كـل مـايـــهـمـك فــي ( فـقـه الـعبـادات )
باب ( شروط الصلاة )
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين
في شروط الصلاة
الشرط لغة : العلامة ,
وشرعا : ما يلزم من عدمه العدم , ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته ,
وشروط الصلاة ما تتوقف صحتها عليها مع الإمكان .
وللصلاة شرائط لا تصح إلا بها ,
إذا عدمت أو بعضها ; لم تصح الصلاة , ومنها :
أولا : دخول وقتها :
قال تعالى : إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا أي : مفروضا في أوقات محددة ,
فالتوقيت هو التحديد , وقد وقت الله الصلاة ;
بمعنى أنه سبحانه حدد لها وقتا من الزمان ,
وقد أجمع المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتا مخصوصة محدودة لا تجزئ قبلها .
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
" الصلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به " .
فالصلاة تجب بدخول وقتها ; لقوله تعالى : أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
وقد أجمع العلماء على فضيلة الإتيان بالصلاة في أول وقتها في الجملة ;
لهذه الآية , ولقوله تعالى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
وقوله تعالى : وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
وقال تعالى : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
وفي " الصحيحين " أنه صلى الله عليه وسلم سئل : أي العمل أحب إلى الله ؟
قال : الصلاة على وقتها وقال تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ
ومن المحافظة عليها الإتيان بها أول وقتها .
والصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة , لكل صلاة منها وقت مناسب اختاره الله لها ,
يتناسب مع أحوال العباد , بحيث يؤدون هذه الصلوات في هذه الأوقات ,
ولا تحبسهم عن أعمالهم الأخرى , بل تعينهم عليها ,
وتكفر عنهم خطاياهم التي يصيبونها ; فقد شبهها النبي صلى الله عليه وسلم
بالنهر الجاري , الذي يغتسل منه الإنسان خمس مرات ,
فلا يبقى من درنه شيء .
وهذه المواقيت كما يلي :
1 - صلاة الظهر : ويبدأ وقتها بزوال الشمس ; أي : ميلها إلى المغرب عن خط المسامتة ,
وهو الدلوك المذكور في قوله تعالى : أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
ويعرف الزوال بحدوث الظل في جانب المشرق بعد انعدامه من جانب المغرب ,
ويمتد وقت الظهر إلى أن يصير ظل الشيء مثله في الطول , ثم ينتهي بذلك ;
لقوله صلى الله عليه وسلم : وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله رواه مسلم .
ويستحب تعجيلها في أول الوقت ; إلا في شدة الحر ; فيستحب تأخيرها إلى أن ينكسر الحر ;
لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا اشتد الحر , فأبردوا بالصلاة , فإن شدة الحر من فيح جهنم
2- صلاة العصر : يبدأ وقتها من نهاية وقت الظهر ,
أي : من مصير ظل كل شيء مثله , ويمتد إلى اصفرار الشمس على الصحيح من قولي العلماء .
ويسن تعجيلها في أول الوقت , وهي الصلاة الوسطى التي نص الله عليها لفضلها ,
قال تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى
وقد ثبت في الأحاديث أنها صلاة العصر .
3- وصلاة المغرب : يبدأ وقتها بغروب الشمس ;
أي : غروب قرصها جميعه ; بحيث لا يرى منه شيء ; لا من سهل ولا من جبل ,
ويعرف غروب الشمس أيضا بإقبال ظلمة الليل من المشرق ;
لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أقبل الليل من ها هنا , وأدبر النهار من ها هنا ;
فقد أفطر الصائم ثم يمتد وقت المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر ,
والشفق : بياض تخالطه حمرة , ثم تذهب الحمرة ويبقى بياض خالص ثم يغيب ,
فيستدل بغيبوبة البياض على مغيب الحمرة .
ويسن تعجيل صلاة المغرب في أول وقتها ; لما روى الترمذي وصححه عن سلمة ;
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت
بالحجاب قال : وهو قول أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم .
4- وصلاة العشاء : يبدأ وقتها بانتهاء وقت المغرب ;
أي : بمغيب الشفق الأحمر , ويمتد إلى طلوع الفجر الثاني ,
وينقسم إلى قسمين : وقت اختيار يمتد إلى ثلث الليل ,
ووقت اضطرار من ثلث الليل إلى طلوع الفجر الثاني .
وتأخير الصلاة إلى آخر الوقت المختار ( إلى ثلث الليل ) أفضل إن سهل ,
فإن شق على المأمومين ; فالمستحب تعجيلها في أول وقتها ;
دفعا للمشقة . ويكره النوم قبل صلاة العشاء ; لئلا يستغرق النائم فتفوته ,
ويكره الحديث بعدها , وهو التحادث مع الناس ;
لأن ذلك يمنعه من المبادرة بالنوم حتى يستيقظ مبكرا ;
فينبغي النوم بعد صلاة العشاء مباشرة , ليقوم في آخر الليل , فيتهجد ,
ويصلي الفجر بنشاط ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها .
وهذا إذا كان سهره بعد العشاء من غير فائدة ,
أما إذا كان لغرض صحيح وحاجة مفيدة فلا بأس .
5- وصلاة الفجر يبدأ وقتها بطلوع الفجر الثاني ,
ويمتد إلى طلوع الشمس , ويستحب تعجيلها إذا تحقق طلوع الفجر .
هذه مواقيت الصلوات الخمسة التي فرضها الله فيها ; فعليك بالتقيد بها ;
بحيث لا تصليها قبل وقتها , ولا تؤخرها عنه ;
فقد قال الله تعالى : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ
أي : الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها ,
وقال تعالى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ
وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ
ومعنى أضاعوها : أخروها عن وقتها ;
فالذي يؤخر الصلاة عن وقتها سماه الله ساهيا عنها ومضيعا لها , وتوعده بالويل والغي ,
وهو واد في جهنم , ومن نسيها أو نام عنها ; تجب عليه المبادرة إلى فضائها ;
قال صلى الله عليه وسلم : من نسي صلاة أو نام عنها , فليصلها إذا ذكرها ,
لا كفارة لها إلا ذلك فتجب المبادرة لقضاء الصلاة الفائتة على الفور ,
ولا ينتظر إلى دخول وقت الصلاة التي تشابهها كما يظن بعض العوام ,
ولا يؤخرها إلى خروج وقت النهي , بل يصليها في الحال . ..
ثانيا: ستر العورة
ومن شروط الصلاة ستر العورة وهي ما يجب تغطيته , ويقبح ظهوره , ويستحيى منه ,
قال الله تعالى : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
أي : عند كل صلاة , وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة حائض ( أي : بالغ ) ;
إلا بخمار رواه أبو داود والترمذي وحسنه .
قال ابن عبد البر : " أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به
وصلى عريانا ; فلا خلاف في وجوب ستر العورة في الصلاة وبحضرة الناس "
وفي الخلوة على الصحيح , قال النبي صلى الله عليه وسلم :
احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت : فإذا كان القوم بعضهم في بعض ؟
قال : فإن استطعت أن لا يراها أحد ; فلا يرينها قال : فإذا كان أحدنا خاليا ؟
قال : الله أحق أن يستحى منه رواه أبو داود وغيره .
وقد سمى الله كشف العورة فاحشة في قوله عن الكفار :
وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ
وكانوا يطوفون بالبيت عراة , ويزعمون أن ذلك من الدين ;
فكشف العورة والنظر إليها يجر إلى شر خطير ,
ووسيلة إلى الوقوع في الفاحشة وهدم الأخلاق ;
كما هو مشاهد في المجتمعات المتحللة التي ضاعت كرامتها وهدمت أخلاقياتها ;
فانتشرت فيها الرذيلة , وعدمت فيها الفضيلة .
فستر العورة إبقاء على الفضيلة والأخلاق , ولهذا يحرص الشيطان على إغراء بني آدم بكشف
عوراتهم , وقد حذرنا الله منه
في قوله : يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا
فكشف العورات مكيدة شيطانية قد وقع فيها كثير من المجتمعات البشرية اليوم ,
وربما يسمون ذلك رقيا وتفننا ; فتكونت نوادي العراة ,
وتفشى السفور في النساء , فعرضت أجسادها أمام الرجال ; بلا حياء ولا خجل .
أيها المسلم ! إنه يجب ستر العورة بما لا يصف بشرتها ,
قال تعالى : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ
فمواراة العورة باللباس الساتر أمر مطلوب وواجب , وحد عورة الرجل الذكر من السرة إلى الركبة ;
لحديث علي رضي الله عنه : لا تبرز فخذك , ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت
رواه أبو داود وابن ماجه ,
وفي الحديث الآخر : غط فخذك ; فإن الفخذ عورة رواه مالك وأحمد والترمذي وحسنه ,
ومع هذا كله ; نرى مع الأسف الشديد كثيرا من الرجال عندما يزاولون
الألعاب يكشفون أفخاذهم ولا يغطون إلا العورة المغلظة ,
وهذه مخالفة صريحة لهذه النصوص ; فالواجب عليهم التنبه لذلك ,
والتقيد بأحكام دينهم , وعدم الالتفات لما يخالفها .
والمرأة كلها عورة ;
لقوله صلى الله عليه وسلم : والمرأة عورة صححه الترمذي ,
ولحديث أم سلمة : أتصلي المرأة في درع وخمار وليست عليها إزار ؟ قال :
إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها رواه أبو داود ,
ولأبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث عائشة : لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار
قال الترمذي : والعمل عليه عند أهل العلم ;
أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من عورتها مكشوف ; لا تجوز صلاتها .
هذه الأحاديث , مع قوله تعالى :
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ الآية ,
وقوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ
وقول عائشة : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم محرمات ,
فإذا مر بنا الرجال ; سدلت إحدانا خمارها على وجهها ,
فإذا جاوزونا : كشفناه
هذه النصوص وما جاء بمعناها من الكتاب والسنة ,
وهي كثيرة شهيرة , تدل على أن المرأة كلها عورة أمام الرجال الأجانب ,
لا يجوز أن يظهر من بدنها شيء بحضرتهم في الصلاة وغيرها ,
أما إذا صلت في مكان خال من الرجال الأجانب ; فإنها تكشف وجهها في الصلاة ;
فهو ليس بعورة في الصلاة , لكنه عورة عند الرجال غير المحارم ;
فلا يجوز نظرهم إليه .
وإنه لمن المؤسف المحزن ما وصل إليه كثير من نساء العصر المسلمات
من تهتك وتساهل في الستر , وتسابق إلى إبراز مفاتنهن ,
واتخاذ اللباس الذي لا يستر ; تقليدا لنساء الكفرة والمرتدين ;
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ثالثا: اجتناب النجاسة
ومما يشترط للصلاة اجتناب النجاسة ;
بأن يبتعد عنها المصلي , ويخلو منها تماما في بدنه وثوبه وبقعته التي يقف عليها للصلاة .
والنجاسة قذر مخصوص يمنع جنسه الصلاة ; كالميتة , والدم , والخمر , والبول , والغائط
: لقوله تعالى : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
قال ابن سيرين : " اغسلها بالماء " ,
وقال صلى الله عليه وسلم : تنزهوا من البول ; فإن عامة عذاب القبر منه
وأمر صلى الله عليه وسلم المرأة أن تغسل ثوبها إذا أصابه دم الحيض وتصلي فيه ,
وأمر بدلك النعلين ثم الصلاة فيهما ,
وأمر بصب الماء على البول الذي حصل في المسجد . ..
وغير ذلك من الأدلة الدالة على اجتناب النجاسة ;
فلا تصح صلاة مع وجود النجاسة في بدن المصلي أو ثوبه أو البقعة التي يصلي عليها ,
وكذلك إذا كان حاملا لشيء فيه نجاسة .
ومن رأى عليه نجاسة بعد الصلاة ولا يدري متى حدثت ; فصلاته صحيحة ,
وكذا لو كان عالما بها قبل الصلاة , لكن نسي أن يزيلها ; فصلاته صحيحة على القول الراجح .
وإن علم بالنجاسة في أثناء الصلاة وأمكنه إزالتها من غير عمل كثير ;
كخلع النعل والعمامة ونحوهما ; أزالهما وبنى , وإن لم يتمكن من إزالتها ; بطلت الصلاة .
ولا تصح الصلاة في المقبرة غير صلاة الجنازة ;
لقوله صلى الله عليه وسلم : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام
رواه الخمسة إلا النسـائي , وصححه الترمذي ,
وقال صلى الله عليه وسلم : لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها رواه الجماعة إلا البخاري ,
وقال عليه الصلاة والسلام : فلا تتخذوا القبور مساجد وليس العلة
في النهي عن الصلاة في المقابر أو عندها خشية النجاسة ,
وإنما هي خشية تعظيمها واتخاذها أوثانا ; فالعلة سد الذريعة عن عبادة المقبورين ,
وتستثنى صلاة الجنازة ; فيجوز فعلها في المقبرة ;
لفعل النبي صلى الله عليه وسلم , وذلك يخصص النهي ,
وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه ;
لأن النهي يشمل المقبرة وفنائها الذي حولها .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المسجد المبني على القبر :
لا يصلى فيه فرض ولا نفل , فإن كان المسجد قبل القبر ;
غير : إما بتسوية القبر , أو نبشه إن كان جديدا , وإن كان القبر قبل المسجد ;
فإما أن يزال المسجد , وإما أن تزال صورة القبر .
ولا تصح الصلاة في المسجد الذي قبلته إلى قبر ;
لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تصلوا إلى القبور ولا تصح الصلاة في الحشوش ,
وهي المراحيض المعدة لقضاء الحاجة ; فيمنع من الصلاة في داخل الحش ;
لكونه معدا للنجاسة , ولأن الشارع منع من ذكر الله فيه ; فالصلاة أولى بالمنع ,
ولأن الحشوش تحضرها الشياطين .
ولا تصح الصلاة في الحمام , وهو المحل المعد للاغتسال ; لأنه محل كشف العورات ,
ومأوى الشياطين , والمنع يشمل كل ما يغلق عليه باب الحمام ; فلا تجوز الصلاة فيه .
ولا تصح الصلاة في أعطان الإبل , وهي المواطن التي تقيم فيها وتأوي إليها .
قال الشيخ تقي الدين : " نهي عن الصلاة في أعطانها ; لأنها مأوى الشياطين ,
وكما نهي عن الصلاة في الحمام ; لأنه مأوى الشياطين ;
فإن مأوى الأرواح الخبيثة أحق بأن تجتنب الصلاة فيه " .
وتكره الصلاة في مكان فيه تصاوير قال الإمام ابن القيم :
" وهو أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام ; لأن كراهة الصلاة في الحمام :
إما لكونه مظنة النجاسة , وإما لكونه بيت الشيطان ,
وهو الصحيح , وأما محل الصور ; فمظنـة الشرك ,
وغالب شرك الأمم كان من جهـة الصور والقبور " ا هـ .
رابعا: استقبال القبلة
ومن شروط الصلاة استقبال القبلة وهي الكعبة المشرفة ,
سميت قبلة لإقبال الناس عليها , ولأن المصلي يقابلها ,
قال تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
فإن قرب من الكعبة , وكان يراها ; وجب عليه استقبال نفس الكعبة بجميع بدنه ;
لأنه قادر على التوجه إلى عينها قطعا , فلم يجز له العدول عنها ,
ومن كان قريبا منها , لكن لا يراها ; لوجود حائل بينه وبينها ; اجتهد في إصابتها ,
والتوجه إليها ما أمكنه , ومن كان بعيدا عن الكعبة في أي وجهة من جهات الأرض ;
فإنه يستقبل في صلاته الجهة التي فيها الكعبة , ولا يضر التيامن ولا التياسر اليسيران ,
لحديث : ما بين المشرق والمغرب قبلة صححه الترمذي , وروي عن غير واحد من الصحابة ,
وهذا بالنسبة لأهل المدينة وما وافق قبلتها مما سامتها , ولسائر البلدان مثل ذلك ;
فالذي في المشرق مثلا تكون قبلته بين الجنوب والشمال والذي في المغرب كذلك .
فلا تصح الصلاة بدون استقبال القبلة ,
لقوله تعالى : وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
أي : في بر أو جو أو بحر أو مشرق أو مغرب ; إلا العاجز عن استقبال الكعبة :
كالمربوط أو المصلوب لغير القبلة إذا كان موثقا لا يقدر عليه ;
فإنه يصلي حسب استطاعته , ولو لم يستقبل القبلة ;
لأن هذا الشرط يسقط عنه للعجز بإجماع أهل العلم ,
وكذا في حال اشتداد الحرب , والهارب من سيل أو نار أو سبع أو عدو ,
والمريض الذي لا يستطيع استقبال القبلة ;
فكل هؤلاء يصلون على حسب حالهم , ولو إلى غير القبلة , وتصح صلاتهم ;
لأنه شرط عجز عنه ; فسقط ,
قال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : وإذا أمرتكم بأمر ; فأتوا منه ما استطعتم
وورد في الحديث المتفق عليه ; أنهم عند اشتداد الخوف يصلون مستقبلي القبلة وغير مستقبليها .
ويستدل على القبلة بأشياء كثيرة ; منها :
الإخبار , فإذا أخبره بالقبلة مكلف ثقة عدل ; عمل بخبره ,
إذا كان المخبر متيقنا القبلة , وكذا إذا وجد محاريب إسلامية ; عمل بها ,
واستدل بها على القبلة ; لأن دوام التوجه إلى جهة تلك المحاريب يدل على صحة اتجاهها ,
وكذلك يستدل على القبلة بالنجوم , قال الله تعالى : وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
خامسا: النية
ومن شروط الصلاة النية وهي لغة : القصد ,
وشرعا : العزم على فعل العبادة تقربا إلى الله تعالى .
ومحلها القلب ; فلا يحتاج إلى التلفظ بها , بل هو بدعة , لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولا أصحابه ; فينوي بقلبه الصلاة التي يريدها , كالظهر والعصر ; لحديث :
إنما الأعمال بالنيات وينوي مع تكبيرة الإحرام , لتكون النية مقارنة للعبادة ,
وإن تقدمت بزمن يسير في الوقت ; فلا بأس .
ويشترط أن تستمر النية في جميع الصلاة , فإن قطعها في أثناء الصلاة ; بطلت الصلاة .
ويجوز لمن أحرم في صلاة فريضة وهو مأموم أو منفرد أن يقلب صلاته
نافلة إذا كان ذلك لغرض صحيح ; مثل أن يحرم منفردا , فيريد الصلاة مع الجماعة .
واعلم أن بعض الناس قد أحدثوا في النية بدعة وتشددا ما أنزل الله بهما من سلطان ,
وذلك بأن يقول أحدهم : نويت أن أصلي فرض كذا عدد كذا من الركعات أداء لله خلف هذا الإمام .
.. ونحو ذلك من الألفاظ , وهذا شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ,
فلم ينقل عنه أنه تلفظ بالنية لا سرا ولا جهرا , ولا أمر بذلك .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" اتفق الأئمة أنه لا يشرع الجهر بها ولا تكريرها , بل من اعتاده ينبغي تأديبه ,
والجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه , لا سيما إذا آذى به أو كرره . .. "
إلى أن قال : " وبعض المتأخرين خرج وجها من مذهب الشافعي في ذلك ,
وغلطه جماهير أصحاب الشافعي ,
قال الشافعي : إن الصلاة لا بد من النطق في أولها , فظن الغالط أنه أراد النطق بالنية ,
وإنما أراد التكبير " ا هـ كلام الشيخ .
والتلفظ بالنية كما أنه بدعة , فقد يدخل في الرياء أيضا ; لأن المطلوب إخلاص العمل لله وإخفاؤه ;
إلا ما ورد دليل بإظهاره ;
فالذي ينبغي للمسلم أن يكون وقافا عند حدود الشريعة , عاملا بالسنن ,
تاركا للبدع , مهما كان نوعها , وممن كان مصدرها . ..
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه ,
والله تعالى يقول : قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
فالله أعلم بنيات القلوب ومقاصدها ;
فلا حاجة إلى التلفظ بها في الصلاة وفي جميع العبادات , والله تعالى أعلم .
المرجع / كتاب الملخص الفقهي لشيخ صالح الفوزان
الجزء الاول / قسم العبادات
...........................................
|