إعلانات المنتدى


عناية الصحابة والسلف الصالح بحفظ القرآن وتلاوته والعمل بأحكامه وأخلاقه

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
بسم الله الرحمن الرحيم

عني الصحابة أيّما عناية بما كان ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- من سور وآيات؛ فقد علموا ما ورد في القرآن من مدح لمن يتلون كتاب الله مثل قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ .لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:٢٩-٣٠].

وسمعوا –أيضاً- النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يحضّهم على حفظه وتلاوته، لذلك أحلّوا كتاب الله من حياتهم المحل الأرفع؛ فكانوا يتنافسون في حفظه، ويتسابقون إلى فهمه، ويتفاضلون بمقدار ما يحفظ الواحد منهم، وكانوا رهبان الليل يقومون به تهجداً وتلاوة في الأسحار،
قال عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-: "كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يُسمع لمسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا".(1)
وتلقّى الصحابة القرآن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأونه حرفاً حرفاً، فكان منهم من حفظه كله، ومنهم من حفظ بعضه في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

حفاظ القرآن من الصحابة:

روى عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "خُذُوا الْقُرْآنَ من أَرْبَعَةٍ: من عبد الله بن مَسْعُودٍ -فَبَدَأَ بِهِ-، وَسَالِمٍ مولى أبي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بن جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بن كَعْبٍ".(2)
وفي هذا الحديث ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- اثنين من المهاجرين الأولين، وهما: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، واثنين من الأنصار هما: معاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب.

أما عبد الله بن مسعود، فهو من الصحابة الأُول ممن آمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد غزوات النبي -صلى الله عليه وسلم- كلها، وكان ممن حفظ القرآن على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان -رضي الله عنه- يفتخر-وحُقَّ له ذلك- فيقول: "والله لقد أخذت من فِي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضعاً وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم".(3)

وأما سالم مولى أبي حذيفة، فهو سالم بن معقل، كان رقيقاً ثم أُعتق، وكان إماماً للمهاجرين من مكة إلى المدينة طوال صلاتهم في مسجد قباء، وكان أقرأهم، وقد تعاهد مع أبي حذيفة على الشهادة، وكان سالم يصيح: بئس حامل القرآن أنا لو هوجم المسلمون من قِبلي. وقد حمل الراية بعد أن استشهد زيد بن الخطاب، في حروب الردة، وقد بُترت يمناه، فحمل الراية بيسراه وهو يتلو قول الله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا والله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:١٤٦]، وقد استشهد في المعارك مع المرتدين.
وأما معاذ بن جبل، فهو صحابي جليل من الأنصار، شهد العقبة الثانية وكان عمره ثماني عشرة سنة، وقد آخى النبي-صلى الله عليه وسلم- بينه وبين عبد الله بن مسعود، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو من أفقه الصحابة وأعلمهم بالحلال والحرام، وأرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن قاضياً ومعلماً، وظلّ فيها إلى أن توفي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعاد إلى المدينة في خلافة الصديق -رضي الله عنه-، وفي خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ذهب في جيش أبي عبيدة عامر بن الجراح -رضي الله عنه- وقد استخلف ابن الجراح معاذاً لما أصيب في طاعون عمواس، وأقرّه عمر بن الخطاب على ذلك.

وأما أُبي بن كعب فهو أقرأ الأئمة، قرأ القرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأخذ عنه القراءة: عبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وأبو عبد الرحمن السلمي. وقد شهد بدراً والمشاهد كلها. وقال عمر بن الخطاب يوم مات أُبي: اليوم مات سيد المسلمين. وليس هؤلاء الصحابة الأربعة هم مَن حفظ القرآن الكريم وحدهم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهناك جمع غفير ممن حفظه منهم، ويكفينا أن نعلم أن من قُتل من الصحابة ببئر معونة ويوم اليمامة أربعين ومئة: قُتل ببئر معونة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبعون، وقُتل يوم اليمامة في حرب المرتدين سبعون، ومن هؤلاء الحفظة: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدرداء عويمر بن زيد، وهؤلاء كلهم أخذوا القراءة عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- . أما الذين عرضوا القرآن على قسم من المذكورين قبلهم فمنهم: أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن السائب، والمغيرة بن عبد الله بن عمرو بن المغيرة، وغيرهم.
ولقد كثر قراء القرآن وحفاظه كثرة هائلة، وما ورد عن مسلم بن مشكم خير دليل على ذلك، فقد قال: "قال لي أبو الدرداء: أعدد من يقرأ عندي القرآن، فعددتهم ألفاً وستمئة ونيفاً، وكان لكل عشرة منهم مقرئ. وكان أبو الدرداء يكون عليهم قائماً، وإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء -رضي الله عنه-".(4)

وحين نقرأ ما أُثر عن السلف الصالح في هذا المجال، نرى العجب العجاب من تأكيدهم على أهمية العمل بأحكام القرآن وأخلاقه.

قال أبو عبد الرحمن السلمي –رحمه الله-: "حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن أنهم كانوا يستقرئون من النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل؛ فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً".(5)
وقال: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن".(6)
وقال أيضاً: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفرطون،
وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً محزوناً، حكيماً حليماً، عليماً سكّيتاً، وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون جافياً ولا غافلاً، ولا صخّاباً، ولا صيّاحاً ولا حديداًً".(7)
وقال القرطبي: "... وينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن، فيفهم عن الله مراده، وما فرض عليه، فينتفع بما يقرأ، ويعمل بما يتلو، فما أقبح لحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم ما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه، وما أقبح أن يُسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه، فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفاراً".(8)
وقال الآجري: "المؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة يرى بها ما حَسُن من فعله وما قَبُح فيه، فما حذّره مولاه حذِره، وما خوّفه به من عقابه خافه، وما رغّب فيه مولاه رغب فيه ورجاه؛ فمن كانت هذه صفته، أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهداً وشفيعاً وأنيساً وحرزاً، ومن كان هذا وصفه نفع نفسه، ونفع أهله، وعاد على والديه وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة".(9)
وقال سيد قطب –رحمه الله- متحدثاً عن منهج الصحابة في تلقي القرآن: "إنهم – في الجيل الأول – لم يكونوا يقرأون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع، ولا بقصد التذوّق والمتاع. لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة، لمجرد الثقافة، ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولاً يملأ به جعبته، إنما كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه، كما يتلقى الجندي في الميدان (الأمر اليومي) ليعمل به فور تلقّيه! ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة؛ لأنه كان يحسّ أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه، فكان يكتفي بعشر آيات، حتى يحفظها ويعمل بها، كما جاء في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-".(10)

وأخيراً؛ فإني على يقين بأن المسلمين اليوم لو اتجهوا نحو حفظ كتاب الله والعمل به، لتغير منهاج حياتهم، ولشعروا بالطمأنينة والسعادة الحقيقية التي يطمح لها الطامحون، ويسعى لها الساعون، ولتغيرت أوضاعهم كما تغيرت أوضاع الأمة العربية بعد بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

---------------
هوامش:
1. مناهل العرفان في علوم القرآن تأليف: محمد عبد العظيم الزرقاني 1/241، دار الفكر.
2. رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار (باب: مناقب أبي بن كعب) ص959، حديث 3808.
3. رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن (باب: القراء من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-) 1294، حديث 5000.
4. حملة القرآن من الصحابة الكرام تأليف: أ.د سيد محمد ساداتي الشنقيطي ص38 الطبعة الأولى 1428-2007، دار الحضارة، الرياض.
5. تفسير الطبري 1/80، بتحقيق وتعليق محمود محمد شاكر ومراجعة أحمد محمد شاكر، الطبعة الأولى 2008، دار ابن الجوزي القاهرة.
6. تفسير الطبري 1/80.
7. أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1/130، الطبعة الأولى 1409-1988، دار الكتب العلمية، بيروت.
8. تفسير القرطبي 1/39 حققه وخرج أحاديثه. د عماد زكي البارودي وخيري سعيد، المكتبة التوفيقية، القاهرة.
9. أخلاق حملة القرآن للآجري ص 39-40 بتحقيق فواز أحمد زمرلي الطبعة الأولى 1407، دار الكتاب العربي بيروت.
10. معالم في الطريق تأليف: سيد قطب ص33، اعتنى به وقدم له وعلق عليه: الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي، الطبعة الأولى 1430-2009، دار عمار، الأردن، عمان.


الكاتب / إبراهيم النعمة / العراق – الموصل
 
  • أعجبني
التفاعلات: شخص واحد

الماسه البيضاء

مشرفة سابقة
2 أبريل 2010
4,594
52
0
الجنس
أنثى
رد: عناية الصحابة والسلف الصالح بحفظ القرآن وتلاوته والعمل بأحكامه وأخلاقه

رضي الله عنهم وأرضاهم

وجعلنا الله ممن يقيم حدوده وحروفه..

جزاكِ الله خيراً
 

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: عناية الصحابة والسلف الصالح بحفظ القرآن وتلاوته والعمل بأحكامه وأخلاقه

رضي الله عنهم وأرضاهم

وجعلنا الله ممن يقيم حدوده وحروفه..

جزاكِ الله خيراً

جزاك الله خيرًا
 

مادي 15

مشرفة الركن العام
المشرفون
16 مايو 2008
12,244
855
113
الجنس
أنثى
القارئ المفضل
عبد الله المطرود
علم البلد
رد: عناية الصحابة والسلف الصالح بحفظ القرآن وتلاوته والعمل بأحكامه وأخلاقه

،،،،
بـارك الله فيكِ أختي الغالية
وجعلنا الله وإياكِ من أهل القرآن
ورزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
 

اذار

مزمار نشيط
1 مارس 2007
45
0
0
الجنس
أنثى
رد: عناية الصحابة والسلف الصالح بحفظ القرآن وتلاوته والعمل بأحكامه وأخلاقه

بارك الله فيك أختنا الفاضلة
اللهم إنا نسألك التدبر فيه والأخذ بأحكامه والتخلق بأخلاقه وأن تجعله شفيعنا يوم لقائك اللهم اجعلنا ممن تبعوا القرآن فأورثهم الجنان ولا تجعلنا ممن تبعهم القرآن فأوردهم النيران برحمتك يا أرحم الراحمين آآميييين

 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع