- 9 مارس 2007
- 1,193
- 1
- 0
- الجنس
- ذكر
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى إخوانه في الله حجاج بيت الله الحرام وإلى كل من يطلع على هذه الرسالة من المسلمين في كل مكان .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. أما بعد :
فيسرني أن ألتقي بكم على صفحات هذه المجلة "التوعية الإسلامية" في عامها التاسع ، والتي تصدرها الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية في موسم الحج من كل عام ؛ لإرشاد حجاج بيت الله وضيوف الرحمن لأداء مناسك الحج والعمرة على ما تقتضيه أحكام الشريعة الغراء ، وتبصيرهم بأمور دينهم الحنيف وأصول عقيدتهم التي كان عليها سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين ، والتنبيه على كثير من البدع التي تفشت بين المسلمين ، وتناول بعض القضايا المعاصرة بالدراسة التي تظهر وجه الحق فيها حتى يكون المسلم على بينة من أمرها بمقدار ما يتاح لهذه المجلة من وقت وإمكانيات ، والله ولي التوفيق. وبهذه المناسبة الكريمة فإني أرحب بإخواني حجاج بيت الله في حرم الله ، وأذكر نفسي وأذكرهم ببعض الوصايا ، والنصائح الواجبة في مثل هذا المقام ، حتى يكون عملنا مقبولاً ، وسعينا مشكوراً ، وحجنا مبروراً ، وذنبنا مغفوراً بتوفيق من الله ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. أوصيكم ونفسي بتقوى الله على كل حال ، فإنها جماع كل خير ووصية الله تعالى للأولين والآخرين ، قال تعالى : {ولقد وصينا الذين أتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}[1] ، وتتحقق تقوى الله عز وجل في امتثال أمره واجتناب نهيه عن إخلاص ومحبة له سبحانه ورغبة في ثوابه ، وحذراً من عقابه ، على الوجه الذي شرعه الله لعباده وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته ، كما قال الله تعالى له : {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}[2] . واعلموا –رحمني الله وإياكم- أن الإخلاص لله في العبادة واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيها ، أصلان أساسيان في صحتها وقبولها ، واستحقاق الثواب عليها –لاسيما في الحج- فلنحرص على ذلك أشد الحرص ، فقد قال الله تعالى : {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً}[3] ، وقال تعالى : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}[4] . ومن الإخلاص لله في العبادة ، أن لا نشرك معه غيره ، أو نصرف شيئاً منها لسواه، وأن نطهرها من الرياء وحب السمعة ، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك ، وهو الذي يقول: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء}[5] ، ويقول لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم : {فاعبد الله مخلصاً له الدين . ألا لله الدين الخالص}[6] ، وقال تعالى : {فويل للمصلين . الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين هم يراءون . ويمنعون الماعون}[7] ، وقال عن المنافقين : {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً} [8] . وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من سَمَّعَ سمع الله به ، ومن يُرائي يرائي الله به))[9] متفق عليه ، يعني من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله سريرته للناس يوم القيامة وفضحه على رؤوس الخلائق . أعاذنا الله وإياكم من خزي يوم الدين. ومن العبادة الدعاء – بل هو أظهر مظاهر العبودية والتضرع لله- فينبغي أن يكون لله وحده ، فلا يُدعى غيره ولا يستعان بأحد سواه ، ولا يلجأ إلا إليه ، ولا يستغاث إلا به ، وفي الذكر الحكيم : {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}[10] ، وقال تعالى : {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون . وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين}[11] وقد جاء في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما : ((... وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف))[12] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وينبغي أن نتحرى في كل أعمالنا سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم ، فهو صلى الله عليه وسلم المتبوع والمقتدى به ، ونتجنب البدع في ديننا ، فالخير في الاتباع والشر في الابتداع . فقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم : ((وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة))[13] رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وقال صلى الله عليه وسلم : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ))[14] متفق عليه . وأوصيكم ونفسي بتحري الحلال في المطعم والملبس والمشرب والنفقة والصدقة ، فإن ذلك يعين على الطاعة ويكون سبباً في قبولها ، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم} [15] ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم }[16] ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟))[17] رواه الإمام أحمد . ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث فضيل بن مرزوق ، فاختاروا لحجكم وعمرتكم نفقة طيبة تعينكم على إجابة الدعاء وقبول الأعمال . وأوصيكم ونفسي بالمحافظة على الصلاة وأدائها جماعة ما استطعتم ، فإنها عماد الدين وفرق ما بين المسلم والكافر وآخر ما يرفع من الدين وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، فمن ضيعها فهو لما سواها من الفرائض والواجبات أضيع ، والله تعالى يقول: {كل نفس بما كسبت رهينة. إلا أصحاب اليمين . في جنات يتساءلون . عن المجرمين . ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع الخائضين . حتى أتانا اليقين . فما تنفعهم شفاعة الشافعين}[18] . والمحافظة كذلك على سائر الفرائض والواجبات من إيتاء الزكاة وصوم رمضان والإحسان إلى الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الأيتام وحسن الجوار وغير ذلك من الواجبات التي يقوم عليها أمر الإسلام ، فمن ضيعها أو تهاون بها أو قصر في أدائها فهو على خطر عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين. وأوصيكم ونفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحكمة والموعظة الحسنة ؛ لقول الله تعالى : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}[19] . ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان))[20] رواه مسلم. فابذلوا النصح لإخوانكم في رفق ولين فما من أمة ضاع فيها هذا الواجب إلا عمها الله بعذاب ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم))[21] رواه الترمذي وقال : حديث حسن، وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم)[22] متفق عليه . وأوصيكم ونفسي بأن نغتنم فرصة وجودنا في حرم الله تعالى بالإكثار من ذكره وشكره وحسن عبادته والتقرب إليه سبحانه بشتى الطاعات والقربات ، فإننا في بلد تضاعف فيه الحسنات وقد فرغنا أنفسنا لذلك ، فلا نضيع أوقاتنا في اللغو واللهو والقيل والقال فإنها تكون حسرات علينا يوم القيامة ، ولنتجنب الجدال والخصام مع الرفقة والأصحاب ، ولا نؤذ إخواننا الحجاج بالمزاحمة عند المناسك وخاصة عند الطواف واستلام الحجر الأسود ورمي الجمرات ، فالله تعالى نهانا عن مجرد الجدال وهو دون هذا الأذى بكثير ، فقال تعالى : {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [23] . وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))[24] متفق عليه . ولا يفوتني في هذا المقام أن أوصي حكام المسلمين بأن يتقوا الله ويحكموا شريعة الله ويقيموا حدوده ، فإنهم مسئولون عن ذلك بين يديه حين يكون الملك له وحده بما ولاهم من أمر عباده ، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل ، ولا يكون عادلاً إلا إذا حكم بما أنزل الله ، والله تعالى قال لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم : {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم}[25] . كما أوصيهم بأن يجتمعوا على كلمة سواء وأن لا يختلفوا فتزول هيبتهم ويطمع فيهم عدوهم كما هو واقع الحال ، والله تعالى يقول : {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}[26] . وأوصي العلماء – وهم أعلام الهدى- أن يجتمعوا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يجمعوا المسلمين على ذلك ، وأن يخلصوا النصح لولاة الأمور ويؤثروا ما عند الله على ما عندهم فما عند الله خير وأبقى ، ويبلغوا رسالة الله ولا يخشوا أحداً سواه. فإذا نصح العلماء واستجاب الأمراء استقامت الأمة على طاعة الله فأعزها الله ومكن لها في الأرض ، وجعلها –بحق- خير أمة أخرجت للناس. وأوصي الأغنياء بأن يبذلوا من أموالهم ويعاونوا إخوانهم الفقراء ، ويمدوا المجاهدين في كل مكان بما يعينهم على قتال عدوهم ، فالله تعالى يقول : {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً}[27] ، ويقول الله تعالى : {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}[28] وإن فاتكم شرف الجهاد بالنفس فلا يفوتكم شرف الجهاد بالمال ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ((من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا))[29] متفق عليه . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع كلمة المسلمين على الحق ويؤلف بين قلوبهم على الهدى ، ويوحد صفوفهم ، وينصرهم على عدوهم ، كما أسأله أن يصلح ولاة المسلمين ويحبب إليهم الإيمان ويزينه في قلوبهم ، ويهيئ لهم البطانة الصالحة التي تذكرهم بالحق وتعينهم عليه ، إنه الموفق لذلك والقادر عليه ، وأن يجعل حجنا مبروراً وسعينا مشكوراً وذنبنا مغفوراً ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
المصدر: موقع الشيخ العلامة إبن باز يرحمه الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. أما بعد :
فيسرني أن ألتقي بكم على صفحات هذه المجلة "التوعية الإسلامية" في عامها التاسع ، والتي تصدرها الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية في موسم الحج من كل عام ؛ لإرشاد حجاج بيت الله وضيوف الرحمن لأداء مناسك الحج والعمرة على ما تقتضيه أحكام الشريعة الغراء ، وتبصيرهم بأمور دينهم الحنيف وأصول عقيدتهم التي كان عليها سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين ، والتنبيه على كثير من البدع التي تفشت بين المسلمين ، وتناول بعض القضايا المعاصرة بالدراسة التي تظهر وجه الحق فيها حتى يكون المسلم على بينة من أمرها بمقدار ما يتاح لهذه المجلة من وقت وإمكانيات ، والله ولي التوفيق. وبهذه المناسبة الكريمة فإني أرحب بإخواني حجاج بيت الله في حرم الله ، وأذكر نفسي وأذكرهم ببعض الوصايا ، والنصائح الواجبة في مثل هذا المقام ، حتى يكون عملنا مقبولاً ، وسعينا مشكوراً ، وحجنا مبروراً ، وذنبنا مغفوراً بتوفيق من الله ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. أوصيكم ونفسي بتقوى الله على كل حال ، فإنها جماع كل خير ووصية الله تعالى للأولين والآخرين ، قال تعالى : {ولقد وصينا الذين أتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}[1] ، وتتحقق تقوى الله عز وجل في امتثال أمره واجتناب نهيه عن إخلاص ومحبة له سبحانه ورغبة في ثوابه ، وحذراً من عقابه ، على الوجه الذي شرعه الله لعباده وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته ، كما قال الله تعالى له : {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}[2] . واعلموا –رحمني الله وإياكم- أن الإخلاص لله في العبادة واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيها ، أصلان أساسيان في صحتها وقبولها ، واستحقاق الثواب عليها –لاسيما في الحج- فلنحرص على ذلك أشد الحرص ، فقد قال الله تعالى : {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً}[3] ، وقال تعالى : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}[4] . ومن الإخلاص لله في العبادة ، أن لا نشرك معه غيره ، أو نصرف شيئاً منها لسواه، وأن نطهرها من الرياء وحب السمعة ، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك ، وهو الذي يقول: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء}[5] ، ويقول لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم : {فاعبد الله مخلصاً له الدين . ألا لله الدين الخالص}[6] ، وقال تعالى : {فويل للمصلين . الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين هم يراءون . ويمنعون الماعون}[7] ، وقال عن المنافقين : {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً} [8] . وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من سَمَّعَ سمع الله به ، ومن يُرائي يرائي الله به))[9] متفق عليه ، يعني من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله سريرته للناس يوم القيامة وفضحه على رؤوس الخلائق . أعاذنا الله وإياكم من خزي يوم الدين. ومن العبادة الدعاء – بل هو أظهر مظاهر العبودية والتضرع لله- فينبغي أن يكون لله وحده ، فلا يُدعى غيره ولا يستعان بأحد سواه ، ولا يلجأ إلا إليه ، ولا يستغاث إلا به ، وفي الذكر الحكيم : {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}[10] ، وقال تعالى : {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون . وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين}[11] وقد جاء في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما : ((... وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف))[12] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وينبغي أن نتحرى في كل أعمالنا سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم ، فهو صلى الله عليه وسلم المتبوع والمقتدى به ، ونتجنب البدع في ديننا ، فالخير في الاتباع والشر في الابتداع . فقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم : ((وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة))[13] رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وقال صلى الله عليه وسلم : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ))[14] متفق عليه . وأوصيكم ونفسي بتحري الحلال في المطعم والملبس والمشرب والنفقة والصدقة ، فإن ذلك يعين على الطاعة ويكون سبباً في قبولها ، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم} [15] ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم }[16] ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟))[17] رواه الإمام أحمد . ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث فضيل بن مرزوق ، فاختاروا لحجكم وعمرتكم نفقة طيبة تعينكم على إجابة الدعاء وقبول الأعمال . وأوصيكم ونفسي بالمحافظة على الصلاة وأدائها جماعة ما استطعتم ، فإنها عماد الدين وفرق ما بين المسلم والكافر وآخر ما يرفع من الدين وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، فمن ضيعها فهو لما سواها من الفرائض والواجبات أضيع ، والله تعالى يقول: {كل نفس بما كسبت رهينة. إلا أصحاب اليمين . في جنات يتساءلون . عن المجرمين . ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع الخائضين . حتى أتانا اليقين . فما تنفعهم شفاعة الشافعين}[18] . والمحافظة كذلك على سائر الفرائض والواجبات من إيتاء الزكاة وصوم رمضان والإحسان إلى الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الأيتام وحسن الجوار وغير ذلك من الواجبات التي يقوم عليها أمر الإسلام ، فمن ضيعها أو تهاون بها أو قصر في أدائها فهو على خطر عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين. وأوصيكم ونفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحكمة والموعظة الحسنة ؛ لقول الله تعالى : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}[19] . ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان))[20] رواه مسلم. فابذلوا النصح لإخوانكم في رفق ولين فما من أمة ضاع فيها هذا الواجب إلا عمها الله بعذاب ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم))[21] رواه الترمذي وقال : حديث حسن، وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم)[22] متفق عليه . وأوصيكم ونفسي بأن نغتنم فرصة وجودنا في حرم الله تعالى بالإكثار من ذكره وشكره وحسن عبادته والتقرب إليه سبحانه بشتى الطاعات والقربات ، فإننا في بلد تضاعف فيه الحسنات وقد فرغنا أنفسنا لذلك ، فلا نضيع أوقاتنا في اللغو واللهو والقيل والقال فإنها تكون حسرات علينا يوم القيامة ، ولنتجنب الجدال والخصام مع الرفقة والأصحاب ، ولا نؤذ إخواننا الحجاج بالمزاحمة عند المناسك وخاصة عند الطواف واستلام الحجر الأسود ورمي الجمرات ، فالله تعالى نهانا عن مجرد الجدال وهو دون هذا الأذى بكثير ، فقال تعالى : {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [23] . وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))[24] متفق عليه . ولا يفوتني في هذا المقام أن أوصي حكام المسلمين بأن يتقوا الله ويحكموا شريعة الله ويقيموا حدوده ، فإنهم مسئولون عن ذلك بين يديه حين يكون الملك له وحده بما ولاهم من أمر عباده ، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل ، ولا يكون عادلاً إلا إذا حكم بما أنزل الله ، والله تعالى قال لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم : {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم}[25] . كما أوصيهم بأن يجتمعوا على كلمة سواء وأن لا يختلفوا فتزول هيبتهم ويطمع فيهم عدوهم كما هو واقع الحال ، والله تعالى يقول : {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}[26] . وأوصي العلماء – وهم أعلام الهدى- أن يجتمعوا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يجمعوا المسلمين على ذلك ، وأن يخلصوا النصح لولاة الأمور ويؤثروا ما عند الله على ما عندهم فما عند الله خير وأبقى ، ويبلغوا رسالة الله ولا يخشوا أحداً سواه. فإذا نصح العلماء واستجاب الأمراء استقامت الأمة على طاعة الله فأعزها الله ومكن لها في الأرض ، وجعلها –بحق- خير أمة أخرجت للناس. وأوصي الأغنياء بأن يبذلوا من أموالهم ويعاونوا إخوانهم الفقراء ، ويمدوا المجاهدين في كل مكان بما يعينهم على قتال عدوهم ، فالله تعالى يقول : {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً}[27] ، ويقول الله تعالى : {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}[28] وإن فاتكم شرف الجهاد بالنفس فلا يفوتكم شرف الجهاد بالمال ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ((من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا))[29] متفق عليه . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع كلمة المسلمين على الحق ويؤلف بين قلوبهم على الهدى ، ويوحد صفوفهم ، وينصرهم على عدوهم ، كما أسأله أن يصلح ولاة المسلمين ويحبب إليهم الإيمان ويزينه في قلوبهم ، ويهيئ لهم البطانة الصالحة التي تذكرهم بالحق وتعينهم عليه ، إنه الموفق لذلك والقادر عليه ، وأن يجعل حجنا مبروراً وسعينا مشكوراً وذنبنا مغفوراً ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
المصدر: موقع الشيخ العلامة إبن باز يرحمه الله.



