إعلانات المنتدى


بين عـــــــــــــــــــــالم وشاعر للإبراهيمي رحمه الله

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

الطيبي82

مزمار ألماسي
12 سبتمبر 2007
1,826
14
0
الجنس
ذكر
بسم الله الرحمــــــــــــــن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


بين عالم وشاعر

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي

وقصة هذه المقالة أن مكاتبة خاصة دارت بين الشيخ الإبراهيمي وشاعر الشباب في الجزائر آنذاك محمد العيد الخليفة الذي أصبح فيما بعد شاعر الجزائر؛ حيث كتب الشاعر محمد العيد قصيدة تحمل معاني اليأس، والبؤس؛ بسبب طائف طاف به، وقد نشرت تلك القصيدة في مجلة الشهاب الجزء الثاني المجلد الثاني عشر ماي 1936 ص 74 تحت عنوان ( زفرات ) فلما قرأها الشيخ البشير كتب رسالة إلى الشاعر، ثم رد عليه الشاعر بقصيدة؛ فإليك كتاب العالم، ثم جواب الشاعر:






كتاب العالم

الحمد لله وحده
تلمسان يوم 3 صفر 1355
إلى ولدي الروحي الأستاذ محمد العيد
ولدي:
طالما قرأت في وجهك الشاحب آيات الحزن، وتلمحت في قسماتك دلائل الهم والأسى، وكم حَرَّكْتُك بمعاريض من القول علني أستبين شيئاً من حقيقة هذا الهم الدفين الذي تنطوي عليه أحناؤك وهذا الأسى المبرح الذي أعلم أنك تقاسيه.
فكنت كمن يستجلي المعنى الدقيق من اللفظ المعقّد، وإن بين التعقيد ونفوس الشعراء (( الأتقياء )) نسباً وثيقاً.
ويا لله للنفوس الشاعرة التقية وما تلاقيه من عناء مُمضٍّ يتقاضاها الشعر إطلاقاً، فيتقاضاها التقى تقييداً … لها الله فماذا تفعل؟!
أتظن أننا جاهلون بهذه المنازع العجيبة التي تنزعها في شعرك وبمناشئها من نفسك؛ فاحمد الله على أن في قومك من يعرفها ويتذوقها ويطرب لها…
ما لهذه النفس الكبيرة في هذا الهيكل الصغير يهفو بها الشعر في مضطربه الواسع فلا يبلغ مداه حتى يقول:

خلا القلب من حب العباد وبغضهم * وأصـبح بـيتاً لـلذي حرم البيتا

ويقول: وتبت يارب تبت
ويقول اليوم:

ولولا رجاء الذي * إلـيه أنـا زالف

إنها والله، لنَزوة الشعر تعتلج في الفؤاد بنزعة التقى.
طالما سمعت منك كلمة (( اليأس ))، وبودي أن لا أسمعها منك مرة أخرى؛ لأنني أعدها غميزة في شاعريتك.
ولولا شذوذ نعرفه في نفوس الشعراء كأنه من معاني كمالهم لما صدّقنا باجتماع اليأس والشعر، وكيف ييأس الشاعر وهو ملك مملكة الآمال وسلطان جو الخيال؛ فإن كان تقياً رجع من (( رجاء الله )) إلى ما لا يحدّ له أمد؛ فكيف تيأس نفس الشاعر لولا ذلك الشذوذ؟
لقد قال أولكم:

حرك مناك إذا اغتم * مـت فإنهن مراوح

وما قالها لغيره إلا بعد أن جربها في نفسه؛ فلا تيأس يابني، ولا تكذب إمامك الذي يقول:
خُلِقَ الشاعرُ سمحاً طرباً
قرأت زفراتك هذه الساعة في الشهاب وأنا طريح الفراش، أعالج زكاماً مستعصياً ونزلة شعبية، وسعالاً مزمناً، وأولاداً يطلبون القوت أربع مرات في اليوم، وتلاميذ يطلبون الدرس سبع مرات في اليوم والليلة؛ فقلت: وهذه أخرى.
إن ولدنا هذا لذو حق، وكتبت لك هذه الكلمات كما يكتب الأب الشفيق إلى ولده الرفيق.
وعسى أن يكون فيها ترويح لخاطرك.
محمد البشير الإبراهيمي


جواب الشاعر

أبي (( البشير )) سلامٌ * زاكٍ وشــوقٌ كـبيرُ
لا زلـت فـينا iiمناراً * بـضـوئه iiنـسـتنير
وافـى كـتابُك iiيهدي * إلـى الـمنى iiويـشير
تـذكو الـعبارة فـيه * مـا ليس يذكو iiالعبير
إذا فــؤاديَ iiســالٍ * بـه وطَـرْفي iiقـرير
قَـدِ ارتـددت iiبصيرا * فكيف يغوى iiالبصير؟
قـميص يـوسف iiألقى * بـه عليَّ ( البشير ) ii!
يـا آسيَ اليأسِ iiزدني * كـشفاً فـأنت خـبير
الـيأس داءٌ iiعـسيفٌ * والـبرء مـنه iiعسير
فَـرَّجت عن iiمستطار * بــلاؤه iiمـسـتطير
وكـدت تجلو iiضميري * لو كان يجلى iiالضمير!
فـليس يـجزيك عني * إلا الإلــه iiالـقـدير
غـفرانه لِـمَ iiيَـشْقَى * في الخلق جمٌّ غفير! ii؟
شـقّ الـمرائر iiإرْبـا * هـذا الـشقاء iiالمرير!
كـم لـلمعافَينَ جـارٌ * مـن بـوسه iiيستجير
يـرى كـجذلان حـرٍّ * وهـو الأسيف iiالأسير
يـا لاهج الذكر iiباسمي * والـجاحدون iiكـثير!
لا بـاد فـينا لك iiاسم * ولا انـقضى لك iiخير
عـفواً فـإن iiيـراعي * عـيٌّ وبـاعي قصير
عـفواً فـما لي iiجناح * بــه إلـيـك أطـير
لا قَـفْوَ إثـرَ iiسَـريٍّ * فـوق الـثريا iiيـسير
نـفـحتني بـخـطاب * كـالزهر وهو iiنضير
فـهـل تـعير iiبـياناً * لـرده هـل iiتـعير؟؟
يـعيا الـفرزدق iiعما * تـقـولـه وجـريـر
يا واصفَ الخيرِ iiزدني * من وصف ما تستخير
يـدق بـين iiضلوعي * قـلب كـسيف iiكسير
أخـشى عـليه iiانتكاسا * والانـتـكاس خـطير
صِفْ وصفة ليَ أخرى * فـيها الـشِّفاء الأخير

محمد العيد

مقالة في 1 / 277 من الآثار
 

آل البيت

مزمار داوُدي
19 يونيو 2007
4,562
13
38
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
سعد سعيد الغامدي
علم البلد
رد: بين عـــــــــــــــــــــالم وشاعر للإبراهيمي رحمه الله

الله الله الله ، ما هذا الكلام الرائع ، جزالة اللفظ وقوة التعبير لكلا من الإثنين ، بارك الله فيك يا طيبى وطيب الله مثزاك فى الدنيا والأآخرة .
 

الوهراني

مزمار داوُدي
26 أبريل 2008
3,836
27
48
الجنس
ذكر
رد: بين عـــــــــــــــــــــالم وشاعر للإبراهيمي رحمه الله

ما شاء الله
علم بديع و أدب رفيع
جزاك الله خيرا أخي الطيبي و رحم الله أعلام الجزائر
( توقيعك رائع جدا أخي الطيبي )
 

عبيد الجزائري

مزمار ألماسي
13 مارس 2007
1,867
1
38
الجنس
ذكر
رد: بين عـــــــــــــــــــــالم وشاعر للإبراهيمي رحمه الله

