- 6 يونيو 2008
- 2,850
- 27
- 0
- الجنس
- ذكر
خطبة المسجد الحرام الشيخ صالح بن حميد
http://www.youtube.com/watch?v=icg1ogxCyDs
خطبة المسجد النبوي الشيخ حسين آل الشيخ
http://www.youtube.com/watch?v=r5mEpHCRNho
الأدب والذوق الرفيع
ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "الأدب والذوق الرفيع"، والتي تحدَّث فيها عن الآداب الإسلامية، والأخلاق المرعيَّة التي ينبغي على كل مسلمٍ أن يتمسَّك بها، والتي يتضمَّنُها دينُنا في أحكامه وتشريعاته وتوجيهاته، وضربَ لذلك أمثلةً من الصلاة والزكاة والصيام والحجِّ، وغيرها من العبادات والمُعاملات، وأن الدينَ لم يأمُر إلا بكل فضيلة، ولم ينهَ إلا عن كل رذيلة.
الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله بلُطفه تنكشِف الشدائد، وبالتوكُّل عليه يندفعُ كيدُ كل كائِد، أحمده - سبحانه - وأشكرُه وأسألُه المزيدَ من فضلِه وكرمِه، فبفضلِه ولُطفِه تتواصَلُ النِّعمُ وجميعُ العوائِد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له في كل شيءٍ آيةٌ تدلُّ على أنه الواحد، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه خيارٌ من خيارٍ كريمُ الأصل سيلُ الأماجِد، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله السادة الطيبين الطاهرين أهل المكارِم والمحامِد، وعلى أصحابِه الغُرِّ الميامين انعقَدَت على فضلِهم المعاقِد، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ من كل عابِد، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فليس أطيبَ من العافية، ولا أغنى من القناعة، وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: 26].
الدنيا دارُ عملٍ لا دارُ كسل، ويوم تقومُ الساعةُ لا فوزَ إلا بالطاعة، ومن كان له من نفسِه واعِظ كان له من الله حافِظ، ومن أصلحَ أمرَ آخرتِه صلُح له أمرُ دُنياه، والناسُ لن يُعطُوك أو ينفعوك إلا بما قُدِّر لك، ولن يضرُّوك أو يمنعُوك إلا بما قُضِيَ عليك، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97].
أيها المسلمون:
قِيل لبعض أهل الفضل: هل قرأتَ "أدبَ النفس" لأرسطو؟ فأجابَ بعزَّةٍ وثقةٍ: بل قرأتُ أدبَ النفس لمُحمدٍ - صلى الله عليه وآله وسلم -.
الله أكبر! كتابُ ربِّنا مليءٌ بالتوجيهات والآداب في شؤون الحياة والأحياء، شُربًا وأكلاً، وقولاً وفعلاً، واستِئذانًا ومُحادثات، ولِباسًا ومُعاملات، وضبطًا للمواقيت والمواعيد، ومثلُ ذلك وتفصيلاتُه في كتب الصِّحاح والسُّنن، في سُنَّة المُصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم - وسيرتِه. كيف ونبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - بُعِث ليُتمِّم صالحَ الأخلاق ومكارمِها؟
والأحكامُ والتشريعات حينما كانت تتنزَّل تنزَّلَت مُتكامِلةً في بناءٍ من حُسن الخُلق متين، وسدادٍ في السلوك جميل، وذوقٍ في التعامُل رفيع.
معاشر المسلمين:
أدبُ النفس، ورفعةُ الذَّوق، وجمالُ التعامُل من أجلِّ ما وهبَ الله عبدَه من نعمٍ، ومُراعاة المشاعر، وحُسن المُعاملة مقصدٌ شرعيٌّ من مقاصِد الدين عظيم.
الذَّوقُ مسلكٌ لطيفٌ، وتصرُّفٌ حميدٌ يحملُ معانِي الأدب، وعالِي الرِّقَّة، وحُسن المعشَر، وكمالَ التهذيب، وحُسن التصرُّف، وتجنُّب ما يُحرِجُ أو يجرَح من فعلٍ أو قولٍ أو إشارةٍ.
والناسُ تُحبُّ ليِّنَ الجانِب، باسِط الوجه، والقلوبُ تُقبِلُ على من تواضَعَ لها، فالمواجهةُ بالوجه الجميل، والمُصافحةُ بالكفِّ الكريم، والتحدُّثُ باللسان المُهذَّب يعطِفُ القلوب، ويُمهِّدُ السبيل لقبول كل ما يُقدَّم من علمٍ ونُصحٍ، ونقدٍ وتوجيه.
إخوتي في الله:
وإن من علامات الإيمان وعُنوان السعادة: أن يُرزَق العبدُ ذوقًا راقِيًا، وتهذيبًا رقيقًا ليستمتِع بالحياة، ويحترِم المشاعر، ويُدخِل السُّرورَ على نفسِه وعلى الآخرين من الأقرَبين والأبعَدين، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان.
وهل رأيتُم أرفعَ ذوقًا وأرقَى سلوكًا من أُسوتنا وقُدوتنا وسيِّدنا نبيِّنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -؟!
ألم تقرأوا في سيرته أن الأَمَةَ كانت تأخذُ بيده - عليه الصلاة والسلام - فتنطلق به حيث شاءَت؟ وكان يبدأ من لقِيَه بالسلام، ويبدأ أصحابَه بالمُصافحَة، ولا ينزِعُ يدَه حتى يكون الرجلُ هو الذي ينزِعُ يدَه، ولا يصرِف وجهَه حتى يكون الرجلُ هو الذي يصرِف وجهَه. «ولم يُرَ مُقدِّمًا رُكبتَه بين يدَي جليسِه»؛ أخرجه الترمذي.
ويقول أنس - رضي الله عنه -: ما التَقَمَ أحدٌ أُذنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني: يُناجِيه - فيُنحِّي رأسَه حتى يكون الرجلُ هو الذي يُنحِّي رأسَه، وكان ضحِكُه تبسُّمًا.
معاشر الأحِبَّة:
أما تعليماتُ ديننا وأحكامُه وتشريعاتُه وتوجيهاتُه فلها في ذلك من الدقائق واللطائِف ما لا ينقضِي منه العجَب، وفي عرضٍ واستِعراضٍ للعبادات الكُبرى في الإسلام يستَبينُ للناظِر والمُتأمِّل متانةُ الأواصِر التي ترتبِطُ فيها العباداتُ بالأخلاق والسلوك والتهذيب.
عباداتٌ هي أركانُ الدين وقِوامُه، مُختلفةٌ في مظهَرها، مُتَّفقةٌ في جوهَرها، هي مدارِجُ الكمال، ومراقِي الطُّهر، وسجايا الكرَم.
فالصلاةُ تنهَى عن الفحشاء والمُنكَر، وفي الصلاة مظاهرُ الذَّوق ورفيع الأدب؛ من أخذ الزينة عند المسجد، والطِّيب، والمشي بسكينةٍ ووقار، وتسوية الصُّفوف وسدّ الفُرَج، وتجنُّب أكل الثُّوم والبصَل، وكل ما له رائحةٌ كريهةٌ.
ولقد قال المُصطفى - صلى الله عليه وسلم - لمُتخطِّي الصفوف: «اجلِس فقد آذيتَ».
فإذا كنتَ - يا عبد الله - تُريد تحصيلَ الفضيلة في عبادتك فإياك أن يترتَّب على ذلك إيذاءُ إخوانك.
أما الزكاة فقد قال فيها - عزَّ شأنُه -: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103]. وتُخفِي الصدقة وتُبدِيها حسب الأحوال، مما يُحافِظُ على أدب النفوس ويتجنَّبُ جرحَها وإيذاءَها، قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة: 263].
بل إن مفهومَ الصدقة في ديننا أوسع من التصدُّق بالمال؛ فتبسُّمُك في وجه أخيك صدقة، وإرشاد الضالّ صدقة، وإماطةُ الأذى عن الطريق صدقة، وبصرُك للرجل رديء البصر صدقة.
أما الصيام فصيامٌ عن الزُّور كلِّه قولاً وعملاً، «ومن لم يدَع قولَ الزُّور والعملَ به والجهلَ فليس لله حاجةٌ في أن يدَع طعامَه وشرابَه». وإنما الصيامُ عن اللَّغو والرَّفَث، «وإن سابَّه أحدٌ أو شاتَمَه فليقُل: إني صائِمٌ».
والحجُّ زادُ التُّقَى، الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: 197]، في الحج عليكم بالسكينة، وإياكم والغُلُوّ، واجتنِبُوا إيذاءَ إخوانكم في مواطِن الزِّحام، في النَّفير من المشاعِر، ورميِ الجِمار، والطواف، وتقبيل الحجَر الأسوَد، والسعيِ.
معاشر الأحِبَّة:
يعجزُ بعضُ أصحابِ العبادات والكُرُبات - وفَّقهم الله وتقبَّل منهم - يعجَزون أن يربِطوا بين حُسن التعبُّد وحُسن الخُلق وسُمُوّ الذَّوق، فترى هذا المُتعبِّد - حفظَه الله - يحرِصُ على العبادات في أوقاتِها وهيئاتِها، لكنَّه قد يرتكِبُ أعمالاً يأباها الخُلُق الكريم، ومن لم تُزكِّه عبادتُه وتُهذِّبُه ديانتُه فما الذي حصَّلَه يا تُرَى؟! وخبرُ المُفلِس عند أهل الإسلام معلوم، وهو من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ، ويأتي وقد شتَمَ هذا، وقذَفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفَكَ دمَ هذا، وضربَ هذا. وحينئذٍ يكونُ القِصاصُ؛ فأين حسناتُه؟!
وهل يبدو تقيًّا من بدا كالِحَ الوجه، بادِيَ الشرِّ، قريبَ العُدوان؟! وآيةُ المنافق ثلاث: «إذا حدَّثَ كذَب، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا عاهَدَ غدَر، وإن صلَّى وصامَ وزعمَ أنه مسلمٌ»؛ حديثٌ صحيحٌ.
ومن مطلوب العبادات ومقاصِدها: ألا تختلِف القلوبُ، ولا تُكدَّر النفوسُ، «سوُّوا صفوفَكم، ولِينُوا في أيدي إخوانِكم، ولا تختلِفوا فتختلِفَ قلوبُكم»، «والمؤمنُ بحُسن خُلُقه يُدرِكُ درجةَ الصائم القائم»؛ رواه أبو داود.
معاشر المُسلمين:
ومما يتجلَّى فيه مظاهر الذَّوق والأدَب الرفيع في دينِنا: آدابُ الأكل من غسل اليدَين، والأكل مما يلِيه، ولا ينفُخ في الطعام، ولا يتنفَّس في الإناء، ولا يفعَلُ ما يُستقذَرُ أو يُستنكَرُ أو يُستكرَه قولاً وفعلاً وإشارَة، وكُل من الطعام المُباح ما اشتهيتَ، والبَس من اللِّباسِ ما يشتَهيه الناسُ.
دُعِيَ نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - إلى ضِيافةٍ عند رجُلٍ، فيقولُ له - عليه الصلاة والسلام -: «لقد دعوتَنا خمسة، وهذا تبِعَنا، فإن شئتَ قبِلتَه وإن شئتَ أرجعتَه». فقال الرجلُ: قبِلناهُ من أجلِك يا رسول الله.
هذا - وربِّكم - هو الأدبُ، وهذا هو الذَّوق في أسمَى صُوره ومعانِيه.
ومن دلائل الأدب العالِي والذَّوق الرَّفيع: آدابُ الزيارات والاستِئذان من جميع الأعمار، من البالِغين والأطفال، من طرق الباب من غير عُنفٍ، وعدم الوقوف مُقابِل الباب؛ فإنما جُعِل الاستِئذان من أجل البصر، وتخيُّر أوقات الزيارة، وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور: 28]، والجلوسُ حيث يُجلِسُه صاحِبُ البيت أو حيثُ ينتهِي به المجلِسُ حسب الأحوال.
والقومُ أعلمُ بعورات بيوتِهم، ولا يُقيمُ أحدًا من مجلسِه ليجلِسَ فيه، وافسَحوا يفسَحِ الله لكم، وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا [المجادلة: 11]. ولا يتناجَى اثنان إلا بإذن الثالِث؛ فإن ذلك يُحزِنُه، وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا [النور: 59]، والذين لم يبلُغوا يستئذِنون في العورات الثلاث: من قبلِ صلاة الفجر، وحين وضع الثياب من الظَّهيرة، ومن بعد صلاة العشاء.
وفي أدب الاجتِماعات والتشاوُر وإدارة الجلَسات يأتي التوجيهُ القُرآنيُّ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: 62].
ومن اللِّياقة في آداب الجوار والجيران: ألا يطَّلِع على دارِه، ولا يُتبِع نظرَه فيما يحمِلُه، ويغُضّ طرفَه عن حرَمه، ويستُر ما ينكشِف من عورته.
ومن زارَ مريضًا فمن الكياسَة: أن يُخفِّف الجلوسَ، ويدعُو بالعافية؛ فإن المريضَ يُعاد، والصحيحَ يُزار.
ومما تتجلَّى فيه اللَّباقة واللَّياقة وحُسن الذَّوق: قيادةُ المركَبات، ومُراعاة إيقافِها في مواقفِها، والتِزامُ قواعِد المُرور، وضوابط السَّير، وحُسن الوقوف المُنظَّم صفوفًا، وحُسن استِخدام المرافِق العامَّة والمُحافظةُ عليها ونظافتُها وصيانتُها وعدمُ العبث بها والتعدِّي عليها.
ناهِيكم بما أنعمَ الله به على أهل هذا الزمان من وسائل الاتصال وما يجبُ من مُراعاة الأدب في استِعمالِها مُحادثةً وإرسالاً واستِقبالاً.
ومن أبرز علامات الذَّوق وأرفعها وأعلاها: الحياء حين يتحرَّجُ عن فعلِ ما لا ينبَغي، ويترفَّعُ عما لا يليق.
تأمَّلُوا هذه الصورةَ النبويةَ الرفيعةَ، يقول أبو سعيد الخُدري - رضي الله عنه -: "كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أشدَّ حياءً من العذراء في خِدرها، وكان إذا رأى شيئًا يكرهُه عرفناه في وجهِه"؛ رواه مسلم.
نعم، إن من الذَّوق الرفيع: أن يخجَل الإنسان أن يُؤثَرَ عنه سوءٌ، وأن يحرِصَ على بقاء سُمعتِه نقيَّةً من الشوائِب بعيدةً عن الإشاعات، يذُودُ عن سُمعتِه ظُنون العباد.
ومن هذه الآداب: معرفةُ حقوق أصحاب الحُقوق، ومنزلة أصحاب المنازِل، وإيتاء كل ذي فضلٍ فضلَه؛ فللغلام مع من يكبُرُه مُعاملة، وللطالِب مع مُعلِّمه مُعاملة، وللولَد مع والدِه مُعاملة، وللسُلطان منزلتُه، وللعالِم مقامُه.
أيها المسلمون:
هذه بعضُ التصرُّفات والمسالِك التي يستَبينُ فيها حُسن تصرُّف الرجُل وكياسَته ولباقَتُه، وقد قال أهلُ الحكمة: "الفضلُ بالعقل والأدب لا بالأصل والحسَب؛ بل إن من قعَدَ به حسَبُه نهضَ به أدَبُه".
والأدبُ وسيلةٌ إلى كل فضيلةٍ، وذريعةٌ إلى كل شريعةٍ. يقول أبو جعفر المنصورُ: "إن أحببتَ أن يكثُر عليك الثناءُ الجميلُ بغير نائِلٍ فالقَهم ببُشرٍ حسنٍ".
والذَّوقُ الرفيعُ - عباد الله - ليس ضعفًا؛ فالرجلُ الكريمُ يُفضِّلُ أن يُريقَ دمَه على أن يُريقَ ماءَ وجهه، والعاقلُ في حضرة الرِّجال يُحكِمُ سلوكَه، ويضبِطُ تصرُّفَه، يتكلَّمُ بقدرٍ، ويتصرَّفُ بذوقٍ، وإن تمعُّر الوجه، واهتِزاز المشاعِر في بعض المواقِف دليلُ سمُوٍّ كامنٍ وطبعٍ كريمٍ.
مُستحكِمُ الأدب من أي الأقطار أتيتَه قابلَكَ بكرَمِ فِعالٍ، وحُسن مقالٍ. ورُبَّ قولٍ أشدُّ من صَولٍ، ومن حصافَة عقل المرء أن يكون الاستِماعُ أحبَّ إليه من النُّطق.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان: 18، 19].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله رفعَ قدرَ ذوي الأقدار، أحمده - سبحانه - وأشكرُه برحمته وفضلِه، وحكمتِه وعدلِه تنفُذُ مصارِيفُ الأقدار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يخلُقُ ما يشاءُ ويختار، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه البشيرُ النذيرُ، والمُصطفى المُختار، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله الطيبين الأطهار، وعلى أصحابه السادة الأخيار، والتابعِين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما تعاقَبَ الليلُ والنهار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أيها المسلمون:
العاجِزُ من عجزَ عن سياسة نفسِه، مسكينٌ من جفَّ ذوقُه، وغلُظَ طبعُه، فلا تسأل عما يُحدِثُه في نفسِه والناسِ من أذًى وشرخٍ وشقاءٍ، لا يُراعِي مشاعِر، ولا يأنَفُ من مُواجَهات، جَهولٌ نزِقٌ، يُقلِّبُ المواجِع، وينشُرُ المعايِب.
وابن القيم - رحمه الله - يصِفُ أمثالَ هذا فيقول: "فمُخالطتُه حُمَّى الرُّوح، ثقيلٌ، بغيضٌ لا يُحسِنُ أن يتكلَّم فيُفيدِك، ولا يُحسِنُ أن يُنصِتَ فيستفيدَ منك، ولا يعرِفُ نفسَه فيضعَها موضعَها".
إن للثَّرثَرة ضجِيجًا يذهبُ مع الرُّشدِ، وثمَّة فِئةٌ ممن يتصدَّرُون المجالِس، يجزِمُ مُستمِعُهم أنهم لا يتحدَّثُون من وعيٍ يقِظٍ، ولا فِكرٍ عميقٍ، ولا ذوقٍ رفيعٍ؛ بل ربما ظنَّ الظانُّ أن لدَيهم انفِصامًا بين الاتِّزان وهذا الكلام المُتناثِر، وما استقامَ قلبُ عبدٍ حتى استقامَ لسانُه. والعياذُ بالله من أُناسٍ يبسُطون ألسِنَتهم بالسُّوء، يتسقَّطون الأخبار، ويتتبَّعون العورات، هُمزةٍ لُمَزة، «وإن أبغضَ الرِّجال إلى الله: الألدُّ الخصِم»؛ رواه البخاري.
وآفةُ ذي الحِلمِ: طيشُ الغضب، ومن ساءَ أدبُه ضاعَ نسَبُه، والغريبُ من لا أدبَ له، وشرُّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركَه الناسُ اتِّقاءً فُحشِه.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فإن الرجُل النبيلَ لا يفقِدُ خُلُقه مع من لا خُلُق له، وهل تكونُ المُداراةُ إلا مع السُّفهاء وأصحاب الطِّباع الشَّرِسة والوجوه الصَّفيقة، وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: 63].
هذا، وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم، فقال في محكم تنزيله - وهو الصادقُ في قِيلِه - قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمدٍ الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتَك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافيةِ، ومُدَّ في عُمره على طاعتك، ووفِّقه ونائِبَيْه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.
اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهُدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى فيه أهلُ المعصية، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين، اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين، واحقِن دماءَهم، وولِّ عليهم خيارَهم، واجمَع على الحق والهُدى والسنَّة كلمتَهم، وانصُرهم على عدوِّك وعدوِّهم.
اللهم احفظ إخوانَنا في سوريا، اللهم احفظ إخوانَنا في سوريا، اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم، واشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم، وآوِي شريدَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم، اللهم واجعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافيةً، اللهم انصرهم على عدوِّك وعدوِّهم.
اللهم وعليك بالطغاة الظلمة في سوريا، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعل الدائرةَ عليهم، واجعل تدميرَهم في تدبيرهم يا قوي يا عزيز.
اللهم عليك باليهود الغاصِبين، اللهم عليك باليهود الصَّهايِنة الغاصِبين المُحتلِّين، فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم وأنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرمِين، اللهم إنا ندرأُ بك في نُحورِهم، ونعوذُ بك من شُرورهم، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعل دائرةَ السَّوء عليهم يا قوي يا عزيز.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23].
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90].
فاذكُروا الله يذكُركم، واشكُرُوه على نعَمه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، والله يعلمُ ما تصنَعون.
تحكيم شرع الله
ألقى فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "وجوب تحكيم شرع الله"، والتي تحدَّث فيها حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي فيه التحذير من أمورٍ خمسة، من أبرزها: الحكم بغير ما أنزل الله، وأن الفقر والبأس بين المسلمين من جرَّاء ذلك، وحثَّ على الالتزام بشرع الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففيهما النجاح والفلاح.
الخطبة الأولى
الحمد لله عظي الشَّان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحيمُ الرحمن، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه سيدُ ولد عدنان، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِهِ إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا أيها المُسلمون:
أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70، 71].
أيها المسلمون:
حديثٌ عظيمٌ من النبي الكريم - عليه أفضل الصلاة والتسليم -، حديثٌ فيه التحذيرُ الأكيد، والزَّجرُ الشديد من أسباب الفساد في البلاد والعباد.
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أقبلَ علينا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا معشر المُهاجِرين! خمسُ خِصالٍ إذا ابتُليتُم بهنَّ - وأعوذُ بالله أن تُدرِكوهنَّ -: لم تظهر الفاحِشةُ في قومٍ قطُّ حتى يُعلِنوا بها إلا فشَا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن مضَت في أسلافِهم الذين مضَوا، ولم ينقُصوا المِكيالَ والميزانَ إلا أُخِذُوا بالسِّنين وشدَّة المؤونة وجَور السُّلطان، ولم يمنَعوا زكاةَ أموالهم إلا مُنِعوا القطرَ من السماء ولولا البهائِمُ لم يُمطَروا، ولم ينقُضوا عهدَ الله وعهدَ رسُولِه إلا سلَّطَ الله عليهم عدوًّا غيرَهم، فأخذَ بعضَ ما في أيديهم، وما لم تحكُم أئمَّتُهم بكتابِ الله ويتخيَّروا مما أنزلَ الله إلا جعل الله بأسَهم بينهم»؛ أخرجه ابن ماجه وغيره،وصحَّحه الحاكم ووافقَه الذهبي، وصحَّحه جمعٌ من أهل العلم.
حديثٌ يُبيِّنُ للأمة أن أصلَ الفساد: البُعد عن المنهَج الإلهيِّ، والانحراف عن المسلَك النبويِّ، ولا غرْوَ فالمعاصِي والسيئات أساسُ كل بلاءٍ وشرٍّ، ومجلَبَةُ كل بأساءٍ وضرَّاء، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30].
وإن أحوالَ المسلمين المُزرِيَة اليوم لتُوقِفَنا أمام هذا الحديث في وقفاتٍ ثلاث:
الأولى: أن نعلمَ أن أسبابَ انتِشار الأوبِئَة الفتَّاكة، ووقوع الأدواء الغريبة، سببُ ذلك: كثرةُ الخبَث، وانتِشارُ الخَنا، وكثرةُ الفواحِش من الزِّنا واللِّواطِ والسِّحاق، وانتِشارُ وسائلِها والدعوة إليها عن طريق وسائل الإعلام المُتنوِّعة.
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «ما من قومٍ يُعملُ فيهم بالمعاصِي هم أكثرُ وأعزُّ ممن يعملُ بها ثم لا يُغيِّرُونَه، إلا يُوشِكُ أن يعمَّهم الله بعقابٍ»؛ حسَّنَه أهل العلم.
وفي الحديث الآخر: «لا تزالُ أمَّتي بخيرٍ ما لم يفشُ فيهم ولدُ الزِّنا، فإذا فشَا فيهم ولدُ الزِّنا فيُوشِكُ أن يعمَّهم الله بعقابٍ». قال ابن حجر: إسناده حسنٌ، والمرادُ: انتشارُ الزِّنا.
وقد جاء في رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - في هذا الحديث العظيم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ولا ظهرَت فيهم الفاحِشةُ إلا فشَا فيهم الموتُ»؛ حسَّنَه جمعٌ من المُحقِّقين.
الوقفةُ الثانيةُ: أن أكلَ المال الحرام والتهاوُن في هذا الباب بأكل الأموال بالباطل، وذلك لا يقتصِرُ على التطفيف في المِكيال؛ بل ينتظِمُ التعامُلات الماليَّة، وأنه يجبُ أن تُبنَى على العدل والحق فلا وكَسَ ولا شطَطَ، ولا بخسَ ولا نقصَ، ولا غِشَّ ولا خِداعَ، ولا تلاعُبَ ولا تغريرَ، بأي صورةٍ كانت، وعلى أي شكلٍ من الأشكال، وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة: 188].
وإن من أشدِّ أنواع التطفيف التي يتحقَّقُ من جرَّائِها هذه المصائِب، إن من أشدِّ ذلك: الوُلوجَ في أكل الأموال العامة، واستِغلال النفوذ بنَهب أموال بيت المُسلمين، واستِعمالَ الوظائِف للتربُّح غير المشروع، ناهِيكَ عن الرِّشوةِ بشتَّى أشكالِها.
فكل ذلك إذا انتشرَ في أرض المُسلمين فهو من أسباب ظهور الفساد، ومن بواعِث البلايا والمِحَن ليس على الفرد العاصِي، وغنما على المُجتمع ككُلٍّ.
فمتى انحرفَ الناسُ عن أحكام الإسلام في كسْبِ المال، وعن نظام القُرآن والسنَّة في ذلك حلَّ بهم الضَّنْكُ في العيش، وحصلَ لهم الضَّررُ بشتَّى أنواعِه؛ من غَور المياه وقلَّة الأمطار، وكثرة موجات الغُبار، مع نقصٍ في البرَكات، وغلاءٍ في الأسعار، وانتِشارٍ للفقر، ناهِيكَ عن انتِشار الظُّلم في أرض المُسلمين، ووقوع الجَوْر والحَيْف. والجزاءُ من جنسِ العمل.
ومتى استقامَ الناسُ في تعامُلاتهم الماليَّة على ما شرعَه الله ورسولُه - صلى الله عليه وسلم - جعلَ الله لهم من كل ضيقٍ مخرَجًا، ورزقَهم من حيث لا يحتسِبُون، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3].
وبهذا المُناسَبة؛ فإنه في مثلِ هذه المواسِم يكثُر من بعضِ المُزارِعين بيعَ الثِّمار قبل بُدُوّ صلاحها، وذلك وقوعٌ فيما نهَى عنه سيِّدُنا وحبيبُنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - الذي نهَى عن بيع الثِّمار حتى يبدُوَ صلاحُها، وفي النَّخلِ أن يبدُوَ احمِرارُها أو اصفِرارُها، ويَطيبَ أكلُها.
الوقفةُ الثالثة: أن واجبَ الدولة الإسلامية: تطبيقُ أحكام الوحيَيْن في الشؤون كلِّها، وفي مناهِج الحياة جميعِها، وأن يجعلَ الناسُ أحكامَ الإسلام دستُورَهم في كل دقيقٍ وجليلٍ، فحينئذٍ سيعُمُّهم الأمنُ والأمانُ، والاستِقرارُ والرَّخاءُ، والعيشُ الرَّغيدُ، والحياةُ الهنيئةُ، وبمِقدار ما ينحرِفون عن منهَج الشريعة تحُلُّ بهم النَّكَبات، وتحصُلُ لهم المصائِبُ والأزَماتُ، يقول - جل وعلا -: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 124].
إن البلاد الإسلامية حينما تَحيدُ عن تطبيق شريعة الإسلام كُلاًّ أو بعضًا يُصيبُها النقصُ، وتدبُّ إليها الشُّرور والفتن، وما عاشَتْه وتعيشُه بُلدانٌ إسلاميَّةٌ من فتنٍ أليمةٍ هلَكَ فيها الحرثُ والنَّسْلُ، وسُفِك فيها الدماء، وهُتِكَت الأعراض، واختلَّ الأمنُ، وحلَّت العاقبةُ السيئة بنظام الحُكم الحائِد عن منهَج الإسلام، كل ذلك بسبب تحكيم القوانين الوضعيَّة، والحُكم بغير ما أنزلَ الله.
حتى عمَّ الظُّلمُ في الأرض، وفشَا في العباد، وكثُر الفساد فطغَا، فدبَّ حينئذٍ بين الحاكِم والمحكومِ التباغُض، واتَّسَعت الهُوَّة، وفقَدَ الناسُ مفهومَ قولِه - صلى الله عليه وسلم -: «خيارُ أئمَّتِكم: الذين تُحبُّونهم ويُحبُّونَكم، وتدعُون لهم ويدعُون لكم، وشِرارُ أئمَّتِكم: الذين تُبغِضُونَهم ويُبغِضُونَكم، وتلعَنونَهم ويلعَنونَكم». فالشرعُ وتطبيقُه هو سبيلُ الأمان.
فيا أيها العُقلاء في كل بلدٍ إسلاميٍّ حلَّت به ثورةٌ من الثورات، ثم انقلَبَ نظامُ الحُكم! ليُبنَى حُكمُكم على الكتاب وعلى سُنَّة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلا فإنَّكم لم تُغيِّروا ولن تُغيِّروا فسادًا، ولن تُحقِّقُوا إصلاحًا.
فإنه بدُون تطبيق شرع الله يعُمُّ من الشُّرور ما لا نهايةَ له، ويلُّ بالعباد من المصائِب ما لا حدَّ له، وأساسُ هذا الكلام أن يجعل الله حينئذٍ بأسَكم بينَكم، كما بيَّنه هذا الحديثُ العظيمُ: «وما لم تحكُم أئمَّتُهم بكتابِ الله ويتخيَّروا مما أنزلَ الله إلا جعل الله بأسَهم بينهم»، وفي حديثٍ آخر: «وما حكَموا بغير ما أنزلَ الله إلا فشَا فيهم الفقرُ».
عقوبتان واقِعتان: حلول الفقر والبَطالَة والمصائِب الماليَّة، وحلول البأس بين المُسلمين كل ذلك - أيها المؤمنون - هو بسبب البُعد عن منهَج القرآن.
لماذا - أيها المسلمون - لا تُحكِّموا كتابَ الله؟ لماذا لا تلتزِموا بسُنَّة نبيِّكم - عليه أفضل الصلاة والسلام -؟
ألم يأخُذ عليكم العهد أن تلتزِموا بكتابِه، وأن تهتدُوا بسُنَّة رسولِه - صلى الله عليه وسلم -؟! فلِمَ تُغرِّدون يمينًا وشِمالاً؟! فإنكم بذلك ستُحقِّقون لبلادِكم من الكوارِث والشُّرور والفساد ما اللهُ به عليمٌ.
فعليكم ثم عليكم الأخذُ بكتابِ الله وسُنَّة رسولِه - صلى الله عليه وسلم - تسلَموا وتغنَموا.
يا أبناء هذا الدين:
بالإسلام تتَّفِقُ كلمتُكم، وتعلُو شوكتُكم، وتسعَدُ حياتُكم، ويهنأُ عيشُكم. وبالبُعد عنه وعن تحكيمِه تُصبِحون مُشتَّتين تتنافَرُ ولاءاتُكم، وتختلفُ سياساتُكم، وتتعارَضُ مصالِحُكم، ويدُبُّ إليكم التنازُع والتدابُر، والتباغُض والتشاحُن، ثم التقاتُل والتناحُر، على حدِّ قول القائل:
يتقاتَلون على بقايا تمرةٍ فخناجِرٌ مرفوعةٌ وحِرابُ
كفى - يا أهل الإسلام - خِلافٌ وتنازعٌ والقرآن يُتلَى. كفَى تقاطعٌ وتقاتُلٌ وسُنَّة المعصُوم واضِحة المعالِم لديكم، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50]، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59].
أما أنتُم، فيا أهل البلاد الذين منَّ الله عليهم بتحكيم الإسلام وبشرع رسولِ الله - عليه أفضل الصلاة والسلام -، التزشموا بهذه النِّعمة، اشكُروا الله على هذه النعمة، لا تَحيدُوا يمنةً ولا يسارًا عن هذا المنهَج العظيم؛ فإن الله لم يكُ مُغيِّرًا نعمةً حتى يُغيِّرُوا ما بأنفُسِهم.
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعَنا بما فيه من الآيات والبيان، أقول هذا القول، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أحمدُ ربي وأشكرُه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِه.
أيها المسلمون:
مما لا خلافَ فيه بين الخُبراء في العالَم: أن بلادَ المُسلمين أغنَى بلاد الدنيا في خيراتِها وثرواتِها الظاهرة والباطِنة، وفي موقعِها المُتميِّز، ومع هذا فكثيرٌ منها - أي: من هذه البلاد الإسلامية - في عِداد الدول الفقيرة، ناهِيكَ عن شُيُوع الفقر والبَطَالَة في بلاد المُسلمين، والتقاريرُ تُؤكِّد على أن كثيرًا من المُسلمين يعيشُون تحت خطّ الفقر.
إذًا فلماذا هذا كلُّه؟!
إن هذا ناتِجٌ عن أسبابٍ ترجِعُ في جُملتها إلى تنحِيَة حُكم الإسلام الذي نزلَ به القرآنُ منهجًا مُتكامِلاً، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وما لم تحكُم أئمَّتُهم بما أنزلَ الله إلا فشَا فيهم الفقرُ».
وليعلَم الذين يُنادُون بدخول مبادئ الاقتِصاد الغربيِّ - الذي يُخالِفُ منهجَ القُرآن - في اقتِصاد الإسلام، أنهم يقُودون المُسلمين إلى هاوِيةٍ عظيمةٍ من الشُّرور والبلايا والفقر والمصائِب، لا يعلمُ بعاقبتِها إلا الله - جل وعلا -.
إن من البلاء الكبير والشرِّ المُستطير: ما بُلِيَت به الأمةُ منذ عقودٍ من أقوامٍ انبَهَروا بالحضاراتِ الزَّائِفَة، فأصبَحوا يطعَنون في بعضِ أحكام الإسلام، وآخرُون يرَونَه نظامَ عباداتٍ فقط لا نظامَ تشريعٍ ومنهَج حياة. فأولئك بهم الأمةُ ضعُفَت وذلَّت وخسِرَت، وبهم تقهقَرَت وأصبحَت خلفَ الرُّكبان.
فلا بُدَّ من مُحاربَة أفكار هؤلاء، لا بُدَّ من التعاوُن من جميع المُسلمين على الأخذ بأيديهم، وتطبيق أحكام الإسلام فيهم حتى تنجُو الأمةُ وتسلَم.
ثم إن لله - جل وعلا - أمرَنا بالصلاةِ والتسليم على النبي الكريم، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المُسلمين بتطبيق الإسلام، اللهم أصلِح أحوالَنا بالالتِزام بسُنَّة سيِّد ولد عدنان - عليه أفضل الصلاة والسلام -، اللهم أقِرَّ أعيُنَنا بتحكيم الإسلام في كل بلاد المُسلمين، اللهم أقِرَّ أعيُنَنا بتطبيق أحكام الإسلام في جميع ديار المُسلمين.
اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم نسألُك بقوَّتك أن تكفِيَهم شِرارَهم، اللهم اكفِهم شِرارَهم، اللهم اكفِهم شِرارَهم، اللهم لا تجعل للفُجَّار عليهم ولايةً، اللهم لا تجعل للفُجَّار عليهم ولايةً، اللهم لا تجعل للفُجَّار والأشرار على المُسلمين ولايةً يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تُحبُّه وترضَاه، اللهم اجعَله هادِيًا مهديًّا، اللهم خُذ به على أيدي السُّفهاء، اللهم اجعَله شوكةً على من فيه شرٌّ على الإسلام والمُسلمين يا حي يا قيوم.
اللهم اغفر لنا وللمسلمين والمسلمات، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذابَ النار.
عباد الله:
اذكُروا اللهَ ذِكرًا كثيرًا، وسبِّحوه بُكرةً وأصيلاً.
http://www.youtube.com/watch?v=icg1ogxCyDs
خطبة المسجد النبوي الشيخ حسين آل الشيخ
http://www.youtube.com/watch?v=r5mEpHCRNho
الأدب والذوق الرفيع
ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "الأدب والذوق الرفيع"، والتي تحدَّث فيها عن الآداب الإسلامية، والأخلاق المرعيَّة التي ينبغي على كل مسلمٍ أن يتمسَّك بها، والتي يتضمَّنُها دينُنا في أحكامه وتشريعاته وتوجيهاته، وضربَ لذلك أمثلةً من الصلاة والزكاة والصيام والحجِّ، وغيرها من العبادات والمُعاملات، وأن الدينَ لم يأمُر إلا بكل فضيلة، ولم ينهَ إلا عن كل رذيلة.
الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله بلُطفه تنكشِف الشدائد، وبالتوكُّل عليه يندفعُ كيدُ كل كائِد، أحمده - سبحانه - وأشكرُه وأسألُه المزيدَ من فضلِه وكرمِه، فبفضلِه ولُطفِه تتواصَلُ النِّعمُ وجميعُ العوائِد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له في كل شيءٍ آيةٌ تدلُّ على أنه الواحد، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه خيارٌ من خيارٍ كريمُ الأصل سيلُ الأماجِد، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله السادة الطيبين الطاهرين أهل المكارِم والمحامِد، وعلى أصحابِه الغُرِّ الميامين انعقَدَت على فضلِهم المعاقِد، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ من كل عابِد، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فليس أطيبَ من العافية، ولا أغنى من القناعة، وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: 26].
الدنيا دارُ عملٍ لا دارُ كسل، ويوم تقومُ الساعةُ لا فوزَ إلا بالطاعة، ومن كان له من نفسِه واعِظ كان له من الله حافِظ، ومن أصلحَ أمرَ آخرتِه صلُح له أمرُ دُنياه، والناسُ لن يُعطُوك أو ينفعوك إلا بما قُدِّر لك، ولن يضرُّوك أو يمنعُوك إلا بما قُضِيَ عليك، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97].
أيها المسلمون:
قِيل لبعض أهل الفضل: هل قرأتَ "أدبَ النفس" لأرسطو؟ فأجابَ بعزَّةٍ وثقةٍ: بل قرأتُ أدبَ النفس لمُحمدٍ - صلى الله عليه وآله وسلم -.
الله أكبر! كتابُ ربِّنا مليءٌ بالتوجيهات والآداب في شؤون الحياة والأحياء، شُربًا وأكلاً، وقولاً وفعلاً، واستِئذانًا ومُحادثات، ولِباسًا ومُعاملات، وضبطًا للمواقيت والمواعيد، ومثلُ ذلك وتفصيلاتُه في كتب الصِّحاح والسُّنن، في سُنَّة المُصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم - وسيرتِه. كيف ونبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - بُعِث ليُتمِّم صالحَ الأخلاق ومكارمِها؟
والأحكامُ والتشريعات حينما كانت تتنزَّل تنزَّلَت مُتكامِلةً في بناءٍ من حُسن الخُلق متين، وسدادٍ في السلوك جميل، وذوقٍ في التعامُل رفيع.
معاشر المسلمين:
أدبُ النفس، ورفعةُ الذَّوق، وجمالُ التعامُل من أجلِّ ما وهبَ الله عبدَه من نعمٍ، ومُراعاة المشاعر، وحُسن المُعاملة مقصدٌ شرعيٌّ من مقاصِد الدين عظيم.
الذَّوقُ مسلكٌ لطيفٌ، وتصرُّفٌ حميدٌ يحملُ معانِي الأدب، وعالِي الرِّقَّة، وحُسن المعشَر، وكمالَ التهذيب، وحُسن التصرُّف، وتجنُّب ما يُحرِجُ أو يجرَح من فعلٍ أو قولٍ أو إشارةٍ.
والناسُ تُحبُّ ليِّنَ الجانِب، باسِط الوجه، والقلوبُ تُقبِلُ على من تواضَعَ لها، فالمواجهةُ بالوجه الجميل، والمُصافحةُ بالكفِّ الكريم، والتحدُّثُ باللسان المُهذَّب يعطِفُ القلوب، ويُمهِّدُ السبيل لقبول كل ما يُقدَّم من علمٍ ونُصحٍ، ونقدٍ وتوجيه.
إخوتي في الله:
وإن من علامات الإيمان وعُنوان السعادة: أن يُرزَق العبدُ ذوقًا راقِيًا، وتهذيبًا رقيقًا ليستمتِع بالحياة، ويحترِم المشاعر، ويُدخِل السُّرورَ على نفسِه وعلى الآخرين من الأقرَبين والأبعَدين، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان.
وهل رأيتُم أرفعَ ذوقًا وأرقَى سلوكًا من أُسوتنا وقُدوتنا وسيِّدنا نبيِّنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -؟!
ألم تقرأوا في سيرته أن الأَمَةَ كانت تأخذُ بيده - عليه الصلاة والسلام - فتنطلق به حيث شاءَت؟ وكان يبدأ من لقِيَه بالسلام، ويبدأ أصحابَه بالمُصافحَة، ولا ينزِعُ يدَه حتى يكون الرجلُ هو الذي ينزِعُ يدَه، ولا يصرِف وجهَه حتى يكون الرجلُ هو الذي يصرِف وجهَه. «ولم يُرَ مُقدِّمًا رُكبتَه بين يدَي جليسِه»؛ أخرجه الترمذي.
ويقول أنس - رضي الله عنه -: ما التَقَمَ أحدٌ أُذنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني: يُناجِيه - فيُنحِّي رأسَه حتى يكون الرجلُ هو الذي يُنحِّي رأسَه، وكان ضحِكُه تبسُّمًا.
معاشر الأحِبَّة:
أما تعليماتُ ديننا وأحكامُه وتشريعاتُه وتوجيهاتُه فلها في ذلك من الدقائق واللطائِف ما لا ينقضِي منه العجَب، وفي عرضٍ واستِعراضٍ للعبادات الكُبرى في الإسلام يستَبينُ للناظِر والمُتأمِّل متانةُ الأواصِر التي ترتبِطُ فيها العباداتُ بالأخلاق والسلوك والتهذيب.
عباداتٌ هي أركانُ الدين وقِوامُه، مُختلفةٌ في مظهَرها، مُتَّفقةٌ في جوهَرها، هي مدارِجُ الكمال، ومراقِي الطُّهر، وسجايا الكرَم.
فالصلاةُ تنهَى عن الفحشاء والمُنكَر، وفي الصلاة مظاهرُ الذَّوق ورفيع الأدب؛ من أخذ الزينة عند المسجد، والطِّيب، والمشي بسكينةٍ ووقار، وتسوية الصُّفوف وسدّ الفُرَج، وتجنُّب أكل الثُّوم والبصَل، وكل ما له رائحةٌ كريهةٌ.
ولقد قال المُصطفى - صلى الله عليه وسلم - لمُتخطِّي الصفوف: «اجلِس فقد آذيتَ».
فإذا كنتَ - يا عبد الله - تُريد تحصيلَ الفضيلة في عبادتك فإياك أن يترتَّب على ذلك إيذاءُ إخوانك.
أما الزكاة فقد قال فيها - عزَّ شأنُه -: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103]. وتُخفِي الصدقة وتُبدِيها حسب الأحوال، مما يُحافِظُ على أدب النفوس ويتجنَّبُ جرحَها وإيذاءَها، قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة: 263].
بل إن مفهومَ الصدقة في ديننا أوسع من التصدُّق بالمال؛ فتبسُّمُك في وجه أخيك صدقة، وإرشاد الضالّ صدقة، وإماطةُ الأذى عن الطريق صدقة، وبصرُك للرجل رديء البصر صدقة.
أما الصيام فصيامٌ عن الزُّور كلِّه قولاً وعملاً، «ومن لم يدَع قولَ الزُّور والعملَ به والجهلَ فليس لله حاجةٌ في أن يدَع طعامَه وشرابَه». وإنما الصيامُ عن اللَّغو والرَّفَث، «وإن سابَّه أحدٌ أو شاتَمَه فليقُل: إني صائِمٌ».
والحجُّ زادُ التُّقَى، الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: 197]، في الحج عليكم بالسكينة، وإياكم والغُلُوّ، واجتنِبُوا إيذاءَ إخوانكم في مواطِن الزِّحام، في النَّفير من المشاعِر، ورميِ الجِمار، والطواف، وتقبيل الحجَر الأسوَد، والسعيِ.
معاشر الأحِبَّة:
يعجزُ بعضُ أصحابِ العبادات والكُرُبات - وفَّقهم الله وتقبَّل منهم - يعجَزون أن يربِطوا بين حُسن التعبُّد وحُسن الخُلق وسُمُوّ الذَّوق، فترى هذا المُتعبِّد - حفظَه الله - يحرِصُ على العبادات في أوقاتِها وهيئاتِها، لكنَّه قد يرتكِبُ أعمالاً يأباها الخُلُق الكريم، ومن لم تُزكِّه عبادتُه وتُهذِّبُه ديانتُه فما الذي حصَّلَه يا تُرَى؟! وخبرُ المُفلِس عند أهل الإسلام معلوم، وهو من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ، ويأتي وقد شتَمَ هذا، وقذَفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفَكَ دمَ هذا، وضربَ هذا. وحينئذٍ يكونُ القِصاصُ؛ فأين حسناتُه؟!
وهل يبدو تقيًّا من بدا كالِحَ الوجه، بادِيَ الشرِّ، قريبَ العُدوان؟! وآيةُ المنافق ثلاث: «إذا حدَّثَ كذَب، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا عاهَدَ غدَر، وإن صلَّى وصامَ وزعمَ أنه مسلمٌ»؛ حديثٌ صحيحٌ.
ومن مطلوب العبادات ومقاصِدها: ألا تختلِف القلوبُ، ولا تُكدَّر النفوسُ، «سوُّوا صفوفَكم، ولِينُوا في أيدي إخوانِكم، ولا تختلِفوا فتختلِفَ قلوبُكم»، «والمؤمنُ بحُسن خُلُقه يُدرِكُ درجةَ الصائم القائم»؛ رواه أبو داود.
معاشر المُسلمين:
ومما يتجلَّى فيه مظاهر الذَّوق والأدَب الرفيع في دينِنا: آدابُ الأكل من غسل اليدَين، والأكل مما يلِيه، ولا ينفُخ في الطعام، ولا يتنفَّس في الإناء، ولا يفعَلُ ما يُستقذَرُ أو يُستنكَرُ أو يُستكرَه قولاً وفعلاً وإشارَة، وكُل من الطعام المُباح ما اشتهيتَ، والبَس من اللِّباسِ ما يشتَهيه الناسُ.
دُعِيَ نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - إلى ضِيافةٍ عند رجُلٍ، فيقولُ له - عليه الصلاة والسلام -: «لقد دعوتَنا خمسة، وهذا تبِعَنا، فإن شئتَ قبِلتَه وإن شئتَ أرجعتَه». فقال الرجلُ: قبِلناهُ من أجلِك يا رسول الله.
هذا - وربِّكم - هو الأدبُ، وهذا هو الذَّوق في أسمَى صُوره ومعانِيه.
ومن دلائل الأدب العالِي والذَّوق الرَّفيع: آدابُ الزيارات والاستِئذان من جميع الأعمار، من البالِغين والأطفال، من طرق الباب من غير عُنفٍ، وعدم الوقوف مُقابِل الباب؛ فإنما جُعِل الاستِئذان من أجل البصر، وتخيُّر أوقات الزيارة، وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور: 28]، والجلوسُ حيث يُجلِسُه صاحِبُ البيت أو حيثُ ينتهِي به المجلِسُ حسب الأحوال.
والقومُ أعلمُ بعورات بيوتِهم، ولا يُقيمُ أحدًا من مجلسِه ليجلِسَ فيه، وافسَحوا يفسَحِ الله لكم، وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا [المجادلة: 11]. ولا يتناجَى اثنان إلا بإذن الثالِث؛ فإن ذلك يُحزِنُه، وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا [النور: 59]، والذين لم يبلُغوا يستئذِنون في العورات الثلاث: من قبلِ صلاة الفجر، وحين وضع الثياب من الظَّهيرة، ومن بعد صلاة العشاء.
وفي أدب الاجتِماعات والتشاوُر وإدارة الجلَسات يأتي التوجيهُ القُرآنيُّ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: 62].
ومن اللِّياقة في آداب الجوار والجيران: ألا يطَّلِع على دارِه، ولا يُتبِع نظرَه فيما يحمِلُه، ويغُضّ طرفَه عن حرَمه، ويستُر ما ينكشِف من عورته.
ومن زارَ مريضًا فمن الكياسَة: أن يُخفِّف الجلوسَ، ويدعُو بالعافية؛ فإن المريضَ يُعاد، والصحيحَ يُزار.
ومما تتجلَّى فيه اللَّباقة واللَّياقة وحُسن الذَّوق: قيادةُ المركَبات، ومُراعاة إيقافِها في مواقفِها، والتِزامُ قواعِد المُرور، وضوابط السَّير، وحُسن الوقوف المُنظَّم صفوفًا، وحُسن استِخدام المرافِق العامَّة والمُحافظةُ عليها ونظافتُها وصيانتُها وعدمُ العبث بها والتعدِّي عليها.
ناهِيكم بما أنعمَ الله به على أهل هذا الزمان من وسائل الاتصال وما يجبُ من مُراعاة الأدب في استِعمالِها مُحادثةً وإرسالاً واستِقبالاً.
ومن أبرز علامات الذَّوق وأرفعها وأعلاها: الحياء حين يتحرَّجُ عن فعلِ ما لا ينبَغي، ويترفَّعُ عما لا يليق.
تأمَّلُوا هذه الصورةَ النبويةَ الرفيعةَ، يقول أبو سعيد الخُدري - رضي الله عنه -: "كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أشدَّ حياءً من العذراء في خِدرها، وكان إذا رأى شيئًا يكرهُه عرفناه في وجهِه"؛ رواه مسلم.
نعم، إن من الذَّوق الرفيع: أن يخجَل الإنسان أن يُؤثَرَ عنه سوءٌ، وأن يحرِصَ على بقاء سُمعتِه نقيَّةً من الشوائِب بعيدةً عن الإشاعات، يذُودُ عن سُمعتِه ظُنون العباد.
ومن هذه الآداب: معرفةُ حقوق أصحاب الحُقوق، ومنزلة أصحاب المنازِل، وإيتاء كل ذي فضلٍ فضلَه؛ فللغلام مع من يكبُرُه مُعاملة، وللطالِب مع مُعلِّمه مُعاملة، وللولَد مع والدِه مُعاملة، وللسُلطان منزلتُه، وللعالِم مقامُه.
أيها المسلمون:
هذه بعضُ التصرُّفات والمسالِك التي يستَبينُ فيها حُسن تصرُّف الرجُل وكياسَته ولباقَتُه، وقد قال أهلُ الحكمة: "الفضلُ بالعقل والأدب لا بالأصل والحسَب؛ بل إن من قعَدَ به حسَبُه نهضَ به أدَبُه".
والأدبُ وسيلةٌ إلى كل فضيلةٍ، وذريعةٌ إلى كل شريعةٍ. يقول أبو جعفر المنصورُ: "إن أحببتَ أن يكثُر عليك الثناءُ الجميلُ بغير نائِلٍ فالقَهم ببُشرٍ حسنٍ".
والذَّوقُ الرفيعُ - عباد الله - ليس ضعفًا؛ فالرجلُ الكريمُ يُفضِّلُ أن يُريقَ دمَه على أن يُريقَ ماءَ وجهه، والعاقلُ في حضرة الرِّجال يُحكِمُ سلوكَه، ويضبِطُ تصرُّفَه، يتكلَّمُ بقدرٍ، ويتصرَّفُ بذوقٍ، وإن تمعُّر الوجه، واهتِزاز المشاعِر في بعض المواقِف دليلُ سمُوٍّ كامنٍ وطبعٍ كريمٍ.
مُستحكِمُ الأدب من أي الأقطار أتيتَه قابلَكَ بكرَمِ فِعالٍ، وحُسن مقالٍ. ورُبَّ قولٍ أشدُّ من صَولٍ، ومن حصافَة عقل المرء أن يكون الاستِماعُ أحبَّ إليه من النُّطق.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان: 18، 19].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله رفعَ قدرَ ذوي الأقدار، أحمده - سبحانه - وأشكرُه برحمته وفضلِه، وحكمتِه وعدلِه تنفُذُ مصارِيفُ الأقدار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يخلُقُ ما يشاءُ ويختار، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه البشيرُ النذيرُ، والمُصطفى المُختار، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله الطيبين الأطهار، وعلى أصحابه السادة الأخيار، والتابعِين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما تعاقَبَ الليلُ والنهار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أيها المسلمون:
العاجِزُ من عجزَ عن سياسة نفسِه، مسكينٌ من جفَّ ذوقُه، وغلُظَ طبعُه، فلا تسأل عما يُحدِثُه في نفسِه والناسِ من أذًى وشرخٍ وشقاءٍ، لا يُراعِي مشاعِر، ولا يأنَفُ من مُواجَهات، جَهولٌ نزِقٌ، يُقلِّبُ المواجِع، وينشُرُ المعايِب.
وابن القيم - رحمه الله - يصِفُ أمثالَ هذا فيقول: "فمُخالطتُه حُمَّى الرُّوح، ثقيلٌ، بغيضٌ لا يُحسِنُ أن يتكلَّم فيُفيدِك، ولا يُحسِنُ أن يُنصِتَ فيستفيدَ منك، ولا يعرِفُ نفسَه فيضعَها موضعَها".
إن للثَّرثَرة ضجِيجًا يذهبُ مع الرُّشدِ، وثمَّة فِئةٌ ممن يتصدَّرُون المجالِس، يجزِمُ مُستمِعُهم أنهم لا يتحدَّثُون من وعيٍ يقِظٍ، ولا فِكرٍ عميقٍ، ولا ذوقٍ رفيعٍ؛ بل ربما ظنَّ الظانُّ أن لدَيهم انفِصامًا بين الاتِّزان وهذا الكلام المُتناثِر، وما استقامَ قلبُ عبدٍ حتى استقامَ لسانُه. والعياذُ بالله من أُناسٍ يبسُطون ألسِنَتهم بالسُّوء، يتسقَّطون الأخبار، ويتتبَّعون العورات، هُمزةٍ لُمَزة، «وإن أبغضَ الرِّجال إلى الله: الألدُّ الخصِم»؛ رواه البخاري.
وآفةُ ذي الحِلمِ: طيشُ الغضب، ومن ساءَ أدبُه ضاعَ نسَبُه، والغريبُ من لا أدبَ له، وشرُّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركَه الناسُ اتِّقاءً فُحشِه.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فإن الرجُل النبيلَ لا يفقِدُ خُلُقه مع من لا خُلُق له، وهل تكونُ المُداراةُ إلا مع السُّفهاء وأصحاب الطِّباع الشَّرِسة والوجوه الصَّفيقة، وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: 63].
هذا، وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم، فقال في محكم تنزيله - وهو الصادقُ في قِيلِه - قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمدٍ الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتَك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافيةِ، ومُدَّ في عُمره على طاعتك، ووفِّقه ونائِبَيْه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.
اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهُدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى فيه أهلُ المعصية، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين، اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين، واحقِن دماءَهم، وولِّ عليهم خيارَهم، واجمَع على الحق والهُدى والسنَّة كلمتَهم، وانصُرهم على عدوِّك وعدوِّهم.
اللهم احفظ إخوانَنا في سوريا، اللهم احفظ إخوانَنا في سوريا، اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم، واشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم، وآوِي شريدَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم، اللهم واجعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافيةً، اللهم انصرهم على عدوِّك وعدوِّهم.
اللهم وعليك بالطغاة الظلمة في سوريا، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعل الدائرةَ عليهم، واجعل تدميرَهم في تدبيرهم يا قوي يا عزيز.
اللهم عليك باليهود الغاصِبين، اللهم عليك باليهود الصَّهايِنة الغاصِبين المُحتلِّين، فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم وأنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرمِين، اللهم إنا ندرأُ بك في نُحورِهم، ونعوذُ بك من شُرورهم، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعل دائرةَ السَّوء عليهم يا قوي يا عزيز.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23].
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90].
فاذكُروا الله يذكُركم، واشكُرُوه على نعَمه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، والله يعلمُ ما تصنَعون.
تحكيم شرع الله
ألقى فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "وجوب تحكيم شرع الله"، والتي تحدَّث فيها حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي فيه التحذير من أمورٍ خمسة، من أبرزها: الحكم بغير ما أنزل الله، وأن الفقر والبأس بين المسلمين من جرَّاء ذلك، وحثَّ على الالتزام بشرع الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففيهما النجاح والفلاح.
الخطبة الأولى
الحمد لله عظي الشَّان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحيمُ الرحمن، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه سيدُ ولد عدنان، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِهِ إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا أيها المُسلمون:
أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70، 71].
أيها المسلمون:
حديثٌ عظيمٌ من النبي الكريم - عليه أفضل الصلاة والتسليم -، حديثٌ فيه التحذيرُ الأكيد، والزَّجرُ الشديد من أسباب الفساد في البلاد والعباد.
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أقبلَ علينا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا معشر المُهاجِرين! خمسُ خِصالٍ إذا ابتُليتُم بهنَّ - وأعوذُ بالله أن تُدرِكوهنَّ -: لم تظهر الفاحِشةُ في قومٍ قطُّ حتى يُعلِنوا بها إلا فشَا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن مضَت في أسلافِهم الذين مضَوا، ولم ينقُصوا المِكيالَ والميزانَ إلا أُخِذُوا بالسِّنين وشدَّة المؤونة وجَور السُّلطان، ولم يمنَعوا زكاةَ أموالهم إلا مُنِعوا القطرَ من السماء ولولا البهائِمُ لم يُمطَروا، ولم ينقُضوا عهدَ الله وعهدَ رسُولِه إلا سلَّطَ الله عليهم عدوًّا غيرَهم، فأخذَ بعضَ ما في أيديهم، وما لم تحكُم أئمَّتُهم بكتابِ الله ويتخيَّروا مما أنزلَ الله إلا جعل الله بأسَهم بينهم»؛ أخرجه ابن ماجه وغيره،وصحَّحه الحاكم ووافقَه الذهبي، وصحَّحه جمعٌ من أهل العلم.
حديثٌ يُبيِّنُ للأمة أن أصلَ الفساد: البُعد عن المنهَج الإلهيِّ، والانحراف عن المسلَك النبويِّ، ولا غرْوَ فالمعاصِي والسيئات أساسُ كل بلاءٍ وشرٍّ، ومجلَبَةُ كل بأساءٍ وضرَّاء، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30].
وإن أحوالَ المسلمين المُزرِيَة اليوم لتُوقِفَنا أمام هذا الحديث في وقفاتٍ ثلاث:
الأولى: أن نعلمَ أن أسبابَ انتِشار الأوبِئَة الفتَّاكة، ووقوع الأدواء الغريبة، سببُ ذلك: كثرةُ الخبَث، وانتِشارُ الخَنا، وكثرةُ الفواحِش من الزِّنا واللِّواطِ والسِّحاق، وانتِشارُ وسائلِها والدعوة إليها عن طريق وسائل الإعلام المُتنوِّعة.
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «ما من قومٍ يُعملُ فيهم بالمعاصِي هم أكثرُ وأعزُّ ممن يعملُ بها ثم لا يُغيِّرُونَه، إلا يُوشِكُ أن يعمَّهم الله بعقابٍ»؛ حسَّنَه أهل العلم.
وفي الحديث الآخر: «لا تزالُ أمَّتي بخيرٍ ما لم يفشُ فيهم ولدُ الزِّنا، فإذا فشَا فيهم ولدُ الزِّنا فيُوشِكُ أن يعمَّهم الله بعقابٍ». قال ابن حجر: إسناده حسنٌ، والمرادُ: انتشارُ الزِّنا.
وقد جاء في رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - في هذا الحديث العظيم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ولا ظهرَت فيهم الفاحِشةُ إلا فشَا فيهم الموتُ»؛ حسَّنَه جمعٌ من المُحقِّقين.
الوقفةُ الثانيةُ: أن أكلَ المال الحرام والتهاوُن في هذا الباب بأكل الأموال بالباطل، وذلك لا يقتصِرُ على التطفيف في المِكيال؛ بل ينتظِمُ التعامُلات الماليَّة، وأنه يجبُ أن تُبنَى على العدل والحق فلا وكَسَ ولا شطَطَ، ولا بخسَ ولا نقصَ، ولا غِشَّ ولا خِداعَ، ولا تلاعُبَ ولا تغريرَ، بأي صورةٍ كانت، وعلى أي شكلٍ من الأشكال، وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة: 188].
وإن من أشدِّ أنواع التطفيف التي يتحقَّقُ من جرَّائِها هذه المصائِب، إن من أشدِّ ذلك: الوُلوجَ في أكل الأموال العامة، واستِغلال النفوذ بنَهب أموال بيت المُسلمين، واستِعمالَ الوظائِف للتربُّح غير المشروع، ناهِيكَ عن الرِّشوةِ بشتَّى أشكالِها.
فكل ذلك إذا انتشرَ في أرض المُسلمين فهو من أسباب ظهور الفساد، ومن بواعِث البلايا والمِحَن ليس على الفرد العاصِي، وغنما على المُجتمع ككُلٍّ.
فمتى انحرفَ الناسُ عن أحكام الإسلام في كسْبِ المال، وعن نظام القُرآن والسنَّة في ذلك حلَّ بهم الضَّنْكُ في العيش، وحصلَ لهم الضَّررُ بشتَّى أنواعِه؛ من غَور المياه وقلَّة الأمطار، وكثرة موجات الغُبار، مع نقصٍ في البرَكات، وغلاءٍ في الأسعار، وانتِشارٍ للفقر، ناهِيكَ عن انتِشار الظُّلم في أرض المُسلمين، ووقوع الجَوْر والحَيْف. والجزاءُ من جنسِ العمل.
ومتى استقامَ الناسُ في تعامُلاتهم الماليَّة على ما شرعَه الله ورسولُه - صلى الله عليه وسلم - جعلَ الله لهم من كل ضيقٍ مخرَجًا، ورزقَهم من حيث لا يحتسِبُون، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3].
وبهذا المُناسَبة؛ فإنه في مثلِ هذه المواسِم يكثُر من بعضِ المُزارِعين بيعَ الثِّمار قبل بُدُوّ صلاحها، وذلك وقوعٌ فيما نهَى عنه سيِّدُنا وحبيبُنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - الذي نهَى عن بيع الثِّمار حتى يبدُوَ صلاحُها، وفي النَّخلِ أن يبدُوَ احمِرارُها أو اصفِرارُها، ويَطيبَ أكلُها.
الوقفةُ الثالثة: أن واجبَ الدولة الإسلامية: تطبيقُ أحكام الوحيَيْن في الشؤون كلِّها، وفي مناهِج الحياة جميعِها، وأن يجعلَ الناسُ أحكامَ الإسلام دستُورَهم في كل دقيقٍ وجليلٍ، فحينئذٍ سيعُمُّهم الأمنُ والأمانُ، والاستِقرارُ والرَّخاءُ، والعيشُ الرَّغيدُ، والحياةُ الهنيئةُ، وبمِقدار ما ينحرِفون عن منهَج الشريعة تحُلُّ بهم النَّكَبات، وتحصُلُ لهم المصائِبُ والأزَماتُ، يقول - جل وعلا -: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 124].
إن البلاد الإسلامية حينما تَحيدُ عن تطبيق شريعة الإسلام كُلاًّ أو بعضًا يُصيبُها النقصُ، وتدبُّ إليها الشُّرور والفتن، وما عاشَتْه وتعيشُه بُلدانٌ إسلاميَّةٌ من فتنٍ أليمةٍ هلَكَ فيها الحرثُ والنَّسْلُ، وسُفِك فيها الدماء، وهُتِكَت الأعراض، واختلَّ الأمنُ، وحلَّت العاقبةُ السيئة بنظام الحُكم الحائِد عن منهَج الإسلام، كل ذلك بسبب تحكيم القوانين الوضعيَّة، والحُكم بغير ما أنزلَ الله.
حتى عمَّ الظُّلمُ في الأرض، وفشَا في العباد، وكثُر الفساد فطغَا، فدبَّ حينئذٍ بين الحاكِم والمحكومِ التباغُض، واتَّسَعت الهُوَّة، وفقَدَ الناسُ مفهومَ قولِه - صلى الله عليه وسلم -: «خيارُ أئمَّتِكم: الذين تُحبُّونهم ويُحبُّونَكم، وتدعُون لهم ويدعُون لكم، وشِرارُ أئمَّتِكم: الذين تُبغِضُونَهم ويُبغِضُونَكم، وتلعَنونَهم ويلعَنونَكم». فالشرعُ وتطبيقُه هو سبيلُ الأمان.
فيا أيها العُقلاء في كل بلدٍ إسلاميٍّ حلَّت به ثورةٌ من الثورات، ثم انقلَبَ نظامُ الحُكم! ليُبنَى حُكمُكم على الكتاب وعلى سُنَّة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلا فإنَّكم لم تُغيِّروا ولن تُغيِّروا فسادًا، ولن تُحقِّقُوا إصلاحًا.
فإنه بدُون تطبيق شرع الله يعُمُّ من الشُّرور ما لا نهايةَ له، ويلُّ بالعباد من المصائِب ما لا حدَّ له، وأساسُ هذا الكلام أن يجعل الله حينئذٍ بأسَكم بينَكم، كما بيَّنه هذا الحديثُ العظيمُ: «وما لم تحكُم أئمَّتُهم بكتابِ الله ويتخيَّروا مما أنزلَ الله إلا جعل الله بأسَهم بينهم»، وفي حديثٍ آخر: «وما حكَموا بغير ما أنزلَ الله إلا فشَا فيهم الفقرُ».
عقوبتان واقِعتان: حلول الفقر والبَطالَة والمصائِب الماليَّة، وحلول البأس بين المُسلمين كل ذلك - أيها المؤمنون - هو بسبب البُعد عن منهَج القرآن.
لماذا - أيها المسلمون - لا تُحكِّموا كتابَ الله؟ لماذا لا تلتزِموا بسُنَّة نبيِّكم - عليه أفضل الصلاة والسلام -؟
ألم يأخُذ عليكم العهد أن تلتزِموا بكتابِه، وأن تهتدُوا بسُنَّة رسولِه - صلى الله عليه وسلم -؟! فلِمَ تُغرِّدون يمينًا وشِمالاً؟! فإنكم بذلك ستُحقِّقون لبلادِكم من الكوارِث والشُّرور والفساد ما اللهُ به عليمٌ.
فعليكم ثم عليكم الأخذُ بكتابِ الله وسُنَّة رسولِه - صلى الله عليه وسلم - تسلَموا وتغنَموا.
يا أبناء هذا الدين:
بالإسلام تتَّفِقُ كلمتُكم، وتعلُو شوكتُكم، وتسعَدُ حياتُكم، ويهنأُ عيشُكم. وبالبُعد عنه وعن تحكيمِه تُصبِحون مُشتَّتين تتنافَرُ ولاءاتُكم، وتختلفُ سياساتُكم، وتتعارَضُ مصالِحُكم، ويدُبُّ إليكم التنازُع والتدابُر، والتباغُض والتشاحُن، ثم التقاتُل والتناحُر، على حدِّ قول القائل:
يتقاتَلون على بقايا تمرةٍ فخناجِرٌ مرفوعةٌ وحِرابُ
كفى - يا أهل الإسلام - خِلافٌ وتنازعٌ والقرآن يُتلَى. كفَى تقاطعٌ وتقاتُلٌ وسُنَّة المعصُوم واضِحة المعالِم لديكم، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50]، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59].
أما أنتُم، فيا أهل البلاد الذين منَّ الله عليهم بتحكيم الإسلام وبشرع رسولِ الله - عليه أفضل الصلاة والسلام -، التزشموا بهذه النِّعمة، اشكُروا الله على هذه النعمة، لا تَحيدُوا يمنةً ولا يسارًا عن هذا المنهَج العظيم؛ فإن الله لم يكُ مُغيِّرًا نعمةً حتى يُغيِّرُوا ما بأنفُسِهم.
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعَنا بما فيه من الآيات والبيان، أقول هذا القول، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أحمدُ ربي وأشكرُه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِه.
أيها المسلمون:
مما لا خلافَ فيه بين الخُبراء في العالَم: أن بلادَ المُسلمين أغنَى بلاد الدنيا في خيراتِها وثرواتِها الظاهرة والباطِنة، وفي موقعِها المُتميِّز، ومع هذا فكثيرٌ منها - أي: من هذه البلاد الإسلامية - في عِداد الدول الفقيرة، ناهِيكَ عن شُيُوع الفقر والبَطَالَة في بلاد المُسلمين، والتقاريرُ تُؤكِّد على أن كثيرًا من المُسلمين يعيشُون تحت خطّ الفقر.
إذًا فلماذا هذا كلُّه؟!
إن هذا ناتِجٌ عن أسبابٍ ترجِعُ في جُملتها إلى تنحِيَة حُكم الإسلام الذي نزلَ به القرآنُ منهجًا مُتكامِلاً، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وما لم تحكُم أئمَّتُهم بما أنزلَ الله إلا فشَا فيهم الفقرُ».
وليعلَم الذين يُنادُون بدخول مبادئ الاقتِصاد الغربيِّ - الذي يُخالِفُ منهجَ القُرآن - في اقتِصاد الإسلام، أنهم يقُودون المُسلمين إلى هاوِيةٍ عظيمةٍ من الشُّرور والبلايا والفقر والمصائِب، لا يعلمُ بعاقبتِها إلا الله - جل وعلا -.
إن من البلاء الكبير والشرِّ المُستطير: ما بُلِيَت به الأمةُ منذ عقودٍ من أقوامٍ انبَهَروا بالحضاراتِ الزَّائِفَة، فأصبَحوا يطعَنون في بعضِ أحكام الإسلام، وآخرُون يرَونَه نظامَ عباداتٍ فقط لا نظامَ تشريعٍ ومنهَج حياة. فأولئك بهم الأمةُ ضعُفَت وذلَّت وخسِرَت، وبهم تقهقَرَت وأصبحَت خلفَ الرُّكبان.
فلا بُدَّ من مُحاربَة أفكار هؤلاء، لا بُدَّ من التعاوُن من جميع المُسلمين على الأخذ بأيديهم، وتطبيق أحكام الإسلام فيهم حتى تنجُو الأمةُ وتسلَم.
ثم إن لله - جل وعلا - أمرَنا بالصلاةِ والتسليم على النبي الكريم، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المُسلمين بتطبيق الإسلام، اللهم أصلِح أحوالَنا بالالتِزام بسُنَّة سيِّد ولد عدنان - عليه أفضل الصلاة والسلام -، اللهم أقِرَّ أعيُنَنا بتحكيم الإسلام في كل بلاد المُسلمين، اللهم أقِرَّ أعيُنَنا بتطبيق أحكام الإسلام في جميع ديار المُسلمين.
اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم نسألُك بقوَّتك أن تكفِيَهم شِرارَهم، اللهم اكفِهم شِرارَهم، اللهم اكفِهم شِرارَهم، اللهم لا تجعل للفُجَّار عليهم ولايةً، اللهم لا تجعل للفُجَّار عليهم ولايةً، اللهم لا تجعل للفُجَّار والأشرار على المُسلمين ولايةً يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تُحبُّه وترضَاه، اللهم اجعَله هادِيًا مهديًّا، اللهم خُذ به على أيدي السُّفهاء، اللهم اجعَله شوكةً على من فيه شرٌّ على الإسلام والمُسلمين يا حي يا قيوم.
اللهم اغفر لنا وللمسلمين والمسلمات، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذابَ النار.
عباد الله:
اذكُروا اللهَ ذِكرًا كثيرًا، وسبِّحوه بُكرةً وأصيلاً.

