قال ابن هبيرة عند قوله تعالى : ( وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) الكهف :39 : ما قال : ( ما شاء الله كان ) أو ( لا يكون ) ،
بل أطلق اللفظ ؛ ليعم الماضي والمستقبل والراهن . ذيل طبقات الحنابلة 3/222 .
( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ) الكهف : 45 ،
إنما شبه تعالى الدنيا بالماء ؛ لأن الماء لا يستقر في موضع ، كذلك الدنيا لا تبقى على حال واحدة ؛
ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا ؛ ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى ؛ ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل ؛ كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها ؛
ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعاً منبتاً ، وإذا جاوز المقدار كان ضاراً مهلكاً ، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر . القرطبي / تفسيره 13 /289 .
قوله تعالى : ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) الكهف :46 ، إنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا ؛ لأن في المال جمالاً ونفعاً ، وفي البنين قوة ودفعاً ، فصارا زينة الحياة الدنيا ؛ لكن مع قرينة الصفة للمال والبنين ، لأن المعنى :المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقرة فلا تتبعوها نفوسكم . القرطبي / تفسيره 13/291 .
( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) الكهف :46 تقديم المال على البنين في الذكر ؛ لأنه أسبق لأذهان الناس ، لأنه يرغب فيه الصغير والكبير ، والشاب والشيخ ، ومن له من الأولاد ما قد كفاه . ابن عاشور / التحرير والتنوير 15/77 .
في قوله تعالى : ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ) الكهف :49 ، قال قتادة رحمه الله : اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء ، ولم يشتك أحد ظلماً ، فإن الله لا يظلم أحداً ، فإياكم والمحقرات من الذنوب ، فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه . الدر المنثور 9/564 .
( وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ) الكهف :49 ، قال عون بن عبد الله : ضج – والله – القوم من الصغار قبل الكبار [ التمهيد 2/84 ] .
فتأمل – وفقك الله – هذه اللفتة من هذا الإمام في التحذير من صغار الذنوب التي يحتقرها كثير من الناس ، مع أنها تجتمع على المرء فتهلكه .
قد يستغرب البعض بل قد ييأس ، وهو يرى بعض الكفرة يبغون ويظلمون ، ومع ذلك لم يأخذهم الله بعذاب ، ولكن من فقه سنن الله ،
وآثارها في الأمم السابقة لا يستغرب ولا ييأس ؛ لأنه يدرك أن هؤلاء الكفرة يعيشون سنة الإملاء والاستدراج التي تقودهم إلى مزيد من الظلم والطغيان ،
وبالتالي إلى نهايتهم وهلاكهم ؛ لكن في الأجل الذي حدده الله ، قال تعالى : ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ) الكهف :59 . عبد العزيز الجليل .
في قوله تعالى : ( لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ) الكهف :62 ، دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض ، وأن ذلك لا يقدح في الرضا ، ولا في التسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا سخط . القرطبي / تفسيره 11/14 .
في قوله تعالى : ( لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ) الكهف :62 ، دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض ،
وأن ذلك لا يقدح في الرضا ، ولا في التسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا سخط . القرطبي / تفسيره 11/14 .
في قوله تعالى : ( آتِنَا غَدَاءَنَا ) الكهف :62 ، دليل على اتخاذ الزاد في الأسفار ، وهو رد على الجهلة الأغمار ، الذين يقتحمون الصحارى والقفار ، زعما منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار ، هذا موسى نبي الله وكليمه من أهل الأرض قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه ، وتوكله على رب العباد . القرطبي / تفسيره 13/321 .
عندما اختار الله معلما لنبيه موسى عليه السلام مدح هذا المعلم بقوله : ( فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً ) الكهف :65 ،
فقدم الرحمة على العلم ؛ ليدل على أن من أخص صفات المعلم : الرحمة ، وأن هذا أدعى لقبول تعليمه ، والانتفاع به . د. عبد الرحمن الشهري .
في قول موسى للخضر : ( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ) الكهف :66 ، التأدب مع المعلم ، وخطابه بألطف خطاب ، وإقراره بأنه يتعلم منه ، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر ، الذي لا يظهر للمعلم افتقاره إلى علمه ، بل يدعي أنه يتعاون هو وإياه ، بل ربما ظن أنه يعلم معلمه ، وهو جاهل جداً ،
فالذل للمعلم ، وإظهار الحاجة إلى تعليمه ، ومن أنفع شيء للمتعلم . ابن سعدي / تفسيره ص482.