بارك الله فيك أخي الطيبي
والحمد لله أن كان هؤلاء من سلفنا
 

عبيد الجزائري

مزمار ألماسي
13 مارس 2007
1,867
1
38
الجنس
ذكر
رد: بين عـــــــــــــــــــــالم وشاعر للإبراهيمي رحمه الله

(( مناجاة مبتورة لدواعي الضرورة ))

وقد قدم لهذه المقامة تلميذ البشير الأستاذ محمد الغسيري؛ فإليك شيئاً من مقدمة الغسيري، ثم مقامة البشير:

يقول الغسيري:

الوفاء قليل في البشر، وأوفى الأوفياء من يفي للأموات؛ لأن النسيان غالباً ما يباعد بين الأحياء وبينهم، فيغمطون حقوقهم، ويجحدون فضائلهم.

وما رأينا في حياتنا رفيقين جمع بينهما العلم والعمل في الحياة، وجمع بينهما الوفاء حين استأثر الموت بأحدهما - مثلما رأينا إمامي النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، رحم الله الميت، وأمد في عمر الحي حتى يحقق للجزائر أمنيتها.

من أعلى ما امتاز به أستاذنا الجليل، ورئيسنا الأكبر، محمد البشير الإبراهيمي من شرف الخلال ( نكران الذات ) فهو لا يزال يعمل الأعمال التي تعجز عنها الجماعات وتنوءُ بها العُصَب، وهو مع ذلك لا ينسب الفضل إلا لإخوانه ورفقائه الأموات والأحياء.

يصرح بذلك في خطبه الدينية، ومحاضراته الجامعة، ويقول: إن كل فضل في هذه الحركة العلمية النامية يرجع إلى جمعية العلماء، وإنه لولا جمعية العلماء لما كان هو.

ونحن - أبناءه - نشهد، وإخوانه يشهدون أنه لولا علمه، ولسانه، وصبره وتأثيره الذي يشبه السحر - لما كانت جمعية العلماء، ولولا براعته في التصريف والتسيير لما سار لجمعية العلماء شراع في هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن.

مات ابن باديس، في حين كان رفيقه في الجهاد وقسيمه في العلم والعمل محمد البشير الإبراهيمي منفيّاً في قرية ( آفلو ) من الجنوب الوهراني، بحيث لم يحضر دفنه، ولم يؤبّنه بكلمة، فعوّض ذلك برسائل تعزية كتبها إلى إخوانه بثَّ فيها حزنه للمصيبة، وصوّر فيها آثارها، ولم تنسه الفجيعة ما يجب من النصائح بالثبات، واستمرار السير، فجاءت رسائلَ من ذلك الطراز الساحر الذي لا يحسنه إلا الإبراهيمي، ولا أدري أيحتفظ إخواني بتلك الرسائل الفنية أم ضيّعوها؟!

ولما مضت على موت الأستاذ سنة، ورفيقه لا يزال في المنفى، أرسل الرئيس الجليل من منفاه هذه المقامة؛ فأبكت العيون، وجدّدت الأسى.

رغبنا إلى أستاذنا أن ننشر هذه المقامة فأذن - أبقاه الله - بعد امتناع؛ لأن أستاذنا - حفظه الله - لا يرى السجعَ معبّراً عن النوازع العميقة، وإن كان هو إمامَ العصر بلا منازع في هذه الطريقة الأندلسية البديعة التي لا يحسنها إلا من جمع بين الطبع والصنعة، وملك أزمة اللغة والغريب …

وحلّت في الأخير رغبتنا منه محل القبول، حرصاً على هذه المقامة أن تضيع إن لم تسجل، وكم نفائس مثل هذه المقامة، وكم من رسائل، وكم من تحف فنية من أدب الهزل والنكتة، وكم من ملاحم شعرية، بلغت الآلاف من الأبيات! ما زالت مطمورة في أوراق الأستاذ، وفي حافظته العجيبة.

وإذا لم يحرص أمثالنا من تلامذة الأستاذ على استخراجها ونشرها ضاعت، وخسر الأدب والعلم خسارة لا تعوّض، وهاهي ذي المقامة الباديسية، وننبِّه إلى أن الأستاذ حذف منها كثيراً مما لا تسمح الظروف بنشره.
تلمسان
محمد الغسيري

وإليك أيها القارئ الكريم نص المقامة :

(( مناجاة مبتورة لدواعي الضرورة ))

سلام يتنفس عنه الأقاحُ بإزهاره وإيراقه، ويتبسم عنه الصباحُ بنوره وإشراقه.

وثناءٌ يتوهج به من عنبر الشجر عبيرُه، ويتبلج به من بدر التمام على الركب الخابط في الظلام منيره.
وصلوات من الله طهورها الروح والريحان وأركانها النعيم والرضوان، وتحيات زكيات تتنزل بها - من الملأ الأعلى - الملائكة والروح، ونفحات ذكيات تغدو بها رسل الرحمة وتروح، وخيرات مباركات يصدّق برهانُ الحقِّ قولَها الشارحَ بفعلها المشروح.

وسلام من أصحاب اليمين، وغيوث من صوادق الوعود، لا صواعق الرعود لا تخلف ولا تمين، وسحائب من الرحمات تنهل سواكبها، وكتائب من المبشرات تزجى مواكبها، وسوافح من العبرات تنحلّ عزاليها، ولوافح من الزفرات تسابق أواخرها أواليها على الجدث الذي التأمتْ حافَّتاه على العلم الجم والفضل العد، ووارَى ترابُه جواهرَ الحِجا والذكاء والعزم والجد، وطَوى البحرَ الزخار في عدة أشبار، فأوقف ما لا حدّ له عند حد، واستأثر بالفضائل الغُزْر، والمساعي الغرّ، والخلال الزُّهر، فلم يكن له في الأجداث ند، وأصبح من بينها المفردَ العلم كما كان صاحبه في الرجال العلمَ الفرد.

وسلام على مشاهدَ كانت بوجوده مشهودة، وعلى معاهد كانت تحت ظلال رعايته وتعهّده عليها ممدودة، وعلى مساجد كانت بعلومه ومواعظه معمورة، وعلى مدارس كانت بفيضه الزاخر، ونوره الزاهر مغمورة، وعلى جمعيات كان شملها بوجوده مجموعاً، وكان صوته الجهير كصوت الحق الشهير مدوّياً في جنباتها مسموعاً.
مشاهد كان يراوحها للخير والنفع، وكانت آفاقها بأنواره مسفرة، ومعاهد كان حادي زُمَرها إلى السلم، وهادي نُزَّاعها إلى الإحسان والعلم؛ فأصبحت بعده مقفرة.

ومدارس، ما مدارس؟ مَهَدها للعلم والإصلاح مغارس، ونَصَبَها في نحور المبطلين حصوناً ومتارس، وشيّدها للحق والفضيلة مرابطَ ومحارس.

وسلام على شيخه الذي غذّى وربّى، وأجاب داعيَ العلم فيه ولبّى، وآثر في توجيهه خير الإسلام، فقلّد الإسلام منه صارماً عضباً، وفجّر منه للمسلمين معيناً عذباً، فلئن ضايقته الأيامُ في حدود عمره - فقد أبقت له منه الصيت العريض، والذكر المستفيض، ولئن سلبته الحلية الفانية فقد أَلْبستْه من مآثر حُلل التاريخ الضافية، ولئن أذاقتْه مرارة فقده فقد متّعته بقلوب أمّة كاملة، ولئن حرمته لذة ساعات معدودة فقد أسعدته به سعادةً غير محدودة.
وسلام على إخوان كانوا زينة ناديه، وبشاشةَ واديه، وكانوا عمَّار سامره، والطِّيبَ المتضوع من مجامره، والجوارحَ الماضيةَ في تنفيذ أوامره.

وسلام على أعوان كانوا معه بناة الصرح، وحماة السرح، وكانوا سيوف الحق التي بها يصول، وألسنة الصدق التي بها يقول.

أبت لهم عزة الإسلام أن يضّرعوا أو يذلّوا، وأبتْ لهم هداية القرآن أن يزيغوا عن منهاجه أو يضلّوا، تشابهت السبل على الناس فاتخذوا سبيل الله سبيلاً، وافترق الناس شيعاً فجعلوا محمداً وحزبه قبيلاً.
ولقد أقول على عادة الشعراء - وما أنا بشاعر - لصاحبين من تصوير الخيال أو من تكييف الخَبال، تُمثِّلهما الخواطر تمثيلَ صفاء، وتقيمهما في ذهني تمثالَ وفاء: بكِّرا صاحبي فالنجاح في التبكير، وما على طالب النّجْح بأسبابه من نكير، تنجحا لصاحبكما طِيةً، لا تبلغ إلاّ بشد الرحل وتقريب المطية، فقد خُتِمت - كما بُدئت - الأطوار، بدولة الرحال والأكوار، فادفعا بالْمهريّة القُوْد في نحر الوديقة الصيخود، ولا تخشيا لذع الهواجر، وإن كنتما في شهري ناجر، ولا يهولنَّكما بُعْدُ الشُّقة، وخيال المشقَّة، ولا الفلَواتُ يُصِمّ صداها، ويقصر الطرف عن مداها، ولا السراب يترجرج رقراقُه، ويخدع الظامئ المحرور مُراقُه.

سيرا - على اسم الله - ¬في نهار ضاح، وفضاء منساح، ضاحك الأَسَرَّة وضَّاح، وتخلَّلا الأحياءَ؛ فستجدان لاسم مَنْ تَنْتَجعانِه ذكراً ذائعاً في الأفواه، وثناءً شائعاً على الشفاه، وأثراً أزكى نماءً وأبقى بركةً على الأرض من أثر الغمام المنهل، فإذا مَسّكُما الملالُ أو غشّى مطيّكما الكلالُ، فاحدوا بذكراه ينبعث النشاط، وينتشر الاغتباط، وتَغْنيا بها عن حمل الزاد، ومَلءِ المزاد، وتأمنا غوْل الغوائل، من أفناء دراج ونائل.

سيرا - روحي فدائكما من رضيعي همة، وسليلي منجبة من هذه الأمّة - حتى تدفعا في مَسِيَّ خامسٍ، له يوم الترحل خامس، إلى الوادي الذي طرّز جوانبه آذار، وخلع عليه الصانع البديع من حَلْي الترصيع، وحلل التفويف والتوشيع ما تاه به على الأودية فخلع العذار.

وأتِيا العُدوة الدنيا فثمَّ المنتجعَ والمرَاد، وثمّ المطلب والمراد، وثمّ محلة الصدق التي لا يصدر عنها الوُرّاد، وثمّ مناخ المطايا على حُلاّل الحق، وجيرة الصدق، وعُشراء الخلود، الذين محا الموت ما بينهم من حدود، اهتفا فيها بسكان المقابر عني:

مـا للمقابر لا تُجيب الداعي * أوَ ما استقلَّت بالسميع الواعي

وخصّا القبر الذي تضمّن الواعيَ السميع، والواحدَ الذي بذّ الجميع، فقولا له عني:
يا قبر، عزَّ على دفينك الصبر، وتعاصى كسرُ القلوب الحزينة على من فيك أن يُقابَل بالجبر، ورجع الجدال إلى الاعتدال بين القائلين بالاختيار والقائلين بالجبر.

يا قبر، ما أقدر الله أن يطويَ عَلماً ملأ الدنيا في شبر!

