إعلانات المنتدى


شَخْصَنة الأفكار

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

الفقير الى ربي

عضو كالشعلة
10 يونيو 2007
453
0
0
الجنس
ذكر
(بسم الل)

# شخصنة الأفكار وانعكاساتها على الفرد والمجتمع :

تعيش الأمم والمجتمعات أطواراً شتى من الحضارة والمدنية تتمثل في نسيج ضخم من الأفكار والسلوكيات والأشياء التي تتقدم أو تتقادم تبعاً لحالة المجتمع الحضارية.
وفي خضم الحراك الفكري والاجتماعي كان لابد أن يعتري هذا النسيج الضخم من الأدواء والأمراض والأوبئة -بحكمه نظاماً مفتوحاً- منها المزمن ومنها الفيروسي (يأتي ويختفي وعلاجه متعسر) ومنها السرطاني ( قاتل) ، وغيرها من الأدواء المختلفة باختلاف المؤثرات والظروف والنظام التي تتم فيه ، وعلاجها يمثل التحدي الأكبر للمصلحين ، كونه يتطلب نوعاً من النباهة والدراية لتشخيص هذا الداء أولاً ، والبدء في إجراء العلاجات اللازمة كتناول جرعة محددة من الدواء ، وقد يكون بالتنويم السريري للمتابعة والملاحظة فترة معينة ، وقد يصل إلى العمليات الجراحية المعقدة والتي تتطلب الكثير من الصبر والتأني ، وينتهي الأمر إلى استخدام الحلول الفتّاكة والفعالة احتمال بتر العضو المصاب خشية أن يؤثر على الأجزاء الأخرى مع ما في هذا الحل من التضحية والأثمان.

من الأمراض الفكرية الاجتماعية التي نود استعرضها : شخصنة الأفكار ..وانعكاساتها على الفرد والمجتمع ، أو- بعبارة توضيحية- عملية إنساب الأفكار إلى الأشخاص التي تمثل رمزاً في ذاك المجتمع الإنساني أو الفكري.
نخوض في مزيد من تعريف شخصنة الأفكار ، واستيضاح معالم هذه القضية عن قرب بالعودة إلى ما قبل الشخصنة ، من خلال المثال التالي : الطفل الصغير كما هو معروف يعمد إلى الأشياء ، ويمارس استدلاله على احتاجاته ومقاييسه من خلال الأشياء – في غالب الأحيان – فمثلا.. "هذا كبير.. بالتأكيد أنه قوي" ، و"هذا ملوّن وشكله جميل.. بالتأكيد أنه ممتع" ، و "هذا حيوان ذو أنياب ومخالب ووجه متوحش .. بالتأكيد أنه مخيف ومرعب" وهكذا في سلسلة من الاستنتاجات ، وكثيراً ما تستخدم الأفلام الكرتونية للصغار –كما يستخدمه التربويون- هذا الترميز في خدمة قضية الفيلم ، فالبطل هو ذو القوة الخارقة والشكل الكبير والسيف الناري ، والمعجزات الخارقة... (بالتأكيد أنه يستطيع فعل "كل" شيء!) ، فهو يقيس من خلال الأشياء. فإذا ما تقدم هذا الطفل في السن وانتفل أطواراً وعرف ما حوله وحاور وأصبح اتصاله واحتكاكه بمن حوله أكبر ، انتقل إلى الأشخاص ومارس عن طريق الأشخاص طريقة القياس والتقييم و"تعديل" مقاييسه الذاتية ، وسيعرف أن ذاك الشيء الكبير ليس قوياً بالضرورة ، وأن الملون والجميل ليس ممتعاً بالضرورة ، وأن الحيوان ذو الأنياب والمخالب ليس مرعباً بالضرورة ، وهكذا في عملية تلقائية تنمو بالاحتكاك والتجربة ، ويصبح عندها مديناً في تعديلها إلى مَن حوله ، فحينما يخبره أحد أصدقائه بأمر ما تجد أن مرشحاته العقلية مُغَيّبة فيصدقه بكل سهولة ، وهكذا حينما يسمع لاعبه المفضل يتحدث عن أمر ما حتى لو كان خارج إطار تخصصه ، فقيمة الأفكار التي يقولها تكتسب من قيمة قائلها ومعتنقها الشيء الكثير ، يعني أن قيمة الأفكار التي لديه اكتسبت من قيمة "الرمز" الذي يحملها الكثير ( وبالتالي فقيمة الرمز أكبر ) . بشرط أن يحوز هذا "الرمز" على ثقة الفرد وعلى حبه - وحصول هذه الثقة ومنشؤها ليس موضوعنا - ولذلك تجد الآباء يُعانون مع أبنائهم في عدم تقبلهم لما يقولون وكثيراً ما يتقبلونه رهبة لا رغبة ، وتمرد كثير من الأبناء على الآباء في جزء كبير منه يعود إلى هذا الأمر –كما أظن-.
يقوم المجتمع بدور مماثل لدور هذا الفرد ، في شخصنة الأفكار – الأفكار الفعالة خاصة – فالفكرة ليس ذات قيمة كفكرة مستقلة ، إنما "الرمز" الفلاني يكسب الفكرة قيمتها عند طائفة من المجتمع ، و"الرمز" الآخر يكسب الفكرة الأخرى قيمتها عند طائفة أخرى ، وهكذا يبدأ صراع الرموز (المتناقضة) داخل المجتمع ، ويصبح لسان الحال -من بعيد- : الأقوى رأياً والأصوب حكماً هو الأكثر شعبية ، في تغييب مخيف لدور الفكرة الأساسي لدى أفراد المجتمع ، وأصبح الرموز هم المجتمع الحقيقي أو أبسط نسبة عددية صحيحة للمجتمع ! وما قاعدة الهرم إلا نقاطاً مضاعفة من رأسه ، ربما يبدو شيئاً من المبالغة في هذه النقطة لكن – حتماً – الحقيقة لن تذهب بعيداً.
تبدو مشكلة شخصنة الأفكار – بشكل يشبه التحدي – ويصل نتنها إلى المسرح الاجتماعي حينما تتعارض فكرة ما مع ثقافة المجتمع ، يتولى إثارتها طائفة من الناس ، جاعلين من الرموز دروعاً واقية لهم من الضربات والقصمات التي تقصم ظهورهم حتماً فيما لو كانوا بدون رمز.
وعلى مستوى الفرد ، فشخصنة الفكرة من أبرز أسباب النمطية وغرس الرؤية الأحادية والنظرة الإقصائية ، خاصة إذا اجتمعت عدة أفكار ذات نسيج متشابه تجعل من الفرد آلة متحركة ودمية تمشي تلقاء نفسها ، ومبلغ عن رمزه فحسب ، ومدافع عنه ، بل ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى "تبرئته" من الأخطاء إطلاقاً سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وإن كانت الثانية الأكثر حدوثاً –والكل يعرف ذلك- ، خاصة في المجتمعات التي يوجد فيها نوعاً من التديّن الزائف ، وفي الحقيقة هذا الفرد مجرد نسخة زائدة لا دور لها في الحياة إلا بما يملأ الحيز الذي يشغله جسده.. وفي إيجاده لله حكمة.
أستطيع أن أقول : إننا حينما ننقل أفكارنا مُشَخْصَـنة هذا يعني ممارستنا - وبلغة أكثر شفافية – الهروب من المسؤولية الفكرية ، مسؤولية الكلمة ، التي يجب أن تكون مطبوعة في أفكار الفرد والمجتمع ، والتي تضمن للفرد والمجتمع مع عوامل أخرى حضارة واعدة أكثر إشراقاً.
ما لم يملك الفرد –كوحدة أساسية للمجتمع- الحريّة الفكرية ، والعقل المجرد للبحث في الحقائق بلا أثمان اجتماعية ولا سندات مسبوقة الدفع ولا مؤجلة ، فلن يجد المجتمع نفسه بعد أمد طويل إلا بين أحضان الكتب وعلى أرفف المكتبات ، أو وجد نفسه مجتمعاً عربياً !!! ، وإذا لم تعد للفكرة الاجتماعية قيمتها الذاتية كفكرة ، ودخلت فيها لفحات ونفحات من قدسيات ولعنات شتى ، وصار الحق يًـقوّم بالأشخاص وليس الأشخاص من يقوّمون الحق ، وصارت الحقيقة "هي التي توجد عند فلان" ، وليس فلان هو الذي يؤمن بها ، فلن يشتم المجتمع أنف التقدم والتحضر يوماً ما.
وسيُدفع الثمن الباهظ يوم أن يقع "الرمز" في خطأ ما – ببشريته-، فيسري هذا الخطأ في أفراد المجتمع دون أن يشعروا بشيء من الإثم الذي لحقهم ، لسبب –ولمرة أخرى- أن قيمة هذا الخطأ –كفكرة- مُكتسبة من قيمة الرمز فتصبح الفكرة صحيحة ! ، ويبرز بُهظ الثمن حين تأتي الفكرة - من الجانب الآخر- حينما يأتي الصواب ، فتصبح قيمة الصواب – كفكرة – مكتسب من قيمة "الرمز الآخر" المناقض فتصبح الفكرة عند ذلك خاطئة ! ، وهكذا تذوب ظواهر الحقيقة في صراع الرموز المتناقضة.


منقول
______________________

41645894.jpg


رحم الله اخي معاد
 

أم نيره

مزمار كرواني
9 يوليو 2007
2,786
2
0
القارئ المفضل
عبد الباسط عبد الصمد
رد: شَخْصَنة الأفكار

موضوع رائع وشيق اخى الفاضل

والحقيقة نحن نعطى للشخصية التى نريد ان نقدرها اكثر من حقها وعندما يقع هذا الشخص فى خطاء او ذله لسان نجد الهجوم المتواصل عليه فيجب علينا التعامل بوسطية لا بحدة
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع