إعلانات المنتدى


ثنائيات التضاد النفسي في سورة يوسف

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

عمر محمود أبو أنس

عضو كالشعلة
3 ديسمبر 2020
415
165
43
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
عبد الباسط عبد الصمد
علم البلد
تعرض السورة أمثلة على ثنائيات التضاد النفسي ليكون الأثر أوقع في النفس والسلوك :

1. الغدر المقابل للوفاء (الإخوة في مواجهة يوسف)

  • الغدر الحاد (البداية): تمثل في سلوك الإخوة الذين قدموا مصالحهم الأنانية وغريزة الغيرة على رابطة الدم؛ فـغدروا بأخيهم الصغير الضعيف وألقوه في البئر، ثم غدروا بأبيهم وكذبوا عليه بدموع مصطنعة ({وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ}).​
  • الوفاء المطلق (النهاية): في المقابل، تجلى وفاؤه في أبهى صوره مع إخوته الغادرين أنفسهم؛ فلم يقابل غدرهم بـالانتقام حين مكنه الله، بل أوفى لهم الكيل، وحفظ كرامتهم، واستغفر لهم.​
  • الأثر النفسي: هذا التضاد يوضح كيف ينتصر الوفاء القائم على المبادئ الثابتة في النهاية على الغدر القائم على الانفعالات المؤقتة.​
2. الحزن المظلم المقابل للفرح المستبشر (رحلة يعقوب عليه السلام)

  • الحزن المظلم (الكتمان): عاش يعقوب عليه السلام عقوداً من الحزن التراكمي الكئيب الذي انغلق فيه على ذاته ({وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}). كان حزناً ممتداً، صامتاً، ومؤلماً لدرجة المرض والعمى العضوي.​
  • الفرح المستبشر (الانفراج الفوري): يقابل هذا الحزن المظلم فرحة عارمة فورية هزت كيانه بمجرد تحرك القافلة ({إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} ، وتُوّجت بـإلقاء القميص ({فَارْتَدَّ بَصِيرًا}).​
  • الأثر النفسي: التضاد هنا يعكس قانوناً نفسياً وإيمانياً: أن شدة الضيق هي المؤشر الحقيقي على قرب الفرج، وأن الصدمة الوجدانية السلبية (الحزن) يمكن الشفاء منها تماماً بصدمة وجدانية إيجابية موازية لها في القوة (الفرح واليقين).​
3. ذل الأسر والعبودية المقابل لعز التمكين والملك (تقلبات حياة يوسف)

  • الذل الحسي والنفسي: يوسف يُلقى في البئر كشيء مهمل، ثم يُباع في سوق العبيد بـثمن بخس ({دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} )، ثم يُسجن بضع سنين مظلوماً ومتهماً في شرفه. كل هذه المحطات تمثل قاع "الذل المادي والاجتماعي".​
  • العز والتمكين والرفعة: يقابل ذلك صعوده المفاجئ ليكون المسؤول الأول عن خزائن الدولة ({تَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} )، والكل يطلب رضاؤه، حتى خرّ له والداه وإخوته سجداً تعظيماً لمقامه.​
  • الأثر النفسي: يظهر هذا التضاد أن العز الحقيقي هو عز النفس والاتصال بالله؛ فيوسف وهو في السجن كان حراً عزيزاً بعفته، ويوسف وهو على عرش مصر كان متواضعاً خاشعاً، مما يثبت أن المظاهر الخارجية من سجن أو ملك لا تغير من جوهر النفس المتزنة.​

4. خيانة الأمانة المقابلة لعفة النفس (امرأة العزيز في مواجهة يوسف)

  • خيانة الأمانة والاندفاع: تمثلت في امرأة العزيز التي خانت أمانة زوجها، واندفعت وراء شهوتها الحادة، واستخدمت سلطتها لمراودة فتى يعيش تحت رعايتها، ثم لجوئها للكذب لتشويه سمعته وسجنه.​
  • العفة الشامخة والتحكم: يقابلها يوسف في قمة شبابه وغربته (حيث لا رقيب من أهله)؛ فيتحكم في غرائزه تماماً، ويعتصم بـالله مقدّماً عزة النفس والحرية الروحية على لذة عابرة محرمة ({قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ}).​
  • الأثر النفسي: هذا التضاد يبرز الصراع النفسي البشري بين "النفس الأمارة بالسوء" التي تقود صاحبها للتهلكة والخزي، وبين "النفس المطمئنة" التي تقود صاحبها للشرف والتمكين حتى وإن عبرت بوابة السجن.​
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع