- 6 فبراير 2007
- 6,560
- 11
- 0
- الجنس
- أنثى
(بسم الل)
:
:
خطبة الجمعة في المسجد النبوي بالمدينة النبوية
لفضيلة شيخي الشيخ : عبدالباري الثبيتي
الحمد لله، الحمد لله مُدَبّرِ الأحول ومنشئ السحاب الثقال، أحمده سبحانه وأشكره مسبغ النعم والإفضال، له الحمد في الأولى والآخرة وإليه المآل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال المتفردُ بالعظمة والجلال، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله ربّى الصفوة من الرجال الذين درسوا معالم الكفر والضلال، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآل، أما بعد:
فاتقوا الله حق التقوى، قال تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون(.
قال تعالى: ) من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه(، وقال تعالى: ) رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار(.
مادة (رجل) تدل بأصل وضعها في اللغة على طائفةٍ كبيرةٍ من المعاني غير الذكورة المقابلة للأنوثة في بني الإنسان، تقول العرب في المقابلة بين الاثنين وتفوق أحدهما على صاحبه: أرجل الرجلين.
وللدلالة على القدرة على التصدي للأحداث: رجلُ الساعة.
وفي ختام المباهاة بالشرف والثناء تقول: هو من رجالات قومه.
وعند ورودها في القرآن تُضيف مع دلالتها على النوعِ معاني أخرى تسمو بالنوع من السمو والانقياد. استعمل القرآن (رجالاً) وصفًا للمصطفين الأخيار فقال تعالى: ) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم(، والوصف بالرجولةِ في بعض المواطن تعريف مقصود يُوحي بمقومات هذه الصفة من جرأة على الحق ومناصرة للقائمين عليه، قال تعالى: ) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لكم من الناصحين(، وقال سبحانه )وقال رجلٌ مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله( وقد كان النبي r يتطلع إلى الرجولة التي تناصره وتعتز بها دعوته ويسألها ربه فيقول: " اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر ابن الخطاب"، قال الراوي وكان أحبهما إليه عمر، أخرجه الترمذي.
يتطلع إلى معالم الرجولة التي تؤثر في نشر الدعوة وإعزاز الإسلام. كان إسلام عمر حدثًا كبيرًا، وُجدت رجولته في اللحظة الأولى من إسلامه، فبعد أن كان المسلمون لا يجرؤن على الجهر بدينهم جهروا به، قال ابن مسعود t "مازلنا أعزّة منذ أسلم عمر"، أخرجه البخاري.
لم تكن رجولة عمر في قوة بدنه ولا في فروسيته ففي قريش من هو أقوى منه ولكن رجولته كانت في إيمانه القوي ونفسه الكبيرة التي تبعث على التقدير والإكبار. هاجر الصحابة حفيةً، أمّا عمرُ فقد تَقَلّدَ سيفه ومضى إلى الكعبةِ فطاف وصَلّى بالمقام وأعلن هجرته على الملأ وقال لهم: (من أراد أن تثكله أمُّه ويُيَتم ولده وتُرمل زوجته فليتبعني وراء هذا الوادي) فما تبعه منهم أحد. يضع عمر البرامج لتعليم الرجولة فيقول: (علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل، وروُّهم ما يُجَمِّل من الشعر).
الرجولة مطلب يسعى للتجمل بخصائصها أصحاب الهمم، ويسمو بمعانيها الرجال الجادون، وهي صفة أساسية فالناس إذا فقدوا أخلاق الرجولة صاروا أشباه الرجال، غثاءً كغثاء السيل. الرجولة تُرّسخ بعقيدة قوية، وتُهَذب بتربية صحيحة، وتُنَمّى بقدوةٍ حسنة. ميزان الرجولة عند عامة الناس هو ميزان ماديٌ فقط، فمن كان جميل المنظر مكتمل القوى كثير المال فهو الرجل الطيب. ولكن ميزان الرجال في شريعة الإسلام من كانت أعماله فاضلة وأخلاقه حسنة. مرّ رجلٌ على رسول الله r فقال: "ما تقولون في هذا؟"، قالوا: حريٌ إن خَطَب أن يُنْكح وإن شَفَع أن يُشَفّع وإن قال أن يُسْتمع. قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: "ما تقولون في هذا؟"، قالوا: حريٌ إن خَطَب أن لا يُنْكح وإن شَفَع أن لا يُشَفّع وإن قال أن لا يُسْتمع، فقال رسول الله r: "هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا". أخرجه البخاري.
الرجال –عباد الله – لا يقاسون بضخامة أجسادهم وبهاء صورهم، فعن علي بن أبي طالب t قال: "أمر النبي r ابن مسعود فصعد على شجرةٍ أمره أن يأتيه منها بشيء فنظر أصحابه إلى ساق عبدالله بن مسعود حين صعد الشجرة فضحكوا من حموشة ساقيه، فقال رسول الله r: "ما تضحكون؟ لرِجل عبدالله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد"، أخرجه أحمد.
الرجولةُ الحقةُ: رأيٌ سديد، وكلمة طيبة، ومروءةٌ وشهامةٌ، وتعاون وتضامن. الرجولة: تحمُّلُ المسئولية في الذب عن التوحيد والنصح في الله. قال تعالى: ) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين(.
الرجولة: قوة في القول، وصدعٌ بالحق، وتحذير من المخالفة من أمر الله مع حرص وفطنة، قال تعالى: ) وقال رجلٌ مؤمن مِنْ آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم(. الرجولة: صمودٌ أمام الملهيات، واستعلاء على المغريات حذرًا من يوم عصيب، قال تعالى: ) رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار(.
الرجل الحق: يصدق في عهده، ويفي بوعده، ويثبت على الطريق، قال تعالى: ) من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً(، ليس من الرجال الذين نعنيهم أولئك الذين يعبّون من الشهوات، أو الغارقون في الملذات، الذين قعدوا عن معاني الغايات وأعرضوا عن خالق الأرض والسماوات، وليسوا أولئك الذين بطنت أجسادهم وقد خلت من قول الحكمة السنتهم، وسداد الرأي عقولهم، هؤلاء الرجال أشباه رجالٍ لا ننشدهم، بل نبغي الذين عناهم القرآن في قوله: ) الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً %والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً % والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً % إنها ساءت مستقرًا ومقاماً % والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ( ليس من الرجولة -عباد الله- أن يكون الشباب كالإمّعة إن أحسن الناس أَحسَنْ وإن أسَاءوَا أسَاء، وإذا ولغ أصحابه في مستنقعات السوء جرى في ركابهم لكي يكون رجلاً كما يزعمون. هل من معالم الرجولة الحقة أن تكون غاية مراد الشاب شهوة قريبة، ولذةً محرمة في ليلة عابثةٍ بلا رقيب ولا حسيب؟!، أين هذا من رجل قلبه مُعلّقٌ بالمساجد؟!، وأين هذا من رجلٍ دعته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله؟!، وأين هذا من رجل تصدق بصدقة فأخفاها؟!، ورجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه؟!، أولئك يمقتهم الرحمن وهؤلاء يدنيهم ويظلهم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. قلم الأديب المسلم تام الرجولة؛ شِعْرٌ يهذب الأخلاق ويسمو بالمعاني وينبذ الإسفاف، وروايات تحكي قصص الخيّرين من الأسلاف، وحوارات ترفع طموحات الأمة وتحقق جليل الأهداف، أدبٌ لا ميوعة فيه ولا تخلق. وقد أُبتليت الأمة في أعقاب الزمن في بعض نواحيها بأدب لا يمت إلى الرجولة بصلة ألفاظ خانعة، وترانيم ساقطة، وتخلفٌ فاضح. إن شر ما تُصابُ به الحياة هو الخروج على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وذلك بتخلفِ الرجال واسترجال المرأة. أين الرجولة فيمن يتمايل في حركاته، ويطيل شعر، ويضع القلادة على رقبته، ويتأطأ في مشيته، بل قد يرقص كما ترقص النساء؟!، إن هذه السلوكيات نواةُ شرٍ ونذير فسادٍ لكل المجتمع؛ لأنها تحكي مسخًا وانصرافًا عن الفطرة، وانهزاميةً وانحطاطًا على حسابِ أخلاق الأمة، ولهذا "لعن الرسول r المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" أخرجه البخاري، ولعن النبي r المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء، وقال: "أخرجوهم من بيوتكم" أخرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
باب وسائل التربية العقيمة المستوردة جعل شباب أبناء المسلمين لا يعرفون تكاليف الرجولة، وإذا عرفوها لا يطيقونها ولا يقومون كما ينبغي بأدائها، وهذا نتائج المخطط المدروس الذي يعمل على دمج النساء بالرجال لتعطيل التكاليف الشرعية الخاصة بكل منهما، وليجعل من لباس المرأة بالرجل شيئاً واحداً، والتشابه في الظاهر يورث التشابه في الباطن. حين تغمر خصائص الرجولة بجناية الرجال أنفسهم يحل بالمجتمع العطب، وبالبيت الضياع، وبالأمة الضعف والهوان، تضيع القومية وتضعف الغيرة فتتسع رقعة الفساد الخلقي.
قال تعالى ) الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض (
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه، أمـا بعـد:
فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، والحديث عن الرجولة في العصر الحاضر يذكرك أطفال الحجارة؛ هم أطفال في أجسامهم، أبطالٌ في أفعالهم، رجال في مواقفهم، هم بحقٍ يصدق فيهم وصف الرجولة، فقد تربوا على مائدة القرآن، يجاهدون في سبيل الله، وغيرهم يجاهد بالخطب الرنانة، والعبارات المخدرة، إن كثيراً من هؤلاء لم يصلوا إلى مستوى الرجل الطفل، -طفل الحجارة-. رجولة تأبى الطغيان والاستسلام للمعتدين، لا يهابون طلقات القذائف، بل يتصدون لها بصدورهم وقلوبهم حتى يُحرر القدس الشريف، إنها هِمَمُ رجال ترفض المهانة والذل. هؤلاء الأطفال أُعتقل آباؤهم نصب أعينهم، وهُدّمت بيوتهم وهم يشهدون ذلك بناظريهم، إن هذا الطفل لا يملك سوى حجر، لكنه يرى نفسه شامخًا يتحدى دبابة الاحتلال دون خوفٍ أو وجل. والأمهات يباركن خطوات فلذات أكبادهن نحو الموت والشهادة. صَبر هذا الشعب طويلاً وقدّم تضحياتٍ جسيمة، ودماؤه تُراق على أرض فلسطين وهم بأحجارهم وعصيهم وقفوا ضد اعتداء الغاصبين الذين نهبوا الأموال وقتّلوا الأبرياء ونقضوا العهود والمواثيق.
سجل أبناء تلك الأرض بطولات وتضحيات لا تتوقف أمام ذلك الصلف اليهودي الذي أقدم -وما زال- على أبشع ما عرفت البشرية من وحشية. لماذا يُحجم العالم الذي يزعم أنه متحضر عن ردع المعتدي، والأخذِ على يديه، أين المعاهدات؟ أين المواثيق التي تنص على ضمان السلام والتقليل من الجرائم؟، أين الأخذ على يد المعتدي ونصرة المظلوم؟ أين دعاة السلام والداعون له؟ أين المنظرون لثقافته؟ وهذه المذابح والبنادق والصواريخ تُخرب الديار وتحرق القلوب والأجساد، أجساد الشيوخ الركع والأطفال الرضع. إن هذه الدماء لن تثمر بإذن الله إلا نفوساً أبيّة لن ترضى الدنيّة في دينها. ولتسقط تلك الدعاوى الساقطة، ولتنكسر تلك الأقلام الهزيلة التي مازالت تُزين السلام غير العادل بزينة كالحة، لقد عاهدت الأمة الإسلامية ربها أن تظل القدس جوهر عقيدتها في قلوبنا وعقولنا ومشاعرنا، بل هي فوق كل الاعتبارات الآنية والمصالح الدنيوية، لن نفرط في ذرة من ترابها، ولا سلام ولا استقرار بدونها، وكل الممارسات التي يمارسها التي يمارسها العدو من استيطان وتهويد هي أمور غير شرعية، نرفضها وترفضها الأمة كما ترفض الاحتلال ذاته.
إن أرض فلسطين إسلامية وستبقى كذلك مهما تكالبت عليها الخطوب، ) ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون( وسيبقى الكفاح وتدوم التضحية حتى تعود الأرض إلى أصحابها الشرعيين.
إن واجب المسلمين نحو القدس استند إلى القرآن والسنة النبوية، وربطت رحلة الإسراء والمعراج مشاعر المسلمين بهذه الأرض، فقضية القدس ليست قضية تتعلق بالأرض، بل يجب أن تبقى قضية إسلامية تعني الأمة -كل الأمة-، وذمّة المسلمين لن تبرأ إلا إذا عملت على تطهير المدينة التي تشرفت برحلة الإسراء والمعراج، وإعادتها إلى قيادة المسلمين ) والله متم نوره ولو كره الكافرون (.
اللهم دمّر اليهود الغاصبين، اللهم شت شملهم وفرق جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم إن اليهود طغوا وبغوا وأسرفوا في طغيانهم؛ اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، وصب العذاب عليهم من فوقهم، واجعلهم عبرًة للمعتبرين، اللهم اجعلهم حصيدًا خامدين، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمّر اللهم أعداءك أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نسألك رضوانك والجنة ونعوذ بك من سخطك ومن النار. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ألّف بين قلوب المسلمين ووحّد صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحق يارب العالمين. اللهم وفّق إمامنا لما تُحب وترضى، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
:
: خطبة الجمعة في المسجد النبوي بالمدينة النبوية
لفضيلة شيخي الشيخ : عبدالباري الثبيتي
الحمد لله، الحمد لله مُدَبّرِ الأحول ومنشئ السحاب الثقال، أحمده سبحانه وأشكره مسبغ النعم والإفضال، له الحمد في الأولى والآخرة وإليه المآل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال المتفردُ بالعظمة والجلال، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله ربّى الصفوة من الرجال الذين درسوا معالم الكفر والضلال، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآل، أما بعد:
فاتقوا الله حق التقوى، قال تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون(.
قال تعالى: ) من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه(، وقال تعالى: ) رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار(.
مادة (رجل) تدل بأصل وضعها في اللغة على طائفةٍ كبيرةٍ من المعاني غير الذكورة المقابلة للأنوثة في بني الإنسان، تقول العرب في المقابلة بين الاثنين وتفوق أحدهما على صاحبه: أرجل الرجلين.
وللدلالة على القدرة على التصدي للأحداث: رجلُ الساعة.
وفي ختام المباهاة بالشرف والثناء تقول: هو من رجالات قومه.
وعند ورودها في القرآن تُضيف مع دلالتها على النوعِ معاني أخرى تسمو بالنوع من السمو والانقياد. استعمل القرآن (رجالاً) وصفًا للمصطفين الأخيار فقال تعالى: ) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم(، والوصف بالرجولةِ في بعض المواطن تعريف مقصود يُوحي بمقومات هذه الصفة من جرأة على الحق ومناصرة للقائمين عليه، قال تعالى: ) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لكم من الناصحين(، وقال سبحانه )وقال رجلٌ مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله( وقد كان النبي r يتطلع إلى الرجولة التي تناصره وتعتز بها دعوته ويسألها ربه فيقول: " اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر ابن الخطاب"، قال الراوي وكان أحبهما إليه عمر، أخرجه الترمذي.
