- 10 أغسطس 2014
- 505
- 125
- 43
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- عبد الباسط عبد الصمد
- علم البلد
-
تلاوة رائعة جدا ومؤثرة للشيخ عبد الباسط عبد الصمد رحمة الله عليه من سورة الأعراف ورقم السورة 7
...............................
بسم الله الرحمن الرحيم
والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (42) ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (43) ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (47) ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (49) ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين (56) وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون (57) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58)
................................
تفسير ومعاني الايات من مجموعة من التفاسير المعتمدة
والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون
تفسير الجلالين . "والذين آمنوا وعملوا الصالحات" مبتدأ "لا نكلف نفسا إلا وسعها" طاقتها من العمل اعتراض بينه وبين خبره وهو : "أولئك أصحاب الجنة "
تفسير الطبري . { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } يقول جل ثناؤه : والذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به من وحي الله وتنزيله وشرائع دينه , وعملوا ما أمرهم الله به فأطاعوه وتجنبوا ما نهاهم عنه. { لا نكلف نفسا إلا وسعها } يقول : لا نكلف نفسا من الأعمال إلا ما يسعها فلا تحرج فيه { أولئك } يقول : هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات , { أصحاب الجنة } يقول : هم أهل الجنة الذين هم أهلها دون غيرهم ممن كفر بالله , وعمل بسيئاتهم { فيها خالدون } يقول : هم في الجنة ماكثون , دائم فيها مكثهم لا يخرجون منها ولا يسلبون نعيمهم .
ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون
تفسير الجلالين . "ونزعنا ما في صدورهم من غل" حقد كان بينهم في الدنيا "تجري من تحتهم" تحت قصورهم "الأنهار وقالوا" عند الاستقرار في منازلهم "الحمد لله الذي هدانا لهذا" العمل الذي هذا جزاؤه "وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله" حذف جواب لولا لدلالة ما قبله عليه "لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن" مخففة أي أنه أو مفسرة في المواضع الخمسة
تفسير الطبري . ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار
القول في تأويل قوله تعالى : { ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار } يقول تعالى ذكره : وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وصف صفتهم وأخبر أنهم أصحاب الجنة , ما فيها من حقد وغل وعداوة كان من بعضهم في الدنيا على بعض , فجعلهم في الجنة إذ أدخلهموها على سرر متقابلين , لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله به بعضهم وفضله من كرامته عليه , تجري من تحتهم أنهار الجنة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 11376 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن جويبر , عن الضحاك : { ونزعنا ما في صدورهم من غل } قال : العداوة . 11377 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن سعيد بن بشير , عن قتادة : { ونزعنا ما في صدورهم من غل } قال : هي الإحن . 11378 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا ابن المبارك , عن ابن عيينة , عن إسرائيل أبي موسى , عن الحسن , عن علي , قال : فينا والله أهل بدر نزلت : { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين } . * حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن عيينة , عن إسرائيل , قال : سمعته يقول : قال علي عليه السلام : فينا والله أهل بدر نزلت : { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين } 15 47 11379 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , قال : قال علي رضي الله عنه : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم : { ونزعنا ما في صدورهم من غل } رضوان الله عليهم . 11380 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار } قال : إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة , فبلغوا , وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان , فشربوا من إحداهما , فينزع ما في صدورهم من غل , فهو الشراب الطهور. واغتسلوا من الأخرى , فجرت عليهم نضرة النعيم , فلم يشعثوا ولم يتسخوا بعدها أبدا. 11381 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن الجريري , عن أبي نضرة , قال : يحبس أهل الجنة دون الجنة حتى يقضى لبعضهم من بعض , حتى يدخلوا الجنة حين يدخلونها ولا يطلب أحد منهم أحدا بقلامة ظفر ظلمها إياه ويحبس أهل النار دون النار حتى يقضى لبعضهم من بعض , فيدخلون النار حين يدخلونها ولا يطلب أحد منهم أحدا بقلامة ظفر ظلمها إياه .
وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
القول في تأويل قوله تعالى : { وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء الذين وصف جل ثناؤه وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات حين أدخلوا الجنة , ورأوا ما أكرمهم الله به من كرامته , وما صرف عنهم من العذاب المهين الذي ابتلي به أهل النار بكفرهم بربهم وتكذيبهم رسله : { الحمد لله الذي هدانا لهذا } يقول : الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله وصرف عذابه عنا . { وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } يقول : وما كنا لنرشد لذلك لولا أن أرشدنا الله له ووفقنا بمنه وطوله. كما : 11382 - حدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا أبو بكر بن عياش , قال : ثنا الأعمش , عن أبي صالح , عن أبي سعيد , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل أهل النار يرى منزله من الجنة , فيقولون لو هدانا الله , فتكون عليهم حسرة . وكل أهل الجنة يرى منزله من النار , فيقولون لولا أن هدانا الله. فهذا شكرهم " . 11383 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت أبا إسحاق يحدث عن عاصم بن ضمرة , عن علي , قال : ذكر عمر لشيء لا أحفظه , ثم ذكر الجنة , فقال : يدخلون فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها عينان , قال : فيغتسلون من إحداهما , فتجري عليهم نضرة النعيم , فلا تشعث أشعارهم ولا تغبر أبشارهم , ويشربون من الأخرى , فيخرج كل قذى وقذر , أو شيء في بطونهم . قال : ثم يفتح لهم باب الجنة , فيقال لهم : { سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } قال : فتستقبلهم الولدان , فيحفون بهم كما تحف الولدان بالحميم إذا جاء من غيبته . ثم يأتون فيبشرون أزواجهم , فيسمونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم , فيقلن : أنت رأيته ؟ قال : فيستخفهن الفرح , قال : فيجئن حتى يقفن على أسكفة الباب . قال : فيجيئون فيدخلون , فإذا أس بيوتهم بجندل اللؤلؤ , وإذا صروح صفر وخضر وحمر ومن كل لون , وسرر مرفوعة , وأكواب موضوعة , ونمارق مصفوفة , وزرابي مبثوثة , فلولا أن الله قدرها لالتمعت أبصارهم مما يرون فيها . فيعانقون الأزواج , ويقعدون على السرر , ويقولون : { الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق } الآية .
لقد جاءت رسل ربنا بالحق
القول في تأويل قوله تعالى : { لقد جاءت رسل ربنا بالحق } يقول تعالى ذكره مخبرا عن هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنهم يقولون عند دخولهم الجنة ورؤيتهم كرامة الله التي أكرمهم بها , وهو أن أعداء الله في النار : والله لقد جاءتنا في الدنيا وهؤلاء الذين في النار رسل ربنا بالحق من الأخبار , عن وعد الله أهل طاعته والإيمان به وبرسله ووعيده أهل معاصيه والكفر به.
ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون
وأما قوله : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } فإن معناه : ونادى مناد هؤلاء الذين وصف الله صفتهم وأخبر عما أعد لهم من كرامته , أن يا هؤلاء هذه تلكم الجنة التي كانت رسلي في الدنيا تخبركم عنها , أورثكموها الله عن الذين كذبوا برسله , لتصديقكم إياهم ! وطاعتكم ربكم . وذلك هو معنى قوله : { بما كنتم تعملون } . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك : 11384 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } قال : ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل . فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار , ودخلوا منازلهم , رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها , فقيل لهم : هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله , ثم يقال : يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون ! فيقسم بين أهل الجنة منازلهم . 11385 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عمر بن سعد أبو داود الحفري , عن سعيد بن بكر , عن سفيان الثوري , عن أبي إسحاق , عن الأغر : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } قال : نودوا أن صحوا فلا تسقموا واخلدوا فلا تموتوا وانعموا فلا تبأسوا ! 11386 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا قبيصة , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن الأغر , عن أبي سعيد : { ونودوا أن تلكم الجنة } الآية , قال : ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا .
ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
تفسير الجلالين . "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار" تقريرا أو تبكيتا "أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا" من الثواب "فهل وجدتم ما وعد" ما وعدكم "ربكم" من العذاب "حقا قالوا نعم فأذن مؤذن" نادى مناد "بينهم" بين الفريقين أسمعهم
تفسير الطبري . { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم } يقول تعالى ذكره : ونادى أهل الجنة أهل النار بعد دخولهموها : يا أهل النار قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا في الدنيا على ألسن رسله من الثواب على الإيمان به وبهم وعلى طاعته , فهل وجدتم ما وعدكم ربكم على ألسنتهم على الكفر به وعلى معاصيه من العقاب ؟ فأجابهم أهل النار بأن نعم , قد وجدنا ما وعد ربنا حقا . كالذي : 11387 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم } قال : وجد أهل الجنة ما وعدوا من ثواب , وأهل النار ما وعدوا من عقاب. 11388 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } وذلك أن الله وعد أهل الجنة النعيم والكرامة وكل خير علمه الناس أو لم يعلموه , ووعد أهل النار كل خزي وعذاب علمه الناس أو لم يعلموه ; فذلك قوله : { وآخر من شكله أزواج } 38 58 قال : فنادى أصحاب الجنة أصحاب النار { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم } يقول : من الخزي والهوان والعذاب , قال أهل الجنة : فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا من النعيم والكرامة . { فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين }
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
وأما قوله : { فأذن مؤذن بينهم } يقول : فنادى مناد , وأعلم معلم بينهم , { أن لعنة الله على الظالمين } يقول : غضب الله وسخطه وعقوبته على من كفر به .
الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون
تفسير الجلالين . "الذين يصدون" الناس "عن سبيل الله" دينه "ويبغونها" أي يطلبون السبيل "عوجا" معوجة
تفسير الطبري . { الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون } يقول جل ثناؤه : إن المؤذن بين أهل الجنة والنار يقول : أن لعنة الله على الظالمين الذين كفروا بالله وصدوا عن سبيله . { ويبغونها عوجا } يقول : حاولوا سبيل الله , وهو دينه , أن يغيروه ويبدلوه عما جعله الله له من استقامته . { وهم بالآخرة كافرون } يقول : وهم لقيام الساعة والبعث في الآخرة والثواب والعقاب فيها جاحدون . والعرب تقول للميل في الدين والطريق : " عوج " , بكسر العين , وفي ميل الرجل على الشيء والعطف عليه : عاج إليه يعوج عياجا وعوجا وعوجا , بالكسر من العين والفتح .
وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون
تفسير الجلالين . "وبينهما" أي أصحاب الجنة والنار "حجاب" حاجز قيل هو سور الأعراف "وعلى الأعراف" وهو سور الجنة "رجال" استوت حسناتهم وسيئاتهم كما في الحديث "يعرفون كلا" من أهل الجنة والنار "بسيماهم" بعلامتهم وهي بياض الوجوه للمؤمنين وسوادها للكافرين لرؤيتهم لهم إذ موضعهم عال "لم يدخلوها" أي أصحاب الأعراف الجنة "وهم يطمعون" في دخولها قال الحسن : لم يطمعهم إلا لكرامة يريدها بهم وروى الحاكم عن حذيفة قال بينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال قوموا ادخلوا الجنة فقد غفرت لكم
تفسير الطبري . وبينهما حجاب
القول في تأويل قوله تعالى : { وبينهما حجاب } يعني جل ثناؤه بقوله : { وبينهما حجاب } وبين الجنة والنار حجاب , يقول : حاجز , وهو السور الذي ذكره الله تعالى فقال : { فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب } 57 13 وهو الأعراف التي يقول الله فيها : { وعلى الأعراف رجال } كذلك : 11389 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الله بن رجاء , وعن ابن جريج , قال : بلغني , عن مجاهد , قال : الأعراف : حجاب بين الجنة والنار. 11390 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وبينهما حجاب } وهو السور , وهو الأعراف .
وعلى الأعراف رجال
وأما قوله : { وعلى الأعراف رجال } فإن الأعراف جمع واحدها عرف , وكل مرتفع من الأرض عند العرب فهو عرف , وإنما قيل لعرف الديك : عرف , لارتفاعه على ما سواه من جسده ; ومنه قول الشماخ بن ضرار : وظلت بأعراف تعالى كأنها رماح نحاها وجهة الريح راكز يعني بقوله : " بأعراف " : بنشوز من الأرض ; ومنه قول الآخر : كل كناز لحمه نياف كالعلم الموفي على الأعراف وكان السدي يقول : إنما سمي الأعراف أعرافا , لأن أصحابه يعرفون الناس . 11391 - حدثني بذلك محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 11392 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن عبيد الله بن أبي يزيد , سمع ابن عباس يقول : الأعراف : هو الشيء المشرف . * حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن عيينة , عن عبيد الله بن أبي يزيد , قال : سمعت ابن عباس يقول , مثله . 11393 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثني أبي , عن سفيان , عن جابر , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : الأعراف : سور كعرف الديك . * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سفيان , عن جابر , عن مجاهد , عن ابن عباس , مثله . 11394 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : الأعراف : حجاب بين الجنة والنار سور له باب . قال أبو موسى : وحدثني عبيد الله بن أبي يزيد , أنه سمع ابن عباس يقول : إن الأعراف تل بين الجنة والنار حبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار . واختلف أهل التأويل في صفة الرجال الذين أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم على الأعراف وما السبب الذي من أجله صاروا هنالك , فقال بعضهم : هم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم , فجعلوا هنالك إلى أن يقضي الله فيهم ما يشاء , ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم . ذكر من قال ذلك : 11397 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا يونس بن أبي إسحاق , قال : قال الشعبي : أرسل إلي عبد الحميد بن عبد الرحمن وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش , وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرا ليس كما ذكرا , فقلت لهما : إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة . فقالا : هات ! فقلت : إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف , فقال : هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة , فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار , قالوا : ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ! فبينا هم كذلك , اطلع إليهم ربك تبارك وتعالى فقال : اذهبوا وادخلوا الجنة , فإني قد غفرت لكم ! . 11398 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن الشعبي , عن حذيفة , أنه سئل عن أصحاب الأعراف , قال : فقال : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم , فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة , وخلفت بهم حسناتهم عن النار. قال : فوقفوا هنالك على السور حتى يقضي الله فيهم . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير وعمران بن عيينة , عن حصين , عن عامر , عن حذيفة , قال : أصحاب الأعراف : قوم كانت لهم ذنوب وحسنات , فقصرت بهم ذنوبهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار , فهم كذلك حتى يقضي الله بين خلقه فينفذ فيهم أمره . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يحيى بن يمان , عن سفيان , عن جابر , عن الشعبي , عن حذيفة , قال : أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم , فيقول : ادخلوا الجنة بفضلي ومغفرتي , { لا خوف عليكم } اليوم { ولا أنتم تحزنون } * 11399 - حدثنا المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن أبي بكر الهذلي , قال : قال سعيد بن جبير , وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود , قال : يحاسب الناس يوم القيامة , فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة , ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار . ثم قرأ قول الله : { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم } 7 8 : 9 ثم قال : إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجع ; قال : فمن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف . فوقفوا على الصراط , ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار , فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا : سلام عليكم ! وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أصحاب النار , قالوا : { ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } 7 47 فيتعوذون بالله من منازلهم . قال : فأما أصحاب الحسنات , فإنهم يعطون نورا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم , ويعطى كل عبد يومئذ نورا وكل أمة نورا , فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة . فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون , قالوا : ربنا أتمم لنا نورنا ! وأما أصحاب الأعراف , فإن النور كان في أيديهم , فلم ينزع من أيديهم , فهنالك يقول الله : { لم يدخلوها وهم يطمعون } فكان الطمع دخولا . قال : فقال ابن مسعود : على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشرا , وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة . ثم يقول : هلك من غلب وحدانه أعشاره . 11400 - حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع , قال : أخبرني ابن وهب قال : أخبرني عيسى الخياط عن الشعبي , عن حذيفة , قال : أصحاب الأعراف قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله بها من النار , وهم آخر من يدخل الجنة , قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار. 11401 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو داود , قال : ثنا همام , عن قتادة , قال : قال ابن عباس : أصحاب الأعراف : قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم , فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم ولا سيئاتهم على حسناتهم . 11402 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا : ثنا جرير عن منصور , عن حبيب بن أبي ثابت , عن عبد الله بن الحارث , عن ابن عباس , قال : الأعراف : سور بين الجنة والنار , وأصحاب الأعراف بذلك المكان , حتى إذا بدا لله أن يعافيهم , انطلق بهم إلى نهر يقال له الحياة حافتاه قضب الذهب مكلل باللؤلؤ ترابه المسك , فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم ويبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها , حتى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرحمن , فقال : تمنوا ما شئتم ! قال : فيتمنون , حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم : لكم الذي تمنيتم ومثله سبعين مرة . فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها , يسمون مساكين الجنة . 11403 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن حبيب , عن مجاهد , عن عبد الله بن الحارث , قال : أصحاب الأعراف يؤمر بهم إلى نهر يقال له الحياة , ترابه الورس والزعفران , وحافتاه قضب اللؤلؤ. قال : وأحسبه قال : مكلل باللؤلؤ. وقال : فيغتسلون فيه , فتبدو في نحورهم شامة بيضاء فيقال لهم : تمنوا ! فيقال لهم : لكم ما تمنيتم وسبعون ضعفا ! وإنهم مساكين أهل الجنة . قال حبيب : وحدثني رجل : أنهم استوت حسناتهم وسيئاتهم . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن حبيب بن ثابت , عن مجاهد , عن عبد الله بن الحارث , قال : أصحاب الأعراف ينتهى بهم إلى نهر يقال له الحياة , حافتاه قضب من ذهب - قال سفيان : أراه قال - : مكلل باللؤلؤ . قال : فيغتسلون منه اغتسالة , فتبدو في نحورهم شامة بيضاء , ثم يعودون فيغتسلون فيزدادون , فكلما اغتسلوا ازدادت بياضا , فيقال لهم : تمنوا ما شئتم ! فيتمنون ما شاءوا. فيقال لهم : لكم ما تمنيتم وسبعون ضعفا ! قال : فهم مساكين أهل الجنة .
يعرفون كلا بسيماهم
القول في تأويل قوله تعالى : { يعرفون كلا بسيماهم } يقول تعالى ذكره : وعلى الأعراف رجال يعرفون أهل الجنة بسيماهم , وذلك بياض وجوههم ونضرة النعيم عليها . ويعرفون أهل النار كذلك بسيماهم , وذلك سواد وجوههم وزرقة أعينهم , فإذا رأوا أهل الجنة نادوهم : سلام عليكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 11416 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم } قال : يعرفون أهل النار بسواد الوجوه , وأهل الجنة ببياض الوجوه . 11417 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم } قال : أنزلهم الله بتلك المنزلة ليعرفوا من في الجنة والنار , وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه , ويتعوذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين , وهم في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام , لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها , وهم داخلوها إن شاء الله .
وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين
تفسير الجلالين . "وإذا صرفت أبصارهم" أي أصحاب الأعراف "تلقاء" جهة "أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا" في النار
تفسير الطبري . { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } يقول تعالى ذكره : وإذا صرفت أبصار أصحاب الأعراف تلقاء أصحاب النار - يعني : حيالهم ووجاههم - فنظروا إلى تشويه الله لهم , { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم فأكسبوها من سخطك ما أورثهم من عذابك ما هم فيه . 11432 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : وإذا مروا بهم , يعني بأصحاب الأعراف بزمرة يذهب بها إلى النار , { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } 11433 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن جويبر , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم قالوا : { ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } 11434 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن أبي مكين , عن أخيه , عن عكرمة : { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } قال : تحرد وجوههم للنار , فإذا رأوا أهل الجنة ذهب ذلك عنهم . 11435 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ابن زيد في قوله : { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } فرأوا وجوههم مسودة وأعينهم مزرقة , { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين }
ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون
تفسير الجلالين . "ونادى أصحاب الأعراف رجالا" من أصحاب النار "يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم" من النار "جمعكم" المال أو كثرتكم "وما كنتم تستكبرون" أي واستكباركم عن الإيمان ويقولون لهم مشيرين إلى ضعفاء المسلمين
تفسير الطبري . { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون } يقول جل ثناؤه : { ونادى أصحاب الأعراف رجالا } من أهل الأرض { يعرفونهم بسيماهم } سيما أهل النار , { قالوا ما أغنى عنكم جمعكم } ما كنتم تجمعون من الأموال والعدد في الدنيا , { وما كنتم تستكبرون } يقول : وتكبركم الذي كنتم تتكبرون فيها . كما : 11436 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : فمر بهم - يعني بأصحاب الأعراف - ناس من الجبارين عرفوهم بسيماهم ; قال : يقول : قال أصحاب الأعراف : { ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون } 11437 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { ونادى أصحاب الأعراف رجالا } قال : في النار , { يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم } وتكبركم , { وما كنتم تستكبرون } 11438 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز : { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون } قال : هذا حين دخل أهل الجنة الجنة , { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } الآية . قلت لأبي مجلز : عن ابن عباس ؟ قال : لا بل عن غيره . * حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز : { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم } قال : نادت الملائكة رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم : { ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } قال : هذا حين دخل أهل الجنة الجنة , { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } 11439 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله : { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم } فالرجال عظماء من أهل الدنيا ; قال : فبهذه الصفة عرف أهل الأعراف أهل الجنة من أهل النار. وإنما ذكر هذا حين يذهب رئيس أهل الخير ورئيس أهل الشر يوم القيامة . قال : وقال ابن زيد في قوله : { ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون } قال : على أهل طاعة الله.
أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون
تفسير الجلالين . "أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة" قد قيل لهم "ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" وقرئ : أدخلوا بالبناء للمفعول ودخلوا فجملة النفي حال أي مقولا لهم ذلك
تفسير الطبري . { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } اختلف أهل التأويل في المعنيين بهذا الكلام , فقال بعضهم : هذا قيل الله لأهل النار توبيخا لهم على ما كان من قيلهم في الدنيا لأهل الأعراف عند إدخاله أصحاب الأعراف الجنة . ذكر من قال ذلك : 11440 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قال : أصحاب الأعراف : رجال كانت لهم ذنوب عظام , وكان حسم أمرهم لله , يقومون على الأعراف , فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يدخلوها , وإذا نظروا إلى أهل النار تعوذوا بالله منها , فأدخلوا الجنة . فذلك قوله تعالى : { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } يعني أصحاب الأعراف , { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } 11441 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن جويبر , عن الضحاك , قال : قال ابن عباس : إن الله أدخل أصحاب الأعراف الجنة لقوله : { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } 11442 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : قال الله لأهل التكبر والأموال : { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } يعني أصحاب الأعراف , { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } 11443 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { أهؤلاء } الضعفاء { الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } قال : فقال حذيفة : " أصحاب الأعراف قوم تكافأت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة , وقصرت بهم سيئاتهم عن النار , فجعلوا على الأعراف يعرفون الناس بسيماهم . فلما قضي بين العباد , أذن لهم في طلب الشفاعة , فأتوا آدم عليه السلام فقالوا : يا آدم أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك ! فقال : هل تعلمون أحدا خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وسبقت رحمة الله إليه غضبه وسجدت له الملائكة غيري ؟ فيقولون لا . قال : فيقول : ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم , ولكن ائتوا ابني إبراهيم ! قال : فيأتون إبراهيم عليه السلام فيسألونه أن يشفع لهم عند ربه , فيقول هل تعلمون من أحد اتخذه الله خليلا ؟ هل تعلمون أحدا أحرقه قومه في النار في الله غيري ؟ فيقولون : لا ! فيقول : ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم , ولكن ائتوا ابني موسى ! فيأتون موسى عليه السلام فيقول : هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليما وقربه نجيا غيري ؟ فيقولون : لا , فيقول : ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم , ولكن ائتوا عيسى ! فيأتونه فيقولون : اشفع لنا عند ربك ! فيقول : هل تعلمون أحدا خلقه الله من غير أب غيري ؟ فيقولون : لا , فيقول : هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري ؟ قال : فيقولون : لا , قال : فيقول : أنا حجيج نفسي , ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم , ولكن ائتوا محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ! " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فيأتوني , فأضرب بيدي على صدري ثم أقول : أنا لها . ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش , فأثني على ربي , فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط , ثم أسجد فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك , سل تعطه , واشفع تشفع ! فأرفع رأسي فأقول : رب أمتي ! فيقال : هم لك . فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا غبطني يومئذ بذلك المقام , وهو المقام المحمود " . قال : " فآتي بهم باب الجنة فأستفتح , فيفتح لي ولهم , فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة , حافتاه قضب من ذهب مكلل باللؤلؤ , ترابه المسك , وحصباؤه الياقوت , فيغتسلون منه , فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريحهم , ويصيرون كأنهم الكواكب الدريه , ويبقى في صدرهم شامات بيض يعرفون بها , يقال لهم مساكين أهل الجنة " . 11444 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك , قال : إن الله أدخلهم بعد أصحاب الجنة , وهو قوله : { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } يعني أصحاب الأعراف. وهذا قول ابن عباس . فتأويل الكلام على هذا التأويل الذي ذكرنا عن ابن عباس , ومن ذكرنا قوله فيه : قال الله لأهل التكبر عن الإقرار بوحدانية الله والإذعان لطاعته وطاعة رسله الجامعين في الدنيا الأموال مكاثرة ورياء : أيها الجبابرة الذين كانوا في الدنيا , أهؤلاء الضعفاء الذين كنتم في الدنيا أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ؟ قال : قد غفرت لهم ورحمتهم بفضلي ورحمتي , ادخلوا يا أصحاب الأعراف الجنة , لا خوف عليكم بعدها من عقوبة تعاقبون بها على ما سلف منكم في الدنيا من الآثام والإجرام , ولا أنتم تحزنون على شيء فاتكم في دنياكم ! وقال أبو مجلز : بل هذا القول خبر من الله عن قيل الملائكة لأهل النار بعد ما دخلوا النار تعييرا منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين أدخلهم الله يوم القيامة جنته . وأما قوله : { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } فخبر من الله عن أمره أهل الجنة بدخولها . 11445 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , قال : نادت الملائكة رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم : ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ! أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ؟ قال : فهذا حين يدخل أهل الجنة الجنة ; ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون .
ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين
تفسير الجلالين . "ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله" من الطعام "قالوا إن الله حرمهما" منعهما
تفسير الطبري . { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة عند نزول عظيم البلاء بهم من شدة العطش والجوع , عقوبة من الله لهم على ما سلف منهم في الدنيا من ترك طاعة الله وأداء ما كان فرض عليهم فيها في أموالهم من حقوق المساكين من الزكاة والصدقة . يقول تعالى ذكره : ونادى أصحاب النار بعدما دخلوها أصحاب الجنة بعدما سكنوها أن يا أهل الجنة : { أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } أي أطعمونا مما رزقكم الله من الطعام . كما : 11446 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } قال : من الطعام . 11447 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله : { أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } قال : يستطعمونهم ويستسقونهم . فأجابهم أهل الجنة : إن الله حرم الماء والطعام على الذين جحدوا توحيده وكذبوا في الدنيا رسله . والهاء والميم في قوله : { إن الله حرمهما } عائدتان على الماء , وعلى " ما " التي في قوله : { أو مما رزقكم الله } وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 11448 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن عثمان الثقفي , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } قال : ينادي الرجل أخاه أو أباه , فيقول : قد احترقت , أفض علي من الماء ! فيقال لهم : أجيبوهم ! فيقولون : { إن الله حرمهما على الكافرين } 11449 - وحدثني المثنى , قال : ثنا ابن دكين , قال : ثنا سفيان , عن عثمان , عن سعيد بن جبير : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } قال : ينادي الرجل أخاه : يا أخي قد احترقت فأغثني ! فيقول : { إن الله حرمهما على الكافرين } 11450 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله : { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } قال : طعام أهل الجنة وشرابها .
الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون
"تفسير الجلالين . الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم" نتركهم في النار "كما نسوا لقاء يومهم هذا" بتركهم العمل له "وما كانوا بآياتنا يجحدون" أي وكما جحدوا
ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون
"ولقد جئناهم" أي أهل مكة "بكتاب" قرآن "فصلناه" بيناه بالأخبار والوعد والوعيد "على علم" حال أي عالمين بما فصل فيه "هدى" حال من الهاء "ورحمة لقوم يؤمنون" به
تفسير الطبري . { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون } يقول تعالى ذكره : أقسم يا محمد لقد جئنا هؤلاء الكفرة بكتاب , يعني القرآن الذي أنزله إليهم . يقول : لقد أنزلنا إليهم هذا القرآن مفصلا مبينا فيه الحق من الباطل , { على علم } يقول : على علم منا بحق ما فصل فيه من الباطل الذي ميز فيه بينه وبين الحق , { هدى ورحمة } يقول : بيناه ليهتدي ويرحم به قوم يصدقون به وبما فيه من أمر الله ونهيه وأخباره ووعده ووعيده . فينقذهم به من الضلالة إلى الهدى .
هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون
تفسير الجلالين . "هل ينظرون" ما ينتظرون "إلا تأويله" عاقبة ما فيه "يوم يأتي تأويله" هو يوم القيامة "يقول الذين نسوه من قبل" تركوا الإيمان به "قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو" هل "نرد" إلى الدنيا "فنعمل غير الذي كنا نعمل" نوحد الله ونترك الشرك فيقال لهم : لا "قد خسروا أنفسهم" إذ صاروا إلى الهلاك "وضل" ذهب "عنهم ما كانوا يفترون" من دعوى الشريك
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين
"إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام" من أيام الدنيا أي في قدرها لأنه لم يكن ثم شمس ولو شاء خلقهن في لمحة والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت "ثم استوى على العرش" في اللغة : سرير الملك استواء يليق به "يغشي الليل النهار" مخففا ومشددا أي يغطي كلا منهما بالآخر "يطلبه" يطلب كل منهما بالآخر طلبا "حثيثا" سريعا "والشمس والقمر والنجوم" بالنصب عطفا على السماوات والرفع مبتدأ خبره "مسخرات" مذللات "بأمره" بقدرته "ألا له الخلق" جميعا "والأمر" كله "تبارك" تعاظم "الله رب" مالك
تفسير الطبري . { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } يقول تعالى ذكره : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم , كل ذلك بأمره , أمرهن الله فأطعن أمره , ألا لله الخلق كله , والأمر الذي لا يخالف ولا يرد أمره دون ما سواه من الأشياء كلها , ودون ما عبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تضر ولا تنفع ولا تخلق ولا تأمر , تبارك الله معبودنا الذي له عبادة كل شيء رب العالمين . 11467 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا هشام أبو عبد الرحمن , قال : ثنا بقية بن الوليد , قال : ثني عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري , عن عبد العزيز الشامي , عن أبيه , وكانت له صحبة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح , وحمد نفسه , قل شكره وحبط عمله . ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه , لقوله : { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } " .
ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين
الجلالين . "ادعوا ربكم تضرعا" حال تذللا "وخفية" سرا "إنه لا يحب المعتدين" في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين
"ولا تفسدوا في الأرض" بالشرك والمعاصي "بعد إصلاحها" ببعث الرسل "وادعوه خوفا" من عقابه "وطمعا" في رحمته "إن رحمة الله قريب من المحسنين" المطيعين وتذكير قريب المخبر به عن رحمة لإضافتها إلى الله
تفسير الطبري . { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا } يعني تعالى ذكره بقوله : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } لا تشركوا بالله في الأرض ولا تعصوه فيها ; وذلك هو الفساد فيها . وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى وبينا معناه بشواهده . { بعد إصلاحها } يقول : بعد إصلاح الله إياه لأهل طاعته بابتعاثه فيهم الرسل دعاة إلى الحق , وإيضاحه حججه لهم . { وادعوه خوفا وطمعا } يقول : وأخلصوا له الدعاء والعمل , ولا تشركوا في عملكم له شيئا غيره من الآلهة والأصنام وغير ذلك , وليكن ما يكون منكم في ذلك خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه ; وإن من كان دعاؤه إياه على غير ذلك فهو بالآخرة من المكذبين , لأن من لم يخف عقاب الله ولم يرج ثوابه لم يبال ما ركب من أمر يسخطه الله ولا يرضاه .
إن رحمة الله قريب من المحسنين
{ إن رحمة الله قريب من المحسنين } يقول تعالى ذكره : إن ثواب الله الذي وعد المحسنين على إحسانهم في الدنيا قريب منهم . وذلك هو رحمته ; لأنه ليس بينهم وبين أن يصيروا إلى ذلك من رحمته وما أعد لهم من كرامته , إلا أن تفارق أرواحهم أجسادهم ; ولذلك من المعنى ذكر قوله : { قريب } وهو من خبر الرحمة والرحمة مؤنثة , لأنه أريد به القرب في الوقت لا في النسب والأوقات بذلك المعنى , إذا رفعت أخبارا للأسماء أجرتها العرب مجرى الحال فوحدتها مع الواحد والاثنين والجميع وذكرتها مع المؤنث , فقالوا : كرامة الله بعيد من فلان , وهي قريب من فلان , كما يقولون : هند قريب منا , والهندان منا قريب , والهندات منا قريب , لأن معنى ذلك : هي في مكان قريب منا , فإذا حذفوا المكان وجعلوا القريب خلفا منه , ذكروه ووحدوه في الجمع , كما كان المكان مذكرا وموحدا في الجمع. وأما إذا أنثوه أخرجوه مثنى مع الاثنين ومجموعا مع الجميع فقالوا : هي قريبة , منا , وهما منا قريبتان , كما قال عروة بن الورد : عشية لا عفراء منك قريبة فتدنو ولا عفراء منك بعيد فأنث قريبة , وذكر بعيدا على ما وصفت . ولو كان القريب من القرابة في النسب لم يكن مع المؤنث إلا مؤنثا ومع الجمع إلا مجموعا .
وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون
تفسير الجلالين . "وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته" أي متفرقة قدام المطر وفي قراءة بسكون الشين تخفيفا وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدرا وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون : أي مبشرا ومفرد الأولى نشور كرسول والأخيرة بشير "حتى إذا أقلت" حملت الرياح "سحابا ثقالا" بالمطر "سقناه" أي السحاب وفيه التفات عن الغيبة "لبلد ميت" لا نبات به أي لإحيائها "فأنزلنا به" بالبلد "الماء فأخرجنا به" بالماء "من كل الثمرات كذلك" الإخراج "نخرج الموتى" من قبورهم بالإحياء "لعلكم تذكرون" فتؤمنون
الطبري . كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون
وأما قوله : { كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } فإنه يقول تعالى ذكره : كما نحيي هذا البلد الميت بما ننزل به من الماء الذي ننزله من السحاب , فنخرج به من الثمرات بعد موته وجدوبته وقحوط أهله , كذلك نخرج الموتى من قبورهم أحياء بعد فنائهم ودروس آثارهم . { لعلكم تذكرون } يقول تعالى ذكره للمشركين به من عبدة الأصنام , المكذبين بالبعث بعد الممات , المنكرين للثواب والعقاب : ضربت لكم أيها القوم هذا المثل الذي ذكرت لكم من إحياء البلد الميت بقطر المطر الذي يأتي به السحاب , الذي تنشره الرياح التي وصفت صفتها ; لتعتبروا فتذكروا وتعلموا أن من كان ذلك من قدرته فيسير في إحياء الموتى بعد فنائها وإعادتها خلقا سويا بعد دروسها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك : 11474 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } وكذلك تخرجون , وكذلك النشور , كما نخرج الزرع بالماء . وقال أبو هريرة : " إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع من الماء , حتى إذا استكملت أجسامهم نفخ فيهم الروح , ثم يلقى عليهم نومة , فينامون في قبورهم , فإذا نفخ في الصور الثانية , عاشوا وهم يجدون طعم النوم في رءوسهم وأعينهم , كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه , فعند ذلك يقولون : { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } فناداهم المنادي { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } 36 52 " 11475 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله : { كذلك نخرج الموتى } قال : إذا أراد الله أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى تتشقق عنهم الأرض , ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها , فكذلك يحيي الله الموتى بالعطر كإحيائه الأرض .
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون
الجلالين . "والبلد الطيب" العذب التراب "يخرج نباته" حسنا "بإذن ربه" هذا مثل للمؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها "والذي خبث" ترابه "لا يخرج" نباته "إلا نكدا" عسرا بمشقة وهذا مثل للكافر "كذلك" كما بينا ما ذكر "نصرف" نبين "الآيات لقوم يشكرون" الله فيؤمنون
بسم الله الرحمن الرحيم
والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (42) ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (43) ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (47) ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (49) ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين (56) وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون (57) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58)
................................
تفسير ومعاني الايات من مجموعة من التفاسير المعتمدة
والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون
تفسير الجلالين . "والذين آمنوا وعملوا الصالحات" مبتدأ "لا نكلف نفسا إلا وسعها" طاقتها من العمل اعتراض بينه وبين خبره وهو : "أولئك أصحاب الجنة "
تفسير الطبري . { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } يقول جل ثناؤه : والذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به من وحي الله وتنزيله وشرائع دينه , وعملوا ما أمرهم الله به فأطاعوه وتجنبوا ما نهاهم عنه. { لا نكلف نفسا إلا وسعها } يقول : لا نكلف نفسا من الأعمال إلا ما يسعها فلا تحرج فيه { أولئك } يقول : هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات , { أصحاب الجنة } يقول : هم أهل الجنة الذين هم أهلها دون غيرهم ممن كفر بالله , وعمل بسيئاتهم { فيها خالدون } يقول : هم في الجنة ماكثون , دائم فيها مكثهم لا يخرجون منها ولا يسلبون نعيمهم .
ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون
تفسير الجلالين . "ونزعنا ما في صدورهم من غل" حقد كان بينهم في الدنيا "تجري من تحتهم" تحت قصورهم "الأنهار وقالوا" عند الاستقرار في منازلهم "الحمد لله الذي هدانا لهذا" العمل الذي هذا جزاؤه "وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله" حذف جواب لولا لدلالة ما قبله عليه "لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن" مخففة أي أنه أو مفسرة في المواضع الخمسة
تفسير الطبري . ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار
القول في تأويل قوله تعالى : { ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار } يقول تعالى ذكره : وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وصف صفتهم وأخبر أنهم أصحاب الجنة , ما فيها من حقد وغل وعداوة كان من بعضهم في الدنيا على بعض , فجعلهم في الجنة إذ أدخلهموها على سرر متقابلين , لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله به بعضهم وفضله من كرامته عليه , تجري من تحتهم أنهار الجنة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 11376 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن جويبر , عن الضحاك : { ونزعنا ما في صدورهم من غل } قال : العداوة . 11377 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن سعيد بن بشير , عن قتادة : { ونزعنا ما في صدورهم من غل } قال : هي الإحن . 11378 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا ابن المبارك , عن ابن عيينة , عن إسرائيل أبي موسى , عن الحسن , عن علي , قال : فينا والله أهل بدر نزلت : { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين } . * حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن عيينة , عن إسرائيل , قال : سمعته يقول : قال علي عليه السلام : فينا والله أهل بدر نزلت : { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين } 15 47 11379 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , قال : قال علي رضي الله عنه : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم : { ونزعنا ما في صدورهم من غل } رضوان الله عليهم . 11380 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار } قال : إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة , فبلغوا , وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان , فشربوا من إحداهما , فينزع ما في صدورهم من غل , فهو الشراب الطهور. واغتسلوا من الأخرى , فجرت عليهم نضرة النعيم , فلم يشعثوا ولم يتسخوا بعدها أبدا. 11381 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن الجريري , عن أبي نضرة , قال : يحبس أهل الجنة دون الجنة حتى يقضى لبعضهم من بعض , حتى يدخلوا الجنة حين يدخلونها ولا يطلب أحد منهم أحدا بقلامة ظفر ظلمها إياه ويحبس أهل النار دون النار حتى يقضى لبعضهم من بعض , فيدخلون النار حين يدخلونها ولا يطلب أحد منهم أحدا بقلامة ظفر ظلمها إياه .
وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
القول في تأويل قوله تعالى : { وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء الذين وصف جل ثناؤه وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات حين أدخلوا الجنة , ورأوا ما أكرمهم الله به من كرامته , وما صرف عنهم من العذاب المهين الذي ابتلي به أهل النار بكفرهم بربهم وتكذيبهم رسله : { الحمد لله الذي هدانا لهذا } يقول : الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله وصرف عذابه عنا . { وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } يقول : وما كنا لنرشد لذلك لولا أن أرشدنا الله له ووفقنا بمنه وطوله. كما : 11382 - حدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا أبو بكر بن عياش , قال : ثنا الأعمش , عن أبي صالح , عن أبي سعيد , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل أهل النار يرى منزله من الجنة , فيقولون لو هدانا الله , فتكون عليهم حسرة . وكل أهل الجنة يرى منزله من النار , فيقولون لولا أن هدانا الله. فهذا شكرهم " . 11383 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت أبا إسحاق يحدث عن عاصم بن ضمرة , عن علي , قال : ذكر عمر لشيء لا أحفظه , ثم ذكر الجنة , فقال : يدخلون فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها عينان , قال : فيغتسلون من إحداهما , فتجري عليهم نضرة النعيم , فلا تشعث أشعارهم ولا تغبر أبشارهم , ويشربون من الأخرى , فيخرج كل قذى وقذر , أو شيء في بطونهم . قال : ثم يفتح لهم باب الجنة , فيقال لهم : { سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } قال : فتستقبلهم الولدان , فيحفون بهم كما تحف الولدان بالحميم إذا جاء من غيبته . ثم يأتون فيبشرون أزواجهم , فيسمونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم , فيقلن : أنت رأيته ؟ قال : فيستخفهن الفرح , قال : فيجئن حتى يقفن على أسكفة الباب . قال : فيجيئون فيدخلون , فإذا أس بيوتهم بجندل اللؤلؤ , وإذا صروح صفر وخضر وحمر ومن كل لون , وسرر مرفوعة , وأكواب موضوعة , ونمارق مصفوفة , وزرابي مبثوثة , فلولا أن الله قدرها لالتمعت أبصارهم مما يرون فيها . فيعانقون الأزواج , ويقعدون على السرر , ويقولون : { الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق } الآية .
لقد جاءت رسل ربنا بالحق
القول في تأويل قوله تعالى : { لقد جاءت رسل ربنا بالحق } يقول تعالى ذكره مخبرا عن هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنهم يقولون عند دخولهم الجنة ورؤيتهم كرامة الله التي أكرمهم بها , وهو أن أعداء الله في النار : والله لقد جاءتنا في الدنيا وهؤلاء الذين في النار رسل ربنا بالحق من الأخبار , عن وعد الله أهل طاعته والإيمان به وبرسله ووعيده أهل معاصيه والكفر به.
ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون
وأما قوله : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } فإن معناه : ونادى مناد هؤلاء الذين وصف الله صفتهم وأخبر عما أعد لهم من كرامته , أن يا هؤلاء هذه تلكم الجنة التي كانت رسلي في الدنيا تخبركم عنها , أورثكموها الله عن الذين كذبوا برسله , لتصديقكم إياهم ! وطاعتكم ربكم . وذلك هو معنى قوله : { بما كنتم تعملون } . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك : 11384 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } قال : ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل . فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار , ودخلوا منازلهم , رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها , فقيل لهم : هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله , ثم يقال : يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون ! فيقسم بين أهل الجنة منازلهم . 11385 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عمر بن سعد أبو داود الحفري , عن سعيد بن بكر , عن سفيان الثوري , عن أبي إسحاق , عن الأغر : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } قال : نودوا أن صحوا فلا تسقموا واخلدوا فلا تموتوا وانعموا فلا تبأسوا ! 11386 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا قبيصة , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن الأغر , عن أبي سعيد : { ونودوا أن تلكم الجنة } الآية , قال : ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا .
ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
تفسير الجلالين . "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار" تقريرا أو تبكيتا "أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا" من الثواب "فهل وجدتم ما وعد" ما وعدكم "ربكم" من العذاب "حقا قالوا نعم فأذن مؤذن" نادى مناد "بينهم" بين الفريقين أسمعهم
تفسير الطبري . { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم } يقول تعالى ذكره : ونادى أهل الجنة أهل النار بعد دخولهموها : يا أهل النار قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا في الدنيا على ألسن رسله من الثواب على الإيمان به وبهم وعلى طاعته , فهل وجدتم ما وعدكم ربكم على ألسنتهم على الكفر به وعلى معاصيه من العقاب ؟ فأجابهم أهل النار بأن نعم , قد وجدنا ما وعد ربنا حقا . كالذي : 11387 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم } قال : وجد أهل الجنة ما وعدوا من ثواب , وأهل النار ما وعدوا من عقاب. 11388 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } وذلك أن الله وعد أهل الجنة النعيم والكرامة وكل خير علمه الناس أو لم يعلموه , ووعد أهل النار كل خزي وعذاب علمه الناس أو لم يعلموه ; فذلك قوله : { وآخر من شكله أزواج } 38 58 قال : فنادى أصحاب الجنة أصحاب النار { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم } يقول : من الخزي والهوان والعذاب , قال أهل الجنة : فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا من النعيم والكرامة . { فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين }
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
وأما قوله : { فأذن مؤذن بينهم } يقول : فنادى مناد , وأعلم معلم بينهم , { أن لعنة الله على الظالمين } يقول : غضب الله وسخطه وعقوبته على من كفر به .
الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون
تفسير الجلالين . "الذين يصدون" الناس "عن سبيل الله" دينه "ويبغونها" أي يطلبون السبيل "عوجا" معوجة
تفسير الطبري . { الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون } يقول جل ثناؤه : إن المؤذن بين أهل الجنة والنار يقول : أن لعنة الله على الظالمين الذين كفروا بالله وصدوا عن سبيله . { ويبغونها عوجا } يقول : حاولوا سبيل الله , وهو دينه , أن يغيروه ويبدلوه عما جعله الله له من استقامته . { وهم بالآخرة كافرون } يقول : وهم لقيام الساعة والبعث في الآخرة والثواب والعقاب فيها جاحدون . والعرب تقول للميل في الدين والطريق : " عوج " , بكسر العين , وفي ميل الرجل على الشيء والعطف عليه : عاج إليه يعوج عياجا وعوجا وعوجا , بالكسر من العين والفتح .
وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون
تفسير الجلالين . "وبينهما" أي أصحاب الجنة والنار "حجاب" حاجز قيل هو سور الأعراف "وعلى الأعراف" وهو سور الجنة "رجال" استوت حسناتهم وسيئاتهم كما في الحديث "يعرفون كلا" من أهل الجنة والنار "بسيماهم" بعلامتهم وهي بياض الوجوه للمؤمنين وسوادها للكافرين لرؤيتهم لهم إذ موضعهم عال "لم يدخلوها" أي أصحاب الأعراف الجنة "وهم يطمعون" في دخولها قال الحسن : لم يطمعهم إلا لكرامة يريدها بهم وروى الحاكم عن حذيفة قال بينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال قوموا ادخلوا الجنة فقد غفرت لكم
تفسير الطبري . وبينهما حجاب
القول في تأويل قوله تعالى : { وبينهما حجاب } يعني جل ثناؤه بقوله : { وبينهما حجاب } وبين الجنة والنار حجاب , يقول : حاجز , وهو السور الذي ذكره الله تعالى فقال : { فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب } 57 13 وهو الأعراف التي يقول الله فيها : { وعلى الأعراف رجال } كذلك : 11389 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الله بن رجاء , وعن ابن جريج , قال : بلغني , عن مجاهد , قال : الأعراف : حجاب بين الجنة والنار. 11390 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وبينهما حجاب } وهو السور , وهو الأعراف .
وعلى الأعراف رجال
وأما قوله : { وعلى الأعراف رجال } فإن الأعراف جمع واحدها عرف , وكل مرتفع من الأرض عند العرب فهو عرف , وإنما قيل لعرف الديك : عرف , لارتفاعه على ما سواه من جسده ; ومنه قول الشماخ بن ضرار : وظلت بأعراف تعالى كأنها رماح نحاها وجهة الريح راكز يعني بقوله : " بأعراف " : بنشوز من الأرض ; ومنه قول الآخر : كل كناز لحمه نياف كالعلم الموفي على الأعراف وكان السدي يقول : إنما سمي الأعراف أعرافا , لأن أصحابه يعرفون الناس . 11391 - حدثني بذلك محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 11392 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن عبيد الله بن أبي يزيد , سمع ابن عباس يقول : الأعراف : هو الشيء المشرف . * حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن عيينة , عن عبيد الله بن أبي يزيد , قال : سمعت ابن عباس يقول , مثله . 11393 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثني أبي , عن سفيان , عن جابر , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : الأعراف : سور كعرف الديك . * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سفيان , عن جابر , عن مجاهد , عن ابن عباس , مثله . 11394 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : الأعراف : حجاب بين الجنة والنار سور له باب . قال أبو موسى : وحدثني عبيد الله بن أبي يزيد , أنه سمع ابن عباس يقول : إن الأعراف تل بين الجنة والنار حبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار . واختلف أهل التأويل في صفة الرجال الذين أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم على الأعراف وما السبب الذي من أجله صاروا هنالك , فقال بعضهم : هم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم , فجعلوا هنالك إلى أن يقضي الله فيهم ما يشاء , ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم . ذكر من قال ذلك : 11397 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا يونس بن أبي إسحاق , قال : قال الشعبي : أرسل إلي عبد الحميد بن عبد الرحمن وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش , وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرا ليس كما ذكرا , فقلت لهما : إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة . فقالا : هات ! فقلت : إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف , فقال : هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة , فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار , قالوا : ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ! فبينا هم كذلك , اطلع إليهم ربك تبارك وتعالى فقال : اذهبوا وادخلوا الجنة , فإني قد غفرت لكم ! . 11398 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن الشعبي , عن حذيفة , أنه سئل عن أصحاب الأعراف , قال : فقال : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم , فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة , وخلفت بهم حسناتهم عن النار. قال : فوقفوا هنالك على السور حتى يقضي الله فيهم . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير وعمران بن عيينة , عن حصين , عن عامر , عن حذيفة , قال : أصحاب الأعراف : قوم كانت لهم ذنوب وحسنات , فقصرت بهم ذنوبهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار , فهم كذلك حتى يقضي الله بين خلقه فينفذ فيهم أمره . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يحيى بن يمان , عن سفيان , عن جابر , عن الشعبي , عن حذيفة , قال : أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم , فيقول : ادخلوا الجنة بفضلي ومغفرتي , { لا خوف عليكم } اليوم { ولا أنتم تحزنون } * 11399 - حدثنا المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن أبي بكر الهذلي , قال : قال سعيد بن جبير , وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود , قال : يحاسب الناس يوم القيامة , فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة , ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار . ثم قرأ قول الله : { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم } 7 8 : 9 ثم قال : إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجع ; قال : فمن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف . فوقفوا على الصراط , ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار , فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا : سلام عليكم ! وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أصحاب النار , قالوا : { ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } 7 47 فيتعوذون بالله من منازلهم . قال : فأما أصحاب الحسنات , فإنهم يعطون نورا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم , ويعطى كل عبد يومئذ نورا وكل أمة نورا , فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة . فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون , قالوا : ربنا أتمم لنا نورنا ! وأما أصحاب الأعراف , فإن النور كان في أيديهم , فلم ينزع من أيديهم , فهنالك يقول الله : { لم يدخلوها وهم يطمعون } فكان الطمع دخولا . قال : فقال ابن مسعود : على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشرا , وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة . ثم يقول : هلك من غلب وحدانه أعشاره . 11400 - حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع , قال : أخبرني ابن وهب قال : أخبرني عيسى الخياط عن الشعبي , عن حذيفة , قال : أصحاب الأعراف قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله بها من النار , وهم آخر من يدخل الجنة , قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار. 11401 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو داود , قال : ثنا همام , عن قتادة , قال : قال ابن عباس : أصحاب الأعراف : قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم , فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم ولا سيئاتهم على حسناتهم . 11402 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا : ثنا جرير عن منصور , عن حبيب بن أبي ثابت , عن عبد الله بن الحارث , عن ابن عباس , قال : الأعراف : سور بين الجنة والنار , وأصحاب الأعراف بذلك المكان , حتى إذا بدا لله أن يعافيهم , انطلق بهم إلى نهر يقال له الحياة حافتاه قضب الذهب مكلل باللؤلؤ ترابه المسك , فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم ويبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها , حتى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرحمن , فقال : تمنوا ما شئتم ! قال : فيتمنون , حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم : لكم الذي تمنيتم ومثله سبعين مرة . فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها , يسمون مساكين الجنة . 11403 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن حبيب , عن مجاهد , عن عبد الله بن الحارث , قال : أصحاب الأعراف يؤمر بهم إلى نهر يقال له الحياة , ترابه الورس والزعفران , وحافتاه قضب اللؤلؤ. قال : وأحسبه قال : مكلل باللؤلؤ. وقال : فيغتسلون فيه , فتبدو في نحورهم شامة بيضاء فيقال لهم : تمنوا ! فيقال لهم : لكم ما تمنيتم وسبعون ضعفا ! وإنهم مساكين أهل الجنة . قال حبيب : وحدثني رجل : أنهم استوت حسناتهم وسيئاتهم . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن حبيب بن ثابت , عن مجاهد , عن عبد الله بن الحارث , قال : أصحاب الأعراف ينتهى بهم إلى نهر يقال له الحياة , حافتاه قضب من ذهب - قال سفيان : أراه قال - : مكلل باللؤلؤ . قال : فيغتسلون منه اغتسالة , فتبدو في نحورهم شامة بيضاء , ثم يعودون فيغتسلون فيزدادون , فكلما اغتسلوا ازدادت بياضا , فيقال لهم : تمنوا ما شئتم ! فيتمنون ما شاءوا. فيقال لهم : لكم ما تمنيتم وسبعون ضعفا ! قال : فهم مساكين أهل الجنة .
يعرفون كلا بسيماهم
القول في تأويل قوله تعالى : { يعرفون كلا بسيماهم } يقول تعالى ذكره : وعلى الأعراف رجال يعرفون أهل الجنة بسيماهم , وذلك بياض وجوههم ونضرة النعيم عليها . ويعرفون أهل النار كذلك بسيماهم , وذلك سواد وجوههم وزرقة أعينهم , فإذا رأوا أهل الجنة نادوهم : سلام عليكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 11416 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم } قال : يعرفون أهل النار بسواد الوجوه , وأهل الجنة ببياض الوجوه . 11417 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم } قال : أنزلهم الله بتلك المنزلة ليعرفوا من في الجنة والنار , وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه , ويتعوذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين , وهم في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام , لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها , وهم داخلوها إن شاء الله .
وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين
تفسير الجلالين . "وإذا صرفت أبصارهم" أي أصحاب الأعراف "تلقاء" جهة "أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا" في النار
تفسير الطبري . { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } يقول تعالى ذكره : وإذا صرفت أبصار أصحاب الأعراف تلقاء أصحاب النار - يعني : حيالهم ووجاههم - فنظروا إلى تشويه الله لهم , { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم فأكسبوها من سخطك ما أورثهم من عذابك ما هم فيه . 11432 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : وإذا مروا بهم , يعني بأصحاب الأعراف بزمرة يذهب بها إلى النار , { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } 11433 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن جويبر , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم قالوا : { ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } 11434 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن أبي مكين , عن أخيه , عن عكرمة : { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } قال : تحرد وجوههم للنار , فإذا رأوا أهل الجنة ذهب ذلك عنهم . 11435 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ابن زيد في قوله : { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } فرأوا وجوههم مسودة وأعينهم مزرقة , { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين }
ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون
تفسير الجلالين . "ونادى أصحاب الأعراف رجالا" من أصحاب النار "يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم" من النار "جمعكم" المال أو كثرتكم "وما كنتم تستكبرون" أي واستكباركم عن الإيمان ويقولون لهم مشيرين إلى ضعفاء المسلمين
تفسير الطبري . { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون } يقول جل ثناؤه : { ونادى أصحاب الأعراف رجالا } من أهل الأرض { يعرفونهم بسيماهم } سيما أهل النار , { قالوا ما أغنى عنكم جمعكم } ما كنتم تجمعون من الأموال والعدد في الدنيا , { وما كنتم تستكبرون } يقول : وتكبركم الذي كنتم تتكبرون فيها . كما : 11436 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : فمر بهم - يعني بأصحاب الأعراف - ناس من الجبارين عرفوهم بسيماهم ; قال : يقول : قال أصحاب الأعراف : { ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون } 11437 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { ونادى أصحاب الأعراف رجالا } قال : في النار , { يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم } وتكبركم , { وما كنتم تستكبرون } 11438 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز : { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون } قال : هذا حين دخل أهل الجنة الجنة , { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } الآية . قلت لأبي مجلز : عن ابن عباس ؟ قال : لا بل عن غيره . * حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز : { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم } قال : نادت الملائكة رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم : { ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } قال : هذا حين دخل أهل الجنة الجنة , { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } 11439 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله : { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم } فالرجال عظماء من أهل الدنيا ; قال : فبهذه الصفة عرف أهل الأعراف أهل الجنة من أهل النار. وإنما ذكر هذا حين يذهب رئيس أهل الخير ورئيس أهل الشر يوم القيامة . قال : وقال ابن زيد في قوله : { ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون } قال : على أهل طاعة الله.
أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون
تفسير الجلالين . "أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة" قد قيل لهم "ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" وقرئ : أدخلوا بالبناء للمفعول ودخلوا فجملة النفي حال أي مقولا لهم ذلك
تفسير الطبري . { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } اختلف أهل التأويل في المعنيين بهذا الكلام , فقال بعضهم : هذا قيل الله لأهل النار توبيخا لهم على ما كان من قيلهم في الدنيا لأهل الأعراف عند إدخاله أصحاب الأعراف الجنة . ذكر من قال ذلك : 11440 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قال : أصحاب الأعراف : رجال كانت لهم ذنوب عظام , وكان حسم أمرهم لله , يقومون على الأعراف , فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يدخلوها , وإذا نظروا إلى أهل النار تعوذوا بالله منها , فأدخلوا الجنة . فذلك قوله تعالى : { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } يعني أصحاب الأعراف , { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } 11441 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن جويبر , عن الضحاك , قال : قال ابن عباس : إن الله أدخل أصحاب الأعراف الجنة لقوله : { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } 11442 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : قال الله لأهل التكبر والأموال : { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } يعني أصحاب الأعراف , { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } 11443 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { أهؤلاء } الضعفاء { الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } قال : فقال حذيفة : " أصحاب الأعراف قوم تكافأت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة , وقصرت بهم سيئاتهم عن النار , فجعلوا على الأعراف يعرفون الناس بسيماهم . فلما قضي بين العباد , أذن لهم في طلب الشفاعة , فأتوا آدم عليه السلام فقالوا : يا آدم أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك ! فقال : هل تعلمون أحدا خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وسبقت رحمة الله إليه غضبه وسجدت له الملائكة غيري ؟ فيقولون لا . قال : فيقول : ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم , ولكن ائتوا ابني إبراهيم ! قال : فيأتون إبراهيم عليه السلام فيسألونه أن يشفع لهم عند ربه , فيقول هل تعلمون من أحد اتخذه الله خليلا ؟ هل تعلمون أحدا أحرقه قومه في النار في الله غيري ؟ فيقولون : لا ! فيقول : ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم , ولكن ائتوا ابني موسى ! فيأتون موسى عليه السلام فيقول : هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليما وقربه نجيا غيري ؟ فيقولون : لا , فيقول : ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم , ولكن ائتوا عيسى ! فيأتونه فيقولون : اشفع لنا عند ربك ! فيقول : هل تعلمون أحدا خلقه الله من غير أب غيري ؟ فيقولون : لا , فيقول : هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري ؟ قال : فيقولون : لا , قال : فيقول : أنا حجيج نفسي , ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم , ولكن ائتوا محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ! " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فيأتوني , فأضرب بيدي على صدري ثم أقول : أنا لها . ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش , فأثني على ربي , فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط , ثم أسجد فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك , سل تعطه , واشفع تشفع ! فأرفع رأسي فأقول : رب أمتي ! فيقال : هم لك . فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا غبطني يومئذ بذلك المقام , وهو المقام المحمود " . قال : " فآتي بهم باب الجنة فأستفتح , فيفتح لي ولهم , فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة , حافتاه قضب من ذهب مكلل باللؤلؤ , ترابه المسك , وحصباؤه الياقوت , فيغتسلون منه , فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريحهم , ويصيرون كأنهم الكواكب الدريه , ويبقى في صدرهم شامات بيض يعرفون بها , يقال لهم مساكين أهل الجنة " . 11444 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك , قال : إن الله أدخلهم بعد أصحاب الجنة , وهو قوله : { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } يعني أصحاب الأعراف. وهذا قول ابن عباس . فتأويل الكلام على هذا التأويل الذي ذكرنا عن ابن عباس , ومن ذكرنا قوله فيه : قال الله لأهل التكبر عن الإقرار بوحدانية الله والإذعان لطاعته وطاعة رسله الجامعين في الدنيا الأموال مكاثرة ورياء : أيها الجبابرة الذين كانوا في الدنيا , أهؤلاء الضعفاء الذين كنتم في الدنيا أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ؟ قال : قد غفرت لهم ورحمتهم بفضلي ورحمتي , ادخلوا يا أصحاب الأعراف الجنة , لا خوف عليكم بعدها من عقوبة تعاقبون بها على ما سلف منكم في الدنيا من الآثام والإجرام , ولا أنتم تحزنون على شيء فاتكم في دنياكم ! وقال أبو مجلز : بل هذا القول خبر من الله عن قيل الملائكة لأهل النار بعد ما دخلوا النار تعييرا منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين أدخلهم الله يوم القيامة جنته . وأما قوله : { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } فخبر من الله عن أمره أهل الجنة بدخولها . 11445 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , قال : نادت الملائكة رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم : ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ! أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ؟ قال : فهذا حين يدخل أهل الجنة الجنة ; ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون .
ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين
تفسير الجلالين . "ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله" من الطعام "قالوا إن الله حرمهما" منعهما
تفسير الطبري . { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة عند نزول عظيم البلاء بهم من شدة العطش والجوع , عقوبة من الله لهم على ما سلف منهم في الدنيا من ترك طاعة الله وأداء ما كان فرض عليهم فيها في أموالهم من حقوق المساكين من الزكاة والصدقة . يقول تعالى ذكره : ونادى أصحاب النار بعدما دخلوها أصحاب الجنة بعدما سكنوها أن يا أهل الجنة : { أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } أي أطعمونا مما رزقكم الله من الطعام . كما : 11446 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } قال : من الطعام . 11447 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله : { أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } قال : يستطعمونهم ويستسقونهم . فأجابهم أهل الجنة : إن الله حرم الماء والطعام على الذين جحدوا توحيده وكذبوا في الدنيا رسله . والهاء والميم في قوله : { إن الله حرمهما } عائدتان على الماء , وعلى " ما " التي في قوله : { أو مما رزقكم الله } وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 11448 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن عثمان الثقفي , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } قال : ينادي الرجل أخاه أو أباه , فيقول : قد احترقت , أفض علي من الماء ! فيقال لهم : أجيبوهم ! فيقولون : { إن الله حرمهما على الكافرين } 11449 - وحدثني المثنى , قال : ثنا ابن دكين , قال : ثنا سفيان , عن عثمان , عن سعيد بن جبير : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } قال : ينادي الرجل أخاه : يا أخي قد احترقت فأغثني ! فيقول : { إن الله حرمهما على الكافرين } 11450 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله : { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } قال : طعام أهل الجنة وشرابها .
الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون
"تفسير الجلالين . الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم" نتركهم في النار "كما نسوا لقاء يومهم هذا" بتركهم العمل له "وما كانوا بآياتنا يجحدون" أي وكما جحدوا
ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون
"ولقد جئناهم" أي أهل مكة "بكتاب" قرآن "فصلناه" بيناه بالأخبار والوعد والوعيد "على علم" حال أي عالمين بما فصل فيه "هدى" حال من الهاء "ورحمة لقوم يؤمنون" به
تفسير الطبري . { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون } يقول تعالى ذكره : أقسم يا محمد لقد جئنا هؤلاء الكفرة بكتاب , يعني القرآن الذي أنزله إليهم . يقول : لقد أنزلنا إليهم هذا القرآن مفصلا مبينا فيه الحق من الباطل , { على علم } يقول : على علم منا بحق ما فصل فيه من الباطل الذي ميز فيه بينه وبين الحق , { هدى ورحمة } يقول : بيناه ليهتدي ويرحم به قوم يصدقون به وبما فيه من أمر الله ونهيه وأخباره ووعده ووعيده . فينقذهم به من الضلالة إلى الهدى .
هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون
تفسير الجلالين . "هل ينظرون" ما ينتظرون "إلا تأويله" عاقبة ما فيه "يوم يأتي تأويله" هو يوم القيامة "يقول الذين نسوه من قبل" تركوا الإيمان به "قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو" هل "نرد" إلى الدنيا "فنعمل غير الذي كنا نعمل" نوحد الله ونترك الشرك فيقال لهم : لا "قد خسروا أنفسهم" إذ صاروا إلى الهلاك "وضل" ذهب "عنهم ما كانوا يفترون" من دعوى الشريك
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين
"إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام" من أيام الدنيا أي في قدرها لأنه لم يكن ثم شمس ولو شاء خلقهن في لمحة والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت "ثم استوى على العرش" في اللغة : سرير الملك استواء يليق به "يغشي الليل النهار" مخففا ومشددا أي يغطي كلا منهما بالآخر "يطلبه" يطلب كل منهما بالآخر طلبا "حثيثا" سريعا "والشمس والقمر والنجوم" بالنصب عطفا على السماوات والرفع مبتدأ خبره "مسخرات" مذللات "بأمره" بقدرته "ألا له الخلق" جميعا "والأمر" كله "تبارك" تعاظم "الله رب" مالك
تفسير الطبري . { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } يقول تعالى ذكره : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم , كل ذلك بأمره , أمرهن الله فأطعن أمره , ألا لله الخلق كله , والأمر الذي لا يخالف ولا يرد أمره دون ما سواه من الأشياء كلها , ودون ما عبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تضر ولا تنفع ولا تخلق ولا تأمر , تبارك الله معبودنا الذي له عبادة كل شيء رب العالمين . 11467 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا هشام أبو عبد الرحمن , قال : ثنا بقية بن الوليد , قال : ثني عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري , عن عبد العزيز الشامي , عن أبيه , وكانت له صحبة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح , وحمد نفسه , قل شكره وحبط عمله . ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه , لقوله : { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } " .
ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين
الجلالين . "ادعوا ربكم تضرعا" حال تذللا "وخفية" سرا "إنه لا يحب المعتدين" في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين
"ولا تفسدوا في الأرض" بالشرك والمعاصي "بعد إصلاحها" ببعث الرسل "وادعوه خوفا" من عقابه "وطمعا" في رحمته "إن رحمة الله قريب من المحسنين" المطيعين وتذكير قريب المخبر به عن رحمة لإضافتها إلى الله
تفسير الطبري . { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا } يعني تعالى ذكره بقوله : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } لا تشركوا بالله في الأرض ولا تعصوه فيها ; وذلك هو الفساد فيها . وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى وبينا معناه بشواهده . { بعد إصلاحها } يقول : بعد إصلاح الله إياه لأهل طاعته بابتعاثه فيهم الرسل دعاة إلى الحق , وإيضاحه حججه لهم . { وادعوه خوفا وطمعا } يقول : وأخلصوا له الدعاء والعمل , ولا تشركوا في عملكم له شيئا غيره من الآلهة والأصنام وغير ذلك , وليكن ما يكون منكم في ذلك خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه ; وإن من كان دعاؤه إياه على غير ذلك فهو بالآخرة من المكذبين , لأن من لم يخف عقاب الله ولم يرج ثوابه لم يبال ما ركب من أمر يسخطه الله ولا يرضاه .
إن رحمة الله قريب من المحسنين
{ إن رحمة الله قريب من المحسنين } يقول تعالى ذكره : إن ثواب الله الذي وعد المحسنين على إحسانهم في الدنيا قريب منهم . وذلك هو رحمته ; لأنه ليس بينهم وبين أن يصيروا إلى ذلك من رحمته وما أعد لهم من كرامته , إلا أن تفارق أرواحهم أجسادهم ; ولذلك من المعنى ذكر قوله : { قريب } وهو من خبر الرحمة والرحمة مؤنثة , لأنه أريد به القرب في الوقت لا في النسب والأوقات بذلك المعنى , إذا رفعت أخبارا للأسماء أجرتها العرب مجرى الحال فوحدتها مع الواحد والاثنين والجميع وذكرتها مع المؤنث , فقالوا : كرامة الله بعيد من فلان , وهي قريب من فلان , كما يقولون : هند قريب منا , والهندان منا قريب , والهندات منا قريب , لأن معنى ذلك : هي في مكان قريب منا , فإذا حذفوا المكان وجعلوا القريب خلفا منه , ذكروه ووحدوه في الجمع , كما كان المكان مذكرا وموحدا في الجمع. وأما إذا أنثوه أخرجوه مثنى مع الاثنين ومجموعا مع الجميع فقالوا : هي قريبة , منا , وهما منا قريبتان , كما قال عروة بن الورد : عشية لا عفراء منك قريبة فتدنو ولا عفراء منك بعيد فأنث قريبة , وذكر بعيدا على ما وصفت . ولو كان القريب من القرابة في النسب لم يكن مع المؤنث إلا مؤنثا ومع الجمع إلا مجموعا .
وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون
تفسير الجلالين . "وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته" أي متفرقة قدام المطر وفي قراءة بسكون الشين تخفيفا وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدرا وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون : أي مبشرا ومفرد الأولى نشور كرسول والأخيرة بشير "حتى إذا أقلت" حملت الرياح "سحابا ثقالا" بالمطر "سقناه" أي السحاب وفيه التفات عن الغيبة "لبلد ميت" لا نبات به أي لإحيائها "فأنزلنا به" بالبلد "الماء فأخرجنا به" بالماء "من كل الثمرات كذلك" الإخراج "نخرج الموتى" من قبورهم بالإحياء "لعلكم تذكرون" فتؤمنون
الطبري . كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون
وأما قوله : { كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } فإنه يقول تعالى ذكره : كما نحيي هذا البلد الميت بما ننزل به من الماء الذي ننزله من السحاب , فنخرج به من الثمرات بعد موته وجدوبته وقحوط أهله , كذلك نخرج الموتى من قبورهم أحياء بعد فنائهم ودروس آثارهم . { لعلكم تذكرون } يقول تعالى ذكره للمشركين به من عبدة الأصنام , المكذبين بالبعث بعد الممات , المنكرين للثواب والعقاب : ضربت لكم أيها القوم هذا المثل الذي ذكرت لكم من إحياء البلد الميت بقطر المطر الذي يأتي به السحاب , الذي تنشره الرياح التي وصفت صفتها ; لتعتبروا فتذكروا وتعلموا أن من كان ذلك من قدرته فيسير في إحياء الموتى بعد فنائها وإعادتها خلقا سويا بعد دروسها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك : 11474 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } وكذلك تخرجون , وكذلك النشور , كما نخرج الزرع بالماء . وقال أبو هريرة : " إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع من الماء , حتى إذا استكملت أجسامهم نفخ فيهم الروح , ثم يلقى عليهم نومة , فينامون في قبورهم , فإذا نفخ في الصور الثانية , عاشوا وهم يجدون طعم النوم في رءوسهم وأعينهم , كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه , فعند ذلك يقولون : { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } فناداهم المنادي { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } 36 52 " 11475 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله : { كذلك نخرج الموتى } قال : إذا أراد الله أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى تتشقق عنهم الأرض , ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها , فكذلك يحيي الله الموتى بالعطر كإحيائه الأرض .
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون
الجلالين . "والبلد الطيب" العذب التراب "يخرج نباته" حسنا "بإذن ربه" هذا مثل للمؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها "والذي خبث" ترابه "لا يخرج" نباته "إلا نكدا" عسرا بمشقة وهذا مثل للكافر "كذلك" كما بينا ما ذكر "نصرف" نبين "الآيات لقوم يشكرون" الله فيؤمنون

