- 15 ديسمبر 2006
- 179
- 0
- 0
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- محمد صدّيق المنشاوي
الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ، ورسوله .
¼يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ»[ سورة آل عمران : 102 ] ،
¼يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً»[ سورة النساء : 1 ] ،
¼يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً»[ سورة الأحزاب : 70-71 ] .
أما بعد ،
فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد -r- ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، وبعد ،
فأقدم بين يديكم إخواني كلماتٍ جمعتها من كلام العلماء ، ومن تصانيف البلغاء كواكب الأرض والسماء ؛ لتكون نوراً يستنير به المسلم في هذا العصر المظلم بانتشار البدع ، والخرافات ، وتفرق الأحزاب ، والجماعات ، ويكون على هدىً بما يحمل ، وبصيرةٍ بما يدعو في هذه الأمواج المتلاطمة .
والكلمة بعنوان " مفهوم السلفية المعاصر "
والدافع لهذه الكلمة أسباب منها :
1- جهل كثير من الناس بحقيقة هذه الكلمة " السلفية " .
2- ظن كثير من الناس أن السلفية حزب ، أو تنظيم جديد .
3- الافتراء على من ينتسب إلى السلفية .
4- ادعاء بعض الناس الانتساب إلى السلفية زوراً ، وبهتاناً .
وسينتظم الحديث في هذه الكلمة خلال مطلبين ، وهما كالآتي :
المطلب الأول : حقيقة السلفية ، والمسميات المرادفة لها . ويشتمل على فرعين :
الفرع الأول : التعريف بالسلفية لغة ، واصطلاحاً .
الفرع الثاني : المسميات المرادفة للسلفية ، وأدلة ذلك .
المطلب الثاني : وجوب اتباع مذهب السلف ، والأدلة على ذلك ، ويشتمل على فرعين :
الفرع الأول : واقع الأمة المعاصر .
الفرع الثاني : وجوب اتباع مذهب السلف ، والأدلة على ذلك .
المطلب الأول :حقيقة السلفية ، والمسميات المرادفة لها
الفرع الأول :حقيقة السلفية .
1- تعريف السلفية لغة :
السلفية نسبة مأخوذة من الفعل الماضي سلف ؛ أي مضى وتقدم وسبق ، وسلف الرجل : آباؤه المتقدمون .
قال ابن منظور : " والسلف أيضاً من تقدمك من آبائك ، وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن ، والفضل ، ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح " .
وقد جاء هذا المعنى في بعض من آيات القرآن الكريم منها :
أ- قوله -I- : ¼فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ»[ سورة البقرة : 257 ] .
ب-قوله -I- :¼عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف »[ سورة المائدة : 95 ] .
ت- قوله -I- : ¼قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ»[ سورة الأنفال : 38 ] .
ث- قوله -I- : ¼كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ»[ سورة الحاقة : 24 ] .
ح- قوله -I- : ¼فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ»[ سورة الزخرف : 56 ] .
فهذه الآيات تدل على هذا المعنى ، كما أن الأخيرة منها فيها معنى القدوة .
وورد هذا المعنى في السنة النبوية كما في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة – رضي الله عنها– قالت : " كنَّ أزواج النبي -r- عنده ، ولم يغادر منهن واحدة ، فأقبلت فاطمة – رضي الله عنها – تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله -r- شيئاً ، فلما رآها رحب بها فقال : " مرحباً بابنتي " ثم أجلسها عن يمينه ، أو عن شماله ، ثم سارَّها فبكت بكاءً شديداً ، فلما رأى جزعها سارَّها الثانية فضحكت ، فقلت لها : خصك رسول الله -r- من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين ؟ ، فلما قام رسول الله -r- سألتها ما قال لك رسول الله -r- ؟ قالت : ما كنت أفشي على رسول الله -r- سره . قالت : فلما توفي رسول الله -r- قلت : عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله -r- ؟ قالت : أما الآن فنعم . أما حين سارَّني في المرة الأولى فأخبرني " أن جبريل -u - كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة ، أو مرتين ، وإنه عارضه الآن مرتين ، وإني لا أُرَى الأجلَ إلا قد اقترب ، فاتقي الله ، واصبري فإنه نعم السلف أنا لك "
وفي رواية أخرى : " وإنك أول أهلي لحوقاً بي ، ونعم السلف أنا لك "
قالت : فبكيت بكائي الذي رأيت ، فلما رأى جزعي سارَّني الثانية فقال : " يا فاطمة أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين ، أو سيدة نساء هذه الأمة " قالت : فضحكت ضحكي الذي رأيت " .
فقد استعمل النبي-r-هذه الكلمة بهذا المعنى اللغوي ، والاصطلاحي أيضاً في هذا الحديث كما سيتبين .
2- تعريف السلفية اصطلاحاً :
مصطلح السلفية كما تبين من المعنى اللغوي يطلق على من سبق ، وتقدم ، فهو اصطلاح يختص عند الإطلاق بالصحابة -y- ويشاركهم فيه غيرهم تبعاً ، واتباعاً ؛ ذلك لأن صحبتهم ثبتت للنبي -r- دون مراء ، وهم عدول كلهم بلا استثناء .
قال الإمام القلشاني – رحمه الله - : " السلف الصالح ، وهو الصدر الأول الراسخون في العلم ، المهتدون بهدي النبي -r- الحافظون لسنته ، اختارهم الله -I- لصحبة نبيه -r- ، وانتخبهم لإقامة دينه ، ورضيهم أئمة الأمة ، وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ، وأفرغوا في نصح الأمة ، ونفعها ، وبذلوا في مرضاة الله -I- أنفسهم ، وقد أثنى الله -I- عليهم في كتابه ، ومدحهم ، ومدح أتباعهم ، وتوعد بالعذاب من خالفهم ، واتبع غير سبيلهم " .
وقد تناقل أهل العلم في القرون المفضلة هذا المصطلح للدلالة على عصر الصحابة -y- ، ومنهجهم .
قال الإمام البخاري – رحمه الله - : " بابٌ : ما كان السلف يدخرون في بيوتهم ، وأسفارهم من الطعام ، واللحم ، وغيره " .
وقال الإمام الأوزاعي – رحمه الله - : " اصبر نفسك على السنة ، وقف حيث وقف القوم ، وقل بما قالوا ، وكف عما كفوا عنه ، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم " .
3- السلفية من حيث الزمان :
هذه الكلمة تستعمل للدلالة على خير القرون ، وأولاها بالاقتداء ، والاتباع ، وهي القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية على لسان خير البرية محمد -r- حيث قال : " خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته " .
وعلى هذه الحقبة من الزمن يطلقها علماء العقيدة ، والمنهج ، والحديث ، والفقه .
ومما سبق يتبين : أن هذه الكلمة ليست اصطلاحاً حادثاً في هذا العصر ، وإنما هو اصطلاح ذات جذور أصيلة ثابتة عند أهل السنة والجماعة مذ عهد النبي -r- فهو نعم السلف بلا منازع ، والقدوة المطلقة لكل تابع ، ويطلق على عصر الصحابة -y- دون قيد ، وعلى من تبعهم ، وسار على منهجهم من أهل القرون الأخرى بقيد الصالح ؛ لأن كثيراً من الفرق الضالة قد برزت ، وترعرت في تلك القرون .
وهنا سؤال يطرح نفسه:هل التسمية بالسلفية يعتبر تحزباً ، وهل الانتساب إليها يكون بدعة ، أو عيباً ؟
تقدم بيان هذه الكلمة اسماً ومصلحاً ، وعلى من تطلق ، وبناء عليه يعلم أن السلفية تعلو على آصار الحزبية المميتة ، وتسمو فوق دهاليز السرية المقيتة ؛ لأنها واضحة كالشمس في رابعة النهار ، فليس لها أمير مبايع ، وليس لها قرارات تتبع ، وليس فيها اجتماعات تحت الدهاليز ، ولا داخل الكواليس ، وإنما هي دعوة لدين الله - U- ظهرت بإشراق شمس الإسلام ، وستبقى إلى أن يرث الله الأرض ، والأنام ، فهي نابعة من كتاب الله - U- ، وسنة رسوله -r- بفهم الصحابة الأطهار ، وتابعة لهم ولأولئك الأخيار من خير القرون الذين ورد مدحهم ، واتباع منهجهم في الأخبار ، فمن اتبع سبيلهم ، وسار على نهجهم ، واقتفى أثرهم فهو منتسب إليهم ناج من البوار ، ومن حاد عن طريقهم ، وخالف مهيعهم ، وعارض فهمهم فقد توعِّد بالنار .
فالانتساب إلى السلفية ليست بدعة ، ولا عيباً ، بل هي نسبة تشريف إلى منهج سديد ، وطريق رشيد يجب على المسلم أن يفتخر بها ، وأن يعلنها ؛ لأنه يظهر منهج الصحابة الكرام-y-، والتابعين لهم بإحسان .
وهي ليست اسماً يتسمى به الإنسان ، بل هي نسبة لأولئك القوم الكرام .
فإن علماء الحديث ، والمعتنين بالأنساب يقسمون السماء إلى أنواع أربعة :اسم ، ولقب ، وكنية ، ونسبة .
أما الاسم : فهو تعريف للإنسان نحو : محمد ، وأحمد ، وعمرو ... إلخ .
وأما اللقب : فهو تعريف للإنسان بمهنته ؛ نحو : طبيب ، ومهندس ، ونجار ... إلخ .
وأما الكنية : فهي تعريف للإنسان باسم ابنه الأكبر ؛ نحو : أبو محمد ، أبو أحمد ، أبو عمرو ... إلخ .
وأما النسبة : فهي تعريف للإنسان ببلده ، أو قريته ، أو مذهبه ، أو غير ذلك ، فيقال : فلان فلسطيني ، وفلان مصري ، وفلان شافعي ، وفلان حنبلي ... إلخ .
وهكذا السلفية ، فلان سلفي ؛ أي متبع لمنهج السلف -y- .
تنبيه : كثير من الناس ، وللأسف إذا قيل له : أنت سلفي ؟ يتلعثم ، ولا يتكلم ، وكأن هذه الكلمة فرية يستحق من أجلها المقاطعة ، والعقاب ، أو تهمة يستحق عليها أن يوارى التراب .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " ولا عيب على من أظهر مذهب السلف ، وانتسب إليه ، واعتزى إليه ، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق ، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقاً " .
وبعد هذا العرض والبيان لهذه الكلمة ، وهذه النسبة عليك أيها الأخ الكريم أن تختار لنفسك واحدة من اثنتين لا ثالث لهما :
الأولى : النسبة إلى السلف الصالح ، ومن سار على نهجهم ، واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين عقيدة ، ومنهجاً ، وفقهاً ، وسلوكاً ، وأخلاقاً ، وآداباً .
الثانية : النسبة إلى السلف الطالح ، ومن سار على ضلالتهم من الخلف الذين فرقوا الدين ، وجعلوه شيعاً ، وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون .
فلا أظن عاقلاً صاحب فكر سديد ، وعقل رشيد يريد أن ينأى بنفسه عن الحزبية المقيتة ، والعصبية المميتة إلا أن يختار النسبة الأولى ، ويكون من أصحابها قلباً ، وقالباً ، حقاً ، وحقيقة ؛ ليكون من أهل الفرقة الناجية ن والطائفة المنصورة المستنة بنور النبوة ، السائرة على هدي القرآن الكريم ، والسنة النبوية بفهم أولئك الثلة الطيبين الطاهرين ، لا يحيد عنهم ، ولا يرى لهم بدلاً ، ولا بديلاً .
أولئك أتبـاعُ النبيِّ وحزبُـهُ ولولاهمُ ما كان في الأرض مسلمُ
ولولاهمُ كادت تميـدُ بأهلهـا ولكـن رواسيـها وأوتادُهـا همُ
ولولاهمُ كانت ظلاماً بأهلهـا ولكـن همُ فيهـا بـدورٌ وأنجـمُ
أولئك أصحابي فحيِّ هلاً بهم وحـيِّ هـلاً بالطيبيـنَ وأنعـمُ
الفرع الثاني : المسميات المرادفة للسلفية .
بعد أن ذكرنا مفهوم السلفية ، وحقيقة النسبة ينبغي علينا أن نبين المسميات المرادفة لها حتى يكون المتبع على بينة من أمره ، ويكون المنتسب على بصيرة بدعوته ؛ ليطمئن قلبه فلا يدخل إليه شك ، وتهدأ نفسه فلا يغزوها ريب ، ويرتاح باله فيثلج بذلك الصدر ، ويصدع بدعوته ، ويجهر بها أمام الملأ ؛ لأنه يحمل منهاج النبوة ، ويدعو إلى تلك الدعوة .
فالسلفية لها ألفاظ ، ومسميات مترادفة ، إذا ذكرت السلفية كانت تلك الألفاظ هي المقصودة ، وإذا ذكرت تلك المسميات كانت السلفية هي المعنية .
فإنْ لمْ تَكـنْ هـيَ فَـ أُمُّهَـا غَذَّتْهَـا بِلِبَانَِهَـا
وأول هذه المسميات : الفرقة الناجية :
روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة -t- قال : قال رسول الله -r- : " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفرقت النصارى على إحدى وسبعين فرقة ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " .
وفي رواية أنس وغيره -y- زيادة : " كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة " .
وفي رواية أبي أمامة -t- زيادة : " السواد الأعظم " .
وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاص -y- زيادة : " ما أنا عليه اليوم ، وأصحابي " .
وفي رواية معاوية -t- زيادة : " وإنه سيخرج في أمتي قوم تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ، ولا مفصل إلا دخله " .
سبب التسمية بالناجية : لأنها نجت من الخلاف ، وستنجو بإذن الله - U- من النار ؛ لأنها خرجت عن مفهوم الوعيد في قوله -r- : " كلها في النار " ودخلت في مفهوم الوعد بالنجاة في قوله -r- : " إلا واحدة " حيث استثناها من الفرق الداخلة في النار .
الثاني : الطائفة المنصورة :
روى الشيخان عن معاوية -t- قال : سمعت رسول الله -r- يقول : " لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ، وهم على ذلك " .
وفي حديث عمران بن حصين -t- بلفظ : " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال " .
سبب التسمية بالطائفة المنصورة : والتسمية واضحة من الأحاديث حيث يظهرها الله على الحق ، وينصرها على عدوها .
تنبيه : رواية : " قيل : أين هم يا رسول الله ! قال : في بيت المقدس ، وأكناف بيت المقدس " ضعيفة لم تثبت كما بين ذلك علماء الحديث .
وما من شك ، وما من ريب أن الناجية من الخلاف ، والنار هي المكتوب لها الانتصار من الله العزيز الغفار .
وقد بين أهل العلم هذه العلاقة بين التسميتين في الأحاديث .
الثالث : الغرباء :
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة -t- عن النبي -r- قال : " إن الإسلام بدأ غريباً ، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء " .
وفي الرواية الصحيحة عن ابن مسعود -t- : " قيل : من الغرباء ! قال : الذين يَصْلُحُون إذا فَسَدَ الناسُ " .
وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاص -y- : " أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم " .
سبب التسميةبالغرباء : وهذه واضحة من الحديث ، وهي ملازمة لمسمى الفرقة الناجية ، والطائفة المنصورة ؛لأنها تفضي إلى حقيقة واحدة ، فإن الفرقة الناجية ما كان عليه النبي -r- ، وأصحابه
-y- ، والطائفة المنصورة قلة من الناس ، والغرباء " أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم " ؛ لأنهم متمسكون بما كان عليه النبي -r- ، وأصحابه -y- حيث يظهرون السنة ، ويحاربون البدعة ، فهم محاربون يعيشون في غربة بين أهل الفرق الضالة ، والأراء المنحرفة .
وصدق النبي -r- حين قال : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا ، وأضلوا "
ورحم الله الإمام الأوزاعي إذ قال : " أما إنه ما يذهب الإسلام ، ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد " .
الرابع : أهل الحديث :
وهم من درج على نهج الصحابة -y- ، والتابعين لهم بإحسان في التمسك بالكتاب ، والسنة ، وتقديمهما على كل قول سواء أكان في العقيدة ، أم في العبادة ، أم المعاملة ، أم الأخلاق ، أم السياسة ، أم
أي شأن من شؤون الحياة صغيرها ، وكبيرها ، القائمون بالدعوة إلى الكتاب ، والسنة على فهم سلف الأمة إذ ليس المعنيُّ بأهل الحديث المقتصرين على سماعه ، أو كتابته ، أو روايته .
وقد اتفقت كلمة أهل العلم على أن أهل الحديث هم الطائفة المنصورة ، والفرقة الناجية منهم على سبيل المثال لا الحصر : عبد الله بن المبارك المتوفى سنة 181هـ ، وعلي بن المديني المتوفى سنة 234هـ ، وأحمد بن حنبل المتوفى سنة 241هـ ، ومحمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256هـ ،
وأحمد بن سنان المتوفى سنة 258هـ ، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة 267هـ ، ومحمد بن عيسى الترمذي المتوفى سنة 276هـ ، ومحمد بن حبان المتوفى سنة 354هـ ، ومحمد بن الحسين الآجري المتوفى سنة 360هـ ، ومحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405هـ ، وأحمد بن علي بن ثابت الخطيب النيسابوري المتوفى سنة 463هـ ، والحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة 516هـ ، وعبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة 597هـ ، وأبو زكريا يحيى بن يحيى بن شرف الدين النووي المتوفى سنة 676هـ ، وأحمد بن عبد الحليم بن تيمية المتوفى سنة 728هـ ، وإسحاق بن إبراهيم الشاطبي المتوفى سنة 790هـ ، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ – رحمهم الله تعالى - .
الخامس : أهل السنة والجماعة :
وهذه التسمية ، والنسبة وردت في أحاديث النبي -r- ، وآثار الصحابة -y- .
أما السنة : فقد روى أبو داوود ، والترمذي ، وابن ماجه عن العرباض بن سارية قال : " وعظنا رسول الله -r- موعظة بليغة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقلنا : لعلها موعظة مودع يا رسول الله ! فأوصنا ، قال : " أوصيكم بالسمع ، الطاعة ، وإن عبداً حبشياً ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة ، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ " .
وأما الجماعة : فقد سبق ذكرها في أحاديث الفرقة الناجية ، وقد قال ابن مسعود -t- : " إنما الجماعة ما وافق طاعة الله ، وإن كنت وحدك " .
وجاء ذكرهما عن ابن عباس -t- في قوله -I- : ¼يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ»[ سورة آل عمران : 106].
قال : " تبيض وجوه أهل السنة والجماعة ، وتسود وجوه أهل الفرقة ، والضلالة .
فهؤلاء تمسكوا بالسنة ، ولازموا الجماعة فنسبوا إلى ما ساروا عليه .
المطلب الثاني : وجوب اتباع منهج السلف ، والأدلة على ذلك
الفرع الأول : واقع الأمة المعاصر :
في ظل هذه الأمواج المتلاطمة ، والأفكار الغربية الدخيلة ، وهذه الفرق الكثيرة المتناحرة التي أخبر عنها الصادق المصدوق -r- يقف المسلم الباحث عن الحق وقفة تأمل ، يقلب وجهه في السماء باحثاً عن النجم يضئ له الطريق ، ويعين له الهدف ، ويحدد له الاتجاه ؛ لأن الجو قد تلبد بغيوم الأوهام التي أمطرت وابلها على الأرض المجدبة فأنبتت كفيفاً من الأقوام المتصارعة المتدابرة .
كلٌ يقول : أنا الفرقة الناجية ، وجلهم يقول : أنا الطائفة المنصورة ، وأغلبهم يقول : نحن أهل السنة والجماعة ، كما قال القائل :
كل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك
لكنَّ هذه الدعاوى سرعان ما تنكشف ، وتتبين حقيقتها ، وينقشع عنها ستار الأوهام .
فالدعاوى إن لم يقم عليها بينات فأصحابها أدعياء
لذلك كان من واجب النصيحة للمسلمين ، وإتماماً للموضوع أن نذكر الأدلة من الكتاب ، والسنة ، وكلام أعلام الأئمة على وجوب اتباع منهج سلف الأمة ، وشرعية الانتساب إليهم .
الفرع الثاني : الأدلة على وجوب اتباع مذهب السلف :
لقد تضافرت الأدلة من كتاب الله -I- ، وسنة رسوله -r- ، وأقوال الصحابة الأعلام -y- ومن اتبعهم بإحسان على مدح من اتبع سبيل السلف ، وذم من حاد عن طريقهم ، وهذه أمور مؤتلفة مؤكدة وجوب الرجوع إلى منهج السلف في فهم الدين ، وأنه طريق النجاة ، وطوق الحياة .
أولاً : الأدلة من القرآن :
الدليل الأول : قال الله -I- : ¼ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»[ سورة التوبة : 100 ] .
وجه الدلالة : إن الله - U-أثنى على من اتبع خير البرية الذين -y- ، فعلم أن منهجهم هدى في ذاته ، فمن اتبعهم كان محموداًُ مستحقاً للرضوان ، ولو كان اتباعهم لا يتميز عن غيرهم لما مدح مُتَّبعوهم ، فعلم أيضاً أن مخالفيهم مستحقون للوعيد ، والنار . يوضحه :
الدليل الثاني : قال الله -I- :¼ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً »[ سورة النساء : 115 ] .
وجه الدلالة : إن الله -I-هدد ، وتوعد من يشاقق الرسول ، ويتبع غير سبيل المؤمنين .
والمقصود بالمؤمنين هنا الصحابة -y- الذين شهدوا التنزيل حيث إن الخطاب كان في عصرهم .
وأل التعريف في كلمة " المؤمنين " للعهد ، فهم المعهودون ، والمقصودون في الآية . يوضحه :
الدليل الثالث : قال الله -I- : ¼ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »[ سورة البقرة : 137 ] .
وجه الدلالة : إن الله - U- جعل سبب الهداية ، وشرطه أن يؤمن اليهود بمثل ما آمن به النبي -r- ، وصحابته الكرام -y- ، فمن سار على طريقم فهو مهدي ، ومن تنكب سبيلهم في الإيمان ، والمنهج فإنه في شقاق ، وتبين عقاب الذي يشاقق الرسول ، ويتبع غير سبيل المؤمنين ، فدل على أن منهجهم هو الحق المتبع .
ثانياً : الأدلة من السنة :
الدليل الأول : أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري -t- قال : " صلينا المغرب مع رسول الله -r- ثم قلنا : لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء ، فجلسنا ، فخرج علينا ، فقال : " ما زلتم هنا ؟ " قلنا يا رسول الله صلينا معك ، ثم قلنا : نجلس حتى نصلي معك العشاء ، قال : " أحسنتم ، أو أصبتم " قال : ثم رفع رأسه إلى السماء ، وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء فقال : " النجوم أمنة للسماء ، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء أمرها ، وأنا أمنة لأصحابي ، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي ، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون " .
وجه الدلالة : إن النبي -r- جعل الصحابة أمنة لأمته ، كنسبته لأصحابه ، وكنسبة النجوم إلى السماء حيث إنها تضئ السماء ، وتنير الأرض ، وكذلك النبي -r- هو المرجع للصحابة في معرفة أمور دينهم ، فإذا ذهب النبي -r- حَلَّ الصحابة -y- في تلك المنزلة ، فكانوا هم المرجع في فهم الدين ،
وبيان سنة سيد المرسلين -r- ؛ لأنهم أمنة للأمة المحمدية الذين يحفظون عليهم دينهم ، فثبت بذلك وجوب اتباع فهمهم ، والسير على طريقهم .
الدليل الثاني : أخرج الإمام الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص -y- قال : قال رسول الله -r- : " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفرقت النصارى على
إحدى وسبعين فرقة ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، قيل : من هي يا رسول الله ! قال : ما أنا عليه اليوم ، وأصحابي " .
وجه الدلالة : إن النبي -r- جعل الفرقة الناجية هي السائرة على منهجه -r- ، ومنهج صحابته -y- ؛ لأنه العاصم من النار ، لذلك قال الإمام مالك – رحمه الله - : " لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " .
الدليل الثالث : أخرج الشيخان عن عبد الله بن مسعود ، وعمران بن حصين ، -y- أن النبي -r- قال : " خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته " .
وجه الدلالة : إن النبي -r- شهد للقرون الثلاثة الأولى بالخيرية ، وهذه الخيرية لم تكن خيرية مكان جدران ، وحيطان ، وليست خيرية زمان ، شهور ، وأيام ، أو سنين ، وأعوام ، بل كانت خيرية فهم ، وتطبيق ، واتباع لما عليه خير الأنام محمد عليه الصلاة ، والسلام .
فثبت بذلك أن فهمهم لنصوص الكتاب ، والسنة ، وما كان عليه النبي -r- هو المطلوب الذي ضَلَّ عنه كثير من الناس ، فوقعوا في الفرقة ، والالتباس .
الدليل الرابع : أخرج الإمام أبو داوود ، وغيره عن العرباض بن سارية -t- قال : " وعظنا رسول الله -r- موعظة بليغة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقلنا لعلها موعظة مودع يا رسول الله ! فأوصنا ، قال : " أوصيكم بالسمع ، والطاعة ، وغن عبداًُ حبشياً ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " .
وجه الدلالة : إن النبي -r- أرشد الصحابة -y- للفزع إلى سنته-r- ، والتمسك بها ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين حيث هم سائرون على نهج النبي-r- ، فهي ؛ أي السنة الملاذ للإنسان من الوقوع في الشبهات ، والنجاة له من الوقوع في الشهوات ، لا سيما في وقت الفتن التي كقطع الليل المظلم ، والاختلافات التي مزقت شمل الأمة ، وزعزعت أمنها ، وكيانها .
فثبت بذلك أن منهج السلف من الصحابة ، والتابعين ، وتابعيهم بإحسان هو المنهج الحق المتبع .
الدليل الخامس : أخرج الإمام أحمد في مسنده عن علي -t- لأن النبي -r- قال له : " إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله ... " .
وجه الدلالة : إن المعنى الصحيح ، والفهم السديد للكتاب هو فهم الصحابة -y- ؛ لأن النبي -r- أقرهم على قتال المؤولة الذين يؤلون آيات القرآن حسب أهوائهم ؛ لتوافق مذاهبهم الفاسدة ، وعقائدهم
المنحرفة حيث بين النبي-r- ذلك في حديث الافتراق من رواية معاوية -t- : " وإنه سيخرج في
أمتي قوم تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ، لا يبقى منه عرق ، ولا مفصل إلا دخله " .
فدل ذلك على وجوب الرجوع إلى فهمهم ، والأخذ بأقوالهم .
يوضح ذلك : قوله -I- :¼وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً»[ سورة النساء : 83 ] .
حيث أمر الله -I- بالرد إلى رسول الله -r- أولاً ، وبالرد إلى صحابته -y- ثانياً بدليل قوله : " منهم " أي من الصحابة ؛ لأن الخطاب في عهدهم ، ويدخل في قوله : "منهم " من سار على نهجهم ، واقتفى أثرهم .
وبهذا تندفع الشبهة ، وتنكشف الكربة ، وتتضح الحجة ، وتتبين المحجة في وجوب اتباع تلك الحقبة الأخيار .
ثالثاً : الأدلة من أقوال الصحابة الأعلام ، وتابعيهم الكرام على وجوب اتباع منهج السلف .
الدليل الأول : قال ابن مسعود -t- : " إن الله نظر إلى قلوب العباد فوجد قلب محمد -r- خير قلوب العباد ، فاصطفاه لنفسه ، فابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد -r- ، فوجد أصحابه خير قلوب العباد ، فجعلهم وزراء نبيه -r- يقاتلون على دينه ، فما رآه المسلمون حسناً ، فهو عند الله حسن ، وما رأوه سيئاًَ فهو عند الله سيء " .
الدليل الثاني : قال ابن مسعود -t- : " من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله -r- ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً ، وأقومها هدياً ، وأحسنها حالاً ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه -r- ، وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في آثارهم ، فإنهم على الهدي المستقيم " .
الدليل الثالث : قال الإمام الأوزاعي – رحمه الله - : " اصبر نفسك على السنة ، وقف حيث وقف القوم ، وقل بما قالوا ، وكف عما كفوا عنه ، واسلك سبيل سلفك الصالح ، فإنه يسعك ما وسعهم " .
وبعد هذا العرض أيها الإخوة لحقيقة هذه الكلمة ( السلفية ) وبيان صحة الانتساب لتلك الحقبة من الزمن وهي خير القرون ، وبيان المسميات المرادفة لكلمة السلفية ، ووجوب اتباع منهج السلف في الاعتقاد والمنهج والفقه والاستدلال والأخلاق وغير ذلك ما على المسلم الذي يبحث عن الحق إلا أن يسير على هذا المنهج ويفتخر بانتسابه لخير القرون دون ريب ولا شك .
أيضاً يتبين لنا أن الانتساب ليس بالكلام فقط ، ولا بالمظاهر ؛ إنما يكون بالاتباع والسير على الخطى دون تعصب ولا جمود ، ولا إفراط أو تفريط ويسع المسلم الباحث عن الحق ما وسع سلفه الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - ، وكلما كان المسلم متبعاً كلما كان سلفياً بحق ( أي متبعاً للسلف ) فبذلك ينجو من آصار الحزبيات المقيتة في هذه الدنيا ، وينجو من عذاب الله يوم القيامة .
أسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً .
إنه ولي ذلك والقادر عليه
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
¼يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ»[ سورة آل عمران : 102 ] ،
¼يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً»[ سورة النساء : 1 ] ،
¼يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً»[ سورة الأحزاب : 70-71 ] .
أما بعد ،
فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد -r- ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، وبعد ،
فأقدم بين يديكم إخواني كلماتٍ جمعتها من كلام العلماء ، ومن تصانيف البلغاء كواكب الأرض والسماء ؛ لتكون نوراً يستنير به المسلم في هذا العصر المظلم بانتشار البدع ، والخرافات ، وتفرق الأحزاب ، والجماعات ، ويكون على هدىً بما يحمل ، وبصيرةٍ بما يدعو في هذه الأمواج المتلاطمة .
والكلمة بعنوان " مفهوم السلفية المعاصر "
والدافع لهذه الكلمة أسباب منها :
1- جهل كثير من الناس بحقيقة هذه الكلمة " السلفية " .
2- ظن كثير من الناس أن السلفية حزب ، أو تنظيم جديد .
3- الافتراء على من ينتسب إلى السلفية .
4- ادعاء بعض الناس الانتساب إلى السلفية زوراً ، وبهتاناً .
وسينتظم الحديث في هذه الكلمة خلال مطلبين ، وهما كالآتي :
المطلب الأول : حقيقة السلفية ، والمسميات المرادفة لها . ويشتمل على فرعين :
الفرع الأول : التعريف بالسلفية لغة ، واصطلاحاً .
الفرع الثاني : المسميات المرادفة للسلفية ، وأدلة ذلك .
المطلب الثاني : وجوب اتباع مذهب السلف ، والأدلة على ذلك ، ويشتمل على فرعين :
الفرع الأول : واقع الأمة المعاصر .
الفرع الثاني : وجوب اتباع مذهب السلف ، والأدلة على ذلك .
المطلب الأول :حقيقة السلفية ، والمسميات المرادفة لها
الفرع الأول :حقيقة السلفية .
1- تعريف السلفية لغة :
السلفية نسبة مأخوذة من الفعل الماضي سلف ؛ أي مضى وتقدم وسبق ، وسلف الرجل : آباؤه المتقدمون .
قال ابن منظور : " والسلف أيضاً من تقدمك من آبائك ، وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن ، والفضل ، ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح " .
وقد جاء هذا المعنى في بعض من آيات القرآن الكريم منها :
أ- قوله -I- : ¼فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ»[ سورة البقرة : 257 ] .
ب-قوله -I- :¼عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف »[ سورة المائدة : 95 ] .
ت- قوله -I- : ¼قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ»[ سورة الأنفال : 38 ] .
ث- قوله -I- : ¼كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ»[ سورة الحاقة : 24 ] .
ح- قوله -I- : ¼فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ»[ سورة الزخرف : 56 ] .
فهذه الآيات تدل على هذا المعنى ، كما أن الأخيرة منها فيها معنى القدوة .
وورد هذا المعنى في السنة النبوية كما في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة – رضي الله عنها– قالت : " كنَّ أزواج النبي -r- عنده ، ولم يغادر منهن واحدة ، فأقبلت فاطمة – رضي الله عنها – تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله -r- شيئاً ، فلما رآها رحب بها فقال : " مرحباً بابنتي " ثم أجلسها عن يمينه ، أو عن شماله ، ثم سارَّها فبكت بكاءً شديداً ، فلما رأى جزعها سارَّها الثانية فضحكت ، فقلت لها : خصك رسول الله -r- من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين ؟ ، فلما قام رسول الله -r- سألتها ما قال لك رسول الله -r- ؟ قالت : ما كنت أفشي على رسول الله -r- سره . قالت : فلما توفي رسول الله -r- قلت : عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله -r- ؟ قالت : أما الآن فنعم . أما حين سارَّني في المرة الأولى فأخبرني " أن جبريل -u - كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة ، أو مرتين ، وإنه عارضه الآن مرتين ، وإني لا أُرَى الأجلَ إلا قد اقترب ، فاتقي الله ، واصبري فإنه نعم السلف أنا لك "
وفي رواية أخرى : " وإنك أول أهلي لحوقاً بي ، ونعم السلف أنا لك "
قالت : فبكيت بكائي الذي رأيت ، فلما رأى جزعي سارَّني الثانية فقال : " يا فاطمة أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين ، أو سيدة نساء هذه الأمة " قالت : فضحكت ضحكي الذي رأيت " .
فقد استعمل النبي-r-هذه الكلمة بهذا المعنى اللغوي ، والاصطلاحي أيضاً في هذا الحديث كما سيتبين .
2- تعريف السلفية اصطلاحاً :
مصطلح السلفية كما تبين من المعنى اللغوي يطلق على من سبق ، وتقدم ، فهو اصطلاح يختص عند الإطلاق بالصحابة -y- ويشاركهم فيه غيرهم تبعاً ، واتباعاً ؛ ذلك لأن صحبتهم ثبتت للنبي -r- دون مراء ، وهم عدول كلهم بلا استثناء .
قال الإمام القلشاني – رحمه الله - : " السلف الصالح ، وهو الصدر الأول الراسخون في العلم ، المهتدون بهدي النبي -r- الحافظون لسنته ، اختارهم الله -I- لصحبة نبيه -r- ، وانتخبهم لإقامة دينه ، ورضيهم أئمة الأمة ، وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ، وأفرغوا في نصح الأمة ، ونفعها ، وبذلوا في مرضاة الله -I- أنفسهم ، وقد أثنى الله -I- عليهم في كتابه ، ومدحهم ، ومدح أتباعهم ، وتوعد بالعذاب من خالفهم ، واتبع غير سبيلهم " .
وقد تناقل أهل العلم في القرون المفضلة هذا المصطلح للدلالة على عصر الصحابة -y- ، ومنهجهم .
قال الإمام البخاري – رحمه الله - : " بابٌ : ما كان السلف يدخرون في بيوتهم ، وأسفارهم من الطعام ، واللحم ، وغيره " .
وقال الإمام الأوزاعي – رحمه الله - : " اصبر نفسك على السنة ، وقف حيث وقف القوم ، وقل بما قالوا ، وكف عما كفوا عنه ، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم " .
3- السلفية من حيث الزمان :
هذه الكلمة تستعمل للدلالة على خير القرون ، وأولاها بالاقتداء ، والاتباع ، وهي القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية على لسان خير البرية محمد -r- حيث قال : " خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته " .
وعلى هذه الحقبة من الزمن يطلقها علماء العقيدة ، والمنهج ، والحديث ، والفقه .
ومما سبق يتبين : أن هذه الكلمة ليست اصطلاحاً حادثاً في هذا العصر ، وإنما هو اصطلاح ذات جذور أصيلة ثابتة عند أهل السنة والجماعة مذ عهد النبي -r- فهو نعم السلف بلا منازع ، والقدوة المطلقة لكل تابع ، ويطلق على عصر الصحابة -y- دون قيد ، وعلى من تبعهم ، وسار على منهجهم من أهل القرون الأخرى بقيد الصالح ؛ لأن كثيراً من الفرق الضالة قد برزت ، وترعرت في تلك القرون .
