- 3 ديسمبر 2020
- 376
- 165
- 43
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- عبد الباسط عبد الصمد
- علم البلد
-
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
هناك من يرى أن موضوع سورة الذاريات هو الرزق باعتبار أنها تبتدأ بأقسام أربعة " وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا " فذكرت الريح ( الذاريات ) والسحب (الحاملات ) والسفن ( الجاريات ) وهي مسائل تتعلق بالرزق وكذلك جاء في السورة نفسها قوله تعالى (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿٢٢﴾ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴿٢٣﴾)
وهي هنا تؤصّل السورة لهذه المسألة في القلوب إلى جعلها يقيناُ في النفوس وهو أن الرزق لا علاقة له بإنسان ولا بحدث ولا بإيمان ولا بكفر ، وإنما الرزق من الله تعالى وكل إنسان يطلبه رزقه كما يطلبه أجَله ، وفي الأية شبّه أحقية الرزق وثباته بالنطق لأنه الحالة الوحيدة التي لا يمكن أن يدخلها شبهة ولا يمكن أن يرتاب فيها أحد فكل شيء في الإنسان قد تدخله العلّة إلا النطق فلا يشك إنسان من نطق صاحبه
ولما كان الانشغال بالرزق وما يخبئه القدر عنه هو أكثف تلك العوائق وأشدها فقد عني في هذه السورة تطمين النفس من جهته , وتعليق القلب بالسماء في شأنه , لا بالأرض وأسبابها القريبة . وتكررت الإشارة إلى هذا الأمر في السورة في مواضع متفرقة منها . كقوله تعالى(وفي السماء رزقكم وما توعدون). .(إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين). .
وأما قوله تعالى (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) يتحدث عن رزق الضيف، وحديث الضيف مما يتلذّذ به أصحاب الكرم ، وحديث الضيف مما يستملحه أصحاب الجود لأنهم يستشعرون بالعطاء الدائم
ولاحظ ابراهيم وهو الكريم وهو الذي كان يفتح بابه لكل الناس أن ضيوفه هؤلاء دخلوا عليه بلا استئذان. ثم هؤلاء الضيوف مكرمون لأنهم في الحقيقة ملائكة ، والمضيف واحد من اثنين إما أن يأتي بالموجود فيأتي بأعز ما عنده وإما أن يتكلف لضيفه ولو تكلّف لضيفه لا يخبره لأنه إن أخبره أشعره بالمنّة والخجل فابراهيم عليه السلام أتى لهم بأعظم ما هو موجود في بيته وفي خارج بيته. ثم انسلّ منهم دون أن يشعروا ثم جاء بعجل سمين مشويً. ثم أعدّه لهم على خير ما يُعدّ وهو بالشوي ثم جاء بدون أن يشعروا لا بخروجه ولا برجوعه وهذا عبّر عنه القرآن بقوله (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) الروغان هو خروج دون احساس كروغان الثعلب لأن الثعلب يمر دون أن تشعر به.
وتلك طبيعة أهل الكرم أنهم يوفّرون من الطعام والشراب في بيوتهم لا ما يكفيهم فقط بل ما يكفيهم ويكفي ضيوفهم .
ومن أدب الكرم أن يخدم ضيوفه بنفسه فجاء يحمله ووضعه أمامهم ولم يطلب منهم أن يأتوا إلى مكان الطعام، فقربه إليهم ثم لم يقل لهم كلوا بل حثّهم على الأكل بطريقة الحضّ هلّا تأكلون، ألا تأكلون، وهذه طريقة من أدب المضيف أن يدعو ضيفه إلى الطعام بأدب وتلطف حتى لا يوقعه في حرج.
فلما لم يأكلوا وخاف منهم ، بادروه بالكلام وأنهم ملائكة من عند الله " وبشروه بغلام عليم " وفي أية أخرى " بغلام حليم " فما الفرق ؟
"غلام عليم" إشارة إلى اسحق عليه السلام ، ولم يرد حليم إلا في سورة الصافات والكلام هناك عن اسماعيل عليه السلام والذي يتناسب مع اسماعيل عليه السلام الحلم لأنه أمر بذبحه فالذي يتناسب مع الذبح الحلم ، ولما كان نبينا صلى الله عليه وسلم من نسل اسماعيل جمع بين العلم والحلم معاً.
والقرآن حين يتحدث عن القصص لا يتحدث عن واقع ظاهرفقط وإنما يخبر عن مكنونات النفس وهي التي لا يراها البشر " فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ "
(فأقبلت) أي زوجته سارة ، أي أنها لم تقبل من بُعد فكانت قريبة ، فبمجرد أن سمعت الخبر صكّت وجهها ، والصكّ لون من الضرب الشديد يحدث صوتا ، وذلك في تصرف عفوي كما تفعل النساء عادة عند سماعها خبرا مفاجئا ، واستغربت الخبر أن كيف تلد وهي عقيم ، لكنه أمر الله وقد قضى بأن يقع ويكون ، ( قالوا:كذلك قال ربك , إنه هو الحكيم العليم). وهذا نوع آخر من الرزق هو الولد والذرية .
وأما ختام السورة ، ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ )
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) العبادة هي حب يدعو إلى الذلّ والانقياد، لأن الحبّ نوعان : حب فطرة جُبِل عليه الإنسان لأهله وقومه وذويه ، وحب عبادة يستصغر الإنسان فيه نفسه ويستشعر بضعفه وذلّه فيركن إلى القوي العزيز الذي ينقاد إليه ويأتمر بأمره.
وحين يرتفع الإنسان إلى هذا الأفق . أفق العبادة .. ويستقر عليه , هو لا يعني نفسه ببلوغ الغايات , إنما يعني نفسه بأداء الواجبات , تحقيقا لمعنى العبادة في الأداء . أما الغايات فموكولة لله , يأتي بها وفق قدره الذي يريده . ولا داعي لإشغال النفس بالنتائج التي هي من أمر الله وإنما المطلوب من العبد هو الأخذ بالأسباب .وكأنّ الأيات نصفان ، فإذا قمت بالنصف الأول " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" تحقق لك النصف الثاني " إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ".
هناك من يرى أن موضوع سورة الذاريات هو الرزق باعتبار أنها تبتدأ بأقسام أربعة " وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا " فذكرت الريح ( الذاريات ) والسحب (الحاملات ) والسفن ( الجاريات ) وهي مسائل تتعلق بالرزق وكذلك جاء في السورة نفسها قوله تعالى (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿٢٢﴾ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴿٢٣﴾)
وهي هنا تؤصّل السورة لهذه المسألة في القلوب إلى جعلها يقيناُ في النفوس وهو أن الرزق لا علاقة له بإنسان ولا بحدث ولا بإيمان ولا بكفر ، وإنما الرزق من الله تعالى وكل إنسان يطلبه رزقه كما يطلبه أجَله ، وفي الأية شبّه أحقية الرزق وثباته بالنطق لأنه الحالة الوحيدة التي لا يمكن أن يدخلها شبهة ولا يمكن أن يرتاب فيها أحد فكل شيء في الإنسان قد تدخله العلّة إلا النطق فلا يشك إنسان من نطق صاحبه
ولما كان الانشغال بالرزق وما يخبئه القدر عنه هو أكثف تلك العوائق وأشدها فقد عني في هذه السورة تطمين النفس من جهته , وتعليق القلب بالسماء في شأنه , لا بالأرض وأسبابها القريبة . وتكررت الإشارة إلى هذا الأمر في السورة في مواضع متفرقة منها . كقوله تعالى(وفي السماء رزقكم وما توعدون). .(إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين). .
وأما قوله تعالى (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) يتحدث عن رزق الضيف، وحديث الضيف مما يتلذّذ به أصحاب الكرم ، وحديث الضيف مما يستملحه أصحاب الجود لأنهم يستشعرون بالعطاء الدائم
ولاحظ ابراهيم وهو الكريم وهو الذي كان يفتح بابه لكل الناس أن ضيوفه هؤلاء دخلوا عليه بلا استئذان. ثم هؤلاء الضيوف مكرمون لأنهم في الحقيقة ملائكة ، والمضيف واحد من اثنين إما أن يأتي بالموجود فيأتي بأعز ما عنده وإما أن يتكلف لضيفه ولو تكلّف لضيفه لا يخبره لأنه إن أخبره أشعره بالمنّة والخجل فابراهيم عليه السلام أتى لهم بأعظم ما هو موجود في بيته وفي خارج بيته. ثم انسلّ منهم دون أن يشعروا ثم جاء بعجل سمين مشويً. ثم أعدّه لهم على خير ما يُعدّ وهو بالشوي ثم جاء بدون أن يشعروا لا بخروجه ولا برجوعه وهذا عبّر عنه القرآن بقوله (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) الروغان هو خروج دون احساس كروغان الثعلب لأن الثعلب يمر دون أن تشعر به.
وتلك طبيعة أهل الكرم أنهم يوفّرون من الطعام والشراب في بيوتهم لا ما يكفيهم فقط بل ما يكفيهم ويكفي ضيوفهم .
ومن أدب الكرم أن يخدم ضيوفه بنفسه فجاء يحمله ووضعه أمامهم ولم يطلب منهم أن يأتوا إلى مكان الطعام، فقربه إليهم ثم لم يقل لهم كلوا بل حثّهم على الأكل بطريقة الحضّ هلّا تأكلون، ألا تأكلون، وهذه طريقة من أدب المضيف أن يدعو ضيفه إلى الطعام بأدب وتلطف حتى لا يوقعه في حرج.
فلما لم يأكلوا وخاف منهم ، بادروه بالكلام وأنهم ملائكة من عند الله " وبشروه بغلام عليم " وفي أية أخرى " بغلام حليم " فما الفرق ؟
"غلام عليم" إشارة إلى اسحق عليه السلام ، ولم يرد حليم إلا في سورة الصافات والكلام هناك عن اسماعيل عليه السلام والذي يتناسب مع اسماعيل عليه السلام الحلم لأنه أمر بذبحه فالذي يتناسب مع الذبح الحلم ، ولما كان نبينا صلى الله عليه وسلم من نسل اسماعيل جمع بين العلم والحلم معاً.
والقرآن حين يتحدث عن القصص لا يتحدث عن واقع ظاهرفقط وإنما يخبر عن مكنونات النفس وهي التي لا يراها البشر " فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ "
(فأقبلت) أي زوجته سارة ، أي أنها لم تقبل من بُعد فكانت قريبة ، فبمجرد أن سمعت الخبر صكّت وجهها ، والصكّ لون من الضرب الشديد يحدث صوتا ، وذلك في تصرف عفوي كما تفعل النساء عادة عند سماعها خبرا مفاجئا ، واستغربت الخبر أن كيف تلد وهي عقيم ، لكنه أمر الله وقد قضى بأن يقع ويكون ، ( قالوا:كذلك قال ربك , إنه هو الحكيم العليم). وهذا نوع آخر من الرزق هو الولد والذرية .
وأما ختام السورة ، ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ )
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) العبادة هي حب يدعو إلى الذلّ والانقياد، لأن الحبّ نوعان : حب فطرة جُبِل عليه الإنسان لأهله وقومه وذويه ، وحب عبادة يستصغر الإنسان فيه نفسه ويستشعر بضعفه وذلّه فيركن إلى القوي العزيز الذي ينقاد إليه ويأتمر بأمره.
وحين يرتفع الإنسان إلى هذا الأفق . أفق العبادة .. ويستقر عليه , هو لا يعني نفسه ببلوغ الغايات , إنما يعني نفسه بأداء الواجبات , تحقيقا لمعنى العبادة في الأداء . أما الغايات فموكولة لله , يأتي بها وفق قدره الذي يريده . ولا داعي لإشغال النفس بالنتائج التي هي من أمر الله وإنما المطلوب من العبد هو الأخذ بالأسباب .وكأنّ الأيات نصفان ، فإذا قمت بالنصف الأول " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" تحقق لك النصف الثاني " إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ".
منقول بتصرف
سلسلة التفسير المباشر
سلسلة التفسير المباشر



