- 3 ديسمبر 2020
- 376
- 165
- 43
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- عبد الباسط عبد الصمد
- علم البلد
-
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
لو نظرنا في افتتاحية سورة الطور وخاتمتها نجدها ركزت على العذاب الواقع يوم القيامة للمكذبين بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولذلك جاء الحديث في أولها عن الأحداث الجسام التي تقع يوم الساعة ، فبعد الأقسام المتتابعة في أول السورة جاء جواب القسم (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴿٧﴾ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ﴿٨﴾ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ﴿٩﴾ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ﴿١٠﴾) وكذلك توعدهم بالعذاب في نهاية السورة أيضاً (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ)
و تذكر الأيات مشهدا من حال الكافرين يوم يقع عليهم هذا العذاب ،( الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴿١٢﴾ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴿١٣﴾ )
كانوا يخوضون في أسباب الدنيا ومتعها بالباطل ، يلعبون ولا يذكرون حسابا ولا جزاء .وأما الأن يوم القيامة الذي كانوا ينكرونه ، (يُدعّون) أي الملائكة تدفعهم لشدة لهيب نار جهنم ، يرمونهم من بعيد ، وعند مواقعة العذاب يعلمون أن الساعة حق وأن العذاب واقع ، فلا ينفعهم صبر ولا ندم ( هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿١٤﴾ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ﴿١٥﴾ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١٦﴾)
ومن هدايات هذه الأيات ، ان الانشغال الحقيقي يجب أن يكون في كل ما يعود علينا بالنفع الدنيوي والأخروي ، والمسلم الفطن هو الذي يجعل أولى أولوياته وكل اهتمامته وانشغاله في تحقيق وظيفته الكبرى على الأرض، وهي العبادة. و الابتعاد عن أسباب العذاب ، والاستعداد للآخرة بترك اللهو والخوض في الباطل وكل ما لا فائدة فيه.
وكعادة القرآن الجمع بين الترهيب والترغيب ، يأتي بعد ذلك ذكر جزاء المتقين (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ﴿١٧﴾ فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿١٨﴾)
و التعبير (متقين) و(وقاهم) يدل على أن الجزاء من جنس العمل ، فلما كانوا من المتقين يتقون غضب الله وعذابه في الدنيا ، وقاهم الله هذا العذاب في الآخرة ، ولفظة " وقاهم ربهم " فيه إشارة لطيفة إلى التودّد والاختصاص بالرحمة والمحبة.
ثم تأتي اللفتة في قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) وهذا من كمال نعيمهم أن الله سبحانه وتعالى يجمع معهم أبناءهم وذرياتهم ، فإنك إذا كنت وحدك لا تجد اللذة الكاملة، فعندما يرى أهل الجنة أن أبناءهم أو آباءهم كانوا دونهم في الأجر وقد يكون بعضهم عليه بعض العذاب يتمنون لو اجتمعوا معهم في النعيم ، فيقال لهم إنهم قصروا في العمل وما بلغوا درجتكم، فيقول المؤمن : يا رب عملت لي ولهم فشفّعني بهم فيشفّعه بأهل بيته .
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ) هنا جاءت منكّرة (بإيمان) أي بأيّ نوع من الإيمان ولو كان ضعيفا (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) لا تظنوا أننا سننقصكم شيئاً من حسابكم، لا، هذا فضل الله ، عملكم ثوابه كامل ودرجتكم كاملة ، و تكريماً لكم ألحقنا بكم ذريتكم من غير أن ننقص من أجوركم شيئاً.
ثم قال تعالى ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٢٥﴾ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴿٢٦﴾ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴿٢٧﴾ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ )
يذكر أهل الجنة بعضهم بعضاً اصدقاؤهم أقرباؤهم عندما كانوا مجتمعين في الدنيا ، كنا مشفقين خائفين أن لا نكون من اهل الجنة ،وأن لا ننجوا من العذاب يوم القيامة ، فمنّ الله عليهم ووقاهم عذاب السموم ."إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ" البر : اللطيف بعباده ، الرحيم بخلقه أن يعذبهم .
ثم يأتي خطاب التحدي في نهاية السورة مبنيّاً على برهان اليقين فبعد المقدمات الإيمانية وما فيها من قوارع ، تأتي آخر آيات السورة تعلمنا إقامة الحجة ببراهين التحدي، وتحطيم كبرياء الكفرة ومواجهتهم بحقيقة يحاولون أن يغفلوا عنها وهي أنهم في قبضة الجبار، لا محيص لهم من عذابه مهما كفروا واستكبروا وصمّوا آذانهم وأعينهم وقلوبهم. وتكرار (أم) في الآيات 13 مرة متتالية لا يفصل بينها فاصل تفيد كما يقول أهل اللغة الإضراب الانتقالي مع دلالتها على الاستفهام الإنكاري والتوبيخ لهؤلاء الكفرة المعاندين فلا تترك لهم مجالًا للرد لأنه لا رد على هذه البراهين الواضحة وضوح الشمس في كبد السماء فتتركهم حيارى تائهين لا يعرفون بماذا يجيبون؟!
وبعدها يأمر الله نبيه بالبلاغ وأن لا يلتفت إلى ما يتهمه به الكافرون من أنه كاهن أو شاعر أومجنون : " فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ " فهؤلاء قوم طاغون ، يكذّبون الوحي الذي أُنزل عليك ويدّعون أنه من قولك ، فإن كان من قول البشر فليأتوا بمثله إن كانوا صادقين " أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ "
وما هي مبرراتهم حتى يكفروا أو يكونوا بمنأى عن العذاب ؟
(أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ) ما عندهم هذه الإمكانات ولا القدرات ، أم يدّعون أنهم يأتيهم الغيب من السماء (فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) أم يدّعون زوراً وبهتانا لله البنات والولد سبحانه (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ﴿٣٩﴾ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴿٤٠﴾ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴿٤١﴾ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ﴿٤٢﴾) هل يريدون كيداً بمحمد ؟
فيأتي التهديد من الله :" (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ) الصعق يأتي بمعنى الموت ويأتي بمعنى العذاب المُهلِك الماحق ومنهم من فسره بيوم بدر حيث صعقوا في بدر بقتل سبعين من زعمائهم فكانت كالصاعقة عليهم.
ثم تختم السورة بالتفاتة رحمانية كريمة للنبي صلى الله عليه وسلم في غمرة مواجهته للطغاة على ما يجد من المشقة في حمل أمانة هذه الرسالة العظمى لتتنزّل عليه بالتثبيت والتطمين " (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) وهذا منتهى الاطمئنان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمهما قالوا عنك استمر في دعوتك واصبر على تحمّل الأذى و المشقات التي تعترضك فإنك بأعيننا أي في رعاية الله ، والله سبحانه وتعالى هو الذي يؤيدك بنصره وبتوفيقه وإذا كان الله معك فلا يهمك كل البشر ولو كانوا ضدك .
والتعبير بكلمة (تقوم) بصيغة القعل المضارع دلالة على العزم على العمل وتجديده واستمراره على الدوام لا يحتمل فتورا ولا تكاسلا ولا راحة وأن الأمر هنا يوجب الاستمرار بالذكر والصلاة والتسبيح على كل حال والنهوض باستمرار إلى ما هو أعظم .
لو نظرنا في افتتاحية سورة الطور وخاتمتها نجدها ركزت على العذاب الواقع يوم القيامة للمكذبين بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولذلك جاء الحديث في أولها عن الأحداث الجسام التي تقع يوم الساعة ، فبعد الأقسام المتتابعة في أول السورة جاء جواب القسم (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴿٧﴾ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ﴿٨﴾ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ﴿٩﴾ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ﴿١٠﴾) وكذلك توعدهم بالعذاب في نهاية السورة أيضاً (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ)
و تذكر الأيات مشهدا من حال الكافرين يوم يقع عليهم هذا العذاب ،( الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴿١٢﴾ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴿١٣﴾ )
كانوا يخوضون في أسباب الدنيا ومتعها بالباطل ، يلعبون ولا يذكرون حسابا ولا جزاء .وأما الأن يوم القيامة الذي كانوا ينكرونه ، (يُدعّون) أي الملائكة تدفعهم لشدة لهيب نار جهنم ، يرمونهم من بعيد ، وعند مواقعة العذاب يعلمون أن الساعة حق وأن العذاب واقع ، فلا ينفعهم صبر ولا ندم ( هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿١٤﴾ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ﴿١٥﴾ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١٦﴾)
ومن هدايات هذه الأيات ، ان الانشغال الحقيقي يجب أن يكون في كل ما يعود علينا بالنفع الدنيوي والأخروي ، والمسلم الفطن هو الذي يجعل أولى أولوياته وكل اهتمامته وانشغاله في تحقيق وظيفته الكبرى على الأرض، وهي العبادة. و الابتعاد عن أسباب العذاب ، والاستعداد للآخرة بترك اللهو والخوض في الباطل وكل ما لا فائدة فيه.
وكعادة القرآن الجمع بين الترهيب والترغيب ، يأتي بعد ذلك ذكر جزاء المتقين (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ﴿١٧﴾ فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿١٨﴾)
و التعبير (متقين) و(وقاهم) يدل على أن الجزاء من جنس العمل ، فلما كانوا من المتقين يتقون غضب الله وعذابه في الدنيا ، وقاهم الله هذا العذاب في الآخرة ، ولفظة " وقاهم ربهم " فيه إشارة لطيفة إلى التودّد والاختصاص بالرحمة والمحبة.
ثم تأتي اللفتة في قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) وهذا من كمال نعيمهم أن الله سبحانه وتعالى يجمع معهم أبناءهم وذرياتهم ، فإنك إذا كنت وحدك لا تجد اللذة الكاملة، فعندما يرى أهل الجنة أن أبناءهم أو آباءهم كانوا دونهم في الأجر وقد يكون بعضهم عليه بعض العذاب يتمنون لو اجتمعوا معهم في النعيم ، فيقال لهم إنهم قصروا في العمل وما بلغوا درجتكم، فيقول المؤمن : يا رب عملت لي ولهم فشفّعني بهم فيشفّعه بأهل بيته .
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ) هنا جاءت منكّرة (بإيمان) أي بأيّ نوع من الإيمان ولو كان ضعيفا (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) لا تظنوا أننا سننقصكم شيئاً من حسابكم، لا، هذا فضل الله ، عملكم ثوابه كامل ودرجتكم كاملة ، و تكريماً لكم ألحقنا بكم ذريتكم من غير أن ننقص من أجوركم شيئاً.
ثم قال تعالى ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٢٥﴾ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴿٢٦﴾ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴿٢٧﴾ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ )
يذكر أهل الجنة بعضهم بعضاً اصدقاؤهم أقرباؤهم عندما كانوا مجتمعين في الدنيا ، كنا مشفقين خائفين أن لا نكون من اهل الجنة ،وأن لا ننجوا من العذاب يوم القيامة ، فمنّ الله عليهم ووقاهم عذاب السموم ."إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ" البر : اللطيف بعباده ، الرحيم بخلقه أن يعذبهم .
ثم يأتي خطاب التحدي في نهاية السورة مبنيّاً على برهان اليقين فبعد المقدمات الإيمانية وما فيها من قوارع ، تأتي آخر آيات السورة تعلمنا إقامة الحجة ببراهين التحدي، وتحطيم كبرياء الكفرة ومواجهتهم بحقيقة يحاولون أن يغفلوا عنها وهي أنهم في قبضة الجبار، لا محيص لهم من عذابه مهما كفروا واستكبروا وصمّوا آذانهم وأعينهم وقلوبهم. وتكرار (أم) في الآيات 13 مرة متتالية لا يفصل بينها فاصل تفيد كما يقول أهل اللغة الإضراب الانتقالي مع دلالتها على الاستفهام الإنكاري والتوبيخ لهؤلاء الكفرة المعاندين فلا تترك لهم مجالًا للرد لأنه لا رد على هذه البراهين الواضحة وضوح الشمس في كبد السماء فتتركهم حيارى تائهين لا يعرفون بماذا يجيبون؟!
وبعدها يأمر الله نبيه بالبلاغ وأن لا يلتفت إلى ما يتهمه به الكافرون من أنه كاهن أو شاعر أومجنون : " فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ " فهؤلاء قوم طاغون ، يكذّبون الوحي الذي أُنزل عليك ويدّعون أنه من قولك ، فإن كان من قول البشر فليأتوا بمثله إن كانوا صادقين " أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ "
وما هي مبرراتهم حتى يكفروا أو يكونوا بمنأى عن العذاب ؟
(أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ) ما عندهم هذه الإمكانات ولا القدرات ، أم يدّعون أنهم يأتيهم الغيب من السماء (فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) أم يدّعون زوراً وبهتانا لله البنات والولد سبحانه (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ﴿٣٩﴾ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴿٤٠﴾ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴿٤١﴾ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ﴿٤٢﴾) هل يريدون كيداً بمحمد ؟
فيأتي التهديد من الله :" (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ) الصعق يأتي بمعنى الموت ويأتي بمعنى العذاب المُهلِك الماحق ومنهم من فسره بيوم بدر حيث صعقوا في بدر بقتل سبعين من زعمائهم فكانت كالصاعقة عليهم.
ثم تختم السورة بالتفاتة رحمانية كريمة للنبي صلى الله عليه وسلم في غمرة مواجهته للطغاة على ما يجد من المشقة في حمل أمانة هذه الرسالة العظمى لتتنزّل عليه بالتثبيت والتطمين " (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) وهذا منتهى الاطمئنان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمهما قالوا عنك استمر في دعوتك واصبر على تحمّل الأذى و المشقات التي تعترضك فإنك بأعيننا أي في رعاية الله ، والله سبحانه وتعالى هو الذي يؤيدك بنصره وبتوفيقه وإذا كان الله معك فلا يهمك كل البشر ولو كانوا ضدك .
والتعبير بكلمة (تقوم) بصيغة القعل المضارع دلالة على العزم على العمل وتجديده واستمراره على الدوام لا يحتمل فتورا ولا تكاسلا ولا راحة وأن الأمر هنا يوجب الاستمرار بالذكر والصلاة والتسبيح على كل حال والنهوض باستمرار إلى ما هو أعظم .
وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين
منقول بتصرّف -سلسلة التفسير المباشر
منقول بتصرّف -سلسلة التفسير المباشر