وهنا سؤال يطرح نفسه:هل التسمية بالسلفية يعتبر تحزباً ، وهل الانتساب إليها يكون بدعة ، أو عيباً ؟
تقدم بيان هذه الكلمة اسماً ومصلحاً ، وعلى من تطلق ، وبناء عليه يعلم أن السلفية تعلو على آصار الحزبية المميتة ، وتسمو فوق دهاليز السرية المقيتة ؛ لأنها واضحة كالشمس في رابعة النهار ، فليس لها أمير مبايع ، وليس لها قرارات تتبع ، وليس فيها اجتماعات تحت الدهاليز ، ولا داخل الكواليس ، وإنما هي دعوة لدين الله - U- ظهرت بإشراق شمس الإسلام ، وستبقى إلى أن يرث الله الأرض ، والأنام ، فهي نابعة من كتاب الله - U- ، وسنة رسوله -r- بفهم الصحابة الأطهار ، وتابعة لهم ولأولئك الأخيار من خير القرون الذين ورد مدحهم ، واتباع منهجهم في الأخبار ، فمن اتبع سبيلهم ، وسار على نهجهم ، واقتفى أثرهم فهو منتسب إليهم ناج من البوار ، ومن حاد عن طريقهم ، وخالف مهيعهم ، وعارض فهمهم فقد توعِّد بالنار .
فالانتساب إلى السلفية ليست بدعة ، ولا عيباً ، بل هي نسبة تشريف إلى منهج سديد ، وطريق رشيد يجب على المسلم أن يفتخر بها ، وأن يعلنها ؛ لأنه يظهر منهج الصحابة الكرام-y-، والتابعين لهم بإحسان .
وهي ليست اسماً يتسمى به الإنسان ، بل هي نسبة لأولئك القوم الكرام .
فإن علماء الحديث ، والمعتنين بالأنساب يقسمون السماء إلى أنواع أربعة :اسم ، ولقب ، وكنية ، ونسبة .
أما الاسم : فهو تعريف للإنسان نحو : محمد ، وأحمد ، وعمرو ... إلخ .
وأما اللقب : فهو تعريف للإنسان بمهنته ؛ نحو : طبيب ، ومهندس ، ونجار ... إلخ .
وأما الكنية : فهي تعريف للإنسان باسم ابنه الأكبر ؛ نحو : أبو محمد ، أبو أحمد ، أبو عمرو ... إلخ .
وأما النسبة : فهي تعريف للإنسان ببلده ، أو قريته ، أو مذهبه ، أو غير ذلك ، فيقال : فلان فلسطيني ، وفلان مصري ، وفلان شافعي ، وفلان حنبلي ... إلخ .
وهكذا السلفية ، فلان سلفي ؛ أي متبع لمنهج السلف -y- .
تنبيه : كثير من الناس ، وللأسف إذا قيل له : أنت سلفي ؟ يتلعثم ، ولا يتكلم ، وكأن هذه الكلمة فرية يستحق من أجلها المقاطعة ، والعقاب ، أو تهمة يستحق عليها أن يوارى التراب .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " ولا عيب على من أظهر مذهب السلف ، وانتسب إليه ، واعتزى إليه ، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق ، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقاً " .
وبعد هذا العرض والبيان لهذه الكلمة ، وهذه النسبة عليك أيها الأخ الكريم أن تختار لنفسك واحدة من اثنتين لا ثالث لهما :
الأولى : النسبة إلى السلف الصالح ، ومن سار على نهجهم ، واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين عقيدة ، ومنهجاً ، وفقهاً ، وسلوكاً ، وأخلاقاً ، وآداباً .
الثانية : النسبة إلى السلف الطالح ، ومن سار على ضلالتهم من الخلف الذين فرقوا الدين ، وجعلوه شيعاً ، وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون .
فلا أظن عاقلاً صاحب فكر سديد ، وعقل رشيد يريد أن ينأى بنفسه عن الحزبية المقيتة ، والعصبية المميتة إلا أن يختار النسبة الأولى ، ويكون من أصحابها قلباً ، وقالباً ، حقاً ، وحقيقة ؛ ليكون من أهل الفرقة الناجية ن والطائفة المنصورة المستنة بنور النبوة ، السائرة على هدي القرآن الكريم ، والسنة النبوية بفهم أولئك الثلة الطيبين الطاهرين ، لا يحيد عنهم ، ولا يرى لهم بدلاً ، ولا بديلاً .
أولئك أتبـاعُ النبيِّ وحزبُـهُ ولولاهمُ ما كان في الأرض مسلمُ
ولولاهمُ كادت تميـدُ بأهلهـا ولكـن رواسيـها وأوتادُهـا همُ
ولولاهمُ كانت ظلاماً بأهلهـا ولكـن همُ فيهـا بـدورٌ وأنجـمُ
أولئك أصحابي فحيِّ هلاً بهم وحـيِّ هـلاً بالطيبيـنَ وأنعـمُ
الفرع الثاني : المسميات المرادفة للسلفية .
بعد أن ذكرنا مفهوم السلفية ، وحقيقة النسبة ينبغي علينا أن نبين المسميات المرادفة لها حتى يكون المتبع على بينة من أمره ، ويكون المنتسب على بصيرة بدعوته ؛ ليطمئن قلبه فلا يدخل إليه شك ، وتهدأ نفسه فلا يغزوها ريب ، ويرتاح باله فيثلج بذلك الصدر ، ويصدع بدعوته ، ويجهر بها أمام الملأ ؛ لأنه يحمل منهاج النبوة ، ويدعو إلى تلك الدعوة .
فالسلفية لها ألفاظ ، ومسميات مترادفة ، إذا ذكرت السلفية كانت تلك الألفاظ هي المقصودة ، وإذا ذكرت تلك المسميات كانت السلفية هي المعنية .
فإنْ لمْ تَكـنْ هـيَ فَـ أُمُّهَـا غَذَّتْهَـا بِلِبَانَِهَـا
وأول هذه المسميات : الفرقة الناجية :
روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة -t- قال : قال رسول الله -r- : " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفرقت النصارى على إحدى وسبعين فرقة ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " .
وفي رواية أنس وغيره -y- زيادة : " كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة " .
وفي رواية أبي أمامة -t- زيادة : " السواد الأعظم " .
وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاص -y- زيادة : " ما أنا عليه اليوم ، وأصحابي " .
وفي رواية معاوية -t- زيادة : " وإنه سيخرج في أمتي قوم تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ، ولا مفصل إلا دخله " .
سبب التسمية بالناجية : لأنها نجت من الخلاف ، وستنجو بإذن الله - U- من النار ؛ لأنها خرجت عن مفهوم الوعيد في قوله -r- : " كلها في النار " ودخلت في مفهوم الوعد بالنجاة في قوله -r- : " إلا واحدة " حيث استثناها من الفرق الداخلة في النار .
الثاني : الطائفة المنصورة :
روى الشيخان عن معاوية -t- قال : سمعت رسول الله -r- يقول : " لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ، وهم على ذلك " .
وفي حديث عمران بن حصين -t- بلفظ : " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال " .
سبب التسمية بالطائفة المنصورة : والتسمية واضحة من الأحاديث حيث يظهرها الله على الحق ، وينصرها على عدوها .
تنبيه : رواية : " قيل : أين هم يا رسول الله ! قال : في بيت المقدس ، وأكناف بيت المقدس " ضعيفة لم تثبت كما بين ذلك علماء الحديث .
وما من شك ، وما من ريب أن الناجية من الخلاف ، والنار هي المكتوب لها الانتصار من الله العزيز الغفار .
وقد بين أهل العلم هذه العلاقة بين التسميتين في الأحاديث .
الثالث : الغرباء :
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة -t- عن النبي -r- قال : " إن الإسلام بدأ غريباً ، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء " .
وفي الرواية الصحيحة عن ابن مسعود -t- : " قيل : من الغرباء ! قال : الذين يَصْلُحُون إذا فَسَدَ الناسُ " .
وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاص -y- : " أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم " .
سبب التسميةبالغرباء : وهذه واضحة من الحديث ، وهي ملازمة لمسمى الفرقة الناجية ، والطائفة المنصورة ؛لأنها تفضي إلى حقيقة واحدة ، فإن الفرقة الناجية ما كان عليه النبي -r- ، وأصحابه
-y- ، والطائفة المنصورة قلة من الناس ، والغرباء " أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم " ؛ لأنهم متمسكون بما كان عليه النبي -r- ، وأصحابه -y- حيث يظهرون السنة ، ويحاربون البدعة ، فهم محاربون يعيشون في غربة بين أهل الفرق الضالة ، والأراء المنحرفة .
وصدق النبي -r- حين قال : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا ، وأضلوا "
ورحم الله الإمام الأوزاعي إذ قال : " أما إنه ما يذهب الإسلام ، ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد " .
الرابع : أهل الحديث :
وهم من درج على نهج الصحابة -y- ، والتابعين لهم بإحسان في التمسك بالكتاب ، والسنة ، وتقديمهما على كل قول سواء أكان في العقيدة ، أم في العبادة ، أم المعاملة ، أم الأخلاق ، أم السياسة ، أم
أي شأن من شؤون الحياة صغيرها ، وكبيرها ، القائمون بالدعوة إلى الكتاب ، والسنة على فهم سلف الأمة إذ ليس المعنيُّ بأهل الحديث المقتصرين على سماعه ، أو كتابته ، أو روايته .
وقد اتفقت كلمة أهل العلم على أن أهل الحديث هم الطائفة المنصورة ، والفرقة الناجية منهم على سبيل المثال لا الحصر : عبد الله بن المبارك المتوفى سنة 181هـ ، وعلي بن المديني المتوفى سنة 234هـ ، وأحمد بن حنبل المتوفى سنة 241هـ ، ومحمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256هـ ،
وأحمد بن سنان المتوفى سنة 258هـ ، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة 267هـ ، ومحمد بن عيسى الترمذي المتوفى سنة 276هـ ، ومحمد بن حبان المتوفى سنة 354هـ ، ومحمد بن الحسين الآجري المتوفى سنة 360هـ ، ومحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405هـ ، وأحمد بن علي بن ثابت الخطيب النيسابوري المتوفى سنة 463هـ ، والحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة 516هـ ، وعبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة 597هـ ، وأبو زكريا يحيى بن يحيى بن شرف الدين النووي المتوفى سنة 676هـ ، وأحمد بن عبد الحليم بن تيمية المتوفى سنة 728هـ ، وإسحاق بن إبراهيم الشاطبي المتوفى سنة 790هـ ، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ – رحمهم الله تعالى - .
الخامس : أهل السنة والجماعة :
وهذه التسمية ، والنسبة وردت في أحاديث النبي -r- ، وآثار الصحابة -y- .
أما السنة : فقد روى أبو داوود ، والترمذي ، وابن ماجه عن العرباض بن سارية قال : " وعظنا رسول الله -r- موعظة بليغة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقلنا : لعلها موعظة مودع يا رسول الله ! فأوصنا ، قال : " أوصيكم بالسمع ، الطاعة ، وإن عبداً حبشياً ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة ، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ " .
وأما الجماعة : فقد سبق ذكرها في أحاديث الفرقة الناجية ، وقد قال ابن مسعود -t- : " إنما الجماعة ما وافق طاعة الله ، وإن كنت وحدك " .
وجاء ذكرهما عن ابن عباس -t- في قوله -I- : ¼يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ»[ سورة آل عمران : 106].
قال : " تبيض وجوه أهل السنة والجماعة ، وتسود وجوه أهل الفرقة ، والضلالة .
فهؤلاء تمسكوا بالسنة ، ولازموا الجماعة فنسبوا إلى ما ساروا عليه .
المطلب الثاني : وجوب اتباع منهج السلف ، والأدلة على ذلك
الفرع الأول : واقع الأمة المعاصر :
في ظل هذه الأمواج المتلاطمة ، والأفكار الغربية الدخيلة ، وهذه الفرق الكثيرة المتناحرة التي أخبر عنها الصادق المصدوق -r- يقف المسلم الباحث عن الحق وقفة تأمل ، يقلب وجهه في السماء باحثاً عن النجم يضئ له الطريق ، ويعين له الهدف ، ويحدد له الاتجاه ؛ لأن الجو قد تلبد بغيوم الأوهام التي أمطرت وابلها على الأرض المجدبة فأنبتت كفيفاً من الأقوام المتصارعة المتدابرة .
كلٌ يقول : أنا الفرقة الناجية ، وجلهم يقول : أنا الطائفة المنصورة ، وأغلبهم يقول : نحن أهل السنة والجماعة ، كما قال القائل :
كل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك
لكنَّ هذه الدعاوى سرعان ما تنكشف ، وتتبين حقيقتها ، وينقشع عنها ستار الأوهام .
فالدعاوى إن لم يقم عليها بينات فأصحابها أدعياء
لذلك كان من واجب النصيحة للمسلمين ، وإتماماً للموضوع أن نذكر الأدلة من الكتاب ، والسنة ، وكلام أعلام الأئمة على وجوب اتباع منهج سلف الأمة ، وشرعية الانتساب إليهم .
الفرع الثاني : الأدلة على وجوب اتباع مذهب السلف :
لقد تضافرت الأدلة من كتاب الله -I- ، وسنة رسوله -r- ، وأقوال الصحابة الأعلام -y- ومن اتبعهم بإحسان على مدح من اتبع سبيل السلف ، وذم من حاد عن طريقهم ، وهذه أمور مؤتلفة مؤكدة وجوب الرجوع إلى منهج السلف في فهم الدين ، وأنه طريق النجاة ، وطوق الحياة .
أولاً : الأدلة من القرآن :
الدليل الأول : قال الله -I- : ¼ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»[ سورة التوبة : 100 ] .
وجه الدلالة : إن الله - U-أثنى على من اتبع خير البرية الذين -y- ، فعلم أن منهجهم هدى في ذاته ، فمن اتبعهم كان محموداًُ مستحقاً للرضوان ، ولو كان اتباعهم لا يتميز عن غيرهم لما مدح مُتَّبعوهم ، فعلم أيضاً أن مخالفيهم مستحقون للوعيد ، والنار . يوضحه :
الدليل الثاني : قال الله -I- :¼ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً »[ سورة النساء : 115 ] .
وجه الدلالة : إن الله -I-هدد ، وتوعد من يشاقق الرسول ، ويتبع غير سبيل المؤمنين .
والمقصود بالمؤمنين هنا الصحابة -y- الذين شهدوا التنزيل حيث إن الخطاب كان في عصرهم .
وأل التعريف في كلمة " المؤمنين " للعهد ، فهم المعهودون ، والمقصودون في الآية . يوضحه :
الدليل الثالث : قال الله -I- : ¼ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »[ سورة البقرة : 137 ] .
وجه الدلالة : إن الله - U- جعل سبب الهداية ، وشرطه أن يؤمن اليهود بمثل ما آمن به النبي -r- ، وصحابته الكرام -y- ، فمن سار على طريقم فهو مهدي ، ومن تنكب سبيلهم في الإيمان ، والمنهج فإنه في شقاق ، وتبين عقاب الذي يشاقق الرسول ، ويتبع غير سبيل المؤمنين ، فدل على أن منهجهم هو الحق المتبع .
ثانياً : الأدلة من السنة :
الدليل الأول : أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري -t- قال : " صلينا المغرب مع رسول الله -r- ثم قلنا : لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء ، فجلسنا ، فخرج علينا ، فقال : " ما زلتم هنا ؟ " قلنا يا رسول الله صلينا معك ، ثم قلنا : نجلس حتى نصلي معك العشاء ، قال : " أحسنتم ، أو أصبتم " قال : ثم رفع رأسه إلى السماء ، وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء فقال : " النجوم أمنة للسماء ، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء أمرها ، وأنا أمنة لأصحابي ، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي ، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون " .
وجه الدلالة : إن النبي -r- جعل الصحابة أمنة لأمته ، كنسبته لأصحابه ، وكنسبة النجوم إلى السماء حيث إنها تضئ السماء ، وتنير الأرض ، وكذلك النبي -r- هو المرجع للصحابة في معرفة أمور دينهم ، فإذا ذهب النبي -r- حَلَّ الصحابة -y- في تلك المنزلة ، فكانوا هم المرجع في فهم الدين ،
وبيان سنة سيد المرسلين -r- ؛ لأنهم أمنة للأمة المحمدية الذين يحفظون عليهم دينهم ، فثبت بذلك وجوب اتباع فهمهم ، والسير على طريقهم .
الدليل الثاني : أخرج الإمام الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص -y- قال : قال رسول الله -r- : " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفرقت النصارى على
إحدى وسبعين فرقة ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، قيل : من هي يا رسول الله ! قال : ما أنا عليه اليوم ، وأصحابي " .
وجه الدلالة : إن النبي -r- جعل الفرقة الناجية هي السائرة على منهجه -r- ، ومنهج صحابته -y- ؛ لأنه العاصم من النار ، لذلك قال الإمام مالك – رحمه الله - : " لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " .
الدليل الثالث : أخرج الشيخان عن عبد الله بن مسعود ، وعمران بن حصين ، -y- أن النبي -r- قال : " خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته " .
وجه الدلالة : إن النبي -r- شهد للقرون الثلاثة الأولى بالخيرية ، وهذه الخيرية لم تكن خيرية مكان جدران ، وحيطان ، وليست خيرية زمان ، شهور ، وأيام ، أو سنين ، وأعوام ، بل كانت خيرية فهم ، وتطبيق ، واتباع لما عليه خير الأنام محمد عليه الصلاة ، والسلام .
فثبت بذلك أن فهمهم لنصوص الكتاب ، والسنة ، وما كان عليه النبي -r- هو المطلوب الذي ضَلَّ عنه كثير من الناس ، فوقعوا في الفرقة ، والالتباس .
الدليل الرابع : أخرج الإمام أبو داوود ، وغيره عن العرباض بن سارية -t- قال : " وعظنا رسول الله -r- موعظة بليغة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقلنا لعلها موعظة مودع يا رسول الله ! فأوصنا ، قال : " أوصيكم بالسمع ، والطاعة ، وغن عبداًُ حبشياً ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " .
وجه الدلالة : إن النبي -r- أرشد الصحابة -y- للفزع إلى سنته-r- ، والتمسك بها ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين حيث هم سائرون على نهج النبي-r- ، فهي ؛ أي السنة الملاذ للإنسان من الوقوع في الشبهات ، والنجاة له من الوقوع في الشهوات ، لا سيما في وقت الفتن التي كقطع الليل المظلم ، والاختلافات التي مزقت شمل الأمة ، وزعزعت أمنها ، وكيانها .
فثبت بذلك أن منهج السلف من الصحابة ، والتابعين ، وتابعيهم بإحسان هو المنهج الحق المتبع .
الدليل الخامس : أخرج الإمام أحمد في مسنده عن علي -t- لأن النبي -r- قال له : " إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله ... " .
وجه الدلالة : إن المعنى الصحيح ، والفهم السديد للكتاب هو فهم الصحابة -y- ؛ لأن النبي -r- أقرهم على قتال المؤولة الذين يؤلون آيات القرآن حسب أهوائهم ؛ لتوافق مذاهبهم الفاسدة ، وعقائدهم
المنحرفة حيث بين النبي-r- ذلك في حديث الافتراق من رواية معاوية -t- : " وإنه سيخرج في
أمتي قوم تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ، لا يبقى منه عرق ، ولا مفصل إلا دخله " .
فدل ذلك على وجوب الرجوع إلى فهمهم ، والأخذ بأقوالهم .
يوضح ذلك : قوله -I- :¼وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً»[ سورة النساء : 83 ] .
حيث أمر الله -I- بالرد إلى رسول الله -r- أولاً ، وبالرد إلى صحابته -y- ثانياً بدليل قوله : " منهم " أي من الصحابة ؛ لأن الخطاب في عهدهم ، ويدخل في قوله : "منهم " من سار على نهجهم ، واقتفى أثرهم .
وبهذا تندفع الشبهة ، وتنكشف الكربة ، وتتضح الحجة ، وتتبين المحجة في وجوب اتباع تلك الحقبة الأخيار .
ثالثاً : الأدلة من أقوال الصحابة الأعلام ، وتابعيهم الكرام على وجوب اتباع منهج السلف .
الدليل الأول : قال ابن مسعود -t- : " إن الله نظر إلى قلوب العباد فوجد قلب محمد -r- خير قلوب العباد ، فاصطفاه لنفسه ، فابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد -r- ، فوجد أصحابه خير قلوب العباد ، فجعلهم وزراء نبيه -r- يقاتلون على دينه ، فما رآه المسلمون حسناً ، فهو عند الله حسن ، وما رأوه سيئاًَ فهو عند الله سيء " .
الدليل الثاني : قال ابن مسعود -t- : " من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله -r- ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً ، وأقومها هدياً ، وأحسنها حالاً ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه -r- ، وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في آثارهم ، فإنهم على الهدي المستقيم " .
الدليل الثالث : قال الإمام الأوزاعي – رحمه الله - : " اصبر نفسك على السنة ، وقف حيث وقف القوم ، وقل بما قالوا ، وكف عما كفوا عنه ، واسلك سبيل سلفك الصالح ، فإنه يسعك ما وسعهم " .
وبعد هذا العرض أيها الإخوة لحقيقة هذه الكلمة ( السلفية ) وبيان صحة الانتساب لتلك الحقبة من الزمن وهي خير القرون ، وبيان المسميات المرادفة لكلمة السلفية ، ووجوب اتباع منهج السلف في الاعتقاد والمنهج والفقه والاستدلال والأخلاق وغير ذلك ما على المسلم الذي يبحث عن الحق إلا أن يسير على هذا المنهج ويفتخر بانتسابه لخير القرون دون ريب ولا شك .
أيضاً يتبين لنا أن الانتساب ليس بالكلام فقط ، ولا بالمظاهر ؛ إنما يكون بالاتباع والسير على الخطى دون تعصب ولا جمود ، ولا إفراط أو تفريط ويسع المسلم الباحث عن الحق ما وسع سلفه الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - ، وكلما كان المسلم متبعاً كلما كان سلفياً بحق ( أي متبعاً للسلف ) فبذلك ينجو من آصار الحزبيات المقيتة في هذه الدنيا ، وينجو من عذاب الله يوم القيامة .
أسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً .
إنه ولي ذلك والقادر عليه
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