قول موسى للخضر : ( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ) الكهف : 66 ، نموذج لطالب العلم الجاد والأدب مع العلماء ،
فموسى عليه السلام نبي مرسل ، ولم تكن تلك المنزلة لتمنعه أن يتعلم ممن أقل منه ، بل قطع الفيافي والقفار ، ولم يتعاظم على العلم ، وذهب في سبيله واجتهد حتى وصل . د. عويض العطوي .
عندما أمر الله رسوله – في سورة الكهف – ألا يقول لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا بعد أن يقول :
إن شاء الله ، بين له القدوة في فعل أخيه موسى حين قال : ( قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ ) الكهف : 69 . د. محمد الخضيري .
( أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ) الكهف : 71 ، هنا ملمح لطيف : فموسى عليه السلام قال : لتغرق أهلها ، ولم يقل ( تغرقنا ) فلم يذكر نفسه ولا صاحبه ،
رغم أنهما كانا على ظهر السفينة ؛ لأن هذه أخلاق الأنبياء : يهتمون بأوضاع الناس أكثر من اهتمامهم بأنفسهم ، عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين . د. عويض العطوي .
قال موسى للخضر لما خرق السفينة : ( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ) الكهف :71 ،
وقال لما قتل الغلام : ( لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا ) الكهف : 74 ، فما الفرق بينهما ؟
الإمر أهون من النكر ، وقد لا يكون منكراً كالنكر ، وإنما يتعجب منه ومن الغرض منه ، والنكر هنا أشد ؛ لأنه فعل منكر قد وقع وهو قتل الغلام بخلاف خرق السفينة فإنها لم تغرق بذلك . درة التنزيل للإسكافي ( ص:157-158 ) .
حين أنكر موسى على الخضر خرق السفينة قال له الخضر : ( قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ) الكهف :72 ، وحين عاد موسى إلى الاعتراض على الخضر وأنكر قتله للغلام – بعد أن أكد للخضر أنه لن يعود للاعتراض عليه – قال له الخضر : ( قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً ) الكهف : 75 فزاد لفظة ( لَّكَ ) ؛
ليفيد التأكيد في بيان عدم صبر موسى على علمه ، وهكذا عادة العرب : تزيد في التأكيد كلما زاد الإنكار . ملاك التأويل للغرناطي ( ص:789 ) .
من أجمل صفات المؤمنين : استعمال الأدب مع الله تعالى حتى في ألفاظهم ؛ فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله : ( فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ) الكهف :79 ، وأما الخير فأضافه إلى الله ، بقوله : ( فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) الكهف : 82 ، وقال إبراهيم عليه السلام : ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) الشعراء :80 ، فنسب المرض إليه والشفاء إلى الله وقالت الجن : ( وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ) الجن :10 ، مع أن الكل بقضاء الله وقدره . السعدي / خلاصة تفسير القرآن ص 451 .
قال مطرف بن عبد الله في قوله تعالى : ( وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ) الكهف : 80 :
إنا لنعلم أنهما قد فرحا به يوم ولد ، وحزنا عليه يوم قتل ، ولو عاش لكان فيه هلاكهما ، فليرض رجل بما قسم الله له ، فإن قضاء الله للمؤمن خير قضائه لنفسه ، وقضاء الله لك فيما تكره خير من قضائه لك فيما يحب . الدر المنثور 6/395 .
يستفاد من قوله تعالى : ( فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ) الكهف :80 ، تهوين المصائب بفقد الأولاد وإن كانوا قطعا من الأكباد ، ومن سلم للقضاء أسفرت عاقبته عن اليد البيضاء . القرطبي 13 / 354 .
قوله تعالى : ( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ) الكهف :82 ، فيه فوائد منها : أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه وذريته وما يتعلق به ، ومنها أن خدمة الصالحين وعمل مصالحهم أفضل من غيرهم ؛
لأنه علل أفعاله بالجدار بقوله : ( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ) الكهف :82 . السعدي / خلاصة تفسير القرآن ص 451 .
