- 10 أغسطس 2014
- 505
- 125
- 43
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- عبد الباسط عبد الصمد
- علم البلد
-
تلاوة رائعة جدا ومؤثرة للشيخ عبد الباسط عبد الصمد رحمة الله عليه من سورة طه
..............................
بسم الله الرحمن الرحيم
منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90)
................................
تفسير ومعاني الايات من مجموعة من التفاسير المعتمدة
منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى
(تفسير الجلالين) . "منها" أي من الأرض "خلقناكم" بخلق أبيكم آدم منها "وفيها نعيدكم" مقبورين بعد الموت "ومنها نخرجكم" عند البعث "تارة" مرة "أخرى" كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم
ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى
"ولقد أريناه" أي أبصرنا فرعون "آياتنا كلها" التسع "فكذب" بها وزعم أنها سحر "وأبى" أن يوحد الله تعالى
قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسي
"قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا" مصر ويكون لك الملك فيها
فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى
"فلنأتينك بسحر مثله" يعارضه "فاجعل بيننا وبينك موعدا" لذلك "لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا" منصوب بنزع الخافض في "سوى" بكسر أوله وضمه أي وسطا تستوي إليه مسافة الجائي من الطرفين
قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى
"قال" موسى "موعدكم يوم الزينة" يوم عيد لهم يتزينون فيه ويجتمعون "وأن يحشر الناس" يجمع أهل مصر "ضحى" وقته للنظر فيما يقع
فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى
"فتولى فرعون" أدبر "فجمع كيده" أي ذوي كيده من السحرة "ثم أتى" بهم الموعد
تفسير الطبري . { فتولى فرعون } يقول تعالى ذكره : فأدبر فرعون معرضا عما أتاه به من الحق { فجمع كيده } يقول : فجمع مكره , وذلك جمعه سحرته بعد أخذه إياهم بتعلمه , { ثم أتى } يقول : ثم جاء للموعد الذي وعده موسى , وجاء بسحرته .
قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى
تفسير الجلالين . "قال لهم موسى" وهم اثنان وسبعون مع كل واحد حبل وعصا "ويلكم" أي ألزمكم الله الويل "لا تفتروا على الله كذبا" بإشراك أحد معه " فيسحتكم" بضم الياء وكسر الحاء وبفتحهما أي يهلككم "بعذاب" من عنده "وقد خاب" خسر "من افترى" كذب على الله
تفسير القرطبي . " قال لهم موسى " أي قال لفرعون والسحرة
" ويلكم " دعاء عليهم بالويل . وهو بمعنى المصدر . وقال أبو إسحاق الزجاج : هو منصوب بمعنى ألزمهم الله ويلا . قال : ويجوز أن يكون نداء كقوله تعالى " يا ويلنا من بعثنا " [ يس : 52 ]
" لا تفتروا على الله كذبا " أي لا تختلقوا عليه الكذب , ولا تشركوا به , ولا تقولوا للمعجزات إنها سحر .
" فيسحتكم بعذاب " من عنده أي يستأصلكم بالإهلاك يقال فيه : سحت وأسحت بمعنى . وأصله من استقصاء الشعر . وقرأ الكوفيون " فيسحتكم " من أسحت , الباقون " فيسحتكم " من سحت وهذه لغة أهل الحجاز و [ الأولى لغة ] بني تميم . وانتصب على جواب النهي . وقال الفرزدق . وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلفا الزمخشري : وهذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه .
" وقد خاب من افترى " أي خسر وهلك , وخاب من الرحمة والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن به .
تفسير الطبري { فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى } يقول تعالى ذكره : فتنازع السحرة أمرهم بينهم . وكان تنازعهم أمرهم بينهم فيما ذكر أن قال بعضهم لبعض , ما حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى } قال السحرة بينهم : إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه , وإن كان من السماء فله أمر . وقال آخرون : بل هو أن بعضهم قال لبعض : ما هذا القول بقول ساحر . ذكر من قال ذلك . حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال : حدثت عن وهب بن منبه , قال : جمع كل ساحر حباله وعصيه , وخرج موسى معه أخوه يتكئ على عصاه , حتى أتى المجمع , وفرعون في مجلسه , معه أشراف أهل مملكته , قد استكف له الناس , فقال موسى للسحرة حين جاءهم : { ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى } فتراد السحرة بينهم , وقال بعضهم لبعض : ما هذا بقول ساحر . وقوله : { وأسروا النجوى } يقول تعالى ذكره : وأسروا السحرة المناجاة بينهم .
تفسير الجلالين . قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى
"قالوا" لأنفسهم "إن هذان" وهو موافق للغة من يأتي في المثنى بالألف في أحواله الثلاث ولأبي عمرو : هذين "لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى" مؤنث أمثل بمعنى أشرف أي بأشرافكم بميلهم إليهما لغلبتهما
تفسير القرطبي . يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى
هذا من قول فرعون للسحرة ; أي غرضهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه ; كما قال فرعون " إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد " [ غافر : 26 ] . ويقال فلان حسن الطريقة أي حسن المذهب . وقيل : طريقة القوم أفضل القول ; وهذا الذي ينبغي أن يسلكوا طريقته ويقتدوا به ; فالمعنى : ويذهبا بسادتكم ورؤسائكم ; استمالة لهم . أو يذهبا ببني إسرائيل وهم الأماثل وإن كانوا خولا لكم لما يرجعون إليه من الانتساب إلى الأنبياء . أو يذهبا بأهل طريقتكم فحذف المضاف . و " المثلى " تأنيث الأمثل ; كما يقال الأفضل والفضلى . وأنث الطريقة على اللفظ , وإن كان يراد بها الرجال . ويجوز أن يكون التأنيث على الجماعة . وقال الكسائي : " بطريقتكم " بسنتكم وسمتكم . و " المثلى " نعت كقولك امرأة كبرى . تقول العرب : فلان على الطريقة المثلى يعنون على الهدى المستقيم .
فأجمعوا كيدكم
الإجماع الإحكام والعزم على الشيء . تقول : أجمعت الخروج وعلى الخروج أي عزمت .
ثم ائتوا صفا
قال مقاتل والكلبي : جميعا . وقيل : صفوفا ليكون أشد لهيبتكم وهو منصوب بوقوع الفعل عليه على قول أبي عبيدة ; قال يقال : أتيت الصف يعني المصلى ; فالمعنى عنده ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه يوم العيد .
وقد أفلح اليوم من استعلى
أي من غلب . وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض . وقيل : من قول فرعون لهم .
" قالوا يا موسي " يريد السحرة .
" إما أن تلقي " عصاك من يدك
" وإما أن نكون أول من القي " تأدبوا مع موسى فكان ذلك سبب إيمانهم .
قال بل ألقوا فإذا حبالهم
في الكلام حذف , أي فألقوا ; دل عليه المعنى .
وعصيهم
وقرأ الحسن " وعصيهم " بضم العين . قال هارون القارئ : لغة بني تميم " وعصيهم " وبها يأخذ الحسن . الباقون بالكسر اتباعا لكسرة الصاد . ونحوه دلي ودلي وقسي وقسي .
يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى
وقرأ ابن عباس وأبو حيوة وابن ذكوان وروح عن يعقوب " تخيل " بالتاء ; وردوه إلى العصي والحبال إذ هي مؤنثة . وذلك أنهم لطخوا العصي بالزئبق , فلما أصابها حر الشمس ارتهشت واهتزت . قال الكلبي : خيل إلى موسى أن الأرض حيات وأنها تسعى على بطنها .
وقرئ " تخيل " بمعنى تتخيل وطريقه طريق " تخيل " ومن قرأ " يخيل " بالياء رده إلى الكيد . وقرئ " نخيل " بالنون على أن الله هو المخيل للمحنة والابتلاء . وقيل : الفاعل " أنها تسعى " ف " أن " في موضع رفع ; أي يخيل إليه سعيها ; قاله الزجاج . وزعم الفراء أن موضعها موضع نصب ; أي بأنها ثم حذف الباء . والمعنى في الوجه الأول : تشبه إليه من سحرهم وكيدهم حتى ظن أنها تسعى . وقال الزجاج ومن قرأ بالتاء جعل " أن " في موضع نصب أي تخيل إليه ذات سعي , قال : ويجوز أن تكون في موضع رفع بدلا من الضمير في " تخيل " وهو عائد على الحبال والعصي , والبدل فيه بدل اشتمال . و " تسعى " معناه تمشي .
فأوجس في نفسه خيفة موسى
تفسير ابن كثير . وقوله " فأوجس في نفسه خيفة موسى " أي خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ألق ما في يمينك يعني عصاك فإذا هي تلقف ما صنعوا وذلك أنها صارت تنينا عظيما هائلا ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهرة نهارا ضحوة فقامت المعجزة واتضح البرهان ووقع الحق وبطل السحر .
قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى
تفسير الجلالين . "قلنا" له "لا تخف إنك أنت الأعلى" عليهم بالغلبة
تفسير القرطبي . وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا
ولم يقل وألق عصاك , فجائز أن يكون تصغيرا لها ; أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم , وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك , فإنه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها , وصغره وعظمها . وجائز أن يكون تعظيما لها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكثيرة الكبيرة فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها , وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عندها ; فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها .
إنما صنعوا كيد ساحر
أي الذي صنعوه وكذا " إنما صنعوا " أي إن الذي صنعوه
ولا يفلح الساحر حيث أتى
أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض . وقيل : حيث احتال . وقد مضى في " البقرة " حكم الساحر ومعنى السحر فتأمله هناك
تفسير ابن كثير " إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى " وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن موسى الشيباني حدثنا حماد بن خالد حدثنا ابن معاذ - أحسبه الصائغ - عن الحسن عن جندب بن عبد الله البجلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أخذتم - يعني الساحر - فاقتلوه ثم قرأ " ولا يفلح الساحر حيث أتى " قال لا يؤمن حيث وجد " وقد روى أصله الترمذي موقوفا ومرفوعا فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل وأنه حق لا مرية فيه ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء كن فيكون فعند ذلك وقعوا سجدا لله وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ولهذا قال ابن عباس وعبيد بن عمير : كانوا أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء بررة
فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى
تفسير الجلالين . "فألقي السحرة سجدا" خروا ساجدين لله تعالى
تفسير القرطبي . فألقي السحرة سجدا
لما رأوا من عظيم الأمر وخرق العادة في العصا ; فإنها ابتلعت جميع ما احتالوا به من الحبال والعصي ; وكانت حمل ثلثمائة بعير ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي إلا الله تعالى . وقد مضى في " الأعراف " هذا المعنى وأمر العصا مستوفى
قالوا آمنا برب هارون وموسى
أي به ; يقال : آمن له وآمن به ; ومنه " فآمن له لوط " [ العنكبوت : 26 ] وفي الأعراف
تفسير ابن كثير . فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى
قال وذكر عن سعيد بن سلام حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سلمان عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قوله " ألقي السحرة سجدا " قال رأوا منازلهم تبين لهم وهم في سجودهم وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة .
تفسير الطبري . فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى
القول في تأويل قوله تعالى : { فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى } وفي هذا الكلام متروك قد استغنى بدلالة ما ترك عليه وهو : فألقى موسى عصاه , فتلقفت ما صنعوا { فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى } وذكر أن موسى لما ألقى ما في يده تحول ثعبانا , فالتقم كل ما كانت السحرة ألقته من الحبال والعصي . ذكر الرواية عمن قال ذلك : 18260 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يعقوب , عن جعفر , عن سعيد , قال : لما اجتمعوا وألقوا ما في أيديهم من السحر , { خيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا } فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين , قال : فتحت فما لها مثل الدحل , ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر , ثم استوعبت كل شيء ألقوه من السحر , ثم جاء إليها فقبض عليها , فإذا هي عصا , فخر السحرة سجدا { قالوا آمنا برب هارون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } قال : فكان أول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون { ولأصلبنكم في جذوع النخل } قال : فكان أول من صلب في جذوع النخل فرعون . 18261 - حدثنا موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي { فأوجس في نفسه خيفة موسى } فأوحى الله إليه { لا تخف وألق ما في يمينك } { تلقف ما يأفكون } 7 117 فألقى عصاه فأكلت كل حية لهم ; فلما رأوا ذلك سجدوا و { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } . 7 121 : 122 18262 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال : حدثت عن وهب بن منبه { فأوجس في نفسه خيفة موسى } لما رأى ما ألقوا من الحبال والعصي وخيل إليه أنها تسعى , وقال : والله إن كانت لعصيا في أيديهم , ولقد عادت حيات , وما تعدو عصاي هذه , أو كما حدث نفسه , فأوحى الله إليه أن { ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى } وفرح موسى فألقى عصاه من يده , فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم , وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى , فجعلت تلقفها , تبتلعها حية حية , حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا , ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت , ووقع السحرة سجدا , قالوا : آمنا برب هارون وموسى , لو كان هذا سحر ما غلبنا .
قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71)
تفسير الجلالين . "قال" فرعون "آمنتم" بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا "له قبل أن آذن" أنا "لكم إنه لكبيركم" معلمكم "الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف" حال بمعنى مختلفة أي الأيدي اليمنى والأرجل اليسرى "ولأصلبنكم في جذوع النخل" أي عليها "ولتعلمن أينا" يعني نفسه ورب موسى "أشد عذابا وأبقى" أدوم على مخالفته
تفسير القرطبي . قال آمنتم له قبل أن آذن لكم
إنكار منه عليهم ; أي تعديتم وفعلتم ما لم آمركم به .
إنه لكبيركم الذي علمكم السحر
أي رئيسكم في التعليم , وإنما غلبكم لأنه أحذق به منكم . وإنما أراد فرعون بقوله هذا ليشبه على الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم , وإلا فقد علم فرعون أنهم لم يتعلموا من موسى , بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته .
فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل
أي على جذوع النخل . قال سويد بن أبي كاهل هم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا فقطع وصلب حتى ماتوا رحمهم الله تعالى . وقرأ ابن محيصن هنا وفي الأعراف " فلأقطعن " " ولأصلبنكم " بفتح الألف والتخفيف من قطع وصلب .
ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى
يعني أنا أم رب موسى .
تفسير ابن كثير . قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى
يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم وغلب كل الغلب شرع في المكابرة والبهت وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة فتهددهم وتوعدهم وقال آمنتم له أي صدقتموه قبل أن آذن لكم أي وما أمرتكم بذلك وافتتنتم علي في ذلك وقال قولا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب " إنه لكبيركم الذي علمكم السحر " أي أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى واتفقتم أنتم وإياه علي وعلى رعيتي لتظهروه كما قال تعالى في الآية الأخرى " إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون " ثم أخذ يهددهم فقال لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل أي لأجعلنكم مثلة ولأقتلنكم ولأشهرنكم قال ابن عباس فكان أول من فعل ذلك رواه ابن أبي حاتم وقوله ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى أي أنتم تقولون إني وقومي على ضلالة وأنتم مع موسى وقومه على الهدى فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل .
تفسير الطبري . { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } يقول جل ثناؤه : وقال فرعون للسحرة : أصدقتم وأقررتم لموسى بما دعاكم إليه من قبل أن أطلق ذلك لكم { إنه لكبيركم } يقول : إن موسى لعظيمكم { الذي علمكم السحر } . كما حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال : حدثت عن وهب بن منبه , قال : لما قالت السحرة : { آمنا برب هارون وموسى } قال لهم فرعون , وأسف ورأى الغلبة والبينة : { آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } : أي لعظيم السحار الذي علمكم .
فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل
وقوله : { فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } يقول : فلأقطعن أيديكم وأرجلكم مخالفا بين قطع ذلك , وذلك أن يقطع يمنى اليدين ويسرى الرجلين , أو يسرى اليدين , ويمنى الرجلين , فيكون ذلك قطعا من خلاف , وكان فيما ذكر أول من فعل ذلك فرعون , وقد ذكرنا الرواية بذلك . وقوله : { ولأصلبنكم في جذوع النخل } يقول : ولأصلبنكم على جذوع النخل , كما قال الشاعر : هم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا يعني على , جذع نخلة , وإنما قيل : في جذوع , لأن المصلوب على الخشبة يرفع في طولها , ثم يصير عليها , فيقال : صلب عليها . حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { ولأصلبنكم في جذوع النخل } لما رأى السحرة ما جاء به عرفوا أنه من الله فخروا سجدا , وآمنوا عند ذلك , قال عدو الله : { فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } . الآية . حدثنا موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال فرعون : { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل } فقتلهم وقطعهم , كما قال عبد الله بن عباس حين قالوا : { ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين } 7 126 وقال : كانوا في أول النهار سحرة , وفي آخر النهار شهداء .
ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى
وقوله : { ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } يقول : ولتعلمن أيها السحرة أينا أشد عذابا لكم , وأدوم , أنا أو موسى .
تفسير اضواء البيان للإمام الشنقيطي . قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن سحرة فرعون لما آمنوا برب هارون وموسى قال لهم فرعون منكرا عليهم : آمنتم له أي : صدقتموه في أنه نبي مرسل من الله ، وآمنتم بالله قبل أن آذن لكم . يعني أنهم لم يكفوا عن الإيمان حتى يأذن لهم ، لأنه يزعم أنهم لا يحق لهم أن يفعلوا شيئا إلا بعد إذنه هو لهم . وقال لهم أيضا : إن موسى هو كبيرهم . أي : كبير السحرة وأستاذهم الذي علمهم السحر . ثم هددهم مقسما على أنه يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ؛ يعني اليد اليمنى ، والرجل اليسرى مثلا . لأنه أشد على الإنسان من قطعهما من جهة واحدة . لأنه إن كان قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شق كامل صحيح ، بخلاف قطعهما من خلاف . فالجنب الأيمن يضعف بقطع اليد ، والأيسر يضعف بقطع الرجل كما هو معلوم . وأنه يصلبهم في جذوع النخل ، وجذع النخلة هو أخشن جذع من جذوع الشجر ، والتصليب عليه أشد من التصليب على غيره من الجذوع كما هو معروف .
وقوله في هذه الآية الكريمة : ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى قال بعض أهل العلم : ولتعلمن أينا : يعني أنا ، أم رب موسى أشد عذابا وأبقى . واقتصر على هذا القرطبي . وعليه ففرعون يدعي أن عذابه أشد وأبقى من عذاب الله . وهذا كقوله : أنا ربكم الأعلى ، وقوله : ما علمت لكم من إله غيري ، وقوله : لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين . وقال بعضهم : ولتعلمن أينا أنا ، أم موسى أشد عذابا وأبقى . وعلى هذا فهو كالتهكم بموسى لاستضعافه له ، وأنه لا يقدر على أن يعذب من لم يطعه . كقوله : أم أنا خير من هذا الذي هو مهين . والله جل وعلا أعلم .
واعلم أن العلماء اختلفوا : هل فعل بهم فرعون ما توعدهم به ، أو لم يفعله بهم ؟ فقال قوم : قتلهم وصلبهم . وقوم أنكروا ذلك ، وأظهرهما عندي : أنه لم يقتلهم ، وأن الله عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ بالله تعالى . لأن الله يقول لموسى وهارون : أنتما ومن اتبعكما الغالبون ، والعلم عند الله تعالى . انتهي كلام الإمام الشنقيطي عن الاية هنا .
قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا
تفسير الجلالين . "قالوا لن نؤثرك" نختارك "على ما جاءنا من البينات" الدالة على صدق موسى "والذي فطرنا" خلقنا قسم أو عطف على ما "فاقض ما أنت قاض" أي اصنع ما قلته "إنما تقضي هذه الحياة الدنيا" النصب على الاتساع أي فيها وتجزى عليه في الآخرة
إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى
"إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا" من الإشراك وغيره "وما أكرهتنا عليه من السحر" تعلما وعملا لمعارضة موسى "والله خير" منك ثوابا إذا أطيع "وأبقى" منك عذابا إذا عصي
إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا
"إنه من يأت ربه مجرما" كافرا كفرعون "فإن له جهنم لا يموت فيها" فيستريح "ولا يحيا" حياة تنفعه
ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا
"ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات" الفرائض والنوافل "فأولئك لهم الدرجات العلى" جمع عليا مؤنث أعلى
جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى
"جنات عدن" أي إقامة "تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى" تطهر من الذنوب
تفسير القرطبي . " جنات عدن " . بيان للدرجات وبدل منها , والعدن الإقامة . وقد تقدم بيانه
" تجري من تحتها " . أي من تحت غرفها وسررها
" الأنهار " من الخمر والعسل واللبن والماء . وقد تقدم
" خالدين فيها " . أي ماكثين دائمين .
" وذلك جزاء من تزكى " . أي من تطهر من الكفر والمعاصي . ومن قال هذا من قول السحرة قال : لعل السحرة سمعوه من موسى أو من بني إسرائيل إذ كان فيهم بمصر أقوام , وكان فيهم أيضا المؤمن من آل فرعون . قلت : ويحتمل أن يكون ذلك إلهاما من الله لهم أنطقهم بذلك لما آمنوا ; والله أعلم .
تفسير الطبري . { جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } يقول تعالى ذكره : { ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } . ثم بين تلك الدرجات العلى ما هي , فقال : هن { جنات عدن } يعني : جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاد لها ولا فناء { تجري من تحتها الأنهار } يقول : تجري من تحت أشجارها الأنهار { خالدين فيها } يقول : ماكثين فيها إلى غير غاية محدودة ; فالجنات من قوله { جنات عدن } مرفوعة بالرد على الدرجات , كما : 18271 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , في قوله : { ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } قال : عدن .
وذلك جزاء من تزكى
وقوله : { وذلك جزاء من تزكى } يقول : وهذه الدرجات العلى التي هي جنات عدن على ما وصف جل جلاله ثواب من تزكى , يعني : من تطهر من الذنوب , فأطاع الله فيما أمره , ولم يدنس نفسه بمعصيته فيما نهاه عنه .
تفسير ابن كثير . جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى
وقوله " جنات عدن " أي إقامة وهي بدل من الدرجات العلى " تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها " أي ماكثين أبدا " وذلك جزاء من تزكى " أي طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك وعبد الله وحده لا شريك له واتبع المرسلين فيما جاءوا به من خير وطلب .
ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى
تفسير الجلالين . "ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي" بهمزة قطع من أسرى وبهمزة وصل وكسر النون من سرى لغتان أي سر بهم ليلا من أرض مصر "فاضرب لهم" اجعل لهم بالضرب بعصاك "طريقا في البحر يبسا" أي يابسا فامتثل ما أمر به وأيبس الله الأرض فمروا فيها "لا تخاف دركا" أي أن يدركك فرعون "ولا تخشى" غرقا
فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم
"فأتبعهم فرعون بجنوده" وهو معهم "فغشيهم من اليم" أي البحر "ما غشيهم" فأغرقهم
وأضل فرعون قومه وما هدى
"وأضل فرعون قومه" بدعائهم إلى عبادته "وما هدى" بل أوقعهم في الهلاك خلاف قوله "وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"
يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن
"يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم" فرعون بإغراقه "وواعدناكم جانب الطور الأيمن" فنؤتي موسى التوراة للعمل بها "ونزلنا عليكم المن والسلوى" هما الترنجبين والطير السمانى بتخفيف الميم والقصر والمنادى من وجد من اليهود زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخوطبوا بما أنعم الله به على أجدادهم زمن النبي موسى توطئة لقوله تعالى لهم :
كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى
"كلوا من طيبات ما رزقناكم" أي المنعم به عليكم "ولا تطغوا فيه" بأن تكفروا النعمة به "فيحل عليكم غضبي" بكسر الحاء : أي يجب وبضمها أي ينزل "ومن يحلل عليه غضبي" بكسر اللام وضمها "فقد هوى" سقط في النار
وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى
"وإني لغفار لمن تاب" من الشرك "وآمن" وحد الله "وعمل صالحا" يصدق بالفرض والنفل "ثم اهتدى" باستمراره على ما ذكر إلى موته
وما أعجلك عن قومك يا موسي
"وما أعجلك عن قومك" لمجيء ميعاد أخذ التوراة
قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى
"قال هم أولاء" أي بالقرب مني يأتون "على أثري وعجلت إليك رب لترضى" عني : أي زيادة في رضاك وقبل الجواب أتى بالاعتذار حسب ظنه وتخلف المظنون لما
قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري
"قال" تعالى "فإنا قد فتنا قومك من بعدك" أي بعد فراقك لهم "وأضلهم السامري" فعبدوا العجل
فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم
"فرجع موسى إلى قومه غضبان" من جهتهم "أسفا" شديد الحزن "قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا" أي صدقا أنه يعطيكم التوراة "أفطال عليكم العهد" مدة مفارقتي إياكم "أم أردتم أن يحل" بعبادتكم العجل "فأخلفتم موعدي" وتركتم المجيء بعدي
قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري
"قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا" مثلث الميم أي بقدرتنا أو أمرنا "ولكنا حملنا" بفتح الحاء مخففا وبضمها وكسر الميم مشددا "أوزارا" أثقالا "من زينة القوم" أي حلي قوم فرعون استعارها منهم بنو إسرائيل بعلة عرس فبقيت عندهم "فقذفناها" طرحناها في النار بإمر السامري "فكذلك" كما ألقينا "ألقى السامري" ما معه من حليهم ومن التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل على الوجه الآتي
فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي
"فأخرج لهم عجلا" صاغه من الحلي "جسدا" لحما ودما "له خوار" أي صوت يسمع أي انقلب كذلك بسبب التراب الذي أثره الحياة فيما يوضع فيه ووضعه بعد صوغه في فمه "فقالوا" أي السامري وأتباعه "هذا إلهكم وإله موسى فنسي" موسى ربه هنا وذهب يطلبه
أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا
"أفلا يرون أ" أن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي أنه "لا يرجع" العجل "إليهم قولا" أي لا يرد لهم جوابا "ولا يملك لهم ضرا" أي دفعه "ولا نفعا" أي جلبه أي فكيف يتخذ إلها ؟
ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا
"ولقد قال لهم هارون من قبل" أي قبل أن يرجع موسى "يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني" في عبادته "وأطيعوا أمري" فيها .
بسم الله الرحمن الرحيم
منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90)
................................
تفسير ومعاني الايات من مجموعة من التفاسير المعتمدة
منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى
(تفسير الجلالين) . "منها" أي من الأرض "خلقناكم" بخلق أبيكم آدم منها "وفيها نعيدكم" مقبورين بعد الموت "ومنها نخرجكم" عند البعث "تارة" مرة "أخرى" كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم
ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى
"ولقد أريناه" أي أبصرنا فرعون "آياتنا كلها" التسع "فكذب" بها وزعم أنها سحر "وأبى" أن يوحد الله تعالى
قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسي
"قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا" مصر ويكون لك الملك فيها
فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى
"فلنأتينك بسحر مثله" يعارضه "فاجعل بيننا وبينك موعدا" لذلك "لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا" منصوب بنزع الخافض في "سوى" بكسر أوله وضمه أي وسطا تستوي إليه مسافة الجائي من الطرفين
قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى
"قال" موسى "موعدكم يوم الزينة" يوم عيد لهم يتزينون فيه ويجتمعون "وأن يحشر الناس" يجمع أهل مصر "ضحى" وقته للنظر فيما يقع
فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى
"فتولى فرعون" أدبر "فجمع كيده" أي ذوي كيده من السحرة "ثم أتى" بهم الموعد
تفسير الطبري . { فتولى فرعون } يقول تعالى ذكره : فأدبر فرعون معرضا عما أتاه به من الحق { فجمع كيده } يقول : فجمع مكره , وذلك جمعه سحرته بعد أخذه إياهم بتعلمه , { ثم أتى } يقول : ثم جاء للموعد الذي وعده موسى , وجاء بسحرته .
قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى
تفسير الجلالين . "قال لهم موسى" وهم اثنان وسبعون مع كل واحد حبل وعصا "ويلكم" أي ألزمكم الله الويل "لا تفتروا على الله كذبا" بإشراك أحد معه " فيسحتكم" بضم الياء وكسر الحاء وبفتحهما أي يهلككم "بعذاب" من عنده "وقد خاب" خسر "من افترى" كذب على الله
تفسير القرطبي . " قال لهم موسى " أي قال لفرعون والسحرة
" ويلكم " دعاء عليهم بالويل . وهو بمعنى المصدر . وقال أبو إسحاق الزجاج : هو منصوب بمعنى ألزمهم الله ويلا . قال : ويجوز أن يكون نداء كقوله تعالى " يا ويلنا من بعثنا " [ يس : 52 ]
" لا تفتروا على الله كذبا " أي لا تختلقوا عليه الكذب , ولا تشركوا به , ولا تقولوا للمعجزات إنها سحر .
" فيسحتكم بعذاب " من عنده أي يستأصلكم بالإهلاك يقال فيه : سحت وأسحت بمعنى . وأصله من استقصاء الشعر . وقرأ الكوفيون " فيسحتكم " من أسحت , الباقون " فيسحتكم " من سحت وهذه لغة أهل الحجاز و [ الأولى لغة ] بني تميم . وانتصب على جواب النهي . وقال الفرزدق . وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلفا الزمخشري : وهذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه .
" وقد خاب من افترى " أي خسر وهلك , وخاب من الرحمة والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن به .
تفسير الطبري { فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى } يقول تعالى ذكره : فتنازع السحرة أمرهم بينهم . وكان تنازعهم أمرهم بينهم فيما ذكر أن قال بعضهم لبعض , ما حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى } قال السحرة بينهم : إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه , وإن كان من السماء فله أمر . وقال آخرون : بل هو أن بعضهم قال لبعض : ما هذا القول بقول ساحر . ذكر من قال ذلك . حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال : حدثت عن وهب بن منبه , قال : جمع كل ساحر حباله وعصيه , وخرج موسى معه أخوه يتكئ على عصاه , حتى أتى المجمع , وفرعون في مجلسه , معه أشراف أهل مملكته , قد استكف له الناس , فقال موسى للسحرة حين جاءهم : { ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى } فتراد السحرة بينهم , وقال بعضهم لبعض : ما هذا بقول ساحر . وقوله : { وأسروا النجوى } يقول تعالى ذكره : وأسروا السحرة المناجاة بينهم .
تفسير الجلالين . قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى
"قالوا" لأنفسهم "إن هذان" وهو موافق للغة من يأتي في المثنى بالألف في أحواله الثلاث ولأبي عمرو : هذين "لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى" مؤنث أمثل بمعنى أشرف أي بأشرافكم بميلهم إليهما لغلبتهما
تفسير القرطبي . يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى
هذا من قول فرعون للسحرة ; أي غرضهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه ; كما قال فرعون " إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد " [ غافر : 26 ] . ويقال فلان حسن الطريقة أي حسن المذهب . وقيل : طريقة القوم أفضل القول ; وهذا الذي ينبغي أن يسلكوا طريقته ويقتدوا به ; فالمعنى : ويذهبا بسادتكم ورؤسائكم ; استمالة لهم . أو يذهبا ببني إسرائيل وهم الأماثل وإن كانوا خولا لكم لما يرجعون إليه من الانتساب إلى الأنبياء . أو يذهبا بأهل طريقتكم فحذف المضاف . و " المثلى " تأنيث الأمثل ; كما يقال الأفضل والفضلى . وأنث الطريقة على اللفظ , وإن كان يراد بها الرجال . ويجوز أن يكون التأنيث على الجماعة . وقال الكسائي : " بطريقتكم " بسنتكم وسمتكم . و " المثلى " نعت كقولك امرأة كبرى . تقول العرب : فلان على الطريقة المثلى يعنون على الهدى المستقيم .
فأجمعوا كيدكم
الإجماع الإحكام والعزم على الشيء . تقول : أجمعت الخروج وعلى الخروج أي عزمت .
ثم ائتوا صفا
قال مقاتل والكلبي : جميعا . وقيل : صفوفا ليكون أشد لهيبتكم وهو منصوب بوقوع الفعل عليه على قول أبي عبيدة ; قال يقال : أتيت الصف يعني المصلى ; فالمعنى عنده ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه يوم العيد .
وقد أفلح اليوم من استعلى
أي من غلب . وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض . وقيل : من قول فرعون لهم .
" قالوا يا موسي " يريد السحرة .
" إما أن تلقي " عصاك من يدك
" وإما أن نكون أول من القي " تأدبوا مع موسى فكان ذلك سبب إيمانهم .
قال بل ألقوا فإذا حبالهم
في الكلام حذف , أي فألقوا ; دل عليه المعنى .
وعصيهم
وقرأ الحسن " وعصيهم " بضم العين . قال هارون القارئ : لغة بني تميم " وعصيهم " وبها يأخذ الحسن . الباقون بالكسر اتباعا لكسرة الصاد . ونحوه دلي ودلي وقسي وقسي .
يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى
وقرأ ابن عباس وأبو حيوة وابن ذكوان وروح عن يعقوب " تخيل " بالتاء ; وردوه إلى العصي والحبال إذ هي مؤنثة . وذلك أنهم لطخوا العصي بالزئبق , فلما أصابها حر الشمس ارتهشت واهتزت . قال الكلبي : خيل إلى موسى أن الأرض حيات وأنها تسعى على بطنها .
وقرئ " تخيل " بمعنى تتخيل وطريقه طريق " تخيل " ومن قرأ " يخيل " بالياء رده إلى الكيد . وقرئ " نخيل " بالنون على أن الله هو المخيل للمحنة والابتلاء . وقيل : الفاعل " أنها تسعى " ف " أن " في موضع رفع ; أي يخيل إليه سعيها ; قاله الزجاج . وزعم الفراء أن موضعها موضع نصب ; أي بأنها ثم حذف الباء . والمعنى في الوجه الأول : تشبه إليه من سحرهم وكيدهم حتى ظن أنها تسعى . وقال الزجاج ومن قرأ بالتاء جعل " أن " في موضع نصب أي تخيل إليه ذات سعي , قال : ويجوز أن تكون في موضع رفع بدلا من الضمير في " تخيل " وهو عائد على الحبال والعصي , والبدل فيه بدل اشتمال . و " تسعى " معناه تمشي .
فأوجس في نفسه خيفة موسى
تفسير ابن كثير . وقوله " فأوجس في نفسه خيفة موسى " أي خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ألق ما في يمينك يعني عصاك فإذا هي تلقف ما صنعوا وذلك أنها صارت تنينا عظيما هائلا ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهرة نهارا ضحوة فقامت المعجزة واتضح البرهان ووقع الحق وبطل السحر .
قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى
تفسير الجلالين . "قلنا" له "لا تخف إنك أنت الأعلى" عليهم بالغلبة
تفسير القرطبي . وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا
ولم يقل وألق عصاك , فجائز أن يكون تصغيرا لها ; أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم , وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك , فإنه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها , وصغره وعظمها . وجائز أن يكون تعظيما لها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكثيرة الكبيرة فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها , وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عندها ; فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها .
إنما صنعوا كيد ساحر
أي الذي صنعوه وكذا " إنما صنعوا " أي إن الذي صنعوه
ولا يفلح الساحر حيث أتى
أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض . وقيل : حيث احتال . وقد مضى في " البقرة " حكم الساحر ومعنى السحر فتأمله هناك
تفسير ابن كثير " إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى " وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن موسى الشيباني حدثنا حماد بن خالد حدثنا ابن معاذ - أحسبه الصائغ - عن الحسن عن جندب بن عبد الله البجلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أخذتم - يعني الساحر - فاقتلوه ثم قرأ " ولا يفلح الساحر حيث أتى " قال لا يؤمن حيث وجد " وقد روى أصله الترمذي موقوفا ومرفوعا فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل وأنه حق لا مرية فيه ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء كن فيكون فعند ذلك وقعوا سجدا لله وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ولهذا قال ابن عباس وعبيد بن عمير : كانوا أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء بررة
فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى
تفسير الجلالين . "فألقي السحرة سجدا" خروا ساجدين لله تعالى
تفسير القرطبي . فألقي السحرة سجدا
لما رأوا من عظيم الأمر وخرق العادة في العصا ; فإنها ابتلعت جميع ما احتالوا به من الحبال والعصي ; وكانت حمل ثلثمائة بعير ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي إلا الله تعالى . وقد مضى في " الأعراف " هذا المعنى وأمر العصا مستوفى
قالوا آمنا برب هارون وموسى
أي به ; يقال : آمن له وآمن به ; ومنه " فآمن له لوط " [ العنكبوت : 26 ] وفي الأعراف
تفسير ابن كثير . فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى
قال وذكر عن سعيد بن سلام حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سلمان عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قوله " ألقي السحرة سجدا " قال رأوا منازلهم تبين لهم وهم في سجودهم وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة .
تفسير الطبري . فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى
القول في تأويل قوله تعالى : { فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى } وفي هذا الكلام متروك قد استغنى بدلالة ما ترك عليه وهو : فألقى موسى عصاه , فتلقفت ما صنعوا { فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى } وذكر أن موسى لما ألقى ما في يده تحول ثعبانا , فالتقم كل ما كانت السحرة ألقته من الحبال والعصي . ذكر الرواية عمن قال ذلك : 18260 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يعقوب , عن جعفر , عن سعيد , قال : لما اجتمعوا وألقوا ما في أيديهم من السحر , { خيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا } فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين , قال : فتحت فما لها مثل الدحل , ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر , ثم استوعبت كل شيء ألقوه من السحر , ثم جاء إليها فقبض عليها , فإذا هي عصا , فخر السحرة سجدا { قالوا آمنا برب هارون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } قال : فكان أول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون { ولأصلبنكم في جذوع النخل } قال : فكان أول من صلب في جذوع النخل فرعون . 18261 - حدثنا موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي { فأوجس في نفسه خيفة موسى } فأوحى الله إليه { لا تخف وألق ما في يمينك } { تلقف ما يأفكون } 7 117 فألقى عصاه فأكلت كل حية لهم ; فلما رأوا ذلك سجدوا و { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } . 7 121 : 122 18262 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال : حدثت عن وهب بن منبه { فأوجس في نفسه خيفة موسى } لما رأى ما ألقوا من الحبال والعصي وخيل إليه أنها تسعى , وقال : والله إن كانت لعصيا في أيديهم , ولقد عادت حيات , وما تعدو عصاي هذه , أو كما حدث نفسه , فأوحى الله إليه أن { ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى } وفرح موسى فألقى عصاه من يده , فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم , وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى , فجعلت تلقفها , تبتلعها حية حية , حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا , ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت , ووقع السحرة سجدا , قالوا : آمنا برب هارون وموسى , لو كان هذا سحر ما غلبنا .
قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71)
تفسير الجلالين . "قال" فرعون "آمنتم" بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا "له قبل أن آذن" أنا "لكم إنه لكبيركم" معلمكم "الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف" حال بمعنى مختلفة أي الأيدي اليمنى والأرجل اليسرى "ولأصلبنكم في جذوع النخل" أي عليها "ولتعلمن أينا" يعني نفسه ورب موسى "أشد عذابا وأبقى" أدوم على مخالفته
تفسير القرطبي . قال آمنتم له قبل أن آذن لكم
إنكار منه عليهم ; أي تعديتم وفعلتم ما لم آمركم به .
إنه لكبيركم الذي علمكم السحر
أي رئيسكم في التعليم , وإنما غلبكم لأنه أحذق به منكم . وإنما أراد فرعون بقوله هذا ليشبه على الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم , وإلا فقد علم فرعون أنهم لم يتعلموا من موسى , بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته .
فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل
أي على جذوع النخل . قال سويد بن أبي كاهل هم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا فقطع وصلب حتى ماتوا رحمهم الله تعالى . وقرأ ابن محيصن هنا وفي الأعراف " فلأقطعن " " ولأصلبنكم " بفتح الألف والتخفيف من قطع وصلب .
ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى
يعني أنا أم رب موسى .
تفسير ابن كثير . قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى
يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم وغلب كل الغلب شرع في المكابرة والبهت وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة فتهددهم وتوعدهم وقال آمنتم له أي صدقتموه قبل أن آذن لكم أي وما أمرتكم بذلك وافتتنتم علي في ذلك وقال قولا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب " إنه لكبيركم الذي علمكم السحر " أي أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى واتفقتم أنتم وإياه علي وعلى رعيتي لتظهروه كما قال تعالى في الآية الأخرى " إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون " ثم أخذ يهددهم فقال لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل أي لأجعلنكم مثلة ولأقتلنكم ولأشهرنكم قال ابن عباس فكان أول من فعل ذلك رواه ابن أبي حاتم وقوله ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى أي أنتم تقولون إني وقومي على ضلالة وأنتم مع موسى وقومه على الهدى فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل .
تفسير الطبري . { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } يقول جل ثناؤه : وقال فرعون للسحرة : أصدقتم وأقررتم لموسى بما دعاكم إليه من قبل أن أطلق ذلك لكم { إنه لكبيركم } يقول : إن موسى لعظيمكم { الذي علمكم السحر } . كما حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال : حدثت عن وهب بن منبه , قال : لما قالت السحرة : { آمنا برب هارون وموسى } قال لهم فرعون , وأسف ورأى الغلبة والبينة : { آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } : أي لعظيم السحار الذي علمكم .
فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل
وقوله : { فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } يقول : فلأقطعن أيديكم وأرجلكم مخالفا بين قطع ذلك , وذلك أن يقطع يمنى اليدين ويسرى الرجلين , أو يسرى اليدين , ويمنى الرجلين , فيكون ذلك قطعا من خلاف , وكان فيما ذكر أول من فعل ذلك فرعون , وقد ذكرنا الرواية بذلك . وقوله : { ولأصلبنكم في جذوع النخل } يقول : ولأصلبنكم على جذوع النخل , كما قال الشاعر : هم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا يعني على , جذع نخلة , وإنما قيل : في جذوع , لأن المصلوب على الخشبة يرفع في طولها , ثم يصير عليها , فيقال : صلب عليها . حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { ولأصلبنكم في جذوع النخل } لما رأى السحرة ما جاء به عرفوا أنه من الله فخروا سجدا , وآمنوا عند ذلك , قال عدو الله : { فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } . الآية . حدثنا موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال فرعون : { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل } فقتلهم وقطعهم , كما قال عبد الله بن عباس حين قالوا : { ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين } 7 126 وقال : كانوا في أول النهار سحرة , وفي آخر النهار شهداء .
ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى
وقوله : { ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } يقول : ولتعلمن أيها السحرة أينا أشد عذابا لكم , وأدوم , أنا أو موسى .
تفسير اضواء البيان للإمام الشنقيطي . قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن سحرة فرعون لما آمنوا برب هارون وموسى قال لهم فرعون منكرا عليهم : آمنتم له أي : صدقتموه في أنه نبي مرسل من الله ، وآمنتم بالله قبل أن آذن لكم . يعني أنهم لم يكفوا عن الإيمان حتى يأذن لهم ، لأنه يزعم أنهم لا يحق لهم أن يفعلوا شيئا إلا بعد إذنه هو لهم . وقال لهم أيضا : إن موسى هو كبيرهم . أي : كبير السحرة وأستاذهم الذي علمهم السحر . ثم هددهم مقسما على أنه يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ؛ يعني اليد اليمنى ، والرجل اليسرى مثلا . لأنه أشد على الإنسان من قطعهما من جهة واحدة . لأنه إن كان قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شق كامل صحيح ، بخلاف قطعهما من خلاف . فالجنب الأيمن يضعف بقطع اليد ، والأيسر يضعف بقطع الرجل كما هو معلوم . وأنه يصلبهم في جذوع النخل ، وجذع النخلة هو أخشن جذع من جذوع الشجر ، والتصليب عليه أشد من التصليب على غيره من الجذوع كما هو معروف .
وقوله في هذه الآية الكريمة : ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى قال بعض أهل العلم : ولتعلمن أينا : يعني أنا ، أم رب موسى أشد عذابا وأبقى . واقتصر على هذا القرطبي . وعليه ففرعون يدعي أن عذابه أشد وأبقى من عذاب الله . وهذا كقوله : أنا ربكم الأعلى ، وقوله : ما علمت لكم من إله غيري ، وقوله : لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين . وقال بعضهم : ولتعلمن أينا أنا ، أم موسى أشد عذابا وأبقى . وعلى هذا فهو كالتهكم بموسى لاستضعافه له ، وأنه لا يقدر على أن يعذب من لم يطعه . كقوله : أم أنا خير من هذا الذي هو مهين . والله جل وعلا أعلم .
واعلم أن العلماء اختلفوا : هل فعل بهم فرعون ما توعدهم به ، أو لم يفعله بهم ؟ فقال قوم : قتلهم وصلبهم . وقوم أنكروا ذلك ، وأظهرهما عندي : أنه لم يقتلهم ، وأن الله عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ بالله تعالى . لأن الله يقول لموسى وهارون : أنتما ومن اتبعكما الغالبون ، والعلم عند الله تعالى . انتهي كلام الإمام الشنقيطي عن الاية هنا .
قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا
تفسير الجلالين . "قالوا لن نؤثرك" نختارك "على ما جاءنا من البينات" الدالة على صدق موسى "والذي فطرنا" خلقنا قسم أو عطف على ما "فاقض ما أنت قاض" أي اصنع ما قلته "إنما تقضي هذه الحياة الدنيا" النصب على الاتساع أي فيها وتجزى عليه في الآخرة
إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى
"إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا" من الإشراك وغيره "وما أكرهتنا عليه من السحر" تعلما وعملا لمعارضة موسى "والله خير" منك ثوابا إذا أطيع "وأبقى" منك عذابا إذا عصي
إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا
"إنه من يأت ربه مجرما" كافرا كفرعون "فإن له جهنم لا يموت فيها" فيستريح "ولا يحيا" حياة تنفعه
ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا
"ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات" الفرائض والنوافل "فأولئك لهم الدرجات العلى" جمع عليا مؤنث أعلى
جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى
"جنات عدن" أي إقامة "تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى" تطهر من الذنوب
تفسير القرطبي . " جنات عدن " . بيان للدرجات وبدل منها , والعدن الإقامة . وقد تقدم بيانه
" تجري من تحتها " . أي من تحت غرفها وسررها
" الأنهار " من الخمر والعسل واللبن والماء . وقد تقدم
" خالدين فيها " . أي ماكثين دائمين .
" وذلك جزاء من تزكى " . أي من تطهر من الكفر والمعاصي . ومن قال هذا من قول السحرة قال : لعل السحرة سمعوه من موسى أو من بني إسرائيل إذ كان فيهم بمصر أقوام , وكان فيهم أيضا المؤمن من آل فرعون . قلت : ويحتمل أن يكون ذلك إلهاما من الله لهم أنطقهم بذلك لما آمنوا ; والله أعلم .
تفسير الطبري . { جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } يقول تعالى ذكره : { ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } . ثم بين تلك الدرجات العلى ما هي , فقال : هن { جنات عدن } يعني : جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاد لها ولا فناء { تجري من تحتها الأنهار } يقول : تجري من تحت أشجارها الأنهار { خالدين فيها } يقول : ماكثين فيها إلى غير غاية محدودة ; فالجنات من قوله { جنات عدن } مرفوعة بالرد على الدرجات , كما : 18271 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , في قوله : { ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } قال : عدن .
وذلك جزاء من تزكى
وقوله : { وذلك جزاء من تزكى } يقول : وهذه الدرجات العلى التي هي جنات عدن على ما وصف جل جلاله ثواب من تزكى , يعني : من تطهر من الذنوب , فأطاع الله فيما أمره , ولم يدنس نفسه بمعصيته فيما نهاه عنه .
تفسير ابن كثير . جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى
وقوله " جنات عدن " أي إقامة وهي بدل من الدرجات العلى " تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها " أي ماكثين أبدا " وذلك جزاء من تزكى " أي طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك وعبد الله وحده لا شريك له واتبع المرسلين فيما جاءوا به من خير وطلب .
ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى
تفسير الجلالين . "ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي" بهمزة قطع من أسرى وبهمزة وصل وكسر النون من سرى لغتان أي سر بهم ليلا من أرض مصر "فاضرب لهم" اجعل لهم بالضرب بعصاك "طريقا في البحر يبسا" أي يابسا فامتثل ما أمر به وأيبس الله الأرض فمروا فيها "لا تخاف دركا" أي أن يدركك فرعون "ولا تخشى" غرقا
فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم
"فأتبعهم فرعون بجنوده" وهو معهم "فغشيهم من اليم" أي البحر "ما غشيهم" فأغرقهم
وأضل فرعون قومه وما هدى
"وأضل فرعون قومه" بدعائهم إلى عبادته "وما هدى" بل أوقعهم في الهلاك خلاف قوله "وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"
يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن
"يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم" فرعون بإغراقه "وواعدناكم جانب الطور الأيمن" فنؤتي موسى التوراة للعمل بها "ونزلنا عليكم المن والسلوى" هما الترنجبين والطير السمانى بتخفيف الميم والقصر والمنادى من وجد من اليهود زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخوطبوا بما أنعم الله به على أجدادهم زمن النبي موسى توطئة لقوله تعالى لهم :
كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى
"كلوا من طيبات ما رزقناكم" أي المنعم به عليكم "ولا تطغوا فيه" بأن تكفروا النعمة به "فيحل عليكم غضبي" بكسر الحاء : أي يجب وبضمها أي ينزل "ومن يحلل عليه غضبي" بكسر اللام وضمها "فقد هوى" سقط في النار
وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى
"وإني لغفار لمن تاب" من الشرك "وآمن" وحد الله "وعمل صالحا" يصدق بالفرض والنفل "ثم اهتدى" باستمراره على ما ذكر إلى موته
وما أعجلك عن قومك يا موسي
"وما أعجلك عن قومك" لمجيء ميعاد أخذ التوراة
قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى
"قال هم أولاء" أي بالقرب مني يأتون "على أثري وعجلت إليك رب لترضى" عني : أي زيادة في رضاك وقبل الجواب أتى بالاعتذار حسب ظنه وتخلف المظنون لما
قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري
"قال" تعالى "فإنا قد فتنا قومك من بعدك" أي بعد فراقك لهم "وأضلهم السامري" فعبدوا العجل
فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم
"فرجع موسى إلى قومه غضبان" من جهتهم "أسفا" شديد الحزن "قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا" أي صدقا أنه يعطيكم التوراة "أفطال عليكم العهد" مدة مفارقتي إياكم "أم أردتم أن يحل" بعبادتكم العجل "فأخلفتم موعدي" وتركتم المجيء بعدي
قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري
"قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا" مثلث الميم أي بقدرتنا أو أمرنا "ولكنا حملنا" بفتح الحاء مخففا وبضمها وكسر الميم مشددا "أوزارا" أثقالا "من زينة القوم" أي حلي قوم فرعون استعارها منهم بنو إسرائيل بعلة عرس فبقيت عندهم "فقذفناها" طرحناها في النار بإمر السامري "فكذلك" كما ألقينا "ألقى السامري" ما معه من حليهم ومن التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل على الوجه الآتي
فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي
"فأخرج لهم عجلا" صاغه من الحلي "جسدا" لحما ودما "له خوار" أي صوت يسمع أي انقلب كذلك بسبب التراب الذي أثره الحياة فيما يوضع فيه ووضعه بعد صوغه في فمه "فقالوا" أي السامري وأتباعه "هذا إلهكم وإله موسى فنسي" موسى ربه هنا وذهب يطلبه
أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا
"أفلا يرون أ" أن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي أنه "لا يرجع" العجل "إليهم قولا" أي لا يرد لهم جوابا "ولا يملك لهم ضرا" أي دفعه "ولا نفعا" أي جلبه أي فكيف يتخذ إلها ؟
ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا
"ولقد قال لهم هارون من قبل" أي قبل أن يرجع موسى "يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني" في عبادته "وأطيعوا أمري" فيها .

