- 3 ديسمبر 2020
- 415
- 165
- 43
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- عبد الباسط عبد الصمد
- علم البلد
-
لقد أدار يوسف عليه السلام أزمة إخوته بعبقرية نفسية وتخطيط محكم لم يكن مجرد انتقام ، بل كان رحلة علاجية وتأهيلية متكاملة بهدف تطهير نفوسهم من رواسب الغل، وإيصالهم إلى مرحلة الاعتراف الطوعي بالذنب دون كسر كبريائهم الإنساني.
و إليك الاستراتيجيات النفسية التي وظفها يوسف عليه السلام لإدارة هذه الأزمة وإعادة بناء الأسرة :
1. استراتيجية ضبط النفس والذكاء العاطفي
و إليك الاستراتيجيات النفسية التي وظفها يوسف عليه السلام لإدارة هذه الأزمة وإعادة بناء الأسرة :
1. استراتيجية ضبط النفس والذكاء العاطفي
- الصدمة النفسية الأولى: في قوله تعالى: {فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}. تبدأ الإدارة النفسية للأزمة بلحظة المفاجأة. رغم الهزة العاطفية العنيفة برؤية من ألقوه في البئر، لم تظهر عليه أي علامات اضطراب، ولم يستعجل المواجهة أو الانتقام.
- كتمان الغيظ العابر: عندما اتهمه الإخوة بالسرقة لاحقاً في قوله تعالى: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}، لم ينفعل ولم يدافع عن نفسه كبرياءً، بل قال القرآن: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} . هذا الكتمان الذكي مكّنه من الحفاظ على سير خطته دون إفسادها بانفعال لحظي.
- الإحسان الصادم: بدأ يوسف عليه السلام بتقديم إكرام مبالغ فيه لهم: {أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ}، ثم ردّ بضاعتهم وأموالهم في رحالهم سراً.
- الأثر النفسي: هذا الإحسان المطلق من شخص غريب (عزيز مصر) وضع الإخوة في حالة من "التناقض المعرفي" والضغط النفسي. لقد اعتادوا على المكر، فقوبلوا بنبل مفرط، مما حرك ضمائرهم وجعلهم يشعرون بالخجل الداخلي ويدفعهم للعودة مجدداً.
- التهديد بالحرمان: وضع يوسف عليه السلام شرطاً صارماً لعودة إخوته وهو ان يأتوا بأخيهم الأصغر معهم في المرة القادمة : {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلَا تَقْرَبُونِ}.
- الأثر النفسي: نقلهم يوسف من مربع "المتحكمين" (كما كانوا في طفولته) إلى مربع "المحتاجين تحت التهديد". هذا القلق من الحرمان من الطعام أجبرهم على مواجهة أبيهم وإقناعه بـإرسال بنيامين، مما وضع "عقدة الذنب القديمة" تحت الاختبار الفعلي.
- تكرار مشهد الفقد: وضع يوسف صواع الملك في رحل أخيه بنيامين واحتجزه بتهمة السرقة. هذه لم تكن حيلة كيد، بل كانت "إعادة تمثيل( لحالة الفقد ) في حدث البئر القديم.
- الأثر النفسي: وضع يوسف إخوته أمام نفس المأزق القديم: أخ صغير محبوب عند الأب، يضيع منهم في ظروف غامضة، وعليهم العودة للأب بدونه. أراد يوسف اختبار ضمائرهم: هل سيتخلون عن بنيامين كما تخلوا عنه قديماً، أم تغيرت نفوسهم؟
- تطهير النفس بالاعتراف: لم يواجههم يوسف بالجريمة بل تركهم يصلون إلى ذروة العجز النفسي والانكسار عندما دخلوا عليه قائلين: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ}.
- لحظة المكاشفة: عندما سألهم: {هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}، أحدث لديهم صدمة إدراك قادتهم فوراً للاعتراف الطوعي دون إنكار: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}. الاعتراف هنا هو أولى خطوات الشفاء النفسي والتوبة الصادقة.
- رفع الحرج الفوري (العفو الشامل): بمجرد أن اعترفوا بذنبهم، بادر يوسف إلى طمأنتهم وإزالة مشاعر الخزي والاضطهاد النفسي لديهم فقال: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ}.
- تغيير السردية وإيجاد المبرر: في ختام السورة، عند السجود، أعاد يوسف صياغة قصة حياتهم بذكاء نفسي عجيب، فلم يقل "ألقيتموني في البئر"، بل قال: {مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}. لقد نقل التهمة من إخوته إلى الشيطان، ليحفظ لهم ماء وجههم ويسهّل دمجهم في الأسرة مجدداً كإخوة محبين لا كمجرمين تائبين.
- هذا والله أعلم