يتطلع إلى معالم الرجولة التي تؤثر في نشر الدعوة وإعزاز الإسلام. كان إسلام عمر حدثًا كبيرًا، وُجدت رجولته في اللحظة الأولى من إسلامه، فبعد أن كان المسلمون لا يجرؤن على الجهر بدينهم جهروا به، قال ابن مسعود t "مازلنا أعزّة منذ أسلم عمر"، أخرجه البخاري.
لم تكن رجولة عمر في قوة بدنه ولا في فروسيته ففي قريش من هو أقوى منه ولكن رجولته كانت في إيمانه القوي ونفسه الكبيرة التي تبعث على التقدير والإكبار. هاجر الصحابة حفيةً، أمّا عمرُ فقد تَقَلّدَ سيفه ومضى إلى الكعبةِ فطاف وصَلّى بالمقام وأعلن هجرته على الملأ وقال لهم: (من أراد أن تثكله أمُّه ويُيَتم ولده وتُرمل زوجته فليتبعني وراء هذا الوادي) فما تبعه منهم أحد. يضع عمر البرامج لتعليم الرجولة فيقول: (علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل، وروُّهم ما يُجَمِّل من الشعر).
الرجولة مطلب يسعى للتجمل بخصائصها أصحاب الهمم، ويسمو بمعانيها الرجال الجادون، وهي صفة أساسية فالناس إذا فقدوا أخلاق الرجولة صاروا أشباه الرجال، غثاءً كغثاء السيل. الرجولة تُرّسخ بعقيدة قوية، وتُهَذب بتربية صحيحة، وتُنَمّى بقدوةٍ حسنة. ميزان الرجولة عند عامة الناس هو ميزان ماديٌ فقط، فمن كان جميل المنظر مكتمل القوى كثير المال فهو الرجل الطيب. ولكن ميزان الرجال في شريعة الإسلام من كانت أعماله فاضلة وأخلاقه حسنة. مرّ رجلٌ على رسول الله r فقال: "ما تقولون في هذا؟"، قالوا: حريٌ إن خَطَب أن يُنْكح وإن شَفَع أن يُشَفّع وإن قال أن يُسْتمع. قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: "ما تقولون في هذا؟"، قالوا: حريٌ إن خَطَب أن لا يُنْكح وإن شَفَع أن لا يُشَفّع وإن قال أن لا يُسْتمع، فقال رسول الله r: "هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا". أخرجه البخاري.
الرجال –عباد الله – لا يقاسون بضخامة أجسادهم وبهاء صورهم، فعن علي بن أبي طالب t قال: "أمر النبي r ابن مسعود فصعد على شجرةٍ أمره أن يأتيه منها بشيء فنظر أصحابه إلى ساق عبدالله بن مسعود حين صعد الشجرة فضحكوا من حموشة ساقيه، فقال رسول الله r: "ما تضحكون؟ لرِجل عبدالله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد"، أخرجه أحمد.
الرجولةُ الحقةُ: رأيٌ سديد، وكلمة طيبة، ومروءةٌ وشهامةٌ، وتعاون وتضامن. الرجولة: تحمُّلُ المسئولية في الذب عن التوحيد والنصح في الله. قال تعالى: ) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين(.
الرجولة: قوة في القول، وصدعٌ بالحق، وتحذير من المخالفة من أمر الله مع حرص وفطنة، قال تعالى: ) وقال رجلٌ مؤمن مِنْ آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم(. الرجولة: صمودٌ أمام الملهيات، واستعلاء على المغريات حذرًا من يوم عصيب، قال تعالى: ) رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار(.
الرجل الحق: يصدق في عهده، ويفي بوعده، ويثبت على الطريق، قال تعالى: ) من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً(، ليس من الرجال الذين نعنيهم أولئك الذين يعبّون من الشهوات، أو الغارقون في الملذات، الذين قعدوا عن معاني الغايات وأعرضوا عن خالق الأرض والسماوات، وليسوا أولئك الذين بطنت أجسادهم وقد خلت من قول الحكمة السنتهم، وسداد الرأي عقولهم، هؤلاء الرجال أشباه رجالٍ لا ننشدهم، بل نبغي الذين عناهم القرآن في قوله: ) الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً %والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً % والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً % إنها ساءت مستقرًا ومقاماً % والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ( ليس من الرجولة -عباد الله- أن يكون الشباب كالإمّعة إن أحسن الناس أَحسَنْ وإن أسَاءوَا أسَاء، وإذا ولغ أصحابه في مستنقعات السوء جرى في ركابهم لكي يكون رجلاً كما يزعمون. هل من معالم الرجولة الحقة أن تكون غاية مراد الشاب شهوة قريبة، ولذةً محرمة في ليلة عابثةٍ بلا رقيب ولا حسيب؟!، أين هذا من رجل قلبه مُعلّقٌ بالمساجد؟!، وأين هذا من رجلٍ دعته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله؟!، وأين هذا من رجل تصدق بصدقة فأخفاها؟!، ورجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه؟!، أولئك يمقتهم الرحمن وهؤلاء يدنيهم ويظلهم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. قلم الأديب المسلم تام الرجولة؛ شِعْرٌ يهذب الأخلاق ويسمو بالمعاني وينبذ الإسفاف، وروايات تحكي قصص الخيّرين من الأسلاف، وحوارات ترفع طموحات الأمة وتحقق جليل الأهداف، أدبٌ لا ميوعة فيه ولا تخلق. وقد أُبتليت الأمة في أعقاب الزمن في بعض نواحيها بأدب لا يمت إلى الرجولة بصلة ألفاظ خانعة، وترانيم ساقطة، وتخلفٌ فاضح. إن شر ما تُصابُ به الحياة هو الخروج على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وذلك بتخلفِ الرجال واسترجال المرأة. أين الرجولة فيمن يتمايل في حركاته، ويطيل شعر، ويضع القلادة على رقبته، ويتأطأ في مشيته، بل قد يرقص كما ترقص النساء؟!، إن هذه السلوكيات نواةُ شرٍ ونذير فسادٍ لكل المجتمع؛ لأنها تحكي مسخًا وانصرافًا عن الفطرة، وانهزاميةً وانحطاطًا على حسابِ أخلاق الأمة، ولهذا "لعن الرسول r المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" أخرجه البخاري، ولعن النبي r المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء، وقال: "أخرجوهم من بيوتكم" أخرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
باب وسائل التربية العقيمة المستوردة جعل شباب أبناء المسلمين لا يعرفون تكاليف الرجولة، وإذا عرفوها لا يطيقونها ولا يقومون كما ينبغي بأدائها، وهذا نتائج المخطط المدروس الذي يعمل على دمج النساء بالرجال لتعطيل التكاليف الشرعية الخاصة بكل منهما، وليجعل من لباس المرأة بالرجل شيئاً واحداً، والتشابه في الظاهر يورث التشابه في الباطن. حين تغمر خصائص الرجولة بجناية الرجال أنفسهم يحل بالمجتمع العطب، وبالبيت الضياع، وبالأمة الضعف والهوان، تضيع القومية وتضعف الغيرة فتتسع رقعة الفساد الخلقي.
قال تعالى ) الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض (
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه، أمـا بعـد:
فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، والحديث عن الرجولة في العصر الحاضر يذكرك أطفال الحجارة؛ هم أطفال في أجسامهم، أبطالٌ في أفعالهم، رجال في مواقفهم، هم بحقٍ يصدق فيهم وصف الرجولة، فقد تربوا على مائدة القرآن، يجاهدون في سبيل الله، وغيرهم يجاهد بالخطب الرنانة، والعبارات المخدرة، إن كثيراً من هؤلاء لم يصلوا إلى مستوى الرجل الطفل، -طفل الحجارة-. رجولة تأبى الطغيان والاستسلام للمعتدين، لا يهابون طلقات القذائف، بل يتصدون لها بصدورهم وقلوبهم حتى يُحرر القدس الشريف، إنها هِمَمُ رجال ترفض المهانة والذل. هؤلاء الأطفال أُعتقل آباؤهم نصب أعينهم، وهُدّمت بيوتهم وهم يشهدون ذلك بناظريهم، إن هذا الطفل لا يملك سوى حجر، لكنه يرى نفسه شامخًا يتحدى دبابة الاحتلال دون خوفٍ أو وجل. والأمهات يباركن خطوات فلذات أكبادهن نحو الموت والشهادة. صَبر هذا الشعب طويلاً وقدّم تضحياتٍ جسيمة، ودماؤه تُراق على أرض فلسطين وهم بأحجارهم وعصيهم وقفوا ضد اعتداء الغاصبين الذين نهبوا الأموال وقتّلوا الأبرياء ونقضوا العهود والمواثيق.
سجل أبناء تلك الأرض بطولات وتضحيات لا تتوقف أمام ذلك الصلف اليهودي الذي أقدم -وما زال- على أبشع ما عرفت البشرية من وحشية. لماذا يُحجم العالم الذي يزعم أنه متحضر عن ردع المعتدي، والأخذِ على يديه، أين المعاهدات؟ أين المواثيق التي تنص على ضمان السلام والتقليل من الجرائم؟، أين الأخذ على يد المعتدي ونصرة المظلوم؟ أين دعاة السلام والداعون له؟ أين المنظرون لثقافته؟ وهذه المذابح والبنادق والصواريخ تُخرب الديار وتحرق القلوب والأجساد، أجساد الشيوخ الركع والأطفال الرضع. إن هذه الدماء لن تثمر بإذن الله إلا نفوساً أبيّة لن ترضى الدنيّة في دينها. ولتسقط تلك الدعاوى الساقطة، ولتنكسر تلك الأقلام الهزيلة التي مازالت تُزين السلام غير العادل بزينة كالحة، لقد عاهدت الأمة الإسلامية ربها أن تظل القدس جوهر عقيدتها في قلوبنا وعقولنا ومشاعرنا، بل هي فوق كل الاعتبارات الآنية والمصالح الدنيوية، لن نفرط في ذرة من ترابها، ولا سلام ولا استقرار بدونها، وكل الممارسات التي يمارسها التي يمارسها العدو من استيطان وتهويد هي أمور غير شرعية، نرفضها وترفضها الأمة كما ترفض الاحتلال ذاته.
إن أرض فلسطين إسلامية وستبقى كذلك مهما تكالبت عليها الخطوب، ) ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون( وسيبقى الكفاح وتدوم التضحية حتى تعود الأرض إلى أصحابها الشرعيين.
إن واجب المسلمين نحو القدس استند إلى القرآن والسنة النبوية، وربطت رحلة الإسراء والمعراج مشاعر المسلمين بهذه الأرض، فقضية القدس ليست قضية تتعلق بالأرض، بل يجب أن تبقى قضية إسلامية تعني الأمة -كل الأمة-، وذمّة المسلمين لن تبرأ إلا إذا عملت على تطهير المدينة التي تشرفت برحلة الإسراء والمعراج، وإعادتها إلى قيادة المسلمين ) والله متم نوره ولو كره الكافرون (.
اللهم دمّر اليهود الغاصبين، اللهم شت شملهم وفرق جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم إن اليهود طغوا وبغوا وأسرفوا في طغيانهم؛ اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، وصب العذاب عليهم من فوقهم، واجعلهم عبرًة للمعتبرين، اللهم اجعلهم حصيدًا خامدين، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمّر اللهم أعداءك أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نسألك رضوانك والجنة ونعوذ بك من سخطك ومن النار. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ألّف بين قلوب المسلمين ووحّد صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحق يارب العالمين. اللهم وفّق إمامنا لما تُحب وترضى، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

