم قال‏:‏ قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه، فقام إليه رجل فضرب عنقه وانتهب ماله، وأمر منادياً في الناس ألا إن عمير بن صابئ تأخر بعد سماع النداء ثلاثاً فأمر بقتله فخرج الناس حتى ازدحموا على الجسر فعبر عليه في ساعة واحدة أربعة آلاف من مذحج، وخرجت معهم العرفاء حتى وصلوا بهم إلى المهلب، وأخذوا منه كتاباً بوصولهم إليه، فقال المهلب‏:‏ قدم العراق والله رجل ذكر، اليوم قوتل العدو‏.‏ ويروى أن الحجاج لم يعرف عمير بن ضابئ حتى قال له عنبسة بن سعيد‏:‏ أيها الأمير ‏!‏ إن هذا جاء إلى عثمان بعد ما قتل فلطم وجهه، فأمر الحجاج عند ذلك بقتله‏.‏ وبعث الحجاج الحكم بن أيوب الثقفي نائباً على البصرة من جهته، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله، وأقر على قضاء الكوفة شريحاً ثم ركب الحجاج إلى البصرة واستخلف على الكوفة أبا يعفور، وولى قضاء البصرة لزرارة بن أوفى، ثم عاد إلى الكوفة‏.‏ وحج بالناس في هذه السنة عبد الملك بن مروان وأقر عمه يحيى على نيابة المدينة، وعلى بلاد خراسان أمية بن عبد الله‏.‏ وفي هذه السنة وثب الناس بالبصرة على الحجاج، وذلك أنه لما ركب من الكوفة بعد قتل عمير بن ضابئ قام في أهل البصرة فخطبهم نظير ما خطب أهل الكوفة من الوعيد والتشديد والتهديد الأكيد، ثم أُتي برجل من بني يشكر فقيل هذا عاص، فقال‏:‏ إن بي فتقاً وقد عذرني الله وعذرني بشر بن مروان، وهذا عطائي مردود على بيت المال، فلم يقبل منه وأمر بقتله فقتل، ففزع أهل البصرة وخرجوا من البصرة حتى اجتمعوا عند قنطرة رامهرمز‏.‏ وعليهم عبد الله بن الجارود، وخرج إليهم الحجاج -وذلك في شعبان من هذه السنة -في أمراء الجيش فاقتتلوا هناك قتالاً شديداً، وقتل أميرهم عبد الله بن الجارود في رؤوس من القبائل معه، وأمر برؤوسهم فقطعت ونصبت عند الجسر من رامهرمز، ثم بعث بها إلى المهلب فقوي بذلك وضعف أمير الخوارج، وأرسل الحجاج إلى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف فأمرهما بمناهضة الأزارقة، فنهضا بمن معهما إلى الخوارج الأزارقة فأجلوهم عن أماكنهم من رامهرمز بأيسر قتال، فهربوا إلى أرض كازرون من إقليم سابور، وسار الناس وراءهم فالتقوا في العشر الأواخر من رمضان، ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/15‏)‏ فلما كان الليل بيت الخوارج المهلب من الليل فوجدوه قد تحصن بخندق حول معسكره، فجاؤوا إلى عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه غير محترز - وكان المهلب قد أمره بالاحتراز بخندق حوله فلم يفعل - فاقتتلوا في الليل فقتلت الخوراج عبد الرحمن بن مخنف وطائفة من جيشه وهزموهم هزيمة منكرة، ويقال إن الخوارج لما التقوا مع الناس في هذه الوقعة كان ذلك في يوم الأربعاء لعشرين بقين من رمضان، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يعهد مثله من الخوارج، وحملت الخوارج على جيش المهلب بن أبي صفرة فاضطروه إلى معسكره، فجعل عبد الرحمن يمده بالخيل بعد الخيل، والرجال بعد الرجال، فمالت الخوارج إلى معسكر عبد الرحمن بعد العصر فاقتتلوا معه إلى الليل، فقتل عبد الرحمن في أثناء الليل، وقتل معه طائفة كثيرة من أصحابه الذين ثبتوا معه، فلما كان الصباح جاء المهلب فصلى عليه ودفنه وكتب إلى الحجاج بمهلكه، فكتب الحجاج إلى عبد الملك يعزيه فيه فنعاه عبد الملك إلى الناس بمنى، وأمّر الحجاج مكانه عتاب بن ورقاء، وكتب إليه أن يطيع المهلب، فكره ذلك ولم يجد بدّاً من طاعة الحجاج، وكره أن يخالفه فسار إلى المهلب فجعل لا يطيعه إلا ظاهراً ويعصيه كثيراً، ثم تقاولا فهم المهلب أن يوقع بعتاب ثم حجز بينهما الناس، فكتب عتاب إلى الحجاج يشكو المهلب فكتب إليه أن يقدم عليه وأعفاه من ذلك وجعل المهلب مكانه ابنه حبيب بن المهلب‏.‏ وفيها خرج داود بن النعمان المازني بنواحي البصرة، فوجه إليه الحجاج أميراً على سرية فقتله. وكانت وفاة الحجاج لخمس، وقيل‏:‏ لثلاث بقين من رمضان، وقيل‏:‏ مات في شوال من هذه السنة. فصل فيما رُوي عنه من الكلمات النافعة والجراءة البالغة قال أبو داود‏:‏ ثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو بكر، عن عاصم، قال‏:‏ سمعت الحجاج وهو على المنبر يقول‏:‏ اتقوا الله ما استطعتم، ليس فيها مثنوية، واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك، والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم وأموالهم، والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالاً، وما عذيري من عبد هذيل يزعم أن قرآنه من عند الله، والله ما هي الأرجز من رجز الأعراب ما أنزلها الله على بنيه صلى الله عليه وسلم، وعذيري من هذه الحمراء، يزعم أحدهم يرمي بالحجر فيقول لي‏:‏ إن تقع الحجر حدث أمر، فوالله لأدعنهم كالأمس الدابر‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/149‏)‏ قال‏:‏ فذكرته للأعمش فقال‏:‏ وأنا والله سمعته منه‏.‏ وروراه أبو بكر بن أبي خيثمة، عن محمد بن يزيد، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود والأعمش، أنهما سمعا الحجاج - قبحه الله - يقول ذلك، وفيه‏:‏ والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا الباب لحلت لي دماؤكم، ولا أجد أحداً يقرأ على قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه، ولأحكنها من المصحف ولو بضلع خنزير‏.‏ وروراه غير واحد عن أبي بكر بن عياش بنحوه، وفي بعض الروايات‏:‏ والله لو أدركت عبد هذيل لأضربن عنقه‏.‏ وهذا من جراءة الحجاج قبحه الله، وإقدامه على الكلام السيئ، والدماء الحرام‏.‏ وإنما نقم على قراءة ابن مسعود رضي الله عنه لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام الذي جمع الناس عليه عثمان، والظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه، والله أعلم‏.‏ وقال علي بن عبد الله بن مبشر، عن عباس الدوري، عن مسلم بن إبراهيم، ثنا الصلت بن دينار، سمعت الحجاج على منبر واسط يقول‏:‏ عبد الله بن مسعود رأس المنافقين لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه‏.‏ قال وسمعته على منبر واسط وتلا هذه الآية‏:‏ ‏( ‏وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي‏ )‏ ‏[‏ص‏:‏ 35‏]‏ قال‏:‏ والله إن كان سليمان لحسوداً‏.‏ وهذه جراءة عظيمة تفضي به إلى الكفر قبحه الله وأخزاه وأبعده وأقصاه‏.‏ قال أبو نعيم، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال‏:‏ جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال‏:‏ إني جئتك من عند رجل يملي المصاحف عن ظهر قلب، ففزع عمر وغضب وقال‏:‏ ويحك، انظر ما تقول قال ما جئتك إلا بالحق، قال‏:‏ من هو‏؟‏ قال‏:‏ عبد الله بن مسعود‏.‏ قال‏:‏ ما أعلم أحداً أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك‏.‏ إنا سهرنا ليلة في بيت عند أبي بكر في بعض ما يكون من حاجة النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرجنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بيني وبين أبي بكر، فلما انتهينا إلى المسجد إذا رجل يقرأ فقام النبي صلى الله عليه وسلم يستمع إليه، فقلت‏:‏ يا رسول الله أعتمت فغمزني بيده - يعني اسكت - قال‏:‏ فقرأ وركع وسجد وجلس يدعو ويستغفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ سل تعطه ثم قال‏:‏ من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد فعلمت أنا وصاحبي أنه عبد الله بن مسعود، فلما أصبحت غدوت إليه لأبشره فقال‏:‏ سبقك بها أبو بكر وما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه‏)‏‏)‏ وهذا الحديث قد روي من طرق‏:‏ فرواه حبيب بن حسان، عن زيد بن وهب، عن عمر مثله، ورواه شعبة وزهير وخديج، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله‏.‏ ورواه عاصم، عن عبد الله‏.‏ ورواه الثوري وزائدة، عن الأعمش نحوه‏.‏ وقال أبو داود‏:‏ حدثنا عمر بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن حمير بن مالك، قال‏:‏ سمعت عبد الله بن مسعود يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زبد بن ثابت لصبي مع الصبيان، فأنا لا أدع ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/150‏)‏ وقد رواه الثوري، وإسرافيل، عن أبي إسحاق به، وفي رواية ذكرها الطبراني، عنه، قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لقد تلقيت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت، وله ذؤابة يلعب مع الغلمان‏)‏‏)‏‏.‏ وقد روى أبو داود، عنه وذكر قصة رعيه الغنم لعقبة بن أبي معيط، وأنه قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنك غلام معلم، قال‏:‏ فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد‏)‏‏)‏‏.‏ ورواه أبو أيوب الإفريقي وأبو عوانة، عن عاصم، عن زر، عنه، نحوه‏.‏ وقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إذ نك أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك‏)‏‏)‏‏.‏ وقد روي هذا عنه من طرق‏.‏ وروى الطبراني، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أن عبد الله كان صاحب الوساد والسواد والسواك والنعلين‏.‏ وروى غيره، عن علقمة، قال‏:‏ قدمت الشام فجلست إلى أبي الدرداء فقال لي‏:‏ ممن أنت‏؟‏ فقلت‏:‏ من أهل الكوفة، فقال‏:‏ أليس فيكم صاحب الوساد والسواك‏؟‏ وقال الحارث بن أبي أسامة‏:‏ حدثنا عبد العزيز بن أبان، حدثنا قطر بن خليفة، حدثنا أبو وائل، قال‏:‏ سمعت حذيفة يقول وابن مسعود قائم‏:‏ لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أقربهم وسيلة يوم القيامة‏.‏ وقد روي هذا عن حذيفة، من طرق فرواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن حذيفة، ورواه عن أبي وائل، فاضل الأحدب وجامع بن أبي راشد، وعبيدة وأبو سنان الشيباني، وحكيم بن جبير، ورواه عبد الرحمن بن يزيد، عن حذيفة‏.‏ وقال أبو داود الطيالسي‏:‏ حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال‏:‏ سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول‏:‏ قلنا لحذيفة أخبرنا برجل قريب الهدى والسمت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نلزمه، فقال‏:‏ ما أعلم أحداً أقرب هدياً وسمتاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يواريه جدار بيته من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة‏.‏ قلت‏:‏ فهذا حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا قوله في عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‏.‏ فكذب الحجاج وفجر، ولقم النار والحجر فيما يقوله فيه، وفي رميه له بالنفاق، وفي قوله عن قراءته‏:‏ إنها شعر من شعر هذيل، وإنه لا بد أن يحكها من المصحف ولو بضلع خنزير، وأنه لو أدركه لضرب عنقه، فحصل على إثم ذلك كله بنيته الخبيثة‏.‏ وقال عفان‏:‏ حدثنا حماد، حدثنا عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال‏:‏ كنت أجتني لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكاً من أراك، فكانت الريح تكفوه، وكان في ساقه دقة، فضحك القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما يضحككم ‏؟‏‏)‏‏)‏ قالوا‏:‏ من دقة ساقيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد‏)‏‏)‏‏.‏ ورواه جرير وعلي بن عاصم، عن مغيرة، عن أم موسى، عن علي بن أبي طالب‏.‏ وروى سلمة بن سهل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏تمسكوا بعهد عبد الله بن أم مسعود‏)‏‏)‏‏.‏ ورواه الترمذي والطبراني‏.‏ وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبا الأحوص قال‏:‏ شهدت أبا موسى وأبا مسعود حين توفي ابن مسعود وأحدهما يقول لصاحبه‏:‏ أتراه ترك بعده مثله‏.‏ قال إن قلت ذاك إنه كان ليؤذن له إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا‏.‏ وقال الأعمش‏:‏ يعني عبد الله بن مسعود‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/151‏)‏ وقال أبو معاوية‏:‏ حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، قال‏:‏ أقبل عبد الله بن مسعود ذات يوم وعمر جالس فقال‏:‏ كيف ملء فقهاً‏.‏ وقال عمر بن حفص‏:‏ حدثنا عاصم بن علي، حدثنا المسعودي، عن أبي حصين، عن أبي عطية، أن أبا موسى الأشعري قال‏:‏ لا تسألونا عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهرنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - يعني ابن مسعود -‏.‏ وروى جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن عروة، عن أبي البختري، قال‏:‏ قالوا لعلي‏:‏ حدثنا عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ عن أيهم‏؟‏ قالوا‏:‏ حدثنا عن ابن مسعود‏.‏ قال‏:‏ علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علماً‏.‏ وفي رواية عن علي، قال‏:‏ علم القرآن ثم وقف عنده وكفى به‏.‏ فهداتنا و الصحابة العالمون به، العارفون بما كان عليه، فهم أولى بالاتباع وأصدق أقوالاً من أصحاب الأهواء الحائدين عن الحق، بل أقوال الحجاج وغيره من أهل الأهواء‏:‏ هذيانات وكذب وافتراء، وبعضها كفر وزندقة، فإن الحجاج كان عثمانياً أموياً، يميل إليهم ميلاً عظيماً، ويرى أن خلافهم كفر، يستحل بذلك الدماء، ولا تأخذه في ذلك لومة لائم‏.‏ ومن الطامات أيضاً ما رواه أبو داود‏:‏ ثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، ثنا جرير‏.‏ وحدثنا زهير بن حرب، ثنا جرير، عن المغيرة، عن بُزَيع بن خالد الضبي قال‏:‏ سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته‏:‏ رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله‏؟‏ فقلت في نفسي‏:‏ لله علي أن لا أصلي خلفك صلاة أبداً، وإن وجدت قوماً يجاهدونك لأجاهدنك معهم‏.‏ زاد إسحاق فقاتل في الجماجم حتى قتل‏.‏ فإن صح هذا عنه فظاهره كفر إن أراد تفضيل منصب الخلافة على الرسالة، أو أراد أن الخليفة من بني أمية أفضل من الرسول‏.‏ وقال الأصمعي‏:‏ ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا أبو حفص الثقفي، قال‏:‏ خطب الحجاج يوماً فأقبل عن يمينه فقال‏:‏ ألا إن الحجاج كافر، ثم أطرق فقال‏:‏ إن الحجاج كافر، ثم أطرق فأقبل عن يساره فقال‏:‏ ألا إن الحجاج كافر، فعل ذلك مراراً ثم قال‏:‏ كافر يا أهل العراق باللات والعزى‏.‏ وقال حنبل بن إسحاق‏:‏ ثنا هارون بن معروف، ثنا ضمرة، ثنا ابن شوذب، عن مالك بن دينار، قال‏:‏ بينما الحجاج يخطبنا يوماً إذ قال‏:‏ الحجاج كافر، قلنا ماله أي شيء‏؟‏ يريد قال‏:‏ الحجاج كافر بيوم الأربعاء والبغلة الشهباء‏.‏ وقال الأصمعي‏:‏ قال عبد الملك يوماً للحجاج‏:‏ ما من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه، فصف عيب نفسك‏.‏ فقال‏:‏ اعفني يا أمير المؤمنين، فأبى، فقال‏:‏ أنا لجوج حقود حسود، فقال عبد الملك‏:‏ ما في الشيطان شر مما ذكرت، وفي رواية أنه قال‏:‏ إذا بينك وبين إبليس نسب‏.‏ وبالجملة فقد كان الحجاج نقمة على أهل العراق بما سلف لهم من الذنوب والخروج على الأئمة، وخذلانهم لهم، وعصيانهم، ومخالفتهم، والافتيات عليهم، قال يعقوب بن سفيان‏:‏ حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن شريح بن عبيد، عمن حدثه، قال‏:‏ جاء رجل إلى عمر ابن الخطاب فأخبره أن أهل العراق حصبوا أميرهم فخرج غضبان، فصلى لنا صلاة فسها فيها حتى جعل الناس يقولون‏:‏ سبحان الله سبحان الله، فلما سلم أقبل على الناس فقال‏:‏ من ههنا من أهل الشام‏؟‏ فقام رجل ثم قام آخر ثم قمت أنا ثالثاً أو رابعاً، فقال‏:‏ يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ، اللهم إنهم قد لبسوا عليهم فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي، يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/152‏)‏ وقد رويناه في كتاب مسند عمر بن الخطاب، من طريق أبي عذبة الحمصي، عن عمر مثله، وقال عبد الرزاق‏:‏ ثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، عن الحسن قال علي بن أبي طالب‏:‏ اللهم كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحت لهم فغشوني، فسلط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيها بحكم الجاهلية‏.‏ قال يقول الحسن‏:‏ وما خلق الحجاج يومئذ‏.‏ ورواه معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أيوب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن علي، أنه قال‏:‏ الشاب الذيال أمير المصرين يلبس فروتها ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه الفرق، ويكثر منه الأرق، ويسلطه الله على شيعته‏.‏ وقال الحافظ البيهقي في دلائل النبوة‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، ثنا سعيد بن مسعود، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبي ثابت، قال‏:‏ قال علي لرجل‏:‏ لامت حتى تدرك فتى ثقيف، قال‏:‏ وما فتى ثقيف‏؟‏ قال‏:‏ ليقالن له يوم القيامة اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين سنة أو بضعاً وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لم يبق إلا معصية واحدة، وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يقتل بمن أطاعه من عصاه‏.‏ وقال الطبراني‏:‏ حدثنا القاسم بن زكريا، ثنا إسماعيل بن موسى السدوسي، ثنا علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الشعبي، عن أم حكيم بنت عمر بن سنان الجدلية قالت‏:‏ استأذن الأشعث بن قيس على علي فرده قنبر فأدمى أنفه فخرج علي فقال‏:‏ مالك وله يا أشعث، أما والله لو بعبد ثقيف تحرشت لا قشعرت شعيرات أستك، قيل له‏:‏ يا أمير المؤمنين ومن عبد ثقيف‏؟‏ قال‏:‏ غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا ألبسهم ذلاً، قيل‏:‏ كم يملك‏؟‏ قال‏:‏ عشرين إن بلغ‏.‏ وقال البيهقي، أنبأنا الحاكم، أنبأ الحسن بن الحسن بن أيوب، ثنا أبو حاتم الرازي، ثنا عبد الله بن يوسف التنيسي، ثنا ابن يحيى الغاني، قال‏:‏ قال عمر بن عبد العزيز‏:‏ لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/153‏)‏ وقال أبو بكر بن عياش‏:‏ عن عاصم بن أبي النجود، أنه قال‏:‏ ما بقيت لله عز وجل حرمه إلا وقد ارتكبها الحجاج‏.‏ وقد تقدم الحديث‏:‏ ‏(‏‏(‏إن في ثقيف كذاباً ومبيراً‏)‏‏)‏ وكان المختار هو الكذاب المذكور في هذا الحديث، وقد كان يظهر الرفض أولاً ويبطن الكفر المحض، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف هذا، وقد كان ناصبياً يبغض علياً وشيعته في هوى آل مروان بني أمية، وكان جباراً عنيداً، مقداماً على سفك الدماء بأدنى شبهة‏.‏ وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر كما قدمنا، فإن كان قد تاب منها وأقلع عنها، وإلا فهو باق في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه، فإن الشيعة كانوا يبغضونه جداً لوجوه، وربما حرفوا عليه بعض الكلم، وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات‏.‏ وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويتجنب المحارم ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج، وإن كان متسرعاً في سفك الدماء، فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وساترها، وخفيات الصدور وضمائرها‏.‏ قلت‏:‏ الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله عز وجل، وقد كان حريصاً على الجهاد وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطي على القرآن كثيراً، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمائة درهم، والله أعلم‏.‏ وقال المعافى بن زكريا الجريري المعروف بابن طرار البغدادي‏:‏ ثنا محمد بن القاسم الأنباري ، ثنا أبي، ثنا أحمد بن عبيد، ثنا هشام أبو محمد بن السائب الكلبي، ثنا عوانة بن الحكم الكلبي قال‏:‏ دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف فلما وقف بين يديه قال له‏:‏ إيه إيه يا أنيس يوم لك مع علي، ويوم لك مع ابن الزبير، ويوم لك مع ابن الأشعث، والله لأستأصلنك كما تستأصل الشاة، ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة‏.‏ فقال أنس‏:‏ إياي يعني الأمير أصلحه الله‏؟‏ قال‏:‏ إياك أعني صك الله سمعك‏.‏ قال أنس‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لولا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قتلت، ولا أي ميتة مت، ثم خرج من عند الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجاج، فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضباً، وشفق عجباً، وتعاظم ذلك من الحجاج، وكان كتاب أنس إلى عبد الملك‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الملك بن مرروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك، أما بعد‏:‏ فإن الحجاج قال لي هُجراً، وأسمعني نكراً، ولم أكن لذلك أهلاً، فخذلي على يديه، فإني أمت بخدمتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتي إياه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/154‏)‏ فبعث عبد الملك إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - وكان مصادقاً للحجاج - فقال له‏:‏ دونك كتابي هذين فخذهما واركب البريد إلى العراق، وابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فارفع كتابي إليه وأبلغه مني السلام، وقل له‏:‏ يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتاباً إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك، وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ من عبد الملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج، وما سلطته عليك ولا أمرته بالإساءة إليك، فإن عاد لمثلها اكتب إلى بذلك أنزل به عقوبتي، وتحسن لك معونتي، والسلام‏.‏ فلما قرأ أنس كتاب أمير المؤمنين وأخبر برسالته قال‏:‏ جزى الله أمير المؤمنين عني خيراً، وعافاه وكفاه وكافأه بالجنة، فهذا كان ظني به والرجاء منه‏.‏ فقال إسماعيل بن عبيد الله لأنس‏:‏ يا أبا حمزة إن الحجاج عامل أمير المؤمنين، وليس بك عنه غنى، ولا بأهل بيتك، ولو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك، فقاربه وداره تعش معه بخير وسلام‏.‏ فقال أنس‏:‏ أفعل إن شاء الله‏.‏ ثم خرج إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجاج، فقال الحجاج‏:‏ مرحباً برجل أحبه وكنت أحب لقاه، فقال إسماعيل‏:‏ أنا والله كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به، فتغير لون الحجاج وخاف وقال‏:‏ ما أتيتني به‏؟‏ قال‏:‏ فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس غضباً عليك، ومنك بعداً، قال‏:‏ فاستوى الحجاج جالساً مرعوباً، فرمى إليه إسماعيل بالطومار فجعل الحجاج ينظر فيه مرة ويعرق، وينظر إلى إسماعيل أخرى، فلما فضَّه قال‏:‏ قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه ونترضّاه، فقال له إسماعيل‏:‏ لا تعجل، فقال‏:‏ كيف لا أعجل وقد أتيتني بآبدة‏؟‏ وكان في الطومار‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور، فسموت فيها وعدوت طورك، وجاوزت قدرك، وركبت داهية إدَّا، وأردت أن تبدوا لي فإن سوغتكها مضيت قدماً، وإن لم أسوغها رجعت القهقرى، فلعنك الله من عبد أخفش العينين، منقوص الجاعرتين‏.‏ أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، وحفرهم الآبار، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل، يا ابن المستفرية بعجم الزبيب، والله لأغمرنك غمر الليث الثعلب، والصقر الأرنب‏.‏ وثبت على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبن أظهرنا، فلم تقبل له إحسانه، ولم تتجاوز له عن إساءته، جرأة منك على الرب عز وجل، واستخفافاً منك بالعهد، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلاً خدم عزير بن عزرى، وعيسى بن مريم، لعظمته وشرفته وأكرمته وأحبته، بل لو رأوا من خدم حمار العزير أو خدم حواري المسيح لعظموه وأكرموه، فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين، يطلعه على سره، ويشاوره في أمره، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله، وإلا أتاك مني سهم بكل حتف قاض، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون‏.‏ وقد تكلم ابن طرار على ما وقع في هذا الكتاب من الغريب، وكذلك ابن قتيبة وغيرهما من أئمة اللغة، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/155‏)‏ وقال الإمام أحمد‏:‏ ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الزبير - يعني ابن عدي - قال‏:‏ أتينا أنس بن مالك نشكو إليه ما نلقى من الحجاج، فقال‏:‏ اصبروا فإنه لا يأتي عليكم عام أو زمان أو يوم إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم عز وجل، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم‏.‏ وهذا رواه البخاري عن محمد بن يوسف، عن سفيان وهو الثوري، عن الزبير بن عدي، عن أنس قال‏:‏ لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه‏.‏ الحديث‏.‏ قلت‏:‏ ومن الناس من يروي هذا الحديث بالمعنى فيقول‏:‏ كل عام ترذلون‏.‏ وهذا اللفظ لا أصل له، وإنما هو مأخوذ من معنى هذا الحديث، والله أعلم‏.‏ قلت‏:‏ قد مر بي مرة من كلام عائشة مرفوعاً وموقوفاً‏:‏ كل يوم ترذلون‏.‏ ورأيت للإمام أحمد كلاماً قال فيه‏:‏ وروي في الحديث كل يوم ترذلون نسماً خبيثاً‏.‏ فيحتمل هذا أنه وقع للإمام أحمد مرفوعاً، ومثل أحمد لا يقول هذا إلا عن أصل‏.‏ وقد روي عن الحسن مثل ذلك، والله أعلم‏.‏ فدل على أن له أصلاً إما مرفوعاً وإما من كلام السلف، لم يزل يتناوله الناس قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، حتى وصل إلى هذه الأزمان، وهو موجود في كل يوم، بل في كل ساعة تفوح رائحته، ولا سيما من بعد فتنة تمرلناك، وإلى الآن نجد الرذالة في كل شيء، وهذا ظاهر لمن تأمله، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏ وقد قال سفيان الثوري‏:‏ عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال‏:‏ يأتي على الناس زمان يصلّون فيه على الحجاج‏.‏ وقال أبو نعيم‏:‏ عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر‏.‏ قال‏:‏ قال الشعبي‏:‏ والله لئن بقيتم لتمنون الحجاج‏.‏ وقال الأصمعي‏:‏ قيل للحسن‏:‏ إنك تقول‏:‏ الآخر شر من الأول، وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج‏.‏ فقال الحسن‏:‏ لا بد للناس من تنفيسات‏.‏ وقال ميمون بن مهران‏:‏ بعث الحجاج إلى الحسن وقد هم به، فلما قام بين يديه قال‏:‏ يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب‏؟‏ قال‏:‏ كثير، قال‏:‏ فأين هم‏؟‏ قال‏:‏ ماتوا‏.‏ قال‏:‏ فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن‏.‏ وقال أيوب السختياني‏:‏ إن الحجاج أراد قتل الحسن مراراً فعصمه الله منه، وقد ذكر له معه مناظرات، على أن الحسن لم يكن ممن يرى الخروج عليه، وكان ينهى أصحاب ابن الأشعث عن ذلك، وإنما خرج معهم مكرهاً كما قدمنا، وكان الحسن يقول‏:‏ إنما هو نقمة فلا نقابل نقمة الله بالسيف، وعليكم بالصبر والسكينة والتضرع‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/156‏)‏ وقال ابن دريد‏:‏ عن الحسن بن الحضر، عن ابن عائشة‏.‏ قال‏:‏ أتى الوليد بن عبد الملك رجل من الخوارج، فقيل له‏:‏ ما تقول في أبي بكر وعمر‏؟‏ فأثنى خيراً، قال‏:‏ فعثمان‏؟‏ فأثنى خيراً، قيل له‏:‏ فما تقول في علي‏؟‏ فأثنى خيراً، فذكر له الخلفاء واحداً بعد واحد، فيثني على كل بما يناسبه، حتى قيل له‏:‏ فما تقول في عبد الملك بن مروان‏؟‏ فقال‏:‏ الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من بعض خطاياه‏؟‏ وقال الأصمعي‏:‏ عن علي بن مسلم الباهلي، قال‏:‏ أتي الحجاج بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلاماً، فقال لها بعض الشرط‏:‏ يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه‏؟‏ فقالت‏:‏ إني لأستحي من الله أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه، فأمر بها فقتلت‏.‏ وقد ذكرنا في سنة أربع وتسعين كيفية مقتل الحجاج لسعيد بن جبير، وما دار بينهما من الكلام والمراجعة‏.‏ وقد قال أبو بكر بن أبي خيثمة‏:‏ ثنا أبو ظفر، ثنا جعفر بن سليمان، عن بسطام بن مسلم، عن قتادة، قال‏:‏ قيل لسعيد بن جبير‏:‏ خرجت على الحجاج‏؟‏ قال‏:‏ إني والله ما خرجت عليه حتى كفر‏.‏ ويقال‏:‏ إنه لم يقتل بعده إلا رجلاً واحداً اسمه ماهان، وكان قد قتل قبله خلقاً كثيراً، أكثرهم ممن خرج مع ابن الأشعث‏.‏ وقال أبو عيسى الترمذي‏:‏ ثنا أبو داود سليمان بن مسلم البلخي، ثنا النضر بن شميل، عن هشام بن حسان، قال‏:‏ أحصوا ما قتل الحجاج صبراً فبلغ مائة ألف وعشرين ألفاً‏.‏ قال الأصمعي‏:‏ ثنا أبو عاصم، عن عباد بن كثير، عن قحدم، قال‏:‏ أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحداً وثمانين ألف أسير كانوا في سجن الحجاج، وقيل‏:‏ إنه لبث في سجنه ثمانون ألفاً، منهم ثلاثون ألف امرأة، وعرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفاً، لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب، وكان فيمن حبس أعرابي وجد يبول في أصل ربض مدينة واسط، وكان فيمن أطلق فأنشأ يقول‏:‏ إذا نحن جاوزنا مدينة واسط خرينا وصلينا بغير حساب وقد كان الحجاج مع هذا العنف الشديد لا يستخرج من خراج العراق كبير أمر‏.‏ قال ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي‏:‏ ثنا سليمان بن أبي سنح، ثنا صالح بن سليمان، قال‏:‏ قال عمر بن عبد العزيز‏:‏ لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة، لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فأخسَّ به إلى أن صيره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدى إلى عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدي إلي ما أدى إلى عمر بن الخطاب مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف‏.‏ وقال أبو بكر بن المقري‏:‏ ثنا أبو عروبة، ثنا عمرو بن عثمان، ثنا أبي، سمعت جدي، قال‏:‏ كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة‏:‏ بلغني أنك تستن بسنن الحجاج، فلا تستن بسننه، فإنه كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/157‏)‏ وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ ثنا سعيد بن أسد، ثنا ضمرة، عن الريان بن مسلم‏.‏ قال‏:‏ بعث عمر بن عبد العزيز بآل بيت أبي عقيل - أهل بيت الحجاج - إلى صاحب اليمن وكتب إليه‏:‏ أما بعد فإني قد بعثت بآل أبي عقيل وهم شر بيت في العمل، ففرقهم في العمل على قدر هوانهم على الله وعلينا، وعليك السلام‏.‏ وإنما نفاهم‏.‏ وقال الأوزاعي‏:‏ سمعت القاسم بن مخيمرة، يقول‏:‏ كان الحجاج ينقض عرى الإسلام، وذكر حكاية‏.‏ وقال أبو بكر بن عياش‏:‏ عن عاصم‏:‏ لم يبق لله حرمة إلا ارتكبها الحجاج بن يوسف‏.‏ وقال يحيى بن عيسى الرملي‏:‏ عن الأعمش‏:‏ اختلفوا في الحجاج فسألوا مجاهداً فقال‏:‏ تسألون عن الشيخ الكافر‏.‏ وروى ابن عساكر، عن الشعبي، أنه قال‏:‏ الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله العظيم، كذا قال، والله أعلم‏.‏ وقال الثوري‏:‏ عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال‏:‏ عجباً لإخواننا من أهل العراق، يسمون الحجاج مؤمناً ‏؟‏‏!‏ وقال الثوري‏:‏ عن ابن عوف، سمعت أبا وائل يسأل عن الحجاج‏:‏ أتشهد أنه من أهل النار‏؟‏ قال‏:‏ أتأمروني أن أشهد على الله العظيم‏؟‏ وقال الثوري‏:‏ عن منصور‏:‏ سألت إبراهيم عن الحجاج أو بعض الجبابرة فقال‏:‏ أليس الله يقول‏:‏ ‏( ‏أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏ )‏ ‏[‏هود‏:‏ 18‏]‏‏.‏ وبه قال إبراهيم‏:‏ وكفى بالرجل عمىً أن يعمى عن أمر الحجاج‏.‏ وقال سلام بن أبي مطيع‏:‏ لأنا بالحجاج أرجى مني لعمرو بن عبيد، لأن الحجاج قتل الناس على الدنيا، وعمرو بن عبيد أحدث للناس بدعة شنعاء، قتل الناس بعضهم بعضاً‏.‏ وقال الزبير‏:‏ سببت الحجاج يوماً عند أبي وائل فقال‏:‏ لا تسبه لعله قال يوماً‏:‏ اللهم ارحمني فيرحمه، إياك ومجالسة من يقول‏:‏ أرأيت أرأيت أرأيت‏.‏ وقال عوف‏:‏ ذكر الحجاج عند محمد بن سيرين فقال‏:‏ مسكين أبو محمد، إن يعذبه الله عز وجل فبذنبه، وإن يغفر له فهنيئاً له، وإن يلق الله بقلب سليم فهو خير منا، وقد أصاب الذنوب من هو خير منه، فقيل له‏:‏ ما القلب السليم‏؟‏ قال‏:‏ أن يعلم الله تعالى منه الحياء والإيمان، وأن يعلم أن الله حق، وأن الساعة حق قائمة، وأن الله يبعث من في القبور‏.‏ وقال أبو قاسم البغوي‏:‏ ثنا أبو سعيد، ثنا أبو أسامة، قال‏:‏ قال رجل لسفيان الثوري‏:‏ أتشهد على الحجاج وعلى أبي مسلم الخراساني أنهما في النار‏؟‏ قال‏:‏ لا ‏!‏ إن أقرَّا بالتوحيد‏.‏ وقال الرياشي‏:‏ حدثنا عباس الأزرق، عن السري بن يحيى، قال‏:‏ مر الحجاج في يوم جمعة فسمع استغاثة، فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقيل‏:‏ أهل السجون يقولون‏:‏ قتلنا الحر، فقال‏:‏ قولوا لهم‏:‏ اخسؤوا فيها ولا تكلمون‏.‏ قال‏:‏ فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة حتى قصمه الله قاصم كل جبار‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ رأيته وهو يأتي الجمعة وقد كاد يهلك من العلة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/158‏)‏ وقال الأصمعي‏:‏ لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته، فقال في خطبته‏:‏ إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم فقالوا‏:‏ مات الحجاج، ومات الحجاج، فمَهْ ‏؟‏‏!‏ فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت‏؟‏ والله ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس‏.‏ قال الله له‏:‏ ‏( ‏إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ‏ )‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 15‏]‏، فأنظره إلى يوم الدين‏.‏ ولقد دعا الله العبد الصالح فقال‏:‏ ‏)‏ وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي‏ )‏ ‏[‏ص‏:‏ 35‏]‏، فأعطاه الله ذلك إلا البقاء‏.‏ ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال‏:‏ ‏( تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏ )‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 101‏]‏، فما عسى أن يكون أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل‏.‏ كأني والله بكل حي منكم ميتاً، وبكل رطب يابساً، ثم نقل في أثياب أكفانه ثلاثة أذرع طولاً، في ذراع عرضاً، فأكلت الأرض لحمه، ومصت صديده، وانصرف الخبيث من ولده يقسم الخبيث من ماله، إن الذين يعقلون يعقلون ما أقول، ثم نزل‏.‏ وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني‏:‏ عن أبيه، عن جده، عن عمر بن عبد العزيز، أنه قال‏:‏ ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على حبه القرآن، وإعطائه أهله عليه، وقوله حين حضرته الوفاة‏:‏ اللهم اغفر لي، فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل‏.‏ وقال أبو بكر بن أبي الدنيا‏:‏ حدثنا علي بن الجعد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر‏.‏ قال‏:‏ كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج، فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت‏:‏ اللهم اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل‏.‏ قال‏:‏ وحدثني بعض أهل العلم قال‏:‏ قيل للحسن‏:‏ إن الحجاج قال عند الموت كذا وكذا، قال‏:‏ قالها‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم ‏!‏ قال‏:‏ فما عسى‏.‏ وقال أبو العباس المري، عن الرياشي، عن الأصمعي، قال‏:‏ لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول‏:‏ يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا بأنني رجل من ساكني النار أيحلفون على عمياء ويحهم ما علمهم بعظيم العفو غفار قال‏:‏ فأخبر بذلك الحسن، فقال‏:‏ بالله إن نجا لينجون بهما‏.‏ وزاد بعضهم في ذلك‏:‏ إن الموالي إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار وقال ابن أبي الدنيا‏:‏ ثنا أحمد بن عبد الله التيمي، قال‏:‏ لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته، حتى أشرفت جارية فبكت، فقالت‏:‏ ألا إن مطعم الطعام، وميتم الأيتام، ومرمل النساء، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات، ثم أنشأت تقول‏:‏ اليوم يرحمنا من كان يبغضنا واليوم يأمننا من كان يخشانا ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/159‏)‏ وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، أنه أخبر بموت الحجاج مراراً، فلما تحقق وفاته قال‏:‏ ‏( ‏فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏ )‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 45‏]‏‏.‏ وروى غير واحد‏:‏ أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكراً لله تعالى، وكان مختفياً فظهر، وقال‏:‏ اللهم أمتَّه فأذهب عنا سنته‏.‏ وقال حماد بن أبي سليمان‏:‏ لما أخبرت إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح‏.‏ وقال أبو بكر بن أبي خيثمة‏:‏ ثنا سليمان بن أبي شيخ، ثنا صالح بن سليمان، قال‏:‏ قال زياد بن الربيع بن الحارث لأهل السجن‏:‏ يموت الحجاج في مرضه هذا في ليلة كذا وكذا، فلما كانت تلك الليلة لم ينم أهل السجن فرحاً، جلسوا ينظرون حتى يسمعوا الناعية، وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان‏. وقيل‏:‏ كان ذلك لخمس بقين من رمضان، وقيل‏:‏ في شوال من هذه السنة، وكان عمره إذ ذاك خمساً وخمسين سنة، لأن مولده كان عام الجماعة سنة أربعين، وقيل‏:‏ بعدها بسنة، وقيل‏:‏ قبلها بسنة‏.‏ مات بواسط، وعفى قبره، وأجرى عليه الماء لكيلا ينبش ويحرق، والله أعلم‏.‏ وقال الأصمعي‏:‏ ما كان أعجب حال الحجاج، ما ترك إلا ثلاثمائة درهم‏.‏ وقال الواقدي‏:‏ ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد، حدثني عبد الرحمن بن عبيد الله بن فرق، ثنا عمي، قال‏:‏ زعموا أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمائة درهم، ومصحفاً وسيفاً وسرجاً ورحلاً ومائة درع موقوفة‏.‏ وقال شهاب بن خراش‏:‏ حدثني عمي يزيد بن حوشب قال‏:‏ بعث إلى أبو جعفر المنصور، فقال‏:‏ حدثني بوصية الحجاج بن يوسف، فقال‏:‏ اعفني يا أمير المؤمنين، فقال‏:‏ حدثني بها، فقلت‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيى، وعليها يموت، وعليها يبعث، وأوصى بتسعمائة درع حديد، ستمائة منها لمنافقي أهل العراق يغزون بها، وثلاثمائة للترك‏.‏ قال‏:‏ فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي - وكان قائماً على رأسه - فقال‏:‏ هذه والله الشيعة لا شيعتكم‏.‏ وقال الأصمعي، عن أبيه، قال‏:‏ رأيت الحجاج في المنام، فقلت‏:‏ ما فعل الله بك‏؟‏ فقال‏:‏ قتلني بكل قتلة قتلت بها إنساناً، قال‏:‏ ثم رأيته بعد الحول، فقلت‏:‏ يا أبا محمد ما صنع الله بك‏؟‏ فقال‏:‏ يا ماص بظر أمه أما سألت عن هذا عام أول‏؟‏ وقال القاضي أبو يوسف‏:‏ كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين رأيت الحجاج البارحة في النوم، قال‏:‏ في أي زي رأيته‏؟‏ قال‏:‏ في زي قبيح، فقلت‏:‏ ما فعل الله بك‏؟‏ فقال‏:‏ ما أنت وذاك يا ماص بظر أمه ‏!‏ فقال هارون‏:‏ صدق والله، أنت رأيت الحجاج حقاً، ما كان أبو محمد ليدع صرامته حياً وميتاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/160‏)‏ وقال حنبل بن إسحاق‏:‏ ثنا هارون بن معروف، ثنا ضمرة بن أبي شوذب، عن أشعث الخراز‏.‏ قال‏:‏ رأيت الحجاج في المنام في حالة سيئة، فقلت‏:‏ يا أبا محمد ما صنع بك ربك‏؟‏ قال‏:‏ ما قتلت أحداً قتلة إلا قتلني بها‏.‏ قال‏:‏ ثم أمر بي إلى النار، قلت‏:‏ ثم مه‏؟‏ قال‏:‏ ثم أرجو ما يرجوا أهل لا إله إلا الله‏.‏ قال‏:‏ وكان ابن سيرين يقول‏:‏ إني لأرجو له، فبلغ ذلك الحسن فقال‏:‏ أما والله ليخلفن الله رجاءه فيه‏.‏ وقال أحمد بن أبي الحواري‏:‏ سمعت أبا سليمان الداراني يقول‏:‏ كان الحسن البصري لا يجلس مجلساً إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه، قال‏:‏ فرآه في منامه، فقال له‏:‏ أنت الحجاج‏؟‏ قال‏:‏ أنا الحجاج، قال‏:‏ ما فعل الله بك‏؟‏ قال‏:‏ قتلت بكل قتيل قتلته، ثم عزلت مع الموحدين‏.‏ قال‏:‏ فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه، والله أعلم.
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: *** أحداث رمضانية ***

عزل عمر بن عبد العزيز لوالي خراسان التاريخ الهجري 97 هـ
في رمضان عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد الله الحكمي عن إمرة خراسان، بعد سنة وخمسة أشهر، وإنما عزله لأنه كان يأخذ الجزية ممن أسلم من الكفار ويقول‏:‏ أنتم إنما تسلمون فراراً منها‏.‏ فامتنعوا من الإسلام وثبتوا على دينهم وأدوا الجزية، فكتب إليه عمر‏:‏ إن الله إنما بعث محمداً ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ داعياً، ولم يبعثه جابياً‏.‏ وعزله وولى بدله عبد الرحمن بن نعيم القشيري على الحرب، وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج‏.‏ وفيها كتب عمر إلى عماله يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، ويبين لهم الحق ويوضحه لهم ويعظهم فيما بينه وبينهم، ويخوفهم بأس الله وانتقامه، وكان فيما كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم القشيري‏:‏ أما بعد فكن عبد الله ناصحاً لله في عباده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فإن الله أولى بك من الناس، وحقه عليك أعظم، ولا تولين شيئاً من أمور المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم، والتوفير عليهم‏.‏ وأدَّى الأمانة فيما استرعي، وإياك أن يكون ميلك ميلاً إلى غير الحق، فإن الله لا تخفى عليه خافية، ولا تذهبن عن الله مذهباً، فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه‏.‏ وكتب مثل ذلك مواعظ كثيرة إلى العمال‏.‏ وقال البخاري في صحيحه‏:‏ وكتب عمر إلى عدي بن عدي‏:‏ إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص‏.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....

bol.jpg
وفاة الإمام الزهري
التاريخ الهجري 124 هـ
محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو بكر القرشي الزهري، أحد الأعلام من أئمة الإسلام، تابعي جليل، سمع غير واحد من التابعين وغيرهم‏.‏ روى الحافظ ابن عساكر، عن الزهري، قال‏:‏ أصاب أهل المدينة جهد شديد فارتحلت إلى دمشق، وكان عندي عيال كثيرة‏.‏ فجئت جامعها فجلست في أعظم حلقة، فإذا رجل قد خرج من عند أمير المؤمنين عبد الملك، فقال‏:‏ إنه قد نزل بأمير المؤمنين مسألة - وكان قد سمع من سعيد بن المسيب فيها شيئاً، وقد شذَّ عنه في أمهات الأولاد يرويه عن عمر بن الخطاب -‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/373‏)‏ فقلت‏:‏ إني أحفظ عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب، فأخذني فأدخلني على عبد الملك‏:‏ فسألني ممن أنت‏؟‏ فانتسبت له، وذكرت له حاجتي وعيالي، فسألني هل تحفظ القرآن‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، والفرائض والسنن‏.‏ فسألني عن ذلك كله فأجبته، فقضى ديني وأمر لي بجائزة، وقال لي‏:‏ أطلب العلم فإني أرى لك عيناً حافظةً وقلباً ذكياً‏.‏ قال‏:‏ فرجعت إلى المدينة أطلب العلم وأتتبعه، فبلغني أن امرأة بقباء رأت رؤيا عجيبة، فأتيتها فسألتها عن ذلك‏.‏ فقالت‏:‏ إن بعلي غاب وترك لنا خادماً وداجناً ونخيلات، نشرب من لبنها، ونأكل من ثمرها، فبينما أنا بين النائمة واليقظى رأيت كأن ابني الكبير - وكان مشتداً - قد أقبل فأخذ الشفرة فذبح ولد الداجن، وقال‏:‏ إن هذا يضيق علينا اللبن، ثم نصب القدر وقطعها ووضعها فيه، ثم أخذ الشفرة فذبح بها أخاه، وأخوه صغير كما قد جاء‏.‏ ثم استيقظت مذعورة، فدخل ولدي الكبير فقال‏:‏ أين اللبن‏؟‏ فقلت‏:‏ يا بني، شربه ولد الداجن‏.‏ فقال‏:‏ إنه قد ضيق علينا اللبن، ثم أخذ الشفرة فذبحه وقطعه في القدر‏.‏ فبقيت مشفقة خائفة مما رأيت، فأخذت ولدي الصغير فغيبته في بعض بيوت الجيران، ثم أقبلت إلى المنزل وأنا مشفقة جداً مما رأيت‏.‏ فأخذتني عيني فنمت فرأيت في المنام قائلاً يقول‏:‏ مالك مغتمة‏؟‏ فقلت‏:‏ إني رأيت مناماً فأنا أحذر منه‏.‏ فقال‏:‏ يا رؤيا يا رؤيا، فأقبلت امرأة حسناء جميلة، فقال‏:‏ ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة‏؟‏ قالت‏:‏ ما أردت إلا خيراً‏.‏ ثم قال‏:‏ يا أحلام يا أحلام، فأقبلت امرأة دونها في الحسن والجمال، فقال‏:‏ ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة‏؟‏ فقالت‏:‏ ما أردت إلا خيراً‏.‏ ثم قال‏:‏ يا أضغاث يا أضغاث، فأقبلت امرأة سوداء شنيعة، فقال‏:‏ ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة‏؟‏ فقالت‏:‏ إنها امرأة صالحة فأحببت أن أغمها ساعة‏.‏ ثم استيقظت فجاء ابني فوضع الطعام وقال‏:‏ أين أخي‏؟‏ فقلت‏:‏ درج إلى بيوت الجيران، فذهب وراءه فكأنما هدي إليه، فأقبل به يقبله، ثم جاء فوضعه وجلسنا جميعاً فأكلنا من ذلك الطعام‏.‏ ولد الزهري في سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية، وكان قصيراً قليل اللحية، له شعرات طوال، خفيف العارضين‏.‏ قالوا‏:‏ وقد قرأ القرآن في نحو من ثمان وثمانين يوماً، وجالس سعيد بن المسيب ثمان سنين، تمس ركبته ركبته، وكان يخدم عبيد الله بن عبد الله يستسقي له الماء المالح، ويدور على مشايخ الحديث، ومعه ألواح يكتب عنهم فيها الحديث، ويكتب عنهم كل ما سمع منهم، حتى صار من أعلم الناس وأعملهم في زمانه، وقد احتاج أهل عصره إليه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/374‏)‏ وقال عبد الرزاق‏:‏ أخبرنا معمر، عن الزهري، قال‏:‏ كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحداً من المسلمين‏.‏ وقال أبو إسحاق‏:‏ كان الزهري يرجع من عند عروة فيقول لجارية عنده فيها لكنة‏:‏ ثنا عروة، ثنا فلان، ويسرد عليها ما سمعه منه، فتقول له الجارية‏:‏ والله ما أدري ما تقول، فيقول لها‏:‏ اسكتي لكاع، فإني لا أريدك إنما أريد نفسي‏.‏ ثم وفد على عبد الملك بدمشق كما تقدم فأكرمه وقضى دينه وفرض له في بيت المال، ثم كان بعد من أصحابه وجلسائه، ثم كان كذلك عند أولاده من بعده، الوليد وسليمان، وكذا عند عمر بن عبد العزيز، وعند يزيد بن عبد الملك، واستقضاه يزيد مع سليمان بن حبيب، ثم كان حظياً عند هشام، وحج معه وجعله معلم أولاده إلى أن توفي في هذه السنة، قبل هشام بسنة‏.‏ وقال ابن وهب‏:‏ سمعت الليث، يقول‏:‏ قال ابن شهاب‏:‏ ما استودعت قلبي شيئاً قط فنسيته‏.‏ قال‏:‏ وكان يكره أكل التفاح، وسؤر الفأرة، ويقول‏:‏ إنه ينسي‏.‏ وكان يشرب العسل ويقول‏:‏ إنه يذكي‏.‏ وفيه يقول فايد بن أقرم‏:‏ زر ذا وأثن على الكريم محمد واذكر فواضله على الأصحاب وإذا يقال من الجواد بماله قيل‏:‏ الجواد محمد بن شهاب أهل المدائن يعرفون مكانه وربيع ناديه على الأعراب يشري وفاء جفانه ويمدها بكسور إنتاج وفتق لباب وقال ابن مهدي‏:‏ سمعت مالكاً، يقول‏:‏ حدث الزهري يوماً بحديث، فلما قام أخذت بلجام دابته فاستفهمته فقال‏:‏ أتستفهمني‏؟‏ ما استفهمت عالماً قط، ولا رددت على عالم قط، ثم جعل ابن مهدي يقول‏:‏ فتلك الطوال وتلك المغازي‏.‏ وروى يعقوب بن سفيان، عن هشام بن خالد السلامي، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد - يعني‏:‏ ابن عبد العزيز -، أن هشام بن عبد الملك، سأل الزهري أن يكتب لبنيه شيئاً من حديثه، فأملى على كاتبه أربعمائة حديث ثم خرج على أهل الحديث فحدثهم بها، ثم إن هشاماً قال للزهري‏:‏ إن ذلك الكتاب ضاع، فقال‏:‏ لا عليك، فأملى عليهم تلك الأحاديث، فأخرج هشام الكتاب الأول فإذا هو لم يغادر حرفاً واحداً، وإنما أراد هشام امتحان حفظه‏.‏ وقال عمر بن عبد العزيز‏:‏ ما رأيت أحداً أحسن سوقاً للحديث إذا حدث من الزهري‏.‏ وقال سفيان بن عيينة‏:‏ عن عمرو بن دينار‏:‏ ما رأيت أحداً أنص للحديث من الزهري، ولا أهون من الدينار والدرهم عنده، وما الدراهم والدنانير عند الزهري إلا بمنزلة البعر‏.‏ قال عمرو بن دينار‏:‏ ولقد جالست جابراً، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، فما رأيت أحداً أسيق للحديث من الزهري‏.‏ وقال الإمام أحمد‏:‏ أحسن الناس حديثاً وأجودهم إسناداً الزهري‏.‏ وقال النسائي‏:‏ أحسن الأسانيد الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده علي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/375‏)‏ وقال سعيد، عن الزهري‏:‏ مكثت خمساً وأربعين سنة اختلفت من الحجاز إلى الشام، ومن الشام إلى الحجاز، فما كنت أسمع حديثاً استطرفه‏.‏ وقال الليث‏:‏ ما رأيت عالماً قط أجمع من ابن شهاب، ولو سمعته يحدث في الترغيب والترهيب لقلت‏:‏ ما يحسن غير هذا، وإن حدث عن الأنبياء وأهل الكتاب قلت‏:‏ لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن الأعراب والأنساب قلت‏:‏ لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه بدعاً جامعاً‏.‏ وكان يقول‏:‏ اللهم إني أسألك من كل خير أحاط به علمك، وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة‏.‏ قال الليث‏:‏ وكان الزهري أسخى من رأيت، يعطي كل من جاء وسأله، حتى إذا لم يبق عنده شيء استسلف‏.‏ وكان يطعم الناس الثريد، ويسقيهم العسل، وكان يستمر على شراب العسل كما يستمر أهل الشراب على شرابهم، ويقول‏:‏ اسقونا وحدثونا، فإذا نعس أحدهم يقول له‏:‏ ما أنت من سمار قريش‏.‏ وكانت له قبة معصفرة، وعليه ملحفة معصفرة، وتحته بساط معصفر‏.‏ وقال الليث‏:‏ قال يحيى بن سعيد‏:‏ ما بقي عند أحد من العلم ما بقي عند ابن شهاب‏.‏ وقال عبد الرزاق‏:‏ أنبأ معمر، قال‏:‏ قال عمر بن عبد العزيز‏:‏ عليكم بابن شهاب، فإنه ما بقي أحد أعلم بسنة ماضية منه، وكذا قال مكحول‏.‏ وقال أيوب‏:‏ ما رأيت أحداً أعلم من الزهري، فقيل له‏:‏ ولا الحسن‏؟‏ فقال‏:‏ ما رأيت أعلم من الزهري‏.‏ وقيل لمكحول‏:‏ من أعلم من لقيت‏؟‏ قال‏:‏ الزهري، قيل‏:‏ ثم من‏؟‏ قال‏:‏ الزهري، قيل‏:‏ ثم من‏؟‏ قال‏:‏ الزهري‏.‏ وقال مالك‏:‏ كان الزهري إذا دخل المدينة لم يحدث بها أحداً حتى يخرج‏.‏ وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة‏:‏ محدثوا أهل الحجاز ثلاثة‏:‏ الزهري، ويحيى بن سعيد، وابن جريج‏.‏ وقال علي بن المديني‏:‏ الذين أفتوا أربعة‏:‏ الزهري، والحكم، وحماد، وقتادة، والزهري أفقههم عندي‏.‏ وقال الزهري‏:‏ ثلاثة إذا كن في القاضي فليس بقاض‏:‏ إذا كره الملاوم، وأحب المحامد، وكره العزل‏.‏ وقال أحمد بن صالح‏:‏ كان يقال‏:‏ فصحاء زمانهم‏:‏ الزهري، وعمر بن عبد العزيز، وموسى بن طلحة، وعبيد الله، رحمهم الله‏.‏ وقال مالك‏:‏ عن الزهري، أنه قال‏:‏ إن هذا العلم الذي أدب الله به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدب رسول الله به أمته أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أدي إليه، فمن سمع علماً فليجعله أمامه حجة فيما بينه وبين الله عز وجل‏.‏ وقال محمد بن الحسين‏:‏ عن يونس، عن الزهري، قال‏:‏ الاعتصام بالسنة نجاة‏.‏ وقال الوليد‏:‏ عن الأوزاعي، عن الزهري، قال‏:‏ أمرِّوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاءت‏.‏ وقال محمد بن إسحاق‏:‏ عن الزهري‏:‏ إن من غوائل العلم أن يترك العالم حتى يذهب علمه‏.‏ وفي رواية‏:‏ أن يترك العالم العمل بالعلم حتى يذهب، فإن من غوائله قلة انتفاع العالم بعلمه، ومن غوائله النسيان والكذب، وهو أشد الغوائل‏.‏ وقال أبو زرعة‏:‏ عن نعيم بن حماد، عن محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، قال‏:‏ القراءة على العالم والسماع عليه سواء إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/376‏)‏ وقال عبد الرزاق‏:‏ عن معمر، عن الزهري، قال‏:‏ إذا طال المجلس كان للشيطان فيه حظ ونصيب‏.‏ وقد قضى عنه هشام مرة ثمانين ألف درهم، وفي رواية‏:‏ سبعة عشرة ألفاً، وفي رواية‏:‏ عشرين ألفاً‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ عتب رجاء بن حيوة على الزهري في الإسراف وكان يستدين، فقال له‏:‏ لا آمن أن يحبس هؤلاء القوم ما بأيديهم عنك فتكون قد حملت على أمانيك، قال‏:‏ فوعده الزهري أن يقصر، فمر به بعد ذلك وقد وضع الطعام ونصب موائد العسل، فوقف به رجاء وقال‏:‏ يا أبا بكر ما هذا بالذي فارقتنا عليه، فقال له الزهري‏:‏ انزل فإن السخي لا تؤدبه التجارب‏.‏ وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى‏:‏ له سحائب جود في أنامله أمطارها الفضة البيضاء والذهب يقول في العسر‏:‏ إن أيسرت ثانية أقصرت عن بعض ما أعطي وما أهب حتى إذا عاد أيام اليسار له رأيت أمواله في الناس تنتهب وقال الواقدي‏:‏ ولد الزهري سنة ثمان وخمسين، وقدم في سنة أربع وعشرين ومائة إلى أمواله بثلاث بشعب زبدا، فأقام بها فمرض هناك ومات وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق، وكانت وفاته لسبع عشرة من رمضان في هذه السنة، وهو ابن خمس وسبعين سنة‏.‏ قالوا‏:‏ وكان ثقة كثير الحديث والعلم والرواية، فقيهاً جامعاً‏.‏ وقال الحسين بن المتوكل العسقلاني‏:‏ رأيت قبر الزهري بشعب زبدا من فلسطين مسنماً مجصصاً‏.‏ وقد وقف الأوزاعي يوماً على قبره فقال‏:‏ يا قبر كم فيك من علم ومن حلم * يا قبر كم فيك من علم ومن كرم * وكم جمعت روايات وأحكاماً‏.‏ وقال الزبير بن بكار‏:‏ توفي الزهري بأمواله بشعب ثنين، ليلة الثلاثاء لسبع عشر ليلة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، عن ثنتين وسبعين سنة، ودفن على قارعة الطريق ليدعو له المارة‏.‏ وقيل‏:‏ إنه توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقال أبو معشر‏:‏ سنة خمس وعشرين ومائة، والصحيح الأول، والله أعلم‏.‏ فصل وروى الطبراني، عن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال‏:‏ أخبرني صالح بن كيسان، قال‏:‏ اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم، فقلنا‏:‏ نحن نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لي‏:‏ هلم فلنكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة، فقلت‏:‏ إنه ليس بسنة فلا تكتب ، قال‏:‏ فكتب ما جاء عنهم ولم أكتب، فأنحج وضيعت‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/377‏)‏ وروى الإمام أحمد‏:‏ عن معمر، قال‏:‏ كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزانته يقول‏:‏ من علم الزهري‏.‏ وروي عن الليث بن سعد، قال‏:‏ وضع الطست بين يدي ابن شهاب فتذكر حديثاً فلم تزل يده في الطست حتى طلع الفجر، وصححه‏.‏ وروى أصبغ بن الفرج، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، قال‏:‏ للعلم واد فإذا هبطت واديه فعليك بالتؤدة حتى تخرج منه، فإنك لا تقطعه حتى يقطع بك‏.‏ وقال الطبراني‏:‏ حدثنا أحمد بن يحيى تغلب، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني محمد بن الحسن بن زبالة، عن مالك بن أنس، عن الزهري، قال‏:‏ خدمت عبيد الله بن عتبة، حتى أن كان خادمه ليخرج فيقول‏:‏ من بالباب‏؟‏ فتقول الجارية‏:‏ غلامك الأعيمش، فتظن أني غلامه، وإن كنت لأخدمه حتى أستقي له وضوءه‏.‏ وروى عبد الرحمن بن أحمد، عن محمد بن عباد، عن الثوري، عن مالك بن أنس، أراه عن الزهري، قال‏:‏ تبعت سعيد بن المسيب ثلاثة أيام في طلب حديث‏.‏ وروى الأوزاعي، عن الزهري، قال‏:‏ كنا نأتي العالم فما نتعلم من أدبه أحب إلينا من علمه‏.‏ وقال سفيان‏:‏ كان الزهري، يقول‏:‏ حدثني فلان، وكان من أوعية العلم، ولا يقول‏:‏ كان عالماً‏.‏ وقال مالك‏:‏ أول من دون العلم ابن شهاب‏.‏ وقال أبو المليح‏:‏ كان هشام هو الذي أكره الزهري على كتابة الحديث، فكان الناس يكتبون بعد ذلك‏.‏ وقال رشيد بن سعد‏:‏ قال الزهري‏:‏ العلم خزائن وتفتحها المسائل‏.‏ وقال الزهري‏:‏ كان يصطاد العلم بالمسألة كما يصطاد الوحش‏.‏ وكان ابن شهاب ينزل بالأعراب يعلمهم لئلا ينسى العلم، وقال‏:‏ إنما يذهب العلم النسيان وترك المذاكرة‏.‏ وقال‏:‏ إن هذا العلم إن أخذته بالمكابرة غلبك ولم تظفر منه بشيء، ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذاً رفيقاً تظفر به‏.‏ وقال‏:‏ ما أحدث الناس مروءة أعجب إلي من الفصاحة‏.‏ وقال‏:‏ العلم ذكرٌ لا يحبه إلا الذكور من الرجال ويكرهه مؤنثوهم‏.‏ ومر الزهري على أبي حازم وهو يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ مالي أرى أحاديث ليس لها خطم ولا أزمة‏؟‏ وقال‏:‏ ما عبد الله بشيء أفضل من العلم‏.‏ وقال ابن مسلم أبي عاصم‏:‏ حدثنا دحيم، حدثنا الوليد بن مسلم، عن القاسم بن هزان، أنه سمع الزهري، يقول‏:‏ لا يوثق الناس علم عالم لا يعمل به، ولا يؤمن بقول عالم لا يرضى‏.‏ وقال ضمرة‏:‏ عن يونس، عن الزهري، قال‏:‏ إياك وغلول الكتب، قلت‏:‏ وما غلولها‏؟‏ قال‏:‏ حبسها عن أهلها‏.‏ وروى الشافعي، عن الزهري، قال‏:‏ حضور المجلس بلا نسخة ذل‏.‏ وروى الأصمعي، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، قال‏:‏ جلست إلى ثعلبة بن أبي معين، فقال‏:‏ أراك تحب العلم‏؟‏ قلت‏:‏ نعم ‏!‏ قال‏:‏ فعليك بذاك الشيخ - يعني‏:‏ سعيد بن المسيب - قال‏:‏ فلزمت سعيداً سبع سنين ثم تحولت عنه إلى عروة ففجرت ثبج بحره‏.‏ وقال الليث‏:‏ قال ابن شهاب‏:‏ ما صبر أحد على علم صبري، وما نشره أحد قط نشري، فأما عروة بن الزبير فبئر لا تكدره الدلاء، وأما ابن المسيب فانتصب للناس فذهب اسمه كل مذهب‏.‏ وقال مكي بن عبدان‏:‏ حدثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الله الأوسي، حدثنا مالك بن أنس‏:‏ أن ابن شهاب سأله بعض بني أمية عن سعيد بن المسيب فذكر علمه بخير وأخبره بحاله، فبلغ ذلك سعيداً فلما قدم ابن شهاب المدينة جاء فسلم على سعيد فلم يرد عليه ولم يكلمه، فلما انصرف سعيد مشى الزهري معه، فقال‏:‏ مالي سلمت عليك فلم تكلمني‏؟‏ ماذا بلغك عني وما قلت إلا خيراً‏؟‏ قال له‏:‏ ذكرتني لبني مروان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/378‏)‏ قال أبو حاتم‏:‏ حدثنا مكي بن عبدان، حدثنا محمد بن يحيى، حدثني عطاف بن خالد المخزومي، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة، عن ابن شهاب، قال‏:‏ أصاب أهل المدينة حاجة زمان فتنة عبد الملك بن مروان، فعمت أهل البلد، وقد خيل إلي أنه قد أصابنا أهل البيت من ذلك ما لم يصب أحداً من أهل البلد، وذلك لخبرتي بأهلي، فتذكرت‏:‏ هل من أحد أمتُّ إليه برحم أو مودة أرجو إن خرجت إليه أن أصيب عنده شيئاً‏؟‏ فما علمت من أحد أخرج إليه‏.‏ ثم قلت‏:‏ إن الرزق بيد الله عز وجل‏.‏ ثم خرجت حتى قدمت دمشق فوضعت رحلي ثم أتيت المسجد فنظرت إلى أعظم حلقة رأيتها وأكبرها فجلست فيها، فبينا نحن على ذلك إذ خرج رجل من عند أمير المؤمنين عبد الملك، كأجسم الرجال وأجملهم وأحسنهم هيئة، فجاء إلى المجلس الذي أنا فيه فتحثحثوا له - أي‏:‏ أوسعوا - فجلس فقال‏:‏ لقد جاء أمير المؤمنين اليوم كتاب ما جاءه مثله منذ استخلفه الله‏.‏ قالوا‏:‏ ما هو‏؟‏ قال‏:‏ كتب إليه عامله على المدينة هشام بن إسماعيل يذكر أن ابناً لمصعب بن الزبير من أم ولد مات، فأرادت أمه أن تأخذ ميراثاً منه، فمنعها عروة بن الزبير، وزعم أنه لا ميراث لها، فتوهم أمير المؤمنين حديثاً في ذلك سمعه من سعيد بن المسيب يذكر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في أمهات الأولاد، ولا يحفظه الآن، وقد شذ عنه ذلك الحديث‏.‏ قال ابن شهاب‏:‏ فقلت‏:‏ أنا أحدثه به، فقام إلي قبيصة حتى أخذ بيدي ثم خرج حتى دخل الدار على عبد الملك‏.‏ فقال‏:‏ السلام عليك‏.‏ فقال له عبد الملك مجيباً‏:‏ وعليك السلام‏.‏ فقال قبيصة‏:‏ أندخل‏؟‏ فقال عبد الملك‏:‏ ادخل‏.‏ فدخل قبيصة على عبد الملك وهو آخذاً بيدي وقال‏:‏ هذا يا أمير المؤمنين يحدثك بالحديث الذي سمعته من ابن المسيب في أمهات الأولاد‏.‏ فقال عبد الملك‏:‏ إيه‏.‏ قال الزهري‏:‏ فقلت‏:‏ سمعت سعيد بن المسيب يذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر بأمهات الأولاد أن يقوَّمن في أموال أبنائهن بقيمة عدل ثم يعتقن، فكتب عمر بذلك صدراً من خلافته‏.‏ ثم توفى رجل من قريش كان له ابن من أم ولد، وقد كان عمر يعجب بذلك الغلام، فمرَّ ذلك الغلام على عمر في المسجد بعد وفاة أبيه بليال، فقال له عمر‏:‏ ما فعلت يا ابن أخي في أمك‏؟‏ قال‏:‏ فعلت يا أمير المؤمنين خيراً، خيروني بين أن يسترقُّوا أمي‏.‏ فقال عمر‏:‏ أولست إنما أمرت في ذلك بقيمة عدل‏؟‏ ما أرى رأياً وما أمرت بأمر إلا قلتم فيه، ثم قام فجلس على المنبر فاجتمع الناس إليه حتى إذا رضي من جماعتهم قال‏:‏ أيها الناس ‏!‏ إني قد كنت أمرت في أمهات الأولاد بأمر قد علمتموه، ثم حدث رأي غير ذلك، فأيما امرئ كان عنده أم ولد فملكها بيمينه ما عاش، فإذا مات فهي حرة لا سبيل له عليها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/379‏)‏ فقال لي عبد الملك‏:‏ من أنت‏؟‏ قلت‏:‏ أنا محمد بن مسلم بن عبيد بن شهاب‏.‏ فقال‏:‏ أما والله إن كان أبوك لأباً نعَّاراً في الفتنة مؤذياً لنا فيها‏.‏ قال الزهري‏:‏ فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين، قل كما قال العبد الصالح‏:‏ ‏)‏ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ‏ )‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 92‏]‏‏.‏ فقال‏:‏ أجل ‏!‏ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم‏.‏ قال‏:‏ فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين، افرض لي فإني منقطع من الديوان‏.‏ فقال‏:‏ إن بلدك ما فرضنا فيه لأحد منذ كان هذا الأمر، ثم نظر إلى قبيصة وأنا وهو قائمان بين يديه، فكأنه أومأ إليه أن افرض له، فقال‏:‏ قد فرض إليك أمير المؤمنين‏.‏ فقلت‏:‏ إني والله ما خرجت من عند أهلي إلا وهم في شدة وحاجة ما يعلمها إلا الله، وقد عمت الحاجة أهل البلد‏.‏ قال‏:‏ قد وصلك أمير المؤمنين‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين وخادم يخدمنا، فإن أهلي ليس لهم خادم إلا أختي، فإنها الآن تعجن وتخبز وتطحن‏.‏ قال‏:‏ قد أخدمك أمير المؤمنين‏.‏ وروى الأوزاعي، عن الزهري أنه روى رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن‏)‏‏)‏‏.‏ فقلت للزهري‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقال‏:‏ من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم، أمرُّوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاءت‏.‏ وعن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، قال‏:‏ كان عمر بن الخطاب يأمر برواية قصيدة لبيد بن ربيعة التي يقول فيها‏:‏ إن تقوى ربنا خير نَفَلْ وبإذن الله ريثي والعجل أحمد الله فلا ندَّ له بيديه الخير ما شاء فعل من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل وقال الزهري‏:‏ دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن عتبة منزله فإذا هو مغناظ ينفخ، فقلت‏:‏ مالي أراك هكذا‏؟‏ فقال‏:‏ دخلت على أميركم آنفاً - يعني‏:‏ عمر بن عبد العزيز - ومعه عبد الله بن عمرو بن عثمان فسلمت عليهما فلم يردا عليَّ السلام، فقلت‏:‏ لا تعجبا أن تؤتيا فتكلما فما حشى الأقوام شراً من الكبر ومسَّا تراب الأرض منه خلقتما وفيها المعاد والمصير إلى الحشر فقلت‏:‏ يرحمك الله ‏!‏‏!‏ مثلك في فقهك وفضلك وسنك تقول الشعر ‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ إن المصدور إذا نفث برأ‏.‏ وجاء شيخ إلى الزهري فقال‏:‏ حدثني، فقال‏:‏ إنك لا تعرف اللغة، فقال الشيخ‏:‏ لعلي أعرفها، فقال‏:‏ فما تقول في قول الشاعر‏:‏ صريع ندامى يرفع الشرب رأسه وقد مات منه كل عضو ومفصل‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/380‏)‏ ما المفصل‏؟‏ قال‏:‏ اللسان، قال‏:‏ عد عليَّ أحدثك‏.‏ وكان الزهري يتمثل كثيراً بهذا‏:‏ ذهب الشباب فلا يعود جمانا وكأن ما قد كان لم يك كانا فطويت كفي يا جمان على العصا وكفى جمان بطيِّها حدثانا وكان نقش خاتم الزهري‏:‏ محمد يسأل الله العافية‏.‏ وقيل لابن أخي الزهري‏:‏ هل كان عمك يتطيب‏؟‏ قال‏:‏ كنت أشم ريح المسك من سوط دابة الزهري‏.‏ وقال‏:‏ استكثروا من شيء لا تمسه النار، قيل‏:‏ وما هو‏؟‏ قال‏:‏ المعروف‏.‏ وامتدحه رجل مرة فأعطاه قميصه، فقيل له‏:‏ أتعطي على كلام الشيطان‏؟‏ فقال‏:‏ إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر‏.‏ وقال سفيان‏:‏ سئل الزهري عن الزاهد، فقال‏:‏ من لم يمنع الحلال شكره، ولم يغلب الحرام صبره‏.‏ وقال سفيان‏:‏ قالوا للزهري‏:‏ لو أنك الآن في آخر عمرك أقمت بالمدينة، فقعدت إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودرجت وجلسنا إلى عمود من أعمدته فذكرت الناس وعلمتهم‏؟‏ فقال‏:‏ لو أني فعلت ذلك لوطىء عقبي ولا ينبغي لي أن أفعل ذلك حتى أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة‏.‏ وكان الزهري يحدث‏:‏ أنه هلك في جبال بيت المقدس بضعة وعشرون نبياً، ماتوا من الجوع والعمل‏.‏ كانوا لا يأكلون إلا ما عرفوا، و لا يلبسون إلا ما عرفوا‏.‏ وكان يقول‏:‏ العبادة هي‏:‏ الورع والزهد، والعلم هو‏:‏ الحسنة، والصبر هو‏:‏ احتمال المكاره، والدعوة إلى الله على العمل الصالح.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



أول ظهور أبي مسلم الخراساني

التاريخ الهجري 129 هـ
وفي هذه السنة‏:‏ رد كتاب إبراهيم بن محمد الإمام العباسي بطلب أبي مسلم الخراساني من خراسان، فسار إليه في سبعين من النقباء لا يمرون ببلد إلا سألوهم‏:‏ إلى أين تذهبون ‏؟‏ فيقول أبو مسلم‏:‏ نريد الحج‏.‏ وإذا توسم أبو مسلم من بعضهم ميلاً إليهم دعاهم إلى ما هم فيه فيجيبه إلى ذلك، فلما كان ببعض الطريق جاء كتاب ثان من إبراهيم الإمام إلى أبي مسلم‏:‏ إني بعثت إليك براية النصر فارجع إلى خراسان وأظهر الدعوة، وأمر قحطبة بن شيب أن يسير بما معه من الأموال والتحف إلى إبراهيم الإمام فيوافيه في الموسم‏.‏ فرجع أبو مسلم بالكتاب فدخل خراسان في أول يوم من رمضان فرفع الكتاب إلى سليمان بن كثير وفيه‏:‏ أن أظهر دعوتك ولا تتربص‏.‏ فقدموا عليهم أبا مسلم الخراساني داعياً إلى بني العباس، فبعث أبو مسلم دعاته في بلاد خراسان، وأمير خراسان - نصر بن سيار - مشغول بقتال الكرماني، وشيبان بن سلمة الحروري، وقد بلغ من أمره أنه كان يسلم عليه أصحابه بالخلافة في طوائف كثيرة من الخوارج، فظهر أمر أبي مسلم وقصده الناس من كل جانب، فكان ممن قصده في يوم واحد أهل ستين قرية، فأقام هناك اثنين وأربعين يوماً ففتحت على يديه أقاليم كثيرة‏.‏ ولما كان ليلة الخميس لخمس بقين من رمضان في هذه السنة‏:‏ عقد أبو مسلم اللواء الذي بعثه إليه الإمام، ويدعى‏:‏ الظل، على رمح طوله أربعة عشر ذراعاً، وعقد الراية التي بعث بها الإمام أيضاً، وتدعى‏:‏ السحاب، على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعاً، وهما سوداوان، وهو يتلو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 39‏]‏‏.‏ ولبس أبو مسلم وسليمان بن كثير ومن أجابهم إلى الدعوة السواد، وصارت شعارهم، وأوقدوا في هذه الليلة ناراً عظيمة يدعون بها أهل تلك النواحي، وكانت علامة بينهم فتجمعوا‏.‏ ومعنى تسمية إحدى الرايتين بالسحاب‏:‏ أن السحاب كما يطبق جميع الأرض كذلك بنو العباس تطبق دعوتهم أهل الأرض، ومعنى تسمية الأخرى بالظل‏:‏ أن الأرض كما أنها لا تخلو من الظل فكذلك بنو العباس لا تخلو الأرض من قائم منهم‏.‏ وأقبل الناس إلى أبي مسلم من كل جانب، وكثر جيشه‏.‏ ولما كان يوم عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلي بالناس، ونصب له منبراً، وأن يخالف في ذلك بني أمية، ويعمل بالسنة، فنودي للصلاة‏:‏ الصلاة جامعة، ولم يؤذن ولم يقم خلافاً لهم، وبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكبر ستاً في الأولى قبل القراءة لا أربعاً، وخمساً في الثانية لا ثلاثاً خلافاً لهم‏.‏ وابتدأ الخطبة بالذكر والتكبير وختمها بالقراءة، وانصرف الناس من صلاة العيد وقد أعدَّ لهم أبو مسلم طعاماً فوضعه بين يدي الناس، وكتب إلى نصر بن سيار كتاباً بدأ فيه بنفسه ثم قال‏:‏ إلى نصر بن سيار‏.‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ أما بعد فإن الله عيَّر أقواماً في كتابه فقال‏:‏ ‏( ‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ )‏ إلى قوله ‏( ‏تَحْوِيلاً )‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 42-43‏]‏‏.‏ فعظم على نصر أن قدَّم اسمه على اسمه، وأطال الفكر، وقال‏:‏ هذا كتاب له جواب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/34‏)‏ قال ابن جرير‏:‏ ثم بعث نصر بن سيار خيلاً عظيمةً لمحاربة أبي مسلم، وذلك بعد ظهوره بثمانية عشر شهراً، فأرسل أبو مسلم إليهم مالك بن الهيثم الخزاعي، فالتقوا فدعاهم مالك إلى الرضا عن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا ذلك فتصافَّوا من أول النهار إلى العصر، فجاء إلى مالك مدد فقوي فظفر بهم مالك، وكان هذا أول موقف اقتتل فيه جند بني العباس وجند بني أمية.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



وفاة عبد الله بن المبارك

التاريخ الهجري 181 هـ
أبو عبد الرحمن المروزي، كان أبوه تركياً مولى لرجل من التجار من بني حنظلة من أهل همذان، وكان ابن المبارك إذا قدمها أحسن إلى ولد مولاهم، وكانت أمه خوارزمية‏.‏ ولد لثمان عشرة ومائة‏.‏ وسمع‏:‏ إسماعيل بن خالد، والأعمش، وهشام بن عروة، وحميد الطويل، وغيرهم من أئمة التابعين‏.‏ وحدث عنه خلائق من الناس‏.‏ وكان موصوفاً بالحفظ والفقه والعربية والزهد والكرم والشجاعة والشعر، له التصانيف الحسان، والشعر الحسن المتضمن حكماً جمة، وكان كثير الغزو والحج، وكان له رأس مال نحو أربعمائة ألف يدور يتجر به في البلدان، فحيث اجتمع بعالم أحسن إليه، وكان يربو كسبه في كل سنة على مائة ألف ينفقها كلها في أهل العبادة والزهد والعلم، وربما أنفق من رأس ماله‏.‏ قال سفيان بن عيينة‏:‏ نظرت في أمره وأمر الصحابة فما رأيتهم يفضلون عليه إلا في صحبتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال إسماعيل بن عياش‏:‏ ما على وجه الأرض مثله، وما أعلم خصلة من الخير إلا وقد جعلها الله في ابن المبارك، ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يطعمهم الخبيص وهو الدهر صائم‏.‏ وقدم مرة الرقة وبها هارون الرشيد، فلما دخلها احتفل الناس به وازدحم الناس حوله، فأشرفت أم ولد للرشيد من قصر هناك فقالت‏:‏ ما للناس ‏؟‏ فقيل لها‏:‏ قدم رجل من علماء خراسان يقال له‏:‏ عبد الله بن المبارك فانجفل الناس إليه‏.‏ فقالت المرأة‏:‏ هذا هو الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي يجمع الناس عليه بالسوط والعصا والرغبة والرهبة‏.‏ وخرج مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت‏:‏ أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام، وكان أبونا له مال فظلم وأخذ ماله وقتل‏.‏ فأمر ابن المبارك برد الأحمال وقال لوكيله‏:‏ كم معك من النفقة ‏؟‏ قال‏:‏ ألف دينار‏.‏ فقال‏:‏ عدَّ منها عشرين ديناراً تكفينا إلى مرو وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/192‏)‏ وكان إذا عزم على الحج يقول لأصحابه‏:‏ من عزم منكم في هذا العام على الحج فليأتني بنفقته حتى أكون أنا أنفق عليه، فكان يأخذ منهم نفقاتهم ويكتب على كل صرة اسم صاحبها ويجمها في صندوق‏.‏ ثم يخرج بهم في أوسع ما يكون من النفقات والركوب، وحسن الخلق والتيسير عليهم، فإذا قضوا حجتهم فيقول لهم‏:‏ هل أوصاكم أهلوكم بهدية ‏؟‏ فيشتري لكل واحد منهم ما وصاه أهله من الهدايا المكية واليمنية وغيرها، فاذا جاؤوا إلى المدينة اشترى لهم منها الهدايا المدنية‏.‏ فإذا رجعوا إلى بلادهم بعث من أثناء الطريق إلى بيوتهم فأصلحت وبيضت أبوابها ورمم شعثها، فإذا وصلوا إلى البلد عمل وليمة بعد قدومهم ودعاهم فأكلوا وكساهم، ثم دعا بذلك الصندوق ففتحه وأخرج منه تلك الصرر ثم يقسم عليهم أن يأخذ كل واحد نفقته التي عليها اسمه، فيأخذونها وينصرفون إلى منازلهم وهم شاكرون ناشرون لواء الثناء الجميل‏.‏ وكانت سفرته تحمل على بعير وحدها، وفيها من أنواع المأكول من اللحم والدجاج والحلوى وغير ذلك، ثم يطعم الناس وهو الدهر صائم في الحر الشديد‏.‏ وسأله مرة سائل فأعطاه درهماً، فقال له بعض أصحابه‏:‏ إن هؤلاء يأكلون الشواء والفالودج، وقد كان يكفيه قطعة‏.‏ فقال‏:‏ والله ما ظننت أنه يأكل إلا البقل والخبز، فأما إذا كان يأكل الفالوذج والشواء فإنه لا يكفيه درهم‏.‏ ثم أمر بعض غلمانه فقال‏:‏ رده وادفع إليه عشرة دراهم‏.‏ وفضائله ومناقبه كثيرة جداً‏.‏ قال أبو عمر بن عبد البر‏:‏ أجمع العلماء على قبوله وجلالته وإمامته وعدله‏.‏ توفي عبد الله بن المبارك بهيت في هذه السنة في رمضانها عن ثلاث وستين سنة.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



الروم تنقض العهد

التاريخ الهجري 168 هـ
فيها في رمضان منها‏:‏ نقضت الروم ما بينهم وبين المسلمين من الصلح الذي عقده هارون الرشيد عن أمر أبيه المهدي، ولم يستمروا على الصلح إلا ثنتين وثلاثين شهراً، فبعث نائب الجزيرة خيلاً إلى الروم فقتلوا وأسروا وغنموا وسلموا.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



يزيد بن عمر بن هبيرة يقاتل الخوارج في الكوفة

التاريخ الهجري 129 هـ

فأشار سليمان بن هشام عليهم أن يرتحلوا عن الموصل، فإنه لم يكن يمكنهم الإقامة بها، ومروان من أمامهم وابن صبارة من ورائهم، وقد قطع عنهم الميرة حتى يجدوا شيئاً يأكلونه، فارتحلوا عنها وساروا على حلوان إلى الأهواز، فأرسل مروان ابن صبارة في آثارهم في ثلاثة ألف، فأتبعهم يقتل من تخلف منهم ويلحقهم في مواطن فيقاتلهم، ومازال وراءهم حتى فرق شملهم شذر مذر، وهلك أميرهم شيبان بن عبد العزيز اليشكري بالأهواز في السنة القابلة، قتله خالد بن مسعود بن جعفر بن خيلد الأزدي، وركب سليمان بن هشام في مواليه وأهل بيته السفن، وساروا إلى السند، ورجع مروان من الموصل فأقام بمنزله بحران وقد وجد سروراً بزوال الخوارج ولكن لم يتم سروره، بل أعقبه القدر من هو أقوى شوكة وأعظم اتباعاً، وأشد بأساً من الخوارج، وهو ظهور أبي مسلم الخرساني الداعية إلى دولة بني عباس‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/33).
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



دخول المعتصم بالله بغداد بعد توليه الخلافة

التاريخ الهجري 218 هـ
بويع له بالخلافة يوم مات أخوه المأمون بطرسوس يوم الخميس الثاني عشر من رجب من سنة ثماني عشرة ومائتين، وكان إذ ذاك مريضاً، وهو الذي صلى على أخيه المأمون، وقد سعى بعض الأمراء في ولاية العباس بن المأمون فخرج عليهم العباس فقال‏:‏ ما هذا الخلف البارد‏؟‏ أنا قد بايعت عمي المعتصم‏.‏ فسكن الناس وخمدت الفتنة وركب البرد بالبيعة للمعتصم إلى الآفاق، وبالتعزية بالمأمون‏.‏ فأمر المعتصم بهدم ما كان بناه المأمون في مدينة طوانة، ونقل ما كان حوِّل إليها من السلاح وغيره إلى حصون المسلمين، وأذن الفعلة بالانصراف إلى بلدانهم، ثم ركب المعتصم بالجنود قاصداً بغداد وصحبته العباس بن المأمون، فدخلها يوم السبت مستهل رمضان في أبهة عظيمة وتجمل تام‏.‏ وفيها‏:‏ دخل خلق كثير من أهل همذان وأصبهان وماسبذان ومهرجان في دين الخرَّمية، فتجمع منهم بشر كثير، فجهز إليهم المعتصم جيوشاً كثيرة آخرهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب في جيش عظيم، وعقد له على الجبال، فخرج في ذي القعدة وقرئ كتابه بالفتح يوم التروية، وأنه قهر الخرَّمية وقتل منهم خلقاً كثيراً، وهرب بقيتهم إلى بلاد الروم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/ 308‏)‏ وعلى يدي هذا جرت فتنة الإمام أحمد وضرب بين يديه كما سيأتي بسط ذلك في ترجمة أحمد في سنة إحدى وأربعين ومائتين.
 

ابنةُ اليمِّ

مدير عام قديرة سابقة و عضو شرف
عضو شرف
26 مايو 2009
25,394
1,156
0
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: *** أحداث رمضانية ***

التاريخ الهجري 222 هـ

جهز المعتصم جيشاً كثيراً مدداً للأفشين على محاربة بابك، وبعث إليه ثلاثين ألف ألف درهم نفقة للجند، فاقتتلوا قتالاً عظيماً، وافتتح الأفشين البذ مدينة بابك واستباح ما فيها، وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان‏.‏ وذلك بعد محاصرة وحروب هائلة وقتال شديد وجهد جهيد‏.‏ وقد أطال ابن جرير بسط ذلك جدا ً‏.‏ وحاصل الأمر أنه افتتح البلد وأخذ جميع ما فيه من الأموال مما قدر عليه.




الطريق لفتح عمورية على يد المعتصم
التاريخ الهجري 223 هـ




لما تفرغ المعتصم من بابك وقتله وأخذ بلاده استدعى بالجيوش إلى بين يديه وتجهز جهازاً لم يجهزه أحد كان قبله من الخلفاء، وأخذ معه من آلات الحرب والأحمال والجمال والقرب والدواب والنفط والخيل والبغال شيئاً لم يسمع بمثله‏.‏ وسار إلى عمورية في جحافل أمثال الجبال، وبعث الأفشين حيدر بن كاوس من ناحية سروج، وعبى جيوشه تعبئة لم يسمع بمثلها، وقدم بين يديه الأمراء المعروفين بالحرب، فانتهى في سيره إلى نهر اللسى وهو قريب من طرسوس، وذلك في رجب من هذه السنة‏.‏ وقد ركب ملك الروم في جيشه فقصد نحو المعتصم فتقاربا حتى كان بين الجيشين نحو من أربعة فراسخ، ودخل الأفشين بلاد الروم من ناحية أخرى، فجاؤوا في أثره وضاق ذرعه بسبب ذلك إن هو ناجز الخليفة جاءه الأفشين من خلفه فالتقيا عليه فيهلك، وإن اشتغل بأحدهما وترك الآخر أخذه من خلفه‏.‏ ثم اقترب منه الأفشين فسار إليه ملك الروم في شرذمة من جيشه واستخلف على بقية جيشه قريباً له فالتقيا هو والأفشين في يوم الخميس لخمس بقين من شعبان منها، فثبت الأفشين في ثاني الحال وقتل من الروم خلقاً وجرح آخرين، وتغلب على ملك الروم‏.‏ وبلغه أن بقية الجيش قد شردوا عن قرابته وذهبوا عنه وتفرقوا عليه فأسرع الأوبة فإذا نظام الجيش قد انحل، فغضب على قرابته وضرب عنقه وجاءت الأخبار بذلك كله إلى المعتصم فسره ذلك وركب من فوره وجاء إلى أنقره ووافاه الأفشين بمن معه إلى هناك، فوجدوا أهلها قد هربوا منه فتقووا منها بما وجدوا من طعام وغيره، ثم فرق المعتصم جيشه ثلاث فرق فالميمنة عليها الأفشين، والميسرة عليها أشناس، والمعتصم في القلب، وبين كل عسكرين فرسخان، وأمر كل أمير من الأفشين وأشناس أن يجعل لجيشه ميمنة وميسرة وقلباً ومقدمة وساقة، وأنهم مهما مروا عليه من القرى حرقوه وخربوه وأسروا وغنموا‏.‏ وسار بهم كذلك قاصداً إلى عمورية، وكان بينها وبين مدينة أنقره سبع مراحل، فأول من وصل إليها من الجيش أشناس أمير الميسرة ضحوة يوم الخميس لخمس خلون من رمضان من هذه السنة، فدار حولها دورة ثم نزل على ميلين منها، ثم قدم المعتصم صبيحة يوم الجمعة بعده، فدار حولها دورة ثم نزل قريباً منها، وقد تحصن أهلها تحصناً شديداً وملأوا أبراجها بالرجال والسلاح، وهي مدينة عظيمة كبيرة جداً ذات سور منيع وأبراج عالية كبار كثيرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/315‏)‏ وقسّم المعتصم الأبراج على الأمراء فنزل كل أمير تجاه الموضع الذي أقطعه وعينه له، ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشد إليه، أرشده إليه بعض من كان فيها من المسلمين‏.‏ وكان قد تنصر عندهم وتزوج منهم، فلما رأى أمير المؤمنين والمسلمين رجع إلى الإسلام وخرج إلى الخليفة فأسلم وأعلمه بمكان في السور كان قد هدمه السيل وبني بناء ضعيفاً بلا أساس‏.‏ فنصب المعتصم المجانيق حول عمورية فكان أول موضع انهدم من سورها ذلك الموضع الذي دلهم عليه ذلك الأسير، فبادر أهل البلد فسدوه بالخشب الكبار المتلاصقة فألح عليها المنجنيق فجعلوا فوقها البرادع ليردوا حدة الحجر فلم تغن شيئاً، و انهدم السور من ذلك الجانب وتفسخ‏.‏ فكتب نائب البلد إلى ملك الروم يعلمه بذلك، وبعث ذلك مع غلامين من قومهم فلما اجتازوا بالجيش في طريقهما أنكر المسلمين أمرهما فسألوهما‏:‏ ممن أنتما ‏؟‏ فقالا‏:‏ من أصحاب فلان - لأمير سموه من أمراء المسلمين -‏.‏ فحملا إلى المعتصم فقررهما فإذا معهما كتاب مناطس نائب عمورية إلى ملك الروم يعلمه بما حصل لهم من الحصار، وأنه عازم على الخروج من أبواب البلد بمن معه بغتة على المسلمين ومناجزهم القتال كائناً في ذلك ما كان‏.‏ فلما وقف المعتصم على ذلك أمر بالغلامين فخلع عليهما، وأن يعطى كل غلام منهما بدرة، فأسلما من فورهما فأمر الخليفة أن يطاف بهما حول البلد وعليهما الخلع، وأن يوقفا تحت حصن مناطس فينثر عليهما الدراهم والخلع، ومعهما الكتاب الذي كتب به مناطس إلى ملك الروم فجعلت الروم تلعنها وتسبهما‏.‏ ثم أمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتياط والاحتفاظ من خروج الروم بغتة، فضاقت الروم ذرعاً بذلك، وألح عليهم المسلمون في الحصار، وقد زاد المعتصم في المجانيق والدبابات وغير ذلك من آلات الحرب‏.‏ ولما رأى المعتصم عمق خندقها وارتفاع سورها، أعمل المجانيق في مقاومة السور، وكان قد غنم في الطريق غنماً كثيراً جداً ففرقها في الناس وأمر أن يأكل كل رجل رأساً ويجيء بملء جلده تراباً فيطرحه في الخندق، ففعل الناس ذلك فتساوى الخندق بوجه الأرض من كثرة ما طرح فيه من الأغنام، ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقاً ممهداً، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه فلم يحوج الله إلى ذلك‏.‏ وبينما الناس في الجسر المردوم إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب، فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدة عظيمة فظنها من لم يرها أن الروم قد خرجوا على المسلمين بغتة، فبعث المعتصم من نادى في الناس‏:‏ إنما ذلك سقوط السور‏.‏ ففرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً، لكن لم يكن ما هدم يسع الخيل والرجال إذا دخلوا‏.‏ وقوي الحصار وقد وكلت الروم بكل برج من أبراج السور أميراً يحفظه، فضعف ذلك الأمير الذي هدمت ناحيته من السور عن مقاومة ما يلقاه من الحصار، فذهب إلى مناطس فسأله نجدة فامتنع أحد من الروم أن ينجده وقالوا‏:‏ لا نترك ما نحن موكلون في حفظه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/ 316‏)‏ فلما يئس منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به‏.‏ فلما وصل إليه أمر المعتصم المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي قد خلت من المقاتلة، فركب المسلمون نحوها فجعلت الروم يشيرون إليهم ولا يقدرون على دفاعهم، فلم يلتفت إليهم المسلمون‏.‏ ثم تكاثروا عليهم ودخلوا البلد قهراً، وتتابع المسلمون إليها يكبرون، وتفرقت الروم عن أماكنها فجعل المسلمون يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم، وقد حشروهم في كنيسة لهم هائلة ففتحوها قسراً وقتلوا من فيها وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فاحترقت فأحرقوا عن آخرهم‏.‏ ولم يبق فيها موضع محصن سوى المكان الذي فيه النائب، وهو مناطس في حصن منيع، فركب المعتصم فرسه وجاء حتى وقف بحذاء الحصن الذي فيه مناطس فناداه المنادي‏:‏ ويحك يا مناطس ‏!‏ هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك‏.‏ فقالوا‏:‏ ليس بمناطس ههنا مرتين‏.‏ فغضب المعتصم من ذلك وولى فنادى مناطس‏:‏ هذا مناطس، هذا مناطس‏.‏ فرجع الخليفة ونصب السلالم على الحصن وطلعت الرسل إليه فقالوا له‏:‏ ويحك ‏!‏ انزل على حكم أمير المؤمنين‏.‏ فتمنع ثم نزل متقلداً سيفاً فوضع السيف في عنقه ثم جيء به حتى أوقف بين يدي المعتصم فضربه بالسوط على رأسه ثم أمر به أن يمشي إلى مضرب الخليفة مهاناً إلى الوطاق الذي فيه الخليفة نازل، فأوثق هناك‏.‏ وأخذ المسلمون من عمورية أموالاً لا تحد ولا توصف فحملوا منها ما أمكن حمله، وأمر المعتصم بإحراق ما بقي من ذلك، وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب لئلا يتقوى بها الروم على شيء من حرب المسلمين، ثم انصرف المعتصم راجعاً إلى ناحية طرسوس في آخر شوال من هذه السنة‏.‏ وكانت إقامته على عمورية خمسة وعشرين يوماً.









رمضان في فتنة الإمام أحمد بن حنبل


التاريخ الهجري 241 هـ



قد ذكرنا فيما تقدم أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله عز وجل‏.‏ قال البيهقي‏:‏ ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف ومنهاجهم، فلما ولي هو الخلافة اجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك وزينوا له، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين‏.‏ فلما وصل الكتاب كما ذكرنا استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجنديسابوري، فحملا على بعير وسيرا إلى الخليفة عن أمره بذلك، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد، فلما كانا ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الأعراب من عبادهم يقال له‏:‏ جابر بن عامر، فسلم على الإمام أحمد وقال له‏:‏ يا هذا ‏!‏ إنك وافد الناس فلا تكن شؤماً عليهم، وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميداً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/366‏)‏ قال أحمد‏:‏ وكان كلامه مما قوَّى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك الذي يدعونني إليه‏.‏ فلما اقتربا من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول‏:‏ يعزُّ عليَّ أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفاً لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف‏.‏ قال‏:‏ فجثى الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال‏:‏ سيدي غرَّ حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أولياءك بالضرب والقتل، اللهم فإن لم يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته‏.‏ قال‏:‏ فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل‏.‏ قال أحمد‏:‏ ففرحنا، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة، وقد انضم إليه أحمد بن أبي دؤاد، وأن الأمر شديد، فردونا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ونالني منهم أذىً كثير‏.‏ وكان في رجليه القيود، ومات صاحبه محمد بن نوح في الطريق وصلى عليه أحمد، فلما رجع أحمد إلى بغداد دخلها في رمضان، فأودع في السجن نحواً من ثمانية وعشرين شهراً، وقيل‏:‏ نيفاً وثلاثين شهراً، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم‏.‏ وقد كان أحمد وهو في السجن هو الذي يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه. ذكر ضربه رضي الله عنه بين يدي المعتصم لما أحضره المعتصم من السجن زاد في قيوده، قال أحمد‏:‏ فلم أستطع أن أمشي بها فربطتها في التكة وحملتها بيدي، ثم جاؤني بدابة فحملت عليها فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود، وليس معي أحد يمسكني، فسلم الله حتى جئنا دار المعتصم، فأدخلت في بيت وأغلق عليَّ وليس عندي سراج، فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا إناء فيه ماء فتوضأت منه، ثم قمت ولا أعرف القبلة، فلما أصبحت إذ أنا على القبلة و لله الحمد‏.‏ ثم دعيت فأدخلت على المعتصم، فلما نظر إلي وعنده ابن أبي دؤاد قال‏:‏ أليس قد زعمتم أنه حدث السن وهذا شيخ مكهل ‏؟‏ فلما دنوت منه وسلمت قال لي‏:‏ ادنه، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال‏:‏ اجلس ‏!‏ فجلست وقد أثقلني الحديد، فمكثت ساعة ثم قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين إلى م دعا إليه ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ قال‏:‏ إلى شهادة أن لا إله إلا الله‏.‏ قلت‏:‏ فإني أشهد أن لا إله إلا الله‏.‏ قال‏:‏ ثم ذكرت له حديث ابن عباس في وفد عبد القيس ثم قلت‏:‏ فهذا الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/367‏)‏ قال‏:‏ ثم تكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه، وذلك أني لم أتفقه كلامه، ثم قال المعتصم‏:‏ لولا أنك كنت في يد من قبلي لم أتعرض إليك‏.‏ ثم قال‏:‏ يا عبد الرحمن ‏!‏ ألم آمرك أن ترفع المحنة ‏؟‏ قال أحمد‏:‏ فقلت‏:‏ الله أكبر، هذا فرج المسلمين‏.‏ ثم قال ناظره‏:‏ يا عبد الرحمن، كلمه‏.‏ فقال لي عبد الرحمن‏:‏ ما تقول في القرآن‏؟‏ فلم أجبه‏.‏ فقال المعتصم‏:‏ أجبه‏.‏ فقلت‏:‏ ما تقول في العلم‏؟‏ فسكت‏.‏ فقلت‏:‏ القرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله‏.‏ فسكت‏.‏ فقالوا فيما بينهم‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ كفَّرك وكفَّرنا‏.‏ فلم يلتفت إلى ذلك‏.‏ فقال عبد الرحمن‏:‏ كان الله ولا قرآن‏.‏ فقلت‏:‏ كان الله ولا علم‏؟‏ فسكت‏.‏ فجعلوا يتكلمون من ههنا وههنا، فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به‏.‏ فقال ابن أبي دؤاد‏:‏ وأنت لا تقول إلا بهذا وهذا ‏؟‏ فقلت‏:‏ وهل يقوم الإسلام إلا بهما‏.‏ وجرت مناظرات طويلة، واحتجوا عليه بقوله‏:‏ ‏( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ‏ )‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 2‏]‏‏.‏ وبقوله‏:‏ ‏)‏ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ‏ )‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 16‏]‏‏.‏ وأجاب بما حاصله أنه عام مخصوص بقوله‏:‏ ‏( ‏تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا‏ )‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 25‏]‏‏.‏ فقال ابن أبي دؤاد‏:‏ هو والله يا أمير المؤمنين ضالٌ مضلٌ مبتدعٌ، وهنا قضاتك والفقهاء فسلهم‏.‏ فقال لهم‏:‏ ما تقولون ‏؟‏ فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دؤاد، ثم أحضروه في اليوم الثاني وناظروه أيضاً، ثم في اليوم الثالث، وفي ذلك كله يعلو صوته عليهم، وتغلب حجته حججهم‏.‏ قال‏:‏ فإذا سكتوا فتح الكلام عليهم ابن أبي دؤاد، وكان من أجهلهم بالعلم والكلام، وقد تنوعت بهم المسائل في المجادلة ولا علم لهم بالنقل، فجعلوا ينكرون الآثار ويردون الاحتجاج بها، وسمعت منهم مقالات لم أكن أظن أن أحداً يقولها، وقد تكلم معي ابن غوث بكلام طويل ذكر فيه الجسم وغيره بما لا فائدة فيه، فقلت‏:‏ لا أدري ما تقول، إلا أني أعلم أن الله أحد صمد، وليس كمثله شيء، فسكت عني‏.‏ وقد أوردت لهم حديث الرؤية في الدار الآخرة، فحاولوا أن يضعفوا إسناده ويلفقوا عن بعض المحدثين كلاماً يتسلقون به إلى الطعن فيه، وهيهات، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ‏؟‏ وفي غبون ذلك كله يتلطف به الخليفة ويقول‏:‏ يا أحمد ‏!‏ أجبني إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي وممن يطأ بساطي‏.‏ فأقول‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ يأتوني بآية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجيبهم إليها‏.‏ واحتج أحمد عليهم حين أنكروا الآثار بقوله تعالى‏: (‏ ‏يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً‏ )‏ ‏[‏مريم‏:‏ 42‏]‏‏.‏ وبقوله‏: (‏ ‏‏وكلم الله موسى تكليماً‏ )‏ ‏[‏النساء‏:‏ 164‏]‏‏.‏ وبقوله‏:‏ ‏)‏ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي‏ )‏ ‏[‏طه‏:‏ 14‏]‏‏.‏ وبقوله‏:‏ ‏( ‏إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ )‏ ‏[‏النحل‏:‏ 40‏]‏‏.‏ ونحو ذلك من الآيات‏.‏ فلما لم يقم لهم معه حجة عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة، فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ هذا كافر ضال مضل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/368‏)‏ وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين‏.‏ فعند ذلك حمي واشتد غضبه، وكان ألينهم عريكة، وهو يظن أنهم على شيء‏.‏ قال أحمد‏:‏ فعند ذلك قال لي‏:‏ لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني‏.‏ ثم قال‏:‏ خذوه واخلعوه واسحبوه‏.‏ قال أحمد‏:‏ فأخذت وسحبت وخلعت وجيء بالعاقبين والسياط وأنا أنظر، وكان معي شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مصرورة في ثوبي، فجردوني منه وصرت بين العقابين‏.‏ فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ الله الله، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث‏)‏‏)‏‏.‏ وتلوت الحديث‏.‏ وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم‏)‏‏)‏‏:‏ فبم تستحل دمي، ولم آت شيئاً من هذا‏؟‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ اذكر وقوفك بين الله كوقوفي بين يديك، فكأنه أمسك‏.‏ ثم يزالوا يقولون له‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ إنه ضال مضل كافر‏.‏ فأمر بي فقمت بين العقابين وجيء بكرسي فأقمت عليه، وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم، فتخلعت يداي وجيء بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له - يعني المعتصم -‏:‏ شد قطع الله يديك‏.‏ ويجيء الآخر فيضربني سوطين، ثم الآخر كذلك فضربني أسواطاً فأغمي عليَّ وذهب عقلي مراراً، فإذا سكن الضرب يعود عليَّ عقلي، وقام المعتصم إلي يدعوني إلى قولهم فلم أجبه، وجعلوا يقولون‏:‏ ويحك‏!‏ الخليفة على رأسك، فلم أقبل وأعادوا الضرب ثم عاد إلي فلم أجبه، فأعادوا الضرب ثم جاء إلي الثالثة، فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب وأرعبه ذلك من أمري وأمر بي فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجلي، وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين، ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله، وكان جملة ما ضرب نيفاً وثلاثين سوطاً، وقيل‏:‏ ثمانين سوطاً، لكن كان ضرباً مبرحاً شديداً جداً‏.‏ وقد كان الإمام أحمد رجلاً رقيقاً أسمر اللون، كثير التواضع، رحمه الله‏.‏ ولما حمل من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائم، أتوه بسويق ليفطر من الضعف فامتنع من ذلك وأتم صومه، وحين حضرت صلاة الظهر صلى معهم فقال له ابن سماعة القاضي‏:‏ وصليت في دمك ‏!‏ فقال له أحمد‏:‏ قد صلى عمر وجرحه يثعب دماً، فسكت‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/369‏)‏ ويروى أنه لما أقيم ليضرب انقطعت تكة سراويله فخشي أن يسقط سراويله فتكشف عورته فحرك شفتيه فدعا لله فعاد سراويله كما كان‏.‏ ويروى أنه قال‏:‏ يا غياث المستغيثين، يا إله العالمين، إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة‏.‏ ولما رجع إلى منزله جاءه الجرايحي فقطع لحماً ميتاً من جسده وجعل يداويه والنائب في كل وقت يسأل عنه، وذلك أن المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندماً كثيراً، وجعل يسأل النائب عنه والنائب يستعلم خبره، فلما عوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك، ولما شفاه الله بالعافية بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد، وجعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 22‏]‏ الآية‏.‏ ويقول‏:‏ ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك‏؟‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏(‏ فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين‏ ‏‏)‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 40‏]‏‏.‏ وينادي المنادي يوم القيامة‏:‏ ‏(‏‏(‏ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا‏)‏‏)‏، وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ثلاث أقسم عليهن‏:‏ ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه الله‏)‏‏)‏‏.‏ وكان الذين ثبتوا على الفتنة فلم يجيبوا بالكلية أربعة‏:‏ أحمد بن حنبل وهو رئيسهم، ومحمد بن نوح بن ميمون الجنديسابوري ومات في الطريق، ونعيم بن حماد الخزاعي، وقد مات في السجن، وأبو يعقوب البويطي، وقد مات في سجن الواثق على القول بخلق القرآن، وكان مثقلاً بالحديد، وأحمد بن نصر الخزاعي وقد ذكرنا كيفية مقتله‏.‏ ثناء الأئمة على الإمام أحمد بن حنبل قال البخاري‏:‏ لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول‏:‏ لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة‏.‏ وقال إسماعيل بن الخليل‏:‏ لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان نبياً‏.‏ وقال المزني‏:‏ أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم الجمل وصفين‏.‏ وقال حرملة‏:‏ سمعت الشافعي يقول‏:‏ خرجت من العراق فما تركت رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل‏.‏ وقال شيخ أحمد يحيى بن سعيد القطان‏:‏ ما قدم على بغداد أحد أحب إلي من أحمد بن حنبل‏.‏ وقال قتيبة‏:‏ مات سفيان الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع‏.‏ وقال‏:‏ إن أحمد بن حنبل قام في الأمة مقام النبوة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/370‏)‏ قال البيهقي‏:‏ - يعني في صبره على ما أصابه من الأذى في ذات الله -‏.‏ - وقال أبو عمر بن النحاس - وذكر أحمد يوماً - فقال‏:‏ رحمه الله في الدين ما كان أبصره، وعن الدنيا ما كان أصبره، وفي الزهد ما كان أخبره، وبالصالحين ما كان ألحقه، وبالماضين ما كان أشبهه، عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها‏.‏ وقال بشر الحافي بعد ما ضرب أحمد بن حنبل‏:‏ أدخل أحمد الكير فخرج ذهباً أحمر‏.‏ وقال الميموني‏:‏ قال لي علي بن المديني بعد ما امتحن أحمد، وقيل‏:‏ قبل أن يمتحن‏:‏ يا ميمون ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل‏.‏ فعجبت من هذا عجباً شديداً وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام فحكيت له مقالة علي بن المديني فقال‏:‏ صدق ‏!‏ إن أبا بكر وجد يوم الردة أنصاراً وأعواناً، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان‏.‏ ثم أخذ أبو عبيد يطري أحمد ويقول‏:‏ لست أعلم في الإسلام مثله‏.‏ وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه‏.‏ وقال علي بن المديني‏:‏ إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله عز وجل، ثم قال‏:‏ ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله ‏؟‏ وقال يحيى بن معين‏:‏ كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط‏:‏ كان محدثاً، وكان حافظاً، وكان عالماً، وكان ورعاً، وكان زاهداً، وكان عاقلاً‏.‏ وقال يحيى بن معين أيضاً‏:‏ أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقه‏.‏ وقال الذهلي‏:‏ اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله‏.‏ وقال هلال بن المعلى الرقي‏:‏ منَّ الله على هذه الأمة بأربعة‏:‏ بالشافعي فهم الأحاديث وفسرها، وبين مجملها من مفصلها، والخاص والعام، والناسخ والمنسوخ‏.‏ وبأبي عبيد بين غريبها‏.‏ وبيحيى بن معين نفى الكذب عن الأحاديث‏.‏ وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، لولا هؤلاء الأربعة لهلك الناس‏.‏ وقال أبو بكر بن أبي داود‏:‏ أحمد بن حنبل مقدم على كل من يحمل بيده قلماً ومحبرة - يعني‏:‏ في عصره -‏.‏ وقال أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء‏:‏ ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ولا رأيت من رأى مثله‏.‏ وقال أبو زرعة الرازي‏:‏ ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه‏.‏ وروى البيهقي، عن الحاكم، عن يحيى بن محمد العنبري قال‏:‏ أنشدنا أبو عبد الله البوسندي في أحمد بن حنبل رحمه الله‏:‏ إن ابن حنبل إن سألت إمامنا وبه الأئمة في الأنام تمسكوا خلف النبي محمداً بعد الألى خلفوا الخلائف بعده واستهلكوا حذو الشراك على الشراك وإنما يحذو المثال مثاله المستمسك وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/371‏)‏ وروى البيهقي، عن أبي سعيد الماليني، عن ابن عدي، عن أبي القاسم البغوي، عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن بقية بن الوليد، عن معاذ بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري‏.‏ ح‏.‏ قال البغوي‏:‏ وحدثني زياد بن أيوب، حدثنا مبشر، عن معاذ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري‏.‏ ح‏.‏ قال البغوي‏:‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين‏)‏‏)‏‏.‏ وهذا الحديث مرسل، وإسناده فيه ضعف، والعجب أن ابن عبد البر صححه، واحتج به على عدالة كل من حمل
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: *** أحداث رمضانية عبر الأزمان ***

الإمام محمد بن إسماعيل البخاري
التاريخ الهجري 265 هـ

صاحب الصحيح، وقد ذكرنا له ترجمة حافلة في أول شرحنا لصحيحه، ولنذكر هاهنا نبذة يسيرة من ذلك فنقول‏:‏ هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن يزدزبه الجعفي مولاهم أبو عبد الله البخاري الحافظ، إمام أهل الحديث في زمانه، والمقتدى به في أوانه، والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه، وكتابه الصحيح يستقى بقراءته الغمام، وأجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه، وكذلك سائر أهل الإسلام، ولد البخاري - رحمه الله - في ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ومات أبوه وهو صغير فنشأ في حجر أمه فألهمه الله حفظ الحديث وهو في المكتب، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشر سنة حتى قيل‏:‏ إنه كان يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سرداً، وحج وعمره ثماني عشرة سنة‏.‏ فأقام بمكة يطلب بها الحديث، ثم رحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها، ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 31‏)‏ وكتب عن أكثر من ألف شيخ‏.‏ وروى عنه خلائق وأمم‏.‏ وقد روى الخطيب البغدادي عن الفربري أنه قال‏:‏ سمع الصحيح من البخاري معي نحو من سبعين ألفاً لم يبق منهم أحد غيري‏.‏ وقد روى البخاري من طريق الفربري كما هي رواية الناس اليوم من طريقه، وحماد بن شاكر وإبراهيم بن معقل وطاهر بن مخلد‏.‏ وآخر من حدث عنه أبو طلحة منصور بن محمد بن علي البردي النسفي؛ وقد توفي النسفي هذا في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة‏.‏ ووثقه الأمير أبو نصر بن ماكولا‏.‏ وممن روى عن البخاري مسلم في غير الصحيح، وكان مسلم يتلمذ له ويعظمه، وروى عنه الترمذي في جامعه، والنسائي في سننه في قول بعضهم‏.‏ وقد دخل بغداد ثمان مرات، وفي كل منها يجتمع بالإمام أحمد، فيحثه أحمد على المقام ببغداد ويلومه على الإقامة بخراسان‏.‏ وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج، ويكتب الفائدة تمر بخاطرة ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى حتى كان يتعدد منه ذلك قريباً من عشرين مرة‏.‏ وقد كان أصيب بصره وهو صغير فرأت أمه إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام - فقال‏:‏ يا هذه قد رد الله على ولدك بصره بكثرة دعائك، أو قال‏:‏ بكائك، فأصبح وهو بصير‏.‏ وقال البخاري‏:‏ فكرت البارحة فإذا أنا قد كتبت لي مصنفات نحواً من مائتي ألف حديث مسندة‏.‏ وكان يحفظها كلها‏.‏ ودخل مرة إلى سمرقند فاجتمع بأربعمائة من علماء الحديث بها، فركبوا أسانيد وأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وخلطوا الرجال في الأسانيد وجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها، ثم قرؤوها على البخاري فرد كل حديث إلى إسناده، وقوم تلك الأحاديث والأسانيد كلها، وما تعنتوا عليه فيها، ولم يقدروا أن يعلفوا عليه سقطة في إسناد ولا متن‏.‏ وكذلك صنع في بغداد‏.‏ وقد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب مرة واحدة فيحفظه من نظرة واحدة‏.‏ والأخبار عنه في ذلك كثيرة‏.‏ وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه‏.‏ فقال الإمام أحمد‏:‏ ما أخرجت خراسان مثله‏.‏ وقال علي بن المديني‏:‏ لم ير البخاري مثل نفسه‏.‏ وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ لو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه في الحديث ومعرفته وفقهه‏.‏ وقال أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير‏:‏ ما رأينا مثله‏.‏ وقال علي بن حجر‏:‏ لا أعلم مثله‏.‏ وقال محمود بن النظر بن سهل الشافعي‏:‏ دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها، كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري فضلوه على أنفسهم‏.‏ وقال أبو العباس الدعولي‏:‏ كتب أهل بغداد إلى البخاري‏:‏ المسلمون بخير ما حييت لهم وليس بعدك خير حين تفتقد وقال الفلاس‏:‏ كل حديث لا يعرفه البخاري فليس بحديث‏.‏ وقال أبو نعيم أحمد بن حماد‏:‏ هو فقيه هذه الأمة‏.‏ وكذا قال يعقوب بن إبراهيم الدورقي‏.‏ ومنهم من فضله في الفقه والحديث على الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه‏.‏ وقال قتيبة بن سعيد‏:‏ رحل إلي من شرق الأرض وغر بها خلق، فما رحل إلى مثل محمد بن إسماعيل البخاري‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/32‏)‏ وقال مرجى بن رجاء‏:‏ فضل البخاري على العلماء كفضل الرجال على النساء - يعني في زمانه - وأما قبل زمانه مثل قرب الصحابة والتابعين فلا‏.‏ وقال‏:‏ هو آية من آيات الله تمشي على الأرض‏.‏ وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي‏:‏ محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا وأعلمنا وأغوصنا وأكثرنا طلباً‏.‏ وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ هو أبصر مني‏.‏ وقال أبو حاتم الرازي‏:‏ محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق‏.‏ وقال عبد الله العجلي‏:‏ رأيت أبا حاتم وأبا زرعة يجلسان إليه يسمعان ما يقول، ولم يكن مسلم يبلغه، وكان أعلم من محمد بن يحيى الذهلي بكذا وكذا، وكان حيياً فاضلاً يحسن كل شيء‏.‏ وقال غيره‏:‏ رأيت محمد بن يحيى الذهلي يسأل البخاري عن الأسامي والكنى والعلل، وهو يمر فيه كالسهم، كأنه يقرأ قل هو الله أحد‏.‏ وقال أحمد بن حمدون القصار‏:‏ رأيت مسلم بن الحجاج جاء إلى البخاري فقبل بن عينيه وقال‏:‏ دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، ثم سأله عن حديث كفارة المجلس فذكر له علته فلما فرغ قال مسلم‏:‏ لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ لم أر بالعراق ولا في خراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من البخاري، وكنا يوما عند عبد الله بن منير فقال للبخاري‏:‏ جعلك الله زين هذه الأمة‏.‏ قال الترمذي‏:‏ فاستجيب له فيه‏.‏ وقال ابن خزيمة‏:‏ ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري‏.‏ ولو استقصينا ثناء العلماء عليه في حفظه وإتقانه وعلمه وفقهه وورعه وزهده وعبادته لطال علينا، ونحن على عجل من أجل الحوادث والله سبحانه المستعان‏.‏ وقد كان البخاري - رحمه الله - في غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد في الدنيا دار الفناء، والرغبة في الآخرة دار البقاء‏.‏ وقال البخاري‏:‏ إني لأرجو أن ألقى الله ليس أحد يطالبني أني اغتبته‏.‏ فذكر له التاريخ وما ذكر فيه من الجرح والتعديل وغير ذلك‏.‏ فقال‏:‏ ليس هذا من هذا‏.‏ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -‏:‏ ‏(‏‏(‏إيذنوا له فلبئس أخو العشيرة‏)‏‏)‏‏.‏ ونحن إنما روينا ذلك رواية ولم نقله من عند أنفسنا‏.‏ وقد كان - رحمه الله - يصلي في كل ليلة ثلاث عشرة ركعة، وكان يختم القرآن في كل ليلة رمضان ختمة، وكانت له جدة ومال جيد ينفق منه سراً وجهراً، وكان يكثر الصدقة بالليل والنهار، وكان مستجاب الدعوة مسدد الرمية شريف النفس، بعث إليه بعض السلاطين ليأتيه حتى يسمع أولاده عليه فأرسل إليه‏:‏ في بيته العلم والحلم يؤتى - يعني إن كنتم تريدون ذلك فهلموا إلي - وأبى أن يذهب إليهم‏.‏ والسلطان خالد بن أحمد الذهلي نائب الظاهرية ببخارى، فبقي في نفس الأمير من ذلك، فاتفق أن جاء كتاب من محمد بن يحيى الذهلي بأن البخاري يقول لفظه بالقرآن مخلوق - وكان وقد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلام وصنف البخاري في ذلك كتاب أفعال العباد - فأراد أن يصرف الناس عن السماع من البخاري، وقد كان الناس يعظمونه جداً، وحين رجع إليهم نثروا على رأسه الذهب والفضة يوم دخل بخارى عائداً إلى أهله، ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 33‏)‏ وكان له مجلس يجلس فيه للإملاء بجامعها فلم يقبلوا من الأمير، فأمر عند ذلك بنفيه من تلك البلاد، فخرج منها ودعا على خالد بن أحمد، فلم يمض شهر حتى أمر ابن طاهر بأن ينادى على خالد بن أحمد على أتان، وزال ملكه وسجن في بغداد حتى مات، ولم يبق أحد يساعده على ذلك إلا ابتلي ببلاء شديد، فنزح البخاري من بلده إلى بلدة يقال لها‏:‏ خرتنك على فرسخين من سمرقند، فنزل عند أقارب له بها وجعل يدعو الله أن يقبضه إليه حين رأى الفتن في الدين، لما جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏‏(‏وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين‏)‏‏)‏‏.‏ ثم اتفق مرضه على إثر ذلك‏.‏ فكانت وفاته ليلة عيد الفطر - وكان ليلة السبت - عند صلاة العشاء وصلى عليه يوم العيد بعد الظهر من هذه السنة - أعنى سنة ست وخمسين ومائتين - وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، وفق ما أوصى به، وحين ما دفن فاحت من قبره رائحة غالية أطيب من ريح المسك، ثم دام ذلك أياماً، ثم جعلت ترى سواري بيض بحذاء قبره‏.‏ وكان عمره يوم مات ثنتين وستين سنة‏.‏ وقد ترك - رحمه الله - بعده علماً نافعاً لجميع المسلمين، فعلمه لم ينقطع بل هو موصول بما أسداه من الصالحات في الحياة، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، علم ينتفع به‏)‏‏)‏‏.‏ الحديث رواه مسلم وشرطه في صحيحه هذا أعز من شرط كل كتاب، صنف في الصحيح لا يوازيه فيه غيره، لا صحيح مسلم ولا غيره‏.‏ وما أحسن ما قال بعض الفصحاء من الشعراء‏:‏ صحيح البخاري لو أنصفوه لما خط إلا بماء الذهب هو الفرق بين الهدى والعمى هو السد بين الفتى والعطب أسانيد مثل نجوم السماء أمام متون لها كالشهب بها قام ميزان دين الرسول ودان به العجم بعد العرب حجاب من النار لا شك فيه يميز بين الرضى والغضب وستر رقيق إلى المصطفى ونص مبين لكشف الريب فيا عالماً أجمع العالمو ن على فضل رتبته في الرتب سبق الأئمة فيما جمعت وفزت على زعمهم بالقصب نفيت الضعف من الناقل ين ومن كان متهماً بالكذب وأبرزت في حسن ترتيبه وتبويبه عجباً للعجب فأعطاك مولاك ما تشتهيه وأجزل حظك فيما وهب
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....

أحمد بن يوسف بن دوست
التاريخ الهجري 407 هـ

أبو عبد الله البزار، أحد حفاظ الحديث، وأحد الفقهاء على مذهب مالك، كان يذكر بحضرة الدارقطني ويتكلم على علم الحديث، فيقال‏:‏ إن الدارقطني تكلم فيه لذلك السبب، وقد تكلم في غيره بما لا يقدح فيه كبير شيء‏.‏ قال الأزهري‏:‏ رأيت كتبه طرية، وكان يذكر أن أصوله العتق غرقت، وقد أملى الحديث من حفظه، والمخلص وابن شاهين حيّان موجودان‏.‏ توفي في رمضان، عن أربع وثمانين سنة.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....

أبو علي بن سينا
التاريخ الهجري
428 هـ
الطبيب الفيلسوف، الحسين بن عبد الله بن سينا الرئيس، كان بارعاً في الطب في زمانه، كان أبوه من أهل بلخ، وانتقل إلى بخارى، واشتغل بها فقرأ القرآن وأتقنه، وهو ابن عشر سنين، وأتقن الحساب والجبر والمقابلة وإقليدس والمجسطي، ثم اشتغل على أبي عبد الله الناتلي الحكيم، فبرع فيه وفاق أهل زمانه في ذلك، وتردد الناس إليه واشتغلوا عليه، وهو ابن ست عشرة سنة، وعالج بعض الملوك السامانية، وهو الأمير نوح بن نصر، فأعطاه جائزة سنية، وحكمه في خزانة كتبه، فرأى فيها من العجائب والمحاسن ما لا يوجد في غيرها، فيقال‏:‏ إنه عزا بعض تلك الكتب إلى نفسه‏.‏ وله في الإلهيات والطبيعات كتب كثيرة‏.‏ قال ابن خلكان‏:‏ له نحو من مائة مصنف، صغار وكبار، منها‏:‏ ‏(‏القانون‏)‏، و‏(‏الشفا‏)‏، و‏(‏النجاة‏)‏، و‏(‏الإشارات‏)‏، و‏(‏سلامان‏)‏، و‏(‏إنسان‏)‏، و‏(‏حي بن يقظان‏)‏ وغير ذلك‏.‏ قال‏:‏ وكان من فلاسفة الإسلام، أورد له من الأشعار قصيدته في نفسه التي يقول فيها‏:‏ هبطت إليك من المقام الأرفع * ورقاء ذات تعزز وتمنع محجوبة عن كل مقلة عارف * وهي التي سفرت ولم تتبرقع وصلت على كره إليك وربما * كرهت فراقك وهي ذات تفجع وهي قصيدة طويلة وله‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/54‏)‏ اجعل غذاءك كل يوم مرة * واحذر طعاماً قبل هضم طعام واحفظ منيك ما استطعت فإنه * ماء الحياة يراق في الأرحام وذكر أنه مات بالقولنج في همذان، وقيل‏:‏ بأصبهان، والأول أصح، يوم الجمعة في شهر رمضان منها، عن ثمان وخمسين سنة‏.‏ قلت‏:‏ قد حصر الغزالي كلامه في ‏(‏مقاصد الفلاسفة‏)‏، ثم رد عليه في ‏(‏تهافت الفلاسفة‏)‏ في عشرين مجلساً له، كفره في ثلاث منها، وهي قوله‏:‏ بقدم العالم، وعدم المعاد الجثماني، وإن الله لا يعلم الجزئيات، وبدعه في البواقي، ويقال‏:‏ إنه تاب عند الموت فالله أعلم.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....

العمودان في صحن الجامع الأموي‏
التاريخ الهجري 441 هـ

كان ابتداء عمارة جامع دمشق في أواخر سنة ست وثمانين، هدمت الكنيسة التي كانت موضعه في ذي القعدة منها، فلما فرغوا من الهدم شرعوا في البناء، وتكامل في عشر سنين، فكان الفراغ منه في هذه السنة - أعني سنة ست وتسعين - وفيها توفي بانيه الوليد بن عبد الملك، وقد بقيت فيه بقايا فكملها أخوه سليمان كما ذكرنا‏.‏ فأما قول يعقوب بن سفيان‏:‏ سألت هشام بن عمار عن قصة مسجد دمشق وهذه الكنيسة قال‏:‏ كان الوليد قال للنصارى‏:‏ ما شئتم أنا أخذنا كنيسة توما عنوة وكنيسة الداخلة صلحاً، فأنا أهدم كنيسة توما - قال هشام وتلك أكبر من هذه الداخلة - قال فرضوا أن يهدم كنيسة الداخلة وأدخلها في المسجد، قال‏:‏ وكان بابها قبلة المسجد اليوم، وهو المحراب الذي يصلى فيه‏.‏ قال‏:‏ وهدم الكنيسة في أول خلافة الوليد سنة ست وثمانين، ومكثوا في بنائها سبع سنين حتى مات الوليد ولم يتم بناءه، فأتمه هشام من بعده ففيه فوائد وفيه غلط، وهو قوله إنهم مكثوا في بنائه سبع سنين، والصواب عشر سنين، فإنه لا خلاف أن الوليد بن عبد الملك توفي في هذه السنة - أعني سنة ست وتسعين - وقد حكى أبو جعفر بن جرير على ذلك إجماع أهل السير، والذي أتم ما بقي من بنائه أخوه سليمان لا هشام، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏ قلت‏:‏ نقل من خط ابن عساكر وقد تقدم، وقد جددت فيه بعد ذلك أشياء، منها القباب الثلاث التي في صحنه‏.‏ وقد تقدم ذكرها‏.‏ وقيل إن القبة الشرقية عمرت في أيام المستنصر العبيدي في سنة خمسين وأربعمائة وكتب عليه اسمه واسم الاثني عشر الذين تزعم الرافضة أنهم أئمتهم، وأما العمودان الموضوعان في صحنه فجعلا للتنوير ليالي الجمع، وصنعا في رمضان سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، بأمر قاضي البلد أبي محمد‏.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
وفاة الملك أبو طالب
التاريخ الهجري 455 هـ

محمد بن ميكائيل بن سلجوق طغرلبك، كان أول ملوك السلاجقة، وكان خيراً مصلياً، محافظاً على الصلاة في أول وقتها، يديم صيام الاثنين والخميس، حليماً عمن أساء إليه، كتوماً للأسرار، سعيداً في حركاته، ملك في أيام مسعود بن محمود عامة بلاد خراسان، واستناب أخاه داود وأخاه لأمه إبراهيم بن ينال، وأولاد إخوته، على كثير من البلاد، ثم استدعاه الخليفة إلى ملك بغداد كما تقدم ذلك كله مبسوطاً‏.‏ توفي في ثامن رمضان من هذه السنة، وله من العمر سبعون سنة، وكان له في الملك ثلاثون سنة، منها في ملك العراق ثمان سنين إلا ثمانية عشر يوماً.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
ابن حزم الظاهري
التاريخ الهجري 456 هـ

هو الإمام الحافظ العلامة، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معد بن سفيان بن يزيد، مولى يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي، أصل جده من فارس، أسلم وخلف المذكور، وهو أول من دخل بلاد المغرب منهم، وكانت بلدهم قرطبة، فولد ابن حزم هذا بها في سلخ رمضان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، فقرأ القرآن واشتغل بالعلوم النافعة الشرعية، وبرز فيها وفاق أهل زمانه، وصنف الكتب المشهورة، يقال‏:‏ إنه صنف أربعمائة مجلد في قريب من ثمانين ألف ورقة‏.‏ وكان أديباً طبيباً شاعراً فصيحاً، له في الطب والمنطق كتب، وكان من بيت وزارة ورياسة، ووجاهة ومال وثروة، وكان مصاحباً للشيخ أبي عمر بن عبد البر النمري، وكان مناوئاً للشيخ أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وقد جرت بينهما مناظرات يطول ذكرها، وكان ابن حزم كثير الوقيعة في العلماء بلسانه وقلمه، فأورثه ذلك حقداً في قلوب أهل زمانه، ومازالوا به حتى بغضوه إلى ملوكهم، فطردوه عن بلاده، حتى كانت وفاته في قرية له في شعبان من هذه السنة وقد جاوز التسعين‏.‏ والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهرياً حائراً في الفروع، لا يقول بشيء من القياس لا الجلي ولا غيره، وهذا الذي وضعه عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيراً في نظره وتصرفه، وكان مع هذا من أشد الناس تأويلاً في باب الأصول، وآيات الصفات، وأحاديث الصفات، لأنه كان أولاً قد تضلع من علم المنطق، أخذه عن محمد بن الحسن المذحجي الكناني القرطبي، ذكره ابن ماكولا وابن خلكان، ففسد بذلك حاله في باب الصفات.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....


القاضي أبو يعلى بن الفرا الحنبلي
التاريخ الهجري 458 هـ

محمد بن الحسن بن محمد بن خلف بن أحمد الفرا القاضي، أبو يعلى شيخ الحنابلة، وممهد مذهبهم في الفروع، ولد في محرم سنة ثمانين وثلاثمائة، وسمع الحديث الكثير، وحدث عن ابن حبابة‏.‏ قال ابن الجوزي‏:‏ وكان من سادات العلماء الثقات، وشهد عند ابن ماكولا وابن الدامغاني فقبلاه، وتولى النظر في الحكم بحريم الخلافة، وكان إماماً في الفقه، له التصانيف الحسان الكثيرة في مذهب أحمد، ودرس وأفتى سنين، وانتهت إليه رياسة المذهب، وانتشرت تصانيفه وأصحابه‏.‏ وجمع الإمامة والفقه والصدق، وحسن الخلق، والتعبد والتقشف والخشوع، وحسن السمت والصمت عما لا يعني، توفي في العشرين من رمضان منها عن ثمان وسبعين سنة، واجتمع في جنازته القضاة والأعيان، وكان يوماً حاراً، فأفطر بعض من اتبع جنازته‏.‏ وترك من البنين عبيد الله أبا القاسم، وأبا الحسين، وأبا حازم، ورآه بعضهم في المنام فقال‏:‏ ما فعل الله بك ‏؟‏ فقال‏:‏ رحمني وغفر لي وأكرمني، ورفع منزلتي، وجعل يعد ذلك بأصبعه‏.‏ فقال‏:‏ بالعلم ‏؟‏ فقال‏:‏ بل بالصدق.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
وفاة ابن الخياط الشاعر الدمشقي
التاريخ الهجري 517 هـ

ابن علي بن صدقة، التغلبي، المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقي، الكاتب، له ديوان شعر مشهور‏.‏ قال ابن عساكر‏:‏ خُتم به شعر الشعراء بدمشق، شعره جيد حسن، وكان مكثراً لحفظ الأشعار المتقدمة وأخبارهم، وأورد له ابن خلكان قطعة جيدة من شعره من قصيدته التي لو لم يكن له سواها لكفته وهي التي يقول فيها‏:‏ خذا من صبا نجد أماناً لقلبه فقد كاد رياها يطير بلبه وإياكما ذاك النسيم فإنه متى هب كان الوجد أيسر خطبه خليليّ، لو أحببتما لعلمتما محل الهوى من مغرم القلب صبه أتذكر والذكرى تشوق وذو الهوى يتوق ومن يعلق به الحب يصبه غرام على يأس الهوى ورجائه وشوق على بعد المزار وقربه وفي الركب مطويَّ الضلوع على جوىً متى يدعه داعي الغرام يلبه إذا خطرت من جانب الرمل نفحة تضمن منها داؤه دون صحبه ومحتجب بين الأسنة معرض وفي القلب من أعراضه مثل حجبه أغار إذا آنست في الحي أنة حذاراً وخوفاً أن تكون لحبه توفي في رمضان منها عن سبع وتسعين سنة بدمشق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/240).
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: *** أحداث رمضانية ***

وفاة صاحب كتاب الأمثال
التاريخ الهجري 518 هـ

ابن إبراهيم أبو الفضل الميداني، صاحب كتاب ‏(‏الأمثال‏)‏، ليس له مثله في بابه، له شعر جيد، توفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين من رمضان، والله سبحانه أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/241).
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
محمد بن عبد الله
التاريخ الهجري 530 هـ

ابن أحمد بن حبيب، أبو بكر العامري، المعروف بابن الخباز، سمع الحديث وكان يعظ الناس على طريق التصوف، وكان ابن الجوزي فيمن تأدب به، وقد أثنى عليه وأنشد عنه من شعره‏:‏ كيف احتيالي وهذا في الهوى حالي والشوق أملك لي من عذل عذالي وكيف أشكو وفي حبي له شغل يحول بين مهماتي وأشغالي وكانت له معرفة بالفقه والحديث، وقد شرح كتاب ‏(‏الشهاب‏)‏، وقد ابتنى رباطاً، وكان عنده فيه جماعة من المتعبدين والزهاد، ولما احتضر أوصاهم بتقوى الله عز وجل والإخلاص لله والدين، فلما فرغ شرع في النزع وعرق جبينه فمد يده وقال بيتا لغيره‏:‏ ها قد بسطت يدي إليك فردها بالفضل لا بشماتة الأعداء ثم قال‏:‏ أرى المشايخ بين أيديهم الأطباق وهم ينتظرونني‏.‏ ثم مات، وذلك ليلة الأربعاء نصف رمضان، ودفن برباطه ثم غرق رباطه وقبره في سنة أربعين وخمسمائة.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
وفاة القاضي عياض
التاريخ الهجري 544 هـ

كانت وفاة القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض بن محمد بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، قاضيها أحد مشايخ العلماء المالكية، وصاحب المصنفات الكثيرة المفيدة، منها ‏(‏الشفا‏)‏، و‏(‏شرح مسلم‏)‏، و‏(‏مشارق الأنوار‏)‏ وغير ذلك، وله شعر حسن، وكان إماماً في علوم كثيرة، كالفقه واللغة والحديث والأدب، وأيام الناس، ولد سنة ست وأربعين وأربعمائة، ومات يوم الجمعة في جمادى الآخرة، وقيل‏:‏ في رمضان من هذه السنة، بمدينة سبتة.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
وقعة حارم
التاريخ الهجري 559 هـ

فتحت في رمضان من هذه السنة، وذلك أن نور الدين استغاث بعساكر المسلمين فجاؤوه من كل فج ليأخذ ثأره من الفرنج، فالتقى معهم على حارم فكسرهم كسرة فظيعة، وأسر البرنس بيمند صاحب إنطاكية، والقومص صاحب طرابلس، والدوك صاحب الروم، وابن جوسلين، وقتل منهم عشرة آلاف، وقيل‏:‏ عشرين ألفاً.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
وفاة الأمير الكبير سلالة الملوك والسلاطين
التاريخ الهجري 584 هـ

الشيزري مؤيد الدولة أبو الحارث وأبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ أحد الشعراء المشهورين، المشكورين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/405‏)‏ بلغ من العمر ستاً وتسعين سنة، وكان عمره تاريخاً مستقلاً وحده، وكانت داره بدمشق، مكان العزيزية، وكانت معقلاً للفضلاء، ومنزلاً للعلماء، وله أشعار رائقة، ومعان فائقة، ولدية علم غزير، وعنده جود وفضل كثير، وكان من أولاد ملوك شيزر‏.‏ ثم أقام بمصر مدة في أيام الفاطميين، ثم عاد إلى الشام فقدم على الملك صلاح الدين في سنة سبعين وأنشده‏:‏ حمدت على طول عمري المشيبا وإن كنت أكثرت فيه الذنوبا لأني حييت إلى أن لقيت بعد العدو صديقاً حبيبا وله في سنٍ قلعها وفقد نفعها‏:‏ وصاحب لا أملَّ الدهر صحبته يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا لناظريّ افترقنا فرقة الأبد وله ديوان شعر كبير، وكان صلاح الدين يفضله على سائر الدواوين، وقد كان مولده في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وكان في شبيبته شهماً شجاعاً، قتل الأسد وحده مواجهةً، ثم عمر إلى أن توفي في هذه السنة ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من رمضان، ودفن شرقي جبل قاسيون‏.‏ قال‏:‏ وزرت قبره وأنشدت له‏:‏ لا تستعر جلداً على هجرانهم فقواك تضعف عن صدودٍ دائم واعلم بأنك إن رجعت إليهم طوعاً وإلا عدت عدوة نادم وله أيضاً‏:‏ وأعجب لضعف يدي عن حملها قلماً من بعد حطم القنا في لبَّة الأسد وقل لمن يتمنى طول مدته هذي عواقب طول العمر والمدد قال ابن الأثير‏:‏ وفيها توفي شيخه.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
عودة صلاح الدين إلى دمشق
التاريخ الهجري 584 هـ

في محرمها حاصر السلطان صلاح الدين حصن كوكب فرأه منيعاً صعباً، فوكّل به الأمير قايماز البجمي في خمسمائة فارس يضيقون عليهم المسالك، وكذلك وكّل لصفت وكانت للدواية خمسمائة فارس مع طغرلبك الجامدار يمنعون الميرة والتقاوى أن تصل إليهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/403‏)‏ وبعث إلى الكرك الشوبك يضيقون على أهلها ويحاصرونهم، ليفرغ من أموره لقتال هذه الأماكن‏.‏ ولما رجع السلطان من هذه الغزوة إلى دمشق وجد الصفي بن الفايض وكيل الخزانة قد بنى له داراً بالقلعة هائلة مطلة على الشرف القبلي، فغضب عليه وعزله وقال‏:‏ إنا لم نخلق للمقام بدمشق ولا بغيرها من البلاد، وإنما خلقنا لعبادة الله عز وجل والجهاد في سبيله، وهذا الذي عملته مما يثبط النفوس ويقعدها عما خلقت له‏.‏ وجلس السلطان بدار العدل فحضرت عنده القضاة وأهل الفضل، وزار القاضي الفاضل في بستانه على الشرف في جوسق ابن الفراش، وحكى له ما جرى من الأمور، واستشاره فيما يفعل في المستقبل من المهمات والغزوات، ثم خرج من دمشق فسلك على بيوس وقصد البقاع‏.‏ وسار إلى حمص وحماه وجاءت الجيوش من الجزيرة وهو على العاصي، فسار إلى السواحل الشمالية ففتح أنطرطوس وغيرها من الحصون، وجبلة واللاذقية، وكانتا من أحصن المدن عمارة ورخاماً ومحالاً، وفتح صهيون وبكاس والشغر وهما قلعتان على العاصي حصينتان، فتحهما عنوة، وفتح حصن بدرية وهي قلعة عظيمة على جبل شاهق منيع، تحتها أودية عميقة يضرب بها المثل في سائر بلاد الفرنج والمسلمين‏.‏ فحاصرها أشد حصار وركب عليها المجانيق الكبار، وفرق الجيش ثلاث فرق، كل فريق يقاتل، فإذا كلوا وتعبوا خلفهم الفريق الآخر، حتى لا يزال القتال مستمراً ليلاً ونهاراً، فكان فتحها في نوبة السلطان أخذها عنوة في أيام معدودات، ونهب جميع ما فيها‏.‏ واستولى على حواصلها وأموالها، وقتل حماتها ورجالها، واستخدم نساءها وأطفالها، ثم عدل عنها ففتح حصن دربساك وحصن بغراس، كل ذلك يفتحه عنوة فيغنم ويسلم، ثم سمت به همته العالية إلى فتح أنطاكية، وذلك لأنه أخذ جميع ما حولها من القرى والمدن، واستظهر عليها بكثرة الجنود‏.‏ فراسله صاحب إنطاكية يطلب منه الهدنة على أن يطلق من عنده من أسرى المسلمين، فأجابه إلى ذلك لعلمه بتضجر من معه من الجيش، فوقعت الهدنة على سبعة أشهر، ومقصود السلطان أن يستريح من تعبها، وأرسل السلطان من تسلم منه الأسارى وقد ذلت دولة النصارى‏.‏ ثم سار فسأله ولده الظاهر أن يجتاز بحلب فأجابه إلى ذلك، فنزل بقلعتها ثلاثة أيام، ثم استقدمه ابن أخيه تقي الدين إليه حماه فنزل عنده ليلة واحدة، وأقطعه جبلة واللاذقية، ثم سار فنزل بقلعة بعلبك، ودخل حمامها‏.‏ ثم عاد إلى دمشق في أوائل رمضان، وكان يوماً مشهوداً، وجاءته البشائر بفتح الكرك وإنقاذه من أيدي الفرنج، وأراح الله منهم تلك الناحية، وسهل حزنها على السالكين من التجار والغزاة والحجاج ‏( ‏فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏ ) ‏‏[‏الأنعام‏:‏ 45‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/404‏). لم يقم السلطان بدمشق إلا أياماً حتى خرج قاصداً صفد فنازلها في العشر الأوسط من رمضان، وحاصرها بالمجانيق، وكان البرد شديداً يصبح الماء فيه جليداً، فما زال حتى فتحها صلحاً في ثامن شوال.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
حصار مدينة عكا
التاريخ الهجري 586 هـ

كتب متولي عكا من جهة السلطان صلاح الدين، وهو الأمير بهاء الدين قراقوش، في العشر الأول من شعبان إلى السلطان‏:‏ إنه لم يبق عندهم في المدينة من الأقوات إلا ما يبلغهم إلى ليلة النصف من شعبان‏.‏ فلما وصل الكتاب إلى السلطان أسرَّها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، خوفاً من إشاعة ذلك، فيبلغ العدو فيقدموا على المسلمين، وتضعف القلوب، وكان قد كتب إلى أمير الأسطول بالديار المصرية أن يقدم بالميرة إلى عكا، فتأخر سيره‏.‏ ثم وصلت ثلاث بطش ليلة النصف، فيها من الميرة ما يكفي أهل البلد طول الشتاء، وهي صحبة الحاجب لؤلؤ، فلما أشرفت على البلد نهض إليها أسطول الفرنج ليحول بينها وبين البلد، ويتلف ما فيها‏.‏ فاقتتلوا في البحر قتالاً شديداً، والمسلمون في البر يبتهلون إلى الله عز وجل في سلامتها، والفرنج أيضاً تصرخ براً وبحراً، وقد ارتفع الضجيج، فنصر الله المسلمين وسلم مراكبهم، وطابت الريح للبطش، فسارت فأحرقت المراكب الفرنجية المحيطة بالميناء، ودخلت البلد سالمة، ففرح بها أهل البلد والجيش فرحاً شديداً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/412‏)‏ وكان السلطان قد جهز قبل هذه البطش الثلاث بطشة كبيرة من بيروت، فيها أربعمائة غرارة، وفيها من الجبن والشحم والقديد والنشاب والنفط شيء كثير، وكانت هذه البطشة من بطش الفرنج المغنومة‏.‏ وأمر من فيها من التجار أن يلبسوا زي الفرنج حتى أنهم حلقوا لحاهم، وشدوا الزنانير، واستصحبوا في البطشة معهم شيئاً من الخنازير، وقدموا بها على مراكب الفرنج، فاعتقدوا أنهم منهم، وهي سائرة كأنها السهم إذا خرج من كبد القوس‏.‏ فحذرهم الفرنج غائلة الميناء من ناحية البلد، فاعتذروا بأنهم مغلوبون عنها، ولا يمكنهم حبسها من قوة الريح، وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء، فأفرغوا ما كان معهم من الميرة، والحرب خدعة‏.‏ فعبرت الميناء فامتلأ الثغر بها خيراً، فكفتهم إلى أن قدمت عليهم تلك البطش الثلاث المصرية‏.‏ وكانت البلد يكتنفها برجان، يقال لأحدهما‏:‏ برج الديان، فاتخذت الفرنج بطشة عظيمة، لها خرطوم وفيه محركات إذا أرادوا أن يضعوه على شيء من الأسوار والأبرجة قلبوه فوصل إلى ما أرادوا‏.‏ فعظم أمر هذه البطشة على المسلمين، ولم يزالوا في أمرها محتالين، حتى أرسل الله عليها شواظاً من نار فأحرقها وأغرقها، وذلك أن الفرنج أعدوا فيها نفطاً كثيراً وحطباً جزلاً، وأخرى خلفها فيها حطب محض‏.‏ فلما أراد المسلمون المحافظة على الميناء أرسلوا النفط على بطشة الحطب، فاحترقت وهي سائرة بين بطش المسلمين، واحترقت الأخرى، وكان في بطشة أخرى لهم مقاتلة تحت قبو، قد أحكموه فيها‏.‏ فلما أرسلوا النفط على برج الديان، انعكس الأمر عليهم بقدرة الله تعالى، وذلك لشدة الهواء تلك الليلة، فما تعدت النار بطشتهم فاحترقت، وتعدى الحريق إلى الأخرى فغرقت، ووصل إلى بطشة المقاتلة فتلفت، وهلك من فيها، فاشبهوا من سلف من أهل الكتاب من الكافرين في قوله تعالى‏:‏ ‏( ‏يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ‏ )‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 2‏]‏‏.‏ وفي ثالث رمضان اشتد حصار الفرنج للمدينة حتى نزلوا إلى الخندق، فبرز إليهم أهل البلد فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وتمكنوا من حريق الكيس والأسوار، وسرى حريقه إلى السقوف، وارتفعت له لهبة عظيمة في عنان السماء، ثم اجتذبه المسلمون إليهم بكلاليب من حديد في سلاسل، فحصل عندهم وألقوا عليه الماء البارد فبرد بعد أيام، فكان فيه من الحديد مائة قنطار بالدمشقي، ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/413‏)‏ وفي الثامن والعشرين من رمضان توفي الملك زين الدين صاحب أربل في حصار عكا مع السلطان، فتأسف الناس عليه لشبابه وغربته وجودته، وعزي أخاه مظفر الدين فيه‏.‏ وقام بالملك من بعده وسأل من صلاح الدين أن يضيف إليه شهرزور، وحران، والرها، وسميساط، وغيرها، وتحمل مع ذلك خمسين ألف دينار نقداً، فأجيب إلى ذلك، وكتب له تقليداً، وعقد له لواء، وأضيف ما تركه إلى الملك المظفر تقي الدين ابن أخي السلطان صلاح الدين.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
وفاة الملك المظفر
التاريخ الهجري 587 هـ

تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وكان عزيزاً على عمه صلاح الدين، استنابه بمصر وغيرها من البلاد، ثم أقطعه حماه ومدناً كثيرة حولها في بلاد الجزيرة، وكان مع عمه السلطان على عكا، ثم استأذنه أن يذهب ليشرف على بلاده المجاورة للجزيرة والفرات‏.‏ فلما صار إليها اشتغل بها، وامتدت عينه إلى أخذ غيرها من أيدي الملوك المجاورين له، فقاتلهم فاتفق موته وهو كذلك، والسلطان عمه غضبان عليه بسبب اشتغاله بذلك عنه، وحملت جنازته حتى دفنت بحماه‏.‏ وله مدرسة هناك هائلة كبيرة، وكذلك له بدمشق مدرسة مشهورة، وعليها أوقاف كثيرة، وقد أقام بالملك بعده ولده المنصور ناصر الدين محمد، فأقره صلاح الدين على ذلك بعد جهد جهيد، ووعد ووعيد، ولولا السلطان العادل أخو صلاح الدين تشفع فيه لما أقره في مكان أبيه، ولكن سلم الله، توفي يوم الجمعة تاسع عشر رمضان من هذه السنة، وكان شجاعاً فاتكاً.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
فيما حدث بعد أخذ الفرنج عكا
التاريخ الهجري 587 هـ

سار الفرنج برمتهم قاصدين عسقلان، والسلطان صلاح الدين بجيشه يسايرهم ويعارضهم منزلة منزلة، والمسلمون يتخطفونهم ويسلبونهم في كل مكان، وكل أسير أتي به إلى السلطان يأمر بقتله في مكانه‏.‏ وجرت خطوب بين الجيشين، ووقعات متعددات، ثم طلب ملك الإنكليز أن يجتمع بالملك العادل أخي السلطان يطلب منه الصلح والأمان، على أن يعاد لأهلها بلاد السواحل، فقال له العادل‏:‏ إن دون ذلك قتل كل فارس منكم وراجل‏.‏ فغضب اللعين ونهض من عنده غضبان، ثم اجتمعت الفرنج على حرب السلطان عند غابة أرسوف، فكانت النصرة للمسلمين، فقتل من الفرنج عند غابة أرسوف ألوف بعد ألوف، وقتل من المسلمين خلق كثير أيضاً‏.‏ وقد كان الجيش فرعن السلطان في أول الوقعة ولم يبق معه سوى سبعة عشر مقاتلاً، وهو ثابت صابر والكؤسات لا تفتر، والأعلام منشورة، ثم تراجع الناس فكانت النصرة للمسلمين، ثم تقدم السلطان بعساكره فنزل ظاهر عسقلان، فأشار ذوو الرأي على السلطان بتخريب عسقلان خشية أن يتملكها الكفار، ويجعلونها وسيلة إلى أخذ بيت المقدس، أو يجري عندها من الحرب والقتال نظير ما كان عند عكا، أوشد‏.‏ ‏(‏ج/ص12 / 421‏)‏ فبات السلطان ليلته مفكراً في ذلك، فلما أصبح وقد أوقع الله في قلبه أن خرابها هو المصلحة فذكر ذلك لمن حضره، وقال لهم‏:‏ والله لموت جميع أولادي أهون على من تخريب حجر واحد منها، ولكن إذا كان خرابها فيه مصلحة للمسلمين فلا بأس به‏.‏ ثم طلب الولاة وأمرهم بتخريب البلد سريعاً، قبل وصول العدو إليها، فشرع الناس في خرابه، وأهله ومن حضره يتباكون على حسنه وطيب مقيله، وكثرة زروعه وثماره، ونضارة أنهاره وأزهاره، وكثرة رخامه وحسن بنائه‏.‏ وألقيت النار في سقوفه وأتلف ما فيه من الغلات التي لا يمكن تحويلها، ولا نقلها، ولم يزل الخراب والحريق فيه من جمادى الآخرة إلى سلخ شعبان من هذه السنة‏.‏ ثم رحل السلطان منها في ثاني رمضان وقد تركها قاعاً صفصفاً ليس فيها معلمة لأحد، ثم اجتاز بالرملة فخرب حصنها وخرب كنيسة لد، وزار بيت المقدس وعاد إلى المخيم سريعاً، وبعث ملك الإنكليز إلى السلطان‏:‏ إن الأمر قد طال وهلك الفرنج والمسلمون، وإنما مقصودنا ثلاثة أشياء لا سواها‏:‏ رد الصليب وبلاد الساحل وبيت المقدس، لا نرجع عن هذه الثلاثة، ومنا عين تطرف‏.‏ فأرسل إليه السلطان أشد جواب، وأسد مقال، فعزمت الفرنج على قصد بيت المقدس، فتقدم السلطان بجيشه إلى القدس، وسكن في دار القساقس، قريباً من قمامة في ذي القعدة‏.‏ وشرع في تحصين البلد، وتعميق خنادقه، وعمل فيه بنفسه وأولاده، وعمل فيه الأمراء والقضاة والعلماء والصالحون، وكان وقتاً مشهوداً، واليزك حول البلد من ناحية الفرنج وفي كل وقت يستظهرون على الفرنج ويقتلون ويأسرون ويغنمون، ولله الحمد والمنة، وانقضت هذه السنة والأمر على ذلك.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
وفاة ابن الجوزي
التاريخ الهجري 597 هـ

ابن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي - نسبة إلى فرضة نهر البصرة - ابن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/35‏)‏ الشيخ الحافظ الواعظ جمال الدين أبو الفرج المشهور بابن الجوزي، القرشي التيمي البغدادي الحنبلي، أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحواً من ثلاثمائة مصنف‏.‏ وكتب بيده نحواً من مائتي مجلدة، وتفرد بفن الوعظ الذي لم يسبق إليه ولا يلحق شأوه فيه وفي طريقته وشكله، وفي فصاحته وبلاغته وعذوبته وحلاوة ترصيعه ونفوذ وعظه وغوصه على المعاني البديعة، وتقريبه الأشياء الغريبة فيما يشاهد من الأمور الحسية، بعبارة وجيزة سريعة الفهم والإدراك، بحيث يجمع المعاني الكثيرة في الكلمة اليسيرة‏.‏ هذا وله في العلوم كلها اليد الطولى، والمشاركات في سائر أنواعها من التفسير والحديث والتاريخ والحساب والنظر في النجوم والطب والفقه وغير ذلك من اللغة والنحو، وله من المصنفات في ذلك ما يضيق هذا المكان عن تعدادها، وحصر أفرادها‏.‏ منها‏:‏ كتابه في التفسير المشهور ‏(‏بزاد المسير‏)‏، وله تفسير أبسط منه ولكنه ليس بمشهور، وله ‏(‏جامع المسانيد‏)‏ استوعب به غالب ‏(‏مسند أحمد‏)‏ و ‏(‏صحيحي البخاري ومسلم‏)‏ و‏(‏جامع الترمذي‏)‏، وله كتاب ‏(‏المنتظم في تواريخ الأمم من العرب والعجم‏)‏ في عشرين مجلداً‏.‏ قد أوردنا في كتابنا هذا كثيراً منه من حوادثه وتراجمه، ولم يزل يؤرخ أخبار العالم حتى صار تاريخاً وما أحقه بقول الشاعر‏:‏ ما زلت تدأب في التاريخ مجتهداً حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا وله مقامات وخطب، وله الأحاديث الموضوعة، وله العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، وغير ذلك‏.‏ ولد سنة عشر وخمسمائة، ومات أبوه وعمره ثلاث سنين، وكان أهله تجاراً في النحاس، فلما ترعرع جاءت به عمته إلى مسجد محمد بن ناصر الحافظ، فلزم الشيخ وقرأ عليه وسمع عليه الحديث وتفقه بابن الزاغوني، وحفظ الوعظ ووعظ وهو ابن عشرين سنة أو دونها‏.‏ وأخذ اللغة عن أبي منصور الجواليقي، وكان وهو صبي ديناً مجموعاً على نفسه لا يخالط أحداً ولا يأكل ما فيه شبهة، ولا يخرج من بيته إلا للجمعة، وكان لا يلعب مع الصبيان‏.‏ وقد حضر مجلس وعظه الخلفاء والوزراء والملوك والأمراء والعلماء والفقراء، ومن سائر صنوف بني آدم، وأقل ما كان يجتمع في مجلس وعظه عشرة آلاف، وربما اجتمع فيه مائة ألف أو يزيدون، وربما تكلم من خاطره على البديهة نظماً ونثراً، وبالجملة كان أستاذاً فرداً في الوعظ وغيره‏.‏ وقد كان فيه بهاء وترفع في نفسه وإعجاب وسمو بنفسه أكثر من مقامه، وذلك ظاهر في كلامه في نثره ونظمه، فمن ذلك قوله‏:‏ ما زلت أدرك ما غلا بل ما علا وأكابد النهج العسير الأطولا تجري بي الآمال في حلباته جري السعيد مدى ما أملا أفضى بي التوفيق فيه إلى الذي أعيا سواي توصلاً وتغلغلا لو كان هذا العلم شخصاً ناطقاً وسألته هل زار مثلي‏؟‏ قال‏:‏ لا ومن شعره وقيل هو لغيره‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/36‏)‏ إذا قنعت بميسورٍ من القوت بقيت في الناس حراً غير ممقوت ياقوت يومي إذا ما در حلقك لي فلست آسي على درٍ وياقوت وله من النظم والنثر شيء كثيراً جداً، وله كتاب سماه ‏(‏لقط الجمان في كان وكان‏)‏، ومن لطائف كلامه قوله في الحديث‏:‏ ‏(‏‏(‏أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين‏)‏‏)‏ إنما طالت أعمار من قبلنا لطول البادية، فلما شارف الركب بلد الإقامة قيل لهم حثوا المطي‏.‏ وقال له رجل أيما أفضل‏؟‏ أجلس أسبح أو أستغفر‏؟‏ فقال‏:‏ الثوب الوسخ أحوج إلى البخور‏.‏ وسئل عمن أوصى وهو في السياق فقال‏:‏ هذا طين سطحه في كانون‏.‏ والتفت إلى ناحية الخليفة المستضيء وهو في الوعظ فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، وإن قول القائل لك اتق الله خير لك من قوله لكم إنكم أهل بيت مغفور لكم، كان عمر بن الخطاب يقول‏:‏ إذا بلغني عن عامل لي أنه ظلم فلم أغيره فأنا الظالم، يا أمير المؤمنين‏.‏ وكان يوسف لا يشبع في زمن القحط حتى لا ينسى الجائع، وكان عمر يضرب بطنه عام الرمادة ويقول قرقرا ولا تقرقرا، والله لا ذاق عمر سمناً ولا سميناً حتى يخصب الناس‏.‏ قال‏:‏ فبكى المستضيء وتصدق بمال كثير، وأطلق المحابيس وكسى خلقاً من الفقراء‏.‏ ولد ابن الجوزي في حدود سنة عشر وخمسمائة كما تقدم، وكانت وفاته ليلة الجمعة بين العشاءين الثاني عشر من رمضان من هذه السنة، وله من العمر سبع وثمانون سنة، وحملت جنازته على رؤوس الناس، وكان الجمع كثيراً جداً، ودفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من الإمام أحمد‏.‏ وكان يوماً مشهوداً، حتى قيل‏:‏ إنه أفطر جماعة من الناس من كثرة الزحام وشدة الحر، وقد أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات‏:‏ يا كثير العفو يا من كثرت ذنبي لديه جاءك المذنب يرجو الصـ ـفح عن جرم يديه أنا ضيفٌ وجزاء الـ ـضيف إحسان إليه وقد كان من الأولاد الذكور ثلاثة‏:‏ عبد العزيز - وهو أكبرهم - مات شاباً في حياة والده في سنة أربع وخمسين، ثم أبو القاسم علي، وقد كان عاقاً لوالده إلباً عليه في زمن المحنة وغيرها، وقد تسلط على كتبه في غيبته بواسط فباعها بأبخس الثمن‏.‏ ثم محيي الدين يوسف، وكان أنجب أولاده وأصغرهم ولد سنة ثمانين وخمسمائة ووعظ بعد أبيه، واشتغل وحرر وأتقن وساد أقرانه، ثم باشر حسبة بغداد، ثم صار رسول الخلفاء إلى الملوك بأطراف البلاد، ولا سيما بني أيوب بالشام‏.‏ ‏(‏ج/ص: 13 / 37‏)‏ وقد حصل منهم من الأموال والكرامات ما ابتنى به المدرسة الجوزية بالنشابين بدمشق، وما أوقف عليها، ثم حصل له من سائر الملوك أموالاً جزيلة، ثم صار أستاذ دار الخليفة المستعصم في سنة أربعين وستمائة، واستمر مباشرها إلى أن قتل مع الخليفة عام هارون تركي بن جنكيز خان‏.‏ وكان لأبي الفرج عدة بنات منهن رابعة أم سبطه أبي المظفر بن قزغلي صاحب ‏(‏مرآة الزمان‏)‏، وهي من أجمع التواريخ وأكثرها فائدة، وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات فأثنى عليه وشكر تصانيفه وعلومه.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
وفاة العماد الكاتب الأصبهاني
التاريخ الهجري 597 هـ

محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن أله - بتشديد اللام وضمها -، المعروف بالعماد الكاتب الأصبهاني، صاحب المصنفات والرسائل، وهو قرين القاضي الفاضل، واشتهر في زمنه، ومن اشتهر في زمن الفاضل فهو فاضل، ولد بأصبهان في سنة تسع عشرة وخمسمائة‏.‏ وقدم بغداد فاشتغل بها على الشيخ أبي منصور سعيد بن الرزاز مدرّس النظامية، وسمع الحديث ثم رحل إلى الشام فحظي عند الملك نور الدين محمود بن زنكي، وكتب بين يديه وولاه المدرسة التي أنشأها داخل باب الفرج التي يقال لها العمادية، نسبة إلى سكناه بها وإقامته فيها، وتدريسه بها، لا أنه أنشأها وإنما أنشأها نور الدين محمود‏.‏ ولم يكن هو أول من درّس بها، بل قد سبقه إلى تدريسها غير واحد، كما تقدم في ترجمة نور الدين، ثم صار العماد كاتباً في الدولة الصلاحية وكان الفاضل يثني عليه ويشكره‏.‏ قالوا‏:‏ وكان منطوقه يعتريه جمود وفترة، وقريحته في غاية الجودة والحدة، وقد قال القاضي الفاضل لأصحابه يوماً‏:‏ قولوا فتكلموا وشبهوه في هذه الصفة بصفات فلم يقبلها القاضي‏.‏ وقال‏:‏ هو كالزناد ظاهره بارد وداخله نار، وله من المصنفات الجريدة ‏(‏جريدة النصر في شعراء العصر‏)‏ و‏(‏الفتح القدسي‏)‏، و‏(‏البرق الشامي‏)‏، وغير ذلك من المصنفات المسجعة، والعبارات المتنوعة والقصائد المطولة‏.‏ توفي في مستهل رمضان من هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة، ودفن بمقابر الصوفية.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
وفاة الحافظ الكبير زكي الدين
التاريخ الهجري 636 هـ

أبو عبد الله بن محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الإشبيلي، أحد من اعتنى بصناعة الحديث وبرز فيه، وأفاد الطلبة، وكان شيخ الحديث بمشهد ابن عروة‏.‏ ثم سافر إلى حلب، فتوفي بحماه في رابع عشر رمضان من هذه السنة، وهو جد شيخنا الحافظ علم الدين بن القاسم بن محمد البرزالي، مؤرخ دمشق الذي ذيّل على الشيخ شهاب الدين أبي شامة، وقد ذيلت أنا على تاريخه بعون الله تعالى.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....
وفاة الحريري
التاريخ الهجري 645 هـ

أصله من قرية بسر شرقي ذرع، وأقام بدمشق مدة يعمل صنعة الحرير، ثم ترك ذلك وأقبل يعمل الفقيري على يد الشيخ علي المغربل، وابتنى له زاوية على الشرف القبلي، وبدرت منه أفعال أنكرها عليه الفقهاء، كالشيخ عز الدين بن عبد السلام، والشيخ تقي الدين ابن الصلاح، والشيخ أبي عمرو بن الحاجب شيخ المالكية وغيرهم‏.‏ فلما كانت الدولة الأشرفية حبس في قلعة عزتا مدة سنين، ثم أطلقه الصالح إسماعيل واشترط عليه أن لا يقيم بدمشق، فلزم بلده بسر مدة حتى كانت وفاته في هذه السنة‏.‏ قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في ‏(‏الذيل‏)‏‏:‏ وفي رمضان أيضاً توفي الشيخ على المعروف بالحريري المقيم بقرية بسر في زاويته، وكان يتردد إلى دمشق، وتبعه طائفة من الفقراء وهم المعروفون‏:‏ بأصحاب الحريري أصحاب المنافي للشريعة، وباطنهم شر من ظاهرهم، إلا من رجع إلى الله منهم‏.‏ وكان عند هذا الحريري من الاستهزاء بأمور الشريعة والتهاون فيها من إظهار شعائر أهل الفسوق والعصيان شيء كثير، وانفسد بسببه جماعة كبيرة من أولاد كبراء دمشق، وصاروا على زي أصحابه، وتبعوه بسبب أنه كان خليع العذار، يجمع مجلسه الغنا الدائم والرقص والمردان، وترك الإنكار على أحد فيما يفعله، وترك الصلوات وكثرت النفقات، فأضل خلقاً كثيراً وأفسد جماً غفيراً، ولقد أفتى في قتله مراراً جماعة من علماء الشريعة، ثم أراح الله تعالى منه‏.‏ هذا لفظه بحروفه.

المصدر / موقع رمضانيات لعلكم تتقون
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: *** أحداث رمضانية ***

احتراق مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم التاريخ الهجري 654 هـ
قال أبو شامة‏:‏ وفي ليلة الجمعة مستهل رمضان من هذه السنة احترق مسجد المدينة على ساكنه أفضل الصلاة والسلام، ابتدأ حريقه من زاويته الغربية من الشمال، وكان دخل أحد القومة إلى خزانة ثم ومعه نار فعلقت في الأبواب ثم، واتصلت بالسقف بسرعة، ثم دبت في السقوف، وأخذت قبلة فأعجلت الناس عن قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد أجمع، ووقعت بعض أساطينه وذاب رصاصها، وكل ذلك قبل أن ينام الناس، واحترق سقف الحجرة النبوية ووقع ما وقع منه في الحجرة، وبقي على حاله حتى شرع في عمارة سقفه وسقف المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، وأصبح الناس فعزلوا موضعا للصلاة، وعد ما وقع من تلك النار الخارجة وحريق المسجد من جملة الآيات، وكأنها كانت منذرة بما يعقبها في السنة الآتية من الكائنات على ما سنذكره‏.‏ هذا كلام الشيخ شهاب الدين أبي شامة.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....

وقعت عين جالوت

التاريخ الهجري 658 هـ

استهلت هذه السنة بيوم الخميس وليس للناس خليفة، وملك العراقين وخراسان وغيرها من بلاد المشرق للسلطان هولاكو خان ملك التتار، وسلطان ديار مصر الملك المظفر سيف الدين قطز، مملوك المعز أيبك التركماني، وسلطان دمشق وحلب الملك الناصر بن العزيز بن الظاهر، وبلاد الكرك والشوبك للملك المغيث بن العادل بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب‏.‏ وهو حرب مع الناصر صاحب دمشق على المصريين، ومعهما الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وقد عزموا على قتال المصريين، وأخذ مصر منهم‏.‏ وبينما الناس على هذه الحال وقد تواترت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام إذ دخل جيش المغول صحبة ملكهم هولاكو خان وجازوا الفرات على جسور عملوها، ووصلوا إلى حلب في ثاني صفر من هذه السنة، فحاصروها سبعة أيام ثم افتتحوها بالأمان‏.‏ ثم غدروا بأهلها وقتلوا منهم خلقاً لا يعلمهم إلا الله عز وجل، ونهبوا الأموال، وسبوا النساء والأطفال، وجرى عليهم قريب مما جرى على أهل بغداد، فجاسوا خلال الديار وجعلوا أعزة أهلها أذلة، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ وامتنعت عليه القلعة شهراً ثم استلموها بالأمان، وخرب أسوار البلد وأسوار القلعة وبقيت حلب كأنها حمار أجرب، وكان نائبها الملك المعظم توران شاه بن صلاح الدين وكان عاقلاً حازماً، لكنه لم يوافقه الجيش على القتال، وكان أمر الله قدراً مقدوراً‏.‏ وقد كان أرسل هولاكو يقول لأهل حلب‏:‏ نحن إنما جئنا لقتال الملك الناصر بدمشق، فاجعلوا لنا عندكم شحنة، فإن كانت النصرة لنا فالبلاد كلها في حكمنا، وإن كانت علينا فإن شئتم قبلتم الشحنة وإن شئتم أطلقتموه‏.‏ فأجابوه ما لك عندنا إلا السيف، فتعجب من ضعفهم وجوابهم، فزحف حينئذ إليهم وأحاط بالبلد، وكان ما كان بقدر الله سبحانه‏.‏ ولما فتحت حلب أرسل صاحب حماه بمفاتيحها إلى هولاكو، فاستناب عليها رجلاً من العجم يدّعي أنه من ذرية خالد بن الوليد يقال له‏:‏ خسروشاه، فخرب أسوارها كمدينة حلب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/254‏)‏ صفة أخذهم دمشق وزوال ملكهم عنها سريعاً أرسل هولاكو وهو نازل على حلب جيشاً مع أمير من كبار دولته يقال له كتبغانوين، فوردوا دمشق في آخر صفر فأخذوها سريعاً من غير ممانعة ولا مدافع، بل تلقاهم كبارها بالرحب والسعة‏.‏ وقد كتب هولاكو أماناً لأهل البلد، فقرئ بالميدان الأخضر ونودي به في البلد، فأمن الناس على وجل من الغدر، كما فعل بأهل حلب، هذا والقلعة ممتنعة مستورة، وفي أعاليها المجانيق منصوبة والحال شديدة‏.‏ فأحضرت التتار منجنيقاً يحمل على عجل والخيول تجرها، وهم راكبون على الخيل وأسلحتهم على أبقار كثيرة، فنصب المنجانيق على القلعة من غربيها، وخربوا حيطاناً كثيرة وأخذوا حجارتها ورموا بها القلعة رمياً متواتراً كالمطر المتدارك‏.‏ فهدموا كثيراً من أعاليها وشرفاتها وتداعت للسقوط، فأجابهم متوليها في آخر ذلك النهار للمصالحة، ففتحوها وخربوا كل بدنة فيها، وأعالي بروجها، وذلك في نصف جمادى الأولى من هذه السنة‏.‏ وقتلوا المتولي بها بدر الدين بن قراجا، ونقيبها جمال الدين بن الصيرفي الحلبي، وسلموا البلد والقلعة إلى أمير منهم يقال له‏:‏ إبل سيان، وكان لعنه الله معظماً لدين النصارى، فاجتمع به أساقفتهم وقسوسهم، فعظمهم جداً، وزار كنائسهم، فصارت لهم دولة وصولة بسببه‏.‏ وذهب طائفة من النصارى إلى هولاكو وأخذوا معهم هدايا وتحفاً، وقدموا من عنده ومعهم أمان فرمان من جهته، ودخلوا من باب توما ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس، وهم ينادون بشعارهم، ويقولون‏:‏ ظهر الدين الصحيح دين المسيح‏.‏ ويذمون دين الإسلام وأهله، ومعهم أواني فيها خمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمراً، وقماقم ملآنة خمراً يرشون منها على وجوه الناس وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة والأسواق أن يقوم لصليبهم‏.‏ ودخلوا من درب الحجر فوقفوا عند رباط الشيخ أبي البيان ورشوا عنده خمراً، وكذلك على باب مسجد درب الحجر الصغير والكبير، واجتازوا في السوق حتى وصلوا درب الريحان أو قريب منه، فتكاثر عليهم المسلمون فردوهم إلى سوق كنيسة مريم‏.‏ فوقف خطيبهم إلى دكة دكان في عطفة السوق فمدح دين النصارى وذم دين الإسلام وأهله، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ ثم دخلوا بعد ذلك إلى كنيسة مريم وكانت عامرة ولكن كان هذا سبب خرابها ولله الحمد‏.‏ وحكى الشيخ قطب الدين في ‏(‏ذيله على المرآة‏)‏ أنهم ضربوا بالناقوس في كنيسة مريم فالله أعلم‏.‏ قال‏:‏ وذكر أنهم دخلوا إلى الجامع بخمر وكان في نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا كثيراً من المساجد وغيرها، ولما وقع هذا في البلد اجتمع قضاة المسلمين والشهود والفقهاء فدخلوا القلعة يشكون هذا الحال إلى متسلمها إبل سيان فأهينوا وطردوا، وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم‏.‏ فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ وهذا كان في أول هذه السنة وسلطان الشام الناصر بن العزيز وهو مقيم في وطأة برزه، ومعه جيوش كثيرة من الأمراء وأبناء الملوك ليناجزوا التتار إن قدموا عليهم، وكان في جملة من معه الأمير بيبرس البندقداري في جماعة من البحرية، ولكن الكلمة بين الجيوش مختلفة غير مؤتلفة، لما يريده الله عز وجل‏.‏ وقد عزمت طائفة من الأمراء على خلع الناصر وسجنه ومبايعة أخيه شقيقه الملك الظاهر علي‏.‏ فلما عرف الناصر ذلك هرب إلى القلعة وتفرقت العساكر شذر مذر وساق الأمير ركن الدين بيبرس في أصحابه إلى ناحية غزة، فاستدعاه الملك المظفر قطز إليه واستقدمه عليه، وأقطعه قليوب، وأنزله بدار الوزارة، وعظم شأنه لديه، وإنما كان حتفه على يديه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/255‏)‏ اتفق وقوع هذا كله في العشر الأخير من رمضان من هذه السنة، فما مضت سوى ثلاثة أيام حتى جاءت البشارة بنصرة المسلمين على التتار بعين جالوت، وذلك أن الملك المظفر قطز صاحب مصر لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا، وقد نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى غزة، وقد عزموا على الدخول إلى مصر، وقد عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر، وليته فعل، وكان في صحبته الملك المنصور صاحب حماه وخلق من الأمراء وأبناء الملوك‏.‏ وقد وصل إلى قطية وأكرم الملك المظفر قطز صاحب حماه، ووعده ببلده ووفاه له، ولم يدخل الملك الناصر مصر بل كر راجعاً إلى ناحية تيه بني إسرائيل، ودخل عامة من كان معه إلى مصر، ولو دخل كان أيسر عليه مما صار إليه‏.‏ ولكنه خاف منهم لأجل العداوة فعدل إلى ناحية الكرك فتحصن بها وليته استمر فيها، ولكنه قلق فركب نحو البرية - وليته ذهب فيها - واستجار ببعض أمراء الأعراب، فقصدته التتار وأتلفوا ما هنالك من الأموال وخربوا الديار وقتلوا الكبار والصغار وهجموا على الأعراب التي بتلك النواحي فقتلوا منهم خلقاً وسبوا من نسلهم ونسائهم‏.‏ وقد اقتص منهم العرب بعد ذلك، فأغاروا على خيل جشارهم في نصف شعبان فساقوها بأسرها، فساقت وراءهم التتار فلم يدركوا لهم الغبار ولا استردوا منهم فرساً ولا حماراً‏.‏ وما زال التتار وراء الناصر حتى أخذوه عند بركة زيزي، وأرسلوه مع ولده العزيز، وهو صغير وأخيه إلى ملكهم هولاكو خان وهو نازل على حلب، فما زالوا في أسره حتى قتلهم في السنة الآتية كما سنذكره‏.‏ والمقصود أن المظفر قطز لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة وأنهم عازمون على الدخول إلى ديار مصر بعد تمهيد ملكهم بالشام، بادرهم قبل أن يبادروه وبرز إليهم وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه‏.‏ فخرج في عساكره وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى إلى الشام واستيقظ له عسكر المغول وعليهم كتبغانوين‏.‏ وكان إذ ذاك في البقاع فاستشار الأشرف صاحب حمص والمجير بن الزكي، فأشاروا عليه بأنه لا قبل له بالمظفر حتى يستمد هولاكو فأبى إلا أن يناجزه سريعاً، فساروا إليه وسار المظفر إليهم، فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/256‏)‏ فاقتتلوا قتالاً عظيماً، فكانت النصرة ولله الحمد للإسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة، وقتل أمير المغول كتبغانوين وجماعة من بيته، وقد قيل إن الذي قتل كتبغانوين الأمير جمال الدين آقوش الشمسي، واتبعهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع، وقد قاتل الملك المنصور صاحب حماه مع الملك المظفر قتالاً شديداً‏.‏ وكذلك الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، وكان أتابك العسكر، وقد أسر من جماعة كتبغانوين الملك السعيد بن العزيز بن العادل فأمر المظفر بضرب عنقه، وأستأمن الأشرف صاحب حمص‏.‏ وكان مع التتار وقد جعله هولاكو خان نائباً على الشام كله، فأمنه الملك المظفر، ورد إليه حمص، وكذلك رد حماه إلى المنصور وزاده المعرة وغيرها‏.‏ وأطلق سلمية للأمير شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع أمير العرب، واتبع الأمير بيبرس البندقداري وجماعة من الشجعان التتار يقتلونهم في كل مكان، إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب، وهرب من بدمشق منهم يوم الأحد السابع والعشرين من رمضان‏.‏ فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم، ويستفكّون الأسارى من أيديهم، وجاءت بذلك البشارة ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه فجاوبتها دق البشائر من القلعة وفرح المؤمنون بنصر الله فرحاً شديداً، وأيد الله الإسلام وأهله تأييداً وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دين الله وهم كارهون‏.‏ فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب فانتهبوا ما فيها وأحرقوها وألقوا النار فيما حولها فاحترق دور كثيرة إلى النصارى، وملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، وأحرق بعض كنيسة اليعاقبة، وهمت طائفة بنهب اليهود‏.‏ فقيل لهم إنه لم يكن منهم من الطغيان كما كان من عبدة الصلبان، وقتلت العامة وسط الجامع شيخاً رافضياً كان مصانعاً للتتار على أموال الناس يقال له‏:‏ الفخر محمد بن يوسف بن محمد الكنجي، كان خبيث الطوية مشرقياً ممالئاً لهم على أموال المسلمين قبحه الله‏.‏ وقتلوا جماعة مثله من المنافقين فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين‏.‏ وقد كان هولاكو أرسل تقليداً بولاية القضاء على جميع المدائن‏:‏ الشام، والجزيرة، والموصل، وماردين، والأكراد وغير ذلك، للقاضي كمال الدين عمر بن بدار التفليسي‏.‏ وقد كان نائب الحكم بدمشق عن القاضي صدر الدين أحمد بن يحيى بن هبة الله بن سني الدولة من مدة خمس عشرة سنة، فحين وصل التقليد في سادس عشرين ربيع الأول قرئ بالميدان الأخضر فاستقل بالحكم في دمشق، وقد كان فاضلاً‏.‏ فسار القاضيان المعزولان صدر الدين بن سني الدولة ومحيي الدين بن الزكي إلى خدمة هولاكو خان إلى حلب، فخدع ابن الزكي لابن سني الدولة وبذل أموالاً جزيلة، وتولى القضاء بدمشق ورجعا‏.‏ فمات ابن سني الدولة ببعلبك، وقدم ابن الزكي على القضاء ومعه تقليده وخلعة مذهبة فلبسها وجلس في خدمة إبل سنان تحت قبة النسر عند الباب الكبير، وبينهما الخاتون زوجة إبل سنان حاسرة عن وجهها‏.‏ وقرئ التقليد هناك والحالة كذلك، وحين ذكر اسم هولاكو نثر الذهب والفضة فوق رؤوس الناس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قبح الله ذلك القاضي والأمير والزوجة والسلطان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/257‏)‏ وذكر أبو شامة‏:‏ أن ابن الزكي استحوذ على مدارس كثيرة في مدته هذه القصيرة، فإنه عزل قبل رأس الحول، فأخذ في هذه المدة العذراوية والسلطانية والفلكية والركنية والقيمرية والعزيزية مع المدرستين اللتين كانتا بيده التقوية والعزيزية‏.‏ وأخذ لولده عيسى تدريس الأمينية ومشيخة الشيوخ، وأخذ أم الصالح لبعض أصحابه وهو العماد المصري، وأخذ الشامية البارانية لصاحب له، واستناب أخاه لأمه شهاب الدين إسماعيل بن أسعد بن حبيش في القضاء وولاه الرواحية والشامية البرانية‏.‏ قال أبو شامة‏:‏ مع أن شرط واقفها أن لا يجمع بينها وبين غيرها‏.‏ ولما رجعت دمشق وغيرها إلى المسلمين، سعى في القضاء وبذل أموالاً ليستمر فيه وفيما بيديه من المدارس، فلم يستمر بل عزل بالقاضي نجم الدين أبي بكر بن صدر الدين بن سني الدولة، فقرئ توقيعه بالقضاء يوم الجمعة بعد الصلاة في الحادي والعشرين من ذي القعدة عند الشباك الكمالي من مشهد عثمان من جامع دمشق‏.‏ ولما كسر الملك المظفر قطز عساكر التتار بعين جالوت ساق وراءهم ودخل دمشق في أبهة عظيمة وفرح به الناس فرحاً شديداً ودعوا له دعاء كثيراً، وأقر صاحب حمص الملك الأشرف عليها، وكذلك المنصور صاحب حماه، واسترد حلب من يد هولاكو، وعاد الحق إلى نصابه ومهد القواعد‏.‏ وكان قد أرسل بين يديه الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري ليطرد التتار عن حلب ويتسلمها ووعده بنيابتها، فلما طردهم عنها وأخرجهم منها وتسلمها المسلمون استناب عليها غيره وهو علاء الدين ابن صاحب الموصل‏.‏ وكان ذلك سبب الوحشة التي وقعت بينهما واقتضت قتل الملك المظفر قطز سريعاً، ولله الأمر من قبل ومن بعد‏.‏ فلما فرغ المظفر من الشام عزم على الرجوع إلى مصر واستناب على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير والأمير مجير الدين بن الحسين بن آقشتمر، وعزل القاضي ابن الزكي عن قضاء دمشق، وولي ابن سني الدولة ثم رجع إلى الديار المصرية والعساكر الإسلامية في خدمته، وعيون الأعيان تنظر إليه شزراً من شدة هيبته.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



انتصار مسلمي المغرب على الفرنج

التاريخ الهجري 663 هـ
ورد خبر من بلاد المغرب بأنهم انتصروا على الفرنج وقتلوا منهم خمسة وأربعين ألفاً، وأسروا عشرة آلاف، واسترجعوا منهم ثنتين وأربعين بلدة منها برنس، وأشبيلية، وقرطبة، ومرسية، وكانت النصرة في يوم الخميس رابع عشر رمضان سنة ثنتين وستين‏.‏
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



وفاة الشيخ شهاب الدين أبو شامة

التاريخ الهجري 665 هـ

الحديث الأشرفية، ومدرس الركنية، وصاحب المصنفات العديدة المفيدة، له اختصار تاريخ دمشق في مجلدات كثيرة، وله شرح الشاطبية، وله الرد إلى الأمر الأول، وله في المبعث وفي الأسراء، وكتاب ‏(‏الروضتين في الدولتين النورية والصلاحية‏)‏، وله الذيل على ذلك، وله غير ذلك من الفوائد الحسان والغرائب التي كالعقيان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/291‏)‏ ولد ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وذكر لنفسه ترجمة في هذه السنة في الذيل، وذكر مرباه ومنشأه، وطلبه العلم، وسماعه الحديث، وتفقهه على الفخر بن عساكر وابن عبد السلام، والسيف الآمدي، والشيخ موفق الدين بن قدامة، وما رئي له من المنامات الحسنة‏.‏ وكان ذا فنون كثيرة، أخبرني علم الدين البرزالي الحافظ عن الشيخ تاج الدين الفزاري، أنه كان يقول‏:‏ بلغ الشيخ شهاب الدين أبو شامة رتبة الاجتهاد، وقد كان ينظم أشعاراً في أوقات، فمنها ما هو مستحلى، ومنها ما لا يستحلى، فالله يغفر لنا وله‏.‏ وبالجملة فلم يكن في وقته مثله في نفسه وديانته، وعفته وأمانته، وكانت وفاته بسبب محنة ألبوا عليه، وأرسلوا إليه من اغتاله وهو بمنزل له بطواحين الأشنان‏.‏ وقد كان اتهم برأي، الظاهر براءته منه، وقد قال جماعة من أهل الحديث وغيرهم‏:‏ إنه كان مظلوماً ولم يزل يكتب في التاريخ حتى وصل إلى رجب من هذه السنة، فذكر أنه أصيب بمحنة في منزله بطواحين الأشنان‏.‏ وكان الذين قتلوه جاؤوه قبل فضربوه ليموت فلم يمت، فقيل له‏:‏ ألا تشتكي عليهم، فلم يفعل وأنشأ يقول‏:‏ قلت لمن قال‏:‏ ألا تشتكي ما قد جرى فهو عظيم جليل يقيض الله تعالى لنا من يأخذ الحق ويشفي الغليل إذا توكلنا عليه كفى فحسبنا الله ونعم الوكيل وكأنهم عادوا إليه مرة ثانية وهو في المنزل المذكور فقتلوه بالكلية في ليلة الثلاثاء تاسع عشر رمضان رحمه الله‏.‏ ودفن من يومه بمقابر دار الفراديس، وباشر بعده مشيخة دار الحديث الأشرفية الشيخ محيي الدين النووي‏.‏ وفي هذه السنة كان مولد الحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي، وقد ذيل على تاريخ أبي شامة لأن مولده في سنة وفاته، فحذا حذوه وسلك نحوه، ورتب ترتيبه وهذب تهذيبه‏.‏ وهذا أيضا ممن ينشد في ترجمته‏:‏ ما زلت تكتب في التاريخ مجتهداً حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا ويناسب أن ينشد هنا‏:‏ إذا سيد منا خلا قام سيد قؤول لما قال الكرام فعول
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



وفاة الخطيب الإمام قطب الدين

التاريخ الهجري 687 هـ
أبو الزكا عبد المنعم بن يحيى بن إبراهيم بن علي بن جعفر بن عبد الله بن محمد بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، القرشي، الزهري، خطيب بيت المقدس أربعين سنة، وكان من الصلحاء الكبار محبوباً عند الناس، حسن الهيئة مهيباً عزيز النفس، يفتى الناس ويذكر التفسير من حفظه في المحراب بعد صلاة الصبح‏.‏ وقد سمع الكثير وكان من الأخيار، ولد سنة ثلاث وستمائة، وتوفي ليلة الثلاثاء سابع رمضان عن أربع وثمانين سنة.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



وفاة شرف الدين المقدسي

التاريخ الهجري 694 هـ
الشيخ الإمام الخطيب المدرس المفتي، شرف الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ كمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر بن حسين بن حماد المقدسي الشافعي، ولد سنة ثنتين وعشرين وستمائة، وسمع الكثير وكتب حسناً وصنف فأجاد وأفاد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/403‏)‏ وولي القضاء نيابة بدمشق، والتدريس والخطابة بدمشق، وكان مدرس الغزالية ودار الحديث النورية مع الخطابة، ودرس في وقت بالشامية البرانية، وأذن في الإفتاء لجماعة من الفضلاء، منهم‏:‏ الشيخ الإمام العلامة، شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية، وكان يفتخر بذلك ويفرح به، ويقول‏:‏ أنا أذنت لابن تيمية بالإفتاء، وكان يتقن فنوناً كثيرة من العلوم، وله شعر حسن، وصنف كتاباً في أصول الفقه جمع فيه شيئاً كثيراً، وهو عندي بخطه الحسن، توفي يوم الأحد سابع عشر رمضان، وقد جاوز السبعين، ودفن بمقابر باب كيسان عند والده، رحمه الله ورحم أباه‏.‏ وقد خطب بعده يوم العيد، الشيخ شرف الدين الفزاري خطيب جامع جراح، ثم جاء المرسوم لابن جماعة بالخطابة‏.‏ ومن شعر الخطيب شرف الدين بن المقدسي‏:‏ أحجج إلى الزهر لتسعى به وارم جمار الهم مستنفرا من لم يطف بالزهر في وقته من قبل أن يحلق قد قصرا
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



وفاة الشيخ شرف الدين أبو الحسن

التاريخ الهجري 701 هـ

علي بن الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الفقيه تقي الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن محمد اليونيني البعلبكي، وكان أكبر من أخيه الشيخ قطب الدين بن الشيخ الفقيه، ولد شرف الدين سنة إحدى وعشرين وستمائة، فأسمعه أبوه الكثير واشتغل وتفقه، وكان عابداً عاملاً كثير الخشوع‏.‏ دخل عليه إنسان وهو بخزانة الكتب فجعل يضربه بعصا في رأسه ثم بسكين فبقي متمرضاً أياماً، ثم توفي إلى رحمة الله يوم الخميس حادي عشر رمضان ببعلبك، ودفن بباب بطحا، وتأسف الناس عليه لعلمه وعمله وحفظه الأحاديث، وتودده إلى الناس وتواضعه وحسن سمته ومرؤءته تغمده الله برحمته.
..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... ..... .....



تكامل بناء المنارة الشرقية

التاريخ الهجري 741 هـ
وتكامل عمارة المنارة الشرقية في الجامع الأموي في العشر الأخير من رمضان، واستحسن الناس بناءها وإتقانها، وذكر بعضهم أنه لم يبن في الإسلام منارة مثلها ولله الحمد‏.‏ ووقع لكثير من الناس في غالب ظنونهم أنها المنارة البيضاء الشرقية التي ذكرت في حديث النواس بن سمعان في نزول عيسى ابن مريم على المنارة البيضاء في شرقي دمشق، فلعل لفظ الحديث انقلب على بعض الرواة، وإنما كان على المنارة الشرقية بدمشق، وهذه المنارة مشهورة بالشرقية بمقابلتها أختها الغربية، والله سبحانه وتعالى أعلم.

المصدر / موقع رمضانيات لعلكم تتقون
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع