- 19 مايو 2014
- 127
- 23
- 0
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- محمد صدّيق المنشاوي
أستحي أن أسأل الدنيا
لقي سفيان الثوري رابعة – وكانت مزرية الحال- فقال لها: يا أم عمرو أرى حالًا رثة، فلو أتيت جارك فلانًا لغيّر بعض ما أرى، فقالت له: يا سفيان وما ترى من سوء حالي، ألست على الإسلام؛ فهو العز الذي لا ذلَّ معه والغنى الذي لا فقر فيه، والأنس الذي لا وحشة معه؛ والله إني لأستحي أن أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها، فقام سفيان وهو يقول: ما سمعت مثل هذا الكلام.
الكفاءة في الدين
قال الحارث بن مسكين: لقد أحببت الشافعي، وقرب من قلبي، لما بلغني أنه كان يقول: الكفاءة في الدين، لا في النسب؛ لو كانت الكفاءة في النسب لم يكن أحد من الخلق كفؤا لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقد زوج ابنتيه من عثمان، وزوج أبا العاص بن الربيع.
اجلس حيث تؤمر
قال خارجة بن زيد النحوي: دخلت على محمد بن سيرين بيته زائرًا فوجدته جالسًا بالأرض، فألقى إليّ وسادة، فقلتُ له: إني قد رضيت لنفسي ما رضيت لنفسك -أنت جالس من غير وسادة فأريد أن أجلس من غير وسادة- فقال: إني لا أرضى لك في بيتي ما أرضى به لنفسي، واجلس حيث تؤمر، فلعل الرجل في بيته شيءٌ يكره أن تستقبله، وكذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن رد الوسائد إذا أعطاك وسادة لتستعملها.
واللّه تعالى يغيّر ولا يعيّر
عن مريم بنت طارق: أنّ امرأة قالت لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: يا أمّ المؤمنين إنّ كريّا –الرجل الذي يؤجر الدابة- أخذ بساقي وأنا محرمة. فقالت: حجرا حجرا حجرا. وأعرضت بوجهها، وقالت: يا نساء المؤمنين إذا أذنبت إحداكنّ ذنبا فلا تخبرنّ به النّاس ولتستغفرنّ اللّه ولتتب إليه، فإنّ العباد يعيّرون ولا يغيّرون، واللّه تعالى يغيّر ولا يعيّر.
هذا سيدنا معاوية
قال محمّد بن عبّاد بن عبّاد بن عبّاد بن حبيب بن المهلّب- رحمه اللّه تعالى: بعث مروان بن الحكم، وهو على المدينة، ابنه عبد الملك إلى سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فدخل عليه فقال: إنّ لنا مالا إلى جنب مالك بموضع كذا وكذا من الحجاز، لا يصلح مالنا إلّا بمالك، ومالك إلّا بمالنا، فإمّا تركت لنا مالك فأصلحنا به مالنا، وإمّا تركنا لك مالنا فأصلحت به مالك، فقال له: يا ابن مروان: إنّي لا أخدع عن القليل ولا يتعاظمني ترك الكثير، وقد تركنا لكم مالنا فأصلحوا به مالكم.
وكان أبوهما صالحا
ورُوي أنّ الإمام الشّافعيّ -رحمه اللّه- لمّا مرض مرض موته في مصر قال: مروا فلانا يغسّلني. فلمّا توفّي بلغه خبر وفاته فحضر، وقال: ائتوني بتذكرته، فأُتي بها، فنظر فيها، فإذا فيها "على الشّافعيّ سبعون ألف درهم دينا"، فكتبها على نفسه وقضاها عنه، وقال: هذا غسلي إيّاه؛ أي أراد به هذا. وقال أبو سعيد الواعظ الحركوشيّ: لمّا قدمت مصر طلبت منزل ذلك الرّجل فدلّوني عليه، فرأيت جماعة من أحفاده وزرتهم، فرأيت فيهم سيم الخير وآثار الفضل؛ فقلت: بلغ أثره في الخير إليهم، وظهرت بركته فيهم مستدلّا بقوله تعالى: (وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا) [الكهف: 82]
لا تؤذوني في أخي
عن هشام بن عروة، قال: قدم عروة بن الزبير على عبد الملك بن مروان، فأجلسه معه على السرير، فجاء قوم فوقعوا في عبد الله بن الزبير، فخرج عروة وقال للآذن: إن عبد الله أخي، فإذا أردتم أن تقعوا فيه فلا تأذنوا لي عليكم. فذكروا ذلك لعبد الملك، فقال له عبد الملك: حدثوني بما قلت، وإن أخاك لم نقتله لعداوة، ولكنه طلب أمرًا وطلبناه، فقتلناه، وإن أهل الشام من أخلاقهم أن لا يقتلوا رجلًا إلا شتموه، فإذا أذنا لأحد قبلك، فقد جاء من يشتمه، فانصرف.
سخاء حتى الفقر
قال اللّيث بن سعد- رحمه اللّه تعالى: كان ابن شهاب من أسخى من رأيت قطّ، كان يعطي كلّ من جاءه وسأله، حتّى إذا لم يبق شيء تسلّف من أصحابه، فيعطونه، حتّى إذا لم يبق معهم شيء حلفوا أنّه لم يبق معهم شيء، فيستلف من عبيده، فيقول لأحدهم: يا فلان أسلفني كما تعرف وأضعّف لك كما تعلم، فيسلّفونه، ولا يرى بذلك بأسا، وربّما جاءه السّائل فلا يجد ما يعطيه فيتغيّر عند ذلك وجهه، فيقول للسّائل: أبشر فسوف يأتي اللّه بخير، قال فيقيّض اللّه لابن شهاب على قدر صبره واحتماله.
طلب الدنيا
قال ابن الجوزيّ- رحمه اللّه تعالى: ليس في الدّنيا أبله ممّن يطلب النّهاية في لذّات الدّنيا، وليس في الحقيقة لذّة، إنّما هي راحة من مؤلم. فالسّعيد من إذا حصلت له امرأة أو جارية فمال إليها، ومالت إليه، وعلم سترها ودينها أن يعقد الخنصر على صحبتها. وأكثر أسباب دوام محبّتها أن لا يطلق بصره، فمتى أطلق بصره أو أطمع نفسه في غيرها، فإنّ الطّمع في الجديد ينغّص الخلق وينقص المخالطة، ولا يستر عيوب الخارج فتميل النّفس إلى المشاهد الغريب، ويتكدّر العيش مع الحاضر القريب، كما قال الشّاعر:
والمرء ما دام ذا عين يقلّبها
في أعين الحور موقوف على الخطر
يسرّ مقلته ما ضرّ مهجته
لا مرحبا بسرور عاد بالضّرر
ثمّ تصير الثّانية كالأولى وتطلب النّفس ثالثة وليس لهذا آخر، بل الغضّ عن المشتهيات، ويأس النّفوس من طلب المتحسّنات يطيّب العيش مع المعاشر.
حد السلام
قال محمد بن عمرو بن عطاء: بينا أنا عند ابن عباس، وعنده ابنه، فجاءه سائل فسلم عليه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه، وعدّد من ذا، فقال ابن عباس: "ما هذا السلام؟"، وغضب حتى احمرت وجنتاه، فقال له ابنه علي: يا أبتاه إنه سائل ، فقال: إن الله حد السلام حدا، ونهى عما وراء ذلك، ثم قرأ إلى: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد).
هكذا كان الخلفاء
قال الشّعبيّ، فيما يصف به عبد الملك بن مروان: واللّه ما علمته إلّا آخذا بثلاث، تاركا لثلاث، آخذا بحسن الحديث إذا حدّث، وبحسن الاستماع إذا حدّث، وبأيسر المؤونة إذا خولف، تاركا لمجاوبة اللّئيم، ومماراة السّفيه، ومنازعة اللّجوج.
حلاوة الزهد
قال سهل بن عبد الله: استجلبْ حلاوة الزُهد بقصر الأمل، واقطع أسباب الطمع بصحَّة اليأسِ، وتعرَّضْ لرقة القلب بمجالسة أهل الذكر. واستفتحْ باب الحُزن بُطول الفكر، وتزيَّنْ لله بالصدق في كل الأحوال. وإيَّاك والتَّسويف، فإنه يُغرقُ الهلكى، وإياك والغفلة فإن فيها سواد القلب، واستجلب زيادة النعم بعظيم الشكر.
العجلة
جاء في وصيّة الخطّاب ابن المعلّى المخزوميّ القرشيّ لابنه، قال فيها: يا بنيّ عليك بتقوى اللّه وطاعته، وتجنّب محارمه باتّباع سنّته ومعالمه حتّى تصحّ عيوبك، وتقرّ عينك، فإنّها لا تخفى على اللّه خافية، وإنّي قد وسمت لك وسما، إن أنت حفظته ووعيته وعملت به ملأت عين الملوك وانقاد لك به الصّعلوك، ولم تزل مرتجى مشرفا يُحتاج إليك، ويُرغب إلى ما في يديك... إلى أن قال: وإيّاك وإخوان السّوء فإنّهم يخونون من رافقهم، ويحزنون من صادقهم، وقربهم أعدى من الجرب، ورفضهم من استكمال الأدب، واستخفار المستجير لؤم، والعجلة شؤم، وسوء التّدبير وهن.
الذي تريد أن يصنع الله بك
ظفر الخليفة هارون الرشيد برجل من الخارجين عليه فقال له: ما تريد أن أصنع بك؟ قال الرجل: الذي تريد أن يصنع بك الإله إذا وقفت بين يديه، ولا أجد الآن أذلَّ مني بين يديك.
فأطرق الرشيد، ثم قال: اذهب حيث شئت، فأغراه جلساؤه به، وحذروه منه، فأمر بردِّه، فلما حضر قال: يا إمام الأئمة لا تطعهم فيَّ؛ فلو أطاع الله فيك خلقه ما استخلفك عليهم، فعجب من قوله، وكمال فطنته، وخلى سبيله؛ لقوة حجته وتمام ذكائه.
شواهد الفضل
قال الماورديّ- رحمه اللّه: اعلم أنّ من شواهد الفضل ودلائل الكرم: المروءة الّتي هي حلية النّفوس، وزينة الهمم. ومن حقوق المروءة وشروطها، ما لا يتوصّل إليه إلّا بالمعاناة، ولا يوقف عليه إلّا بالتّفقّد والمراعاة، فثبت أنّ مراعاة النّفس إلى أفضل أحوالها هي المروءة، وإذا كانت كذلك، فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها، إلّا من تسهّلت عليه المشاقّ، رغبة في الحمد، وهانت عليه الملاذّ، حذرا من الذّمّ، ولذلك قيل: سيّد القوم أشقاهم.
وقال الشّاعر:
وإذا كانت النّفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام
والدّاعي إلى استسهال ذلك شيئان: أحدهما: علوّ الهمّة، والثّاني: شرف النّفس
لقي سفيان الثوري رابعة – وكانت مزرية الحال- فقال لها: يا أم عمرو أرى حالًا رثة، فلو أتيت جارك فلانًا لغيّر بعض ما أرى، فقالت له: يا سفيان وما ترى من سوء حالي، ألست على الإسلام؛ فهو العز الذي لا ذلَّ معه والغنى الذي لا فقر فيه، والأنس الذي لا وحشة معه؛ والله إني لأستحي أن أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها، فقام سفيان وهو يقول: ما سمعت مثل هذا الكلام.
الكفاءة في الدين
قال الحارث بن مسكين: لقد أحببت الشافعي، وقرب من قلبي، لما بلغني أنه كان يقول: الكفاءة في الدين، لا في النسب؛ لو كانت الكفاءة في النسب لم يكن أحد من الخلق كفؤا لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقد زوج ابنتيه من عثمان، وزوج أبا العاص بن الربيع.
اجلس حيث تؤمر
قال خارجة بن زيد النحوي: دخلت على محمد بن سيرين بيته زائرًا فوجدته جالسًا بالأرض، فألقى إليّ وسادة، فقلتُ له: إني قد رضيت لنفسي ما رضيت لنفسك -أنت جالس من غير وسادة فأريد أن أجلس من غير وسادة- فقال: إني لا أرضى لك في بيتي ما أرضى به لنفسي، واجلس حيث تؤمر، فلعل الرجل في بيته شيءٌ يكره أن تستقبله، وكذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن رد الوسائد إذا أعطاك وسادة لتستعملها.
واللّه تعالى يغيّر ولا يعيّر
عن مريم بنت طارق: أنّ امرأة قالت لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: يا أمّ المؤمنين إنّ كريّا –الرجل الذي يؤجر الدابة- أخذ بساقي وأنا محرمة. فقالت: حجرا حجرا حجرا. وأعرضت بوجهها، وقالت: يا نساء المؤمنين إذا أذنبت إحداكنّ ذنبا فلا تخبرنّ به النّاس ولتستغفرنّ اللّه ولتتب إليه، فإنّ العباد يعيّرون ولا يغيّرون، واللّه تعالى يغيّر ولا يعيّر.
هذا سيدنا معاوية
قال محمّد بن عبّاد بن عبّاد بن عبّاد بن حبيب بن المهلّب- رحمه اللّه تعالى: بعث مروان بن الحكم، وهو على المدينة، ابنه عبد الملك إلى سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فدخل عليه فقال: إنّ لنا مالا إلى جنب مالك بموضع كذا وكذا من الحجاز، لا يصلح مالنا إلّا بمالك، ومالك إلّا بمالنا، فإمّا تركت لنا مالك فأصلحنا به مالنا، وإمّا تركنا لك مالنا فأصلحت به مالك، فقال له: يا ابن مروان: إنّي لا أخدع عن القليل ولا يتعاظمني ترك الكثير، وقد تركنا لكم مالنا فأصلحوا به مالكم.
وكان أبوهما صالحا
ورُوي أنّ الإمام الشّافعيّ -رحمه اللّه- لمّا مرض مرض موته في مصر قال: مروا فلانا يغسّلني. فلمّا توفّي بلغه خبر وفاته فحضر، وقال: ائتوني بتذكرته، فأُتي بها، فنظر فيها، فإذا فيها "على الشّافعيّ سبعون ألف درهم دينا"، فكتبها على نفسه وقضاها عنه، وقال: هذا غسلي إيّاه؛ أي أراد به هذا. وقال أبو سعيد الواعظ الحركوشيّ: لمّا قدمت مصر طلبت منزل ذلك الرّجل فدلّوني عليه، فرأيت جماعة من أحفاده وزرتهم، فرأيت فيهم سيم الخير وآثار الفضل؛ فقلت: بلغ أثره في الخير إليهم، وظهرت بركته فيهم مستدلّا بقوله تعالى: (وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا) [الكهف: 82]
لا تؤذوني في أخي
عن هشام بن عروة، قال: قدم عروة بن الزبير على عبد الملك بن مروان، فأجلسه معه على السرير، فجاء قوم فوقعوا في عبد الله بن الزبير، فخرج عروة وقال للآذن: إن عبد الله أخي، فإذا أردتم أن تقعوا فيه فلا تأذنوا لي عليكم. فذكروا ذلك لعبد الملك، فقال له عبد الملك: حدثوني بما قلت، وإن أخاك لم نقتله لعداوة، ولكنه طلب أمرًا وطلبناه، فقتلناه، وإن أهل الشام من أخلاقهم أن لا يقتلوا رجلًا إلا شتموه، فإذا أذنا لأحد قبلك، فقد جاء من يشتمه، فانصرف.
سخاء حتى الفقر
قال اللّيث بن سعد- رحمه اللّه تعالى: كان ابن شهاب من أسخى من رأيت قطّ، كان يعطي كلّ من جاءه وسأله، حتّى إذا لم يبق شيء تسلّف من أصحابه، فيعطونه، حتّى إذا لم يبق معهم شيء حلفوا أنّه لم يبق معهم شيء، فيستلف من عبيده، فيقول لأحدهم: يا فلان أسلفني كما تعرف وأضعّف لك كما تعلم، فيسلّفونه، ولا يرى بذلك بأسا، وربّما جاءه السّائل فلا يجد ما يعطيه فيتغيّر عند ذلك وجهه، فيقول للسّائل: أبشر فسوف يأتي اللّه بخير، قال فيقيّض اللّه لابن شهاب على قدر صبره واحتماله.
طلب الدنيا
قال ابن الجوزيّ- رحمه اللّه تعالى: ليس في الدّنيا أبله ممّن يطلب النّهاية في لذّات الدّنيا، وليس في الحقيقة لذّة، إنّما هي راحة من مؤلم. فالسّعيد من إذا حصلت له امرأة أو جارية فمال إليها، ومالت إليه، وعلم سترها ودينها أن يعقد الخنصر على صحبتها. وأكثر أسباب دوام محبّتها أن لا يطلق بصره، فمتى أطلق بصره أو أطمع نفسه في غيرها، فإنّ الطّمع في الجديد ينغّص الخلق وينقص المخالطة، ولا يستر عيوب الخارج فتميل النّفس إلى المشاهد الغريب، ويتكدّر العيش مع الحاضر القريب، كما قال الشّاعر:
والمرء ما دام ذا عين يقلّبها
في أعين الحور موقوف على الخطر
يسرّ مقلته ما ضرّ مهجته
لا مرحبا بسرور عاد بالضّرر
ثمّ تصير الثّانية كالأولى وتطلب النّفس ثالثة وليس لهذا آخر، بل الغضّ عن المشتهيات، ويأس النّفوس من طلب المتحسّنات يطيّب العيش مع المعاشر.
حد السلام
قال محمد بن عمرو بن عطاء: بينا أنا عند ابن عباس، وعنده ابنه، فجاءه سائل فسلم عليه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه، وعدّد من ذا، فقال ابن عباس: "ما هذا السلام؟"، وغضب حتى احمرت وجنتاه، فقال له ابنه علي: يا أبتاه إنه سائل ، فقال: إن الله حد السلام حدا، ونهى عما وراء ذلك، ثم قرأ إلى: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد).
هكذا كان الخلفاء
قال الشّعبيّ، فيما يصف به عبد الملك بن مروان: واللّه ما علمته إلّا آخذا بثلاث، تاركا لثلاث، آخذا بحسن الحديث إذا حدّث، وبحسن الاستماع إذا حدّث، وبأيسر المؤونة إذا خولف، تاركا لمجاوبة اللّئيم، ومماراة السّفيه، ومنازعة اللّجوج.
حلاوة الزهد
قال سهل بن عبد الله: استجلبْ حلاوة الزُهد بقصر الأمل، واقطع أسباب الطمع بصحَّة اليأسِ، وتعرَّضْ لرقة القلب بمجالسة أهل الذكر. واستفتحْ باب الحُزن بُطول الفكر، وتزيَّنْ لله بالصدق في كل الأحوال. وإيَّاك والتَّسويف، فإنه يُغرقُ الهلكى، وإياك والغفلة فإن فيها سواد القلب، واستجلب زيادة النعم بعظيم الشكر.
العجلة
جاء في وصيّة الخطّاب ابن المعلّى المخزوميّ القرشيّ لابنه، قال فيها: يا بنيّ عليك بتقوى اللّه وطاعته، وتجنّب محارمه باتّباع سنّته ومعالمه حتّى تصحّ عيوبك، وتقرّ عينك، فإنّها لا تخفى على اللّه خافية، وإنّي قد وسمت لك وسما، إن أنت حفظته ووعيته وعملت به ملأت عين الملوك وانقاد لك به الصّعلوك، ولم تزل مرتجى مشرفا يُحتاج إليك، ويُرغب إلى ما في يديك... إلى أن قال: وإيّاك وإخوان السّوء فإنّهم يخونون من رافقهم، ويحزنون من صادقهم، وقربهم أعدى من الجرب، ورفضهم من استكمال الأدب، واستخفار المستجير لؤم، والعجلة شؤم، وسوء التّدبير وهن.
الذي تريد أن يصنع الله بك
ظفر الخليفة هارون الرشيد برجل من الخارجين عليه فقال له: ما تريد أن أصنع بك؟ قال الرجل: الذي تريد أن يصنع بك الإله إذا وقفت بين يديه، ولا أجد الآن أذلَّ مني بين يديك.
فأطرق الرشيد، ثم قال: اذهب حيث شئت، فأغراه جلساؤه به، وحذروه منه، فأمر بردِّه، فلما حضر قال: يا إمام الأئمة لا تطعهم فيَّ؛ فلو أطاع الله فيك خلقه ما استخلفك عليهم، فعجب من قوله، وكمال فطنته، وخلى سبيله؛ لقوة حجته وتمام ذكائه.
شواهد الفضل
قال الماورديّ- رحمه اللّه: اعلم أنّ من شواهد الفضل ودلائل الكرم: المروءة الّتي هي حلية النّفوس، وزينة الهمم. ومن حقوق المروءة وشروطها، ما لا يتوصّل إليه إلّا بالمعاناة، ولا يوقف عليه إلّا بالتّفقّد والمراعاة، فثبت أنّ مراعاة النّفس إلى أفضل أحوالها هي المروءة، وإذا كانت كذلك، فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها، إلّا من تسهّلت عليه المشاقّ، رغبة في الحمد، وهانت عليه الملاذّ، حذرا من الذّمّ، ولذلك قيل: سيّد القوم أشقاهم.
وقال الشّاعر:
وإذا كانت النّفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام
والدّاعي إلى استسهال ذلك شيئان: أحدهما: علوّ الهمّة، والثّاني: شرف النّفس