تأمل في قول ذي القرنين : ( قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ) الكهف : 87-88 ،
إذ ذكر المشرك بدأ بتعذيبه ، ثم ثنى بتعذيب الله ، ولما ذكر المؤمن بدأ بثواب الله أولاً ، ثم بمعاملته باليسر ثانياً ؛ لأن مقصود المؤمن الوصول إلى الجنة ، بخلاف الكافر فعذاب الدنيا سابق على عذاب الآخرة . ابن عثيمين / تفسير سورة الكهف ، ص: ( 29 ) .
في قوله تعالى : ( عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ) الكهف : 94 ، دليل على اتخاذ السجون ، وحبس أهل الفساد فيها ،
ومنعهم من التصرف لما يريدونه ، ولا يتركون على ما هم عليه ، بل يحبسون حتى يعلم انكفاف شرهم ، ثم يطلقون كما فعل عمر – رضي الله عنه - . تفسير القرطبي 13/384 .
( وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً ) الكهف : 100 ، وجاءت كلمة (عَرَضْنَا ) نكرة ، والمعنى : عرضاً عظيماً تتساقط منه القلوب ، ومن الحكم في ذكر ذلك : أن يصلح الإنسان ما بينه وبين الله ، وأن يخاف من ذلك اليوم ، ويستعد له ، وأن يصور نفسه وكأنه تحت قدميه . ابن عثيمين / تفسير سورة الكهف : ( 140 ) .
( وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ) الكهف : 100-101 ، وهذا يتضمن معنيين : أحدهما : أن أعينهم في غطاء عما تضمنه الذكر من آيات الله ، وأدلة توحيده ، وعجائب قدرته ، والثاني : أن أعين قلوبهم في غطاء عن فهم القرآن وتدبره ، والاهتداء به ، وهذا الغطاء للقلب أولا ، ثم يسري منه إلى العين . ابن القيم / شفاء العليل ص 93 .
من فوائد قصة موسى مع الخضر :أن من ليس له صبر على صحبة العالم والعلم ، فإنه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم ، ومن استعمل الصبر ولازمه ، أدرك به كل أمر سعى فيه . ابن سعدي / تفسيره ص 482 .
في إنكار موسى أكثر من مرة على الخضر ، وعدم صبره ، دليل على أن قلوب المؤمنين مجبولة على إنكار المنكر ؛
لأن موسى عليه السلام وعد الخضر بالصبر ، فلما رأى ما رأى أنكره عليه . القصاب / نكت القرآن 2/215 .
من ثمرات تدبر المشتركين : انظر الفرق! كيف نسب الله – في سورة الكهف – الكلب إلى الفتية لأنهم صالحين ، بينما في سورة الفيل نسب أبرهة وجيشه إلى الفيل لحقارتهم عند الله .
قال تعالى عن أهل الفردوس : ( خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ) الكهف :108 ، فإن قيل :قد علم أن الجنة كثيرة الخير ، فما وجه مدحها بأنهم لا يبغون عنها حولاً ؟ فالجواب : أن الإنسان قد يجد في الدار الأنيقة معنى لا يوافقه ، فيحب أن ينتقل إلى دار أخرى ، وقد يمل ، والجنة على خلاف ذلك . ابن الجوزي / زاد الميسر 4/256 .
تم بحمد الله الإنتهــــــاء من رســـــائل تدبر ( ســورةالكهـــف ) انتظرونـــا مع رسائل تدبر سورة ( مريـــم ) .
( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) مريم :3 ، إخفاء الدعاء ، والإسرار بالمسألة :
مناجاة للرب ، وإيمان بأن الله سميع ، وذل واستكانة ، وسنة من سنن المرسلين . د . عبد الله السكاكر .
تأمل في سر قول عيسى عليه السلام – أول ما تكلم - : ( قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ ءاتانِيَ الكتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا ) مريم : 30 ، قال وهب : أقر عيسى على نفسه بالعبودية لله – عز وجل – أول ما تكلم ؛ لئلا يتخذ إلهاً . تفسير البغوي 5/230 .
من ثمرات تدبر المشتركين :
( وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) مريم : 53 ، فأمل في قوله تعالى : ( مِن رَّحْمَتِنَا ) !!
الأخوة رحمة من رحمات الله ، ومن رحمة الله قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : ( وددت لو أني رأيت إخواني ) ،
فهل ترانا نستحق أخوته عليه الصلاة والسلام ، ثم نشتاق لرؤيته كما اشتاق لرؤيتنا بأبي هو وأمي ؟ .
ذكر ابن تيمية – رحمه الله – أن هذه الآية : ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) مريم :65 ، جمعت أنواع التوحيد الثلاثة : توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، فحاول أن تستخرجها ، زادك الله فهماً لكتابه . مجموع الفتاوى 27/366 .
كان الحسن البصري يعظ فيقول :المبادرة ، المبادرة ! فإنما هي الأنفاس ، لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله تعالى ! رحم الله امرأ نظر إلى نفسه ، وبكى على عدد ذنوبه ، ثم قرأ هذه الآية : ( إِنَّمَا نَعُدّ لَهُمْ عَدًّا ) مريم : 84 ، يعني الأنفاس ،
آخر العدد خروج نفسك ، آخر العدد فراق أهلك ، آخر العدد دخولك في قبرك !. العاقبة في ذكر الموت للأشبيلي ص 82 .
تم بحمد الله الإنتهــــاء من رســـــائل تدبر ( ســورة مريـــــــم) ننتقل بإذن الله إلى رسائل تدير سورة ( طه ) .
سورة طه تضمنت عدداً من المقاصد : أجلاها ذكر أصول السعادة ، حيث ذكر في مفتتحها (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) طه : 1-2 ،
ثم ذكرت تفاصيل السعادة في تضاعيفها ، كتوحيد الله ، والدعوة إلى سبيلة ، والإكثار من ذكره ، ثم أجملت في آخرها ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) طه : 123-124 . د. محمد الحمد / خواطر : ( 228 ) .
عن قتادة في قوله تعالى : ( مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) طه : 2 ، : لا والله ، ما جعله الله شقياً ، ولكن جعله الله رحمة ونوراً ودليلاً إلى الجنة . [الدر المنثور 5/552] ، فتأمل الآية وتعليق هذا الإمام عليها ، ثم لك أن تتعجب أن يتقلب مسلم في الشقاء وكتاب الله بين يديه !.
في قوله تعالى : ( قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ) إلى قوله : ( كَيْ نُسَبِّحك كَثِيرًا ) طه : 25-33 ، أدب من آداب الدعاء ، وهو نبل الغاية ، وشرف المقصد ،
وقريب منه قوله – صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم اشف عبدك فلانا ، ينكأ لك عدوا ، ويمشي لك إلى الصلاة ) . د. محمد الحمد .
( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ) طه : 44 ، كان اللين في الأسلوب والطريقة ، ولم يكن في المضمون والعقيدة . صالح المغامسي .
إذا أمرنا الناس بالدعوة فيلزمنا أن نعلمهم أصولها وأساليبها ؛ لئلا يسيئوا إليها ،
ولنا في ربنا قدوة ، لما أمر موسى بالدعوة قال له : ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) طه : 44 ، ثم وضح القول اللين بقوله : ( فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ( 18 ) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ) النازعات : 18-19 . د. محمد الخضيري .
قرأ رجل عند يحيى بن معاذ هذه الآية : ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ) طه :44 ، فبكى يحيى ، وقال : إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا الإله ! فكيف رفقك بمن يقول أنت الإله ؟! ، هذا رفقك بمن قال : ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) النازعات :24 ، فكيف بمن قال : ( سبحان ربي الأعلى ) ؟ . تفسير البغوي 1/274 .
قال تعالى – في قصة موسى مع السحرة - : ( إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ) طه : 65 ، والحكمة في هذا – والله أعلم – ليرى الناس صنيعهم ويتأملوه ، فإذا فرغوا من بهرجهم ، جاءهم الحق الواضح الجلي بعد تطلب له ، وانتظار منهم لمجيئه ، فيكون أوقع في النفوس ، وكذا كان . تفسير ابن كثير 3/456 .
كان سحرة فرعون آية في اليقين الصحيح والإخلاص العالي عندما رفضوا الإغراء ، وحقروا الإرهاب ، وداسوا حب المال والجاه ، وقالوا للملك الجبار : ( فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنيا ) طه :72 ، وشتان بين هؤلاء الذين يستهينون بالدنيا في سبيل الله ، وبين الذين يسخرون الدين نفسه في التقرب من كيسر أو الاستحواذ على حقير . محمد الغزالي / خلق المسلم ص (91 ) .
ومن أعجب ما ظاهره الرجاء وهو شديد التخويف ، قوله تعالى : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَـنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) طه : 82 ،
فإنه علق المغفرة على أربعة شروط ، يصعب تصحيحها . مختصر منهاج القاصدين للمقدسي 4/68 .
( فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ) طه : 117 ، تأمل كيف جمع بينهما في الخروج من الجنة ،
وخص الذكر بالشقاء فقال : ( تشقى ) ولم يقل تشقيان ؛ لأن الأصل أن الذكر هو الذي يشتغل بالكسب والمعاش ، وأما المرأة فهي في خدرها . [ ابن القيم / انظر بديع الفوائد 3/1210 ] وفي هذا لفتة لمن يدعو إلى خروج المرأة من منزلها إلى ميادين العمل بإطلاق ، وكأن ذلك هو الأصل .
تاملت قوله تعالى : ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ) طه : 123 ، فوجدته على الحقيقة أن كل من اتبع القرآن والسنة وعمل بما فيهما ، فقد سلم من الضلال بلا شك ، وارتفع في حقه شقاء الآخرة بلا شك إذا مات على ذلك ،
وكذلك شقاء الدنيا فلا يشقى أصلاً ، ويبين هذا قوله تعالى : (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) الطلاق :2 . ابن الجوزي / صيد الخاطر : 179 .
عن ابن عباس قال : أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة ، ثم قرأ : (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) طه : 123 ، قال :لا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة . تفسير ابن أبي حاتم 9/304 .
إذا شعرت بالملل من جراء كثرة أمرك أهل بيتك بالصلاة ، وإيقاضهم لها – خصوصاً صلاة الفجر – فتذكر قوله تعالى : ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) طه : 132 ، ففي ذلك أعظم دافع للصبر والاحتساب ، وطرد الملل ، وتذكر عاجل الأجر ، ومآل الصبر بعد ذلك في الآية ( لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ) طه : 132 . د. محمد الحمد .
تم بحمــد الله الإنتهـــاء من رســـــائل تدبر ( ســورة طـه) انتظرونـــا مع رسائل تدبر سورة ( الأنبيــــــاء ) .
( قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ ) الأنبياء : 55 ، هكذا قال قوم إبراهيم – لما دعاهم إلى التوحيد –
فهم يدركون أن الدين الحق لا يجتمع مع اللعب والباطل ، فكيف يريد بعض المنهزمين أن تعيش الأمة بدين ملفق يجمع أنواعاً من اللعب والباطل مع شيء من الحق ؟ ( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ ) ؟ د. عمر المقبل .
في قصة إبراهيم عليه السلام في سورة الأنبياء قال : ( وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ) الأنبياء : 70 ،
وفي الصافات : ( فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ) الصافات : 98 ، وهي قصة واحدة فما الحكمة فيه ؟ الجواب : في سورة الأنبياء أخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه كاد أصنامهم ( وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ) الأنبياء : 57 ،
وأخبر أنهم أرادوا أن يكيدوه كذلك ( وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا ) فتقابل الكيدان ، فلما عاد عليهم كيدهم عبر بالخسارة ،
وفي الصافات قال قبلها : ( قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ) الصافات : 97 فلما رموا نبي الله من فوق البناء إلى أسفل ، عاقبهم الله من جنس عملهم فجعلهم هم الأسفلين ، وأصبح أمر نبي الله عالياً . الإسكافي / درة التنزيل ص 209 .
تأمل قوله تعالى : ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً ) الأنبياء : 87 ، وقوله تعالى : ( وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ) القلم : 48 ،
تجد أنه أضاف كلمة ( ذا ) إلى ( النون ) ، وكلمة ( صاحب ) إلى ( الحوت ) والمقصود واحد وهو يونس عليه السلام ، وسر ذلك – والله أعلم – أن النون اسم للحوت العظيم ، وكلمة ( ذا ) تطلق مع ما يدل على العظمة . د. عويض العطوي .
إظهار الافتقار ، والإقرار بالذنب من أسباب إجابة الدعاء ، تأمل كيف جمعها يونس عليه السلام في ذلك الدعاء العظيم : ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) الأنبياء : 87 -88 ، ولهذا كان سيد الاستغفار من أفضل الأدعية لتضمنه هذا المعنى . د. محمد الحمد .
يقول أحد المشتركين : عندما حرمت من الذرية ست سنوات ، وطرقت أبواب المستشفيات ولم أجد فائدة ، تذكرت قول زكريا : ( رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) الأنبياء : 89 ، فأصبحت أرددها دائماً ، مع الدعاء ، والاستغفار ، والرقية حتى رزقني الله بطفلين ، ولله الحمد .
كرم الرب يتجاوز طمع الأنبياء فيه – مع عظم علمهم به – فهذا زكريا لهج بالدعاء ونادى : ( رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا ) الأنبياء : 89 ،
فاستجب له وجاءته البشرى فلم يملك أن قال : ( قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ) آل عمران : 40 ، فلله ما أعظم إحسان ربنا ! وما أوسع كرمه ! فاللهم بلغنا – برحمتك – فوق ما نرجو فيك ونؤمل . إبراهيم الأزرق .
( وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً ) الأنبياء : 90 ، دام خوفهم من ربهم فلم يفارق خوفه قلوبهم ، إن نزلت بهم رغبة خافوا أن يكون ذلك استدراجا من الله لهم ، وإن نزلت بهم رهبة خافوا أن يكون الله – عز وجل – قد أمر بأخذهم لبعض ما سلف منهم . الحسن البصري / الدر المنثور 5/670 .
( إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ) الأنبياء : 90 ، ولم يقل : يسارعون إلى الخيرات ؛ لأنهم الآن منهمكون في أعمال خيرة ، فهمهم المسارعة فيها ، والازدياد منها ، بخلاف من يسارع إلى شيء ، فكأنه لم يكن فيه أصلاً ، فهو يسرع إليه ليكون فيه . تفسير الشعراوي 1/3540 .
إذا تأملت قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) الأنبياء : 101 ،
وأضفت له قوله تعالى : ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ) الحديد : 10 ، تبين لك أن الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً ؛ لأنه وعد أهل الحسنى بالإبعاد عن النار ، وأخبر أن الصحابة سواء من أسلم قبل الفتح أو بعده موعود بالحسنى . ابن حزم / المحلى 1/44 .
( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ) الأنبياء : 110 ، اختص الله تعالى بعلم الجهر من القول من جهة أنه إذا اشتدت الأصوات وتداخلت فإنها حالة لا يسمع فيها الإنسان ،
ولا يميز الكلام أما الله – عز وجل – فإنه يسمع كلام كل شخص بعينه ، ولا يشغله سمع كلام عن سمع آخر . الوزير ابن هبيرة / ذيل طبقات الحنابلة 1/283 .
في قوله تعالى : ( احْكُم بِالْحَقِّ ) الأنبياء : 112 ، المراد منه : كن أنت – أيها القائل – على الحق ؛ ليمكنك أن تقول : احكم بالحق ؛ لأن المبطل لا يمكنه أن يقول : احكم بالحق ! . ابن هبيرة / ذيل طبقات الحنابلة 1/238 .
تم بحمد الله الإنتهــــاء من رســـــائل تدبر ( ســورة الأنبيـــــــاء) انتظرونــا مع رسائل تدبر سورة ( الحـــج ) .
يا هذا ! اعبد الله لما أراده منك لا لمرادك منه ، فمن عبده لمراد نفسه منه فهو ممن يعبد الله على حرف : ( فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) الحج : 11 ، ومتى قويت المعرفة والمحبة لم يرد صاحبها إلا ما يريده مولاه . ابن رجب / كلمة الإخلاص ، ص : 39 .
وصف الله المسجد الحرام بقوله : ( الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ ) الحج : 25 ، للإيماء إلى علة مؤاخذة المشركين بصدهم عنه ؛ لأجل أنهم خالفوا ما أراد الله منه فإنه جعله للناس كلهم يستوي في أحقية التعبد به العاكف فيه أي :المستقر في المسجد والبادي أي : البعد عنه إذا دخله . ابن عاشور / التحرير والتنوير 17/171 .
( يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ) الحج : 27 ، في تقديم ذكر الرجال على الركبان فائدة جليلة ، وهي أن الله تعالى شرط في الحج الاستطاعة ولا بد من السفر إليه لغالب الناس فذكر نوعي الحجاج لقطع توهم من يظن أنه لا يجب إلا على راكب ، فقدم الرجال اهتماماً بهذا المعنى وتأكيداً ، أو أن هذا التقديم جبرا لهم لأن نفوس الركبان تزدريهم . ابن القيم / بدائع الفوائد 1/73 .
بعد أن ذكر الله المناسك – في سورة الحج – قال : ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) الحج : 30 ، ففيه إشارة إلى أن الحج ليس أقوالاً وأعمالاً جوفاء ، وأن الخير الكثير إنما هو لمن تنسك ؛ معظماً لحرمات الله ، متقياً معصيته ،
ولعل في افتتاح السورة بالأمر بالتقوى ، واختتامها بالجهاد في الله حق المجاهدة تأكيداً على ذلك . د. عبد الله الغفيلي .
( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) الحج : 32 ، أضاف التقوى إلى القلوب ؛ لأنه حقيقة التقوى في القلب ؛
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام – كما في الصحيح – ( التقوى هاهنا ) ثلاثا ، وأشار إلى صدره . القرطبي / أحكام القرآن 12 / 56 .
من شعائر الله التي قل العمل بها : سوق الهدي إلى الحرم ، قال تعالى : ( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ. لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) الحج : 32-33 ،
وقال : ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) الحج : 36 ، قال الرازي : وما أخلق العاقل بالحرص على شيء شهد الله تعالى بأن فيه خيراً ، وبأن فيه منافع . د. محمد القحطاني .
قال تعالى في سياق آيات الحج : ( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) الحج : 34-35 ، ذكر للمخبتين أربع علامات : وجل قلوبهم عند ذكره ( والوجل خوف مقرون بهيبة ومحبة ) ، وصبرهم على أقداره ، وإتيانهم بالصلاة قائمة الأركان ظاهراً وباطناً ،
وإحسانهم إلى عباده بالإنفاق مما آتاهم . [ ابن القيم / انظر شفاء العليل 1/ 106 ] فما أجمل أن ترى الحاج وقد جمل ظاهرة وباطنه بهذه العلامات .
قال تعالى : ( لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ) الحج : 37 ، فالعبادات إن لم يقترن بها الإخلاص وتقوى الله ، كانت كالقشور الذي لا لب فيه ، والجسد الذي لا روح فيه . ابن سعدي / التفسير ص 583 .
ورد في آيات الحج من العناية بأمر القلوب ما لم يرد في أي ركن من أركان الإسلام ؛
لما في أعمال الحج من مظاهر قد تصرف عن مقاصده العظيمة إلى ضدها ، تأمل : ( لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ) الحج : 37 ، فتعاهد قلبك حين أداء نسكك . أ.د. ناصر العمر .
وفيها – أي سورة الحج – من التوحيد والحكم والمواعظ – على اختصارها – ما هو بين لمن تدبره ، وفيها ذكر الواجبات والمستحبات كلها : توحيدا وصلاة وزكاة وصياماً ؛ قد تضمن ذلك قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون َ) الحج : 77 ، فهذه الآية والتي بعدها لم تترك خيراً إلا جمعته ، ولا شراً إلا نفته .
ابن تيمية / مجموع الفتاوى 15/166 .
إذا عبر عن شيء بأحد أجزائه فهذا دليل على أنه ركن فيه ، ومن هنا أخذت ركنية الركوع والسجود في الصلاة من قوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) الحج : 77 .
د. محمد الخضيري .
ختم الله سورة الحج بقوله : ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ) الحج : 78 ، وفي ذلك – والله أعلم – إشارة إلى استمرار الجهاد والمجاهدة بعد الحج ، وأن ذلك ليس خاصاً به ،
بل العبد محتاج لها في الصلاة ، والزكاة ، والاعتصام بالله ، مبينا أن الانضباط بالشريعة – مع حاجته إلى المجاهدة – ليس فيه أي حرج أو عسر ، بل هو سمة هذا الدين ،
ومنهج أبينا إبراهيم ، فهل يتنبه لذلك من يركن للراحة والدعة والتفريط بعد الحج . أ.د. ناصر العمر .
تم بحمد الله الإنتهاء من رســـــائل تدبر ( ســورة الحــــــج) انتظرونـا مع رسائل تدبر سورة ( المـؤمنون ) .