يا قبر، ما عهدنا قبلك رمساً، وارى شمساً، ولا مساحة، تكال بأصابع الراحة، ثم تلتهم فلكاً دائراً، وتحبس كوكباً سائراً.
يا قبر، قد فصل بيننا وبينك خط التواء لا خط استواء، فالقريب منك والبعيد على السواء.
يا قبر، أتدري من حويت؟ وعلى أي الجواهر احتويت؟ إنك احتويت على أمة، في رمّة، وعلى عالَم في واحد.
يا قبر، أيدري مَنْ خطّك، وقاربَ شطّك، أي بحر ستضُم حافتاك؟ وأي معدن ستزن كفتاك؟ وأيَّ ضرغامةِ غابٍ ستحتبل كفتاك؟ وأي شيخٍ كشيخك؟ وأي فتى كفتاك؟ فويح الحافرين ماذا أودعوا فيك حين أودعوا؟ وويح المشيعين ماذا شيعوا إليك يوم شيّعوا؟ ومن ذا ودّعوا منك إذ ودّعوا؟ إنهم لا يدرون أنهم أودعوا بنَّاء أجيال في حفرة، وودَّعوا عامر أعمال بقفرة، وشيعوا خِدَن أسفارٍ، وطليعة استنفارٍ إلى آخر سَفْرة.
يا قبر، لا نستسقي لك كل وطفاء سكوب، تهمي على تربتك الزكية وتصوب، ولا نحذو في الدعاء لك حذو الشريف الرضي، فنستعير للنبت جنيناً ترضعه المراضع، من السحب الهوامع، تلك أودية هامت فيها أخيلة الشعراء، فنبذتهم بالعراء، وزاغوا بها عن أدب الإسلام ومنهاجه، وراغوا عن طينته ومزاجه، بل تلك بقية من بقايا الجهل، ما أنت ولا صاحبك لها بأهل.

قولا لصاحب القبر عني: يا ساكنَ الضريح، نجوى نِضْوٍ طليح، صادرةً عن جفن قريح، وخافق بين الضلوع جريح، يَتَأَوَّبُهُ في كل لحظةٍ خيالُك وذكراك، فيحملان إليه على أجنحة الخيال من مسراك اللهب والريح، وتؤدي عنهما شؤونه المنسربة، وشجونه الملتهبة، وعليهما شهادة التجريح.

إن من تركت وراءك، لم يحمد الكرى فهل حمدت كراك؟ وهيهات، ما عانٍ كمستريح!
يا ساكن الضريح، أأكني؟ أم أنت كعهدي بك تؤثر التصريح؟ إن بُعدك، أتعب من بَعدك.

لقد كانوا يلوذون من حياتك الحية بكنف حماية؛ ويستذْرُون من كفاءتك للمهمات بحصن كفاية، ويستدفعون العظائم منك بعظيم؛ وأيم الله لقد تَلَفَّتَتْ بعدك الأعناق، واشرَأبَّتْ، وماجت الجموع واتلأبَّتْ، تبحث عن إمام لصفوف الأمة، يملأ الفراغ ويسد الثلمة، فما عادت إلا بالخيبة، وصِفْر العَيبة.

يا ساكنَ الضريح؛ مِتَّ فمات اللسان القوّال، والعزم الصوّال، والفكر الجوّال، ومات الشخص الذي كان يصطرع حوله النقد، ويتطايرُ عليه شرر الحقد؛ ولكن لم يمت الاسم الذي كانت تقعقع به البرد، وتتحلّى به القوافي الشُّرد، ولا الذكرُ الذي كانت تطنطن به الأنباء، وتتجاوب به الأصداء، ولا الجلال الذي كانت تعنوا له الرقاب، وتنخفض لمجلاه العقاب، ولا الدوي الذي كان يملأ سمعَ الزمان، ولا يبيت منه إلا الحق في أمان.

مات الرسم، وبقي الاسم، واتفق الودود والكنود على الفضل والعلم.

وعزاء فيك لأمّة أردت رشادَها، وأصلحت فسادَها، ونفقت كسادَها، وقوّمت منآدها، وملكتَ بالاستحقاق قيادَها، وأحسنتَ تهيئتها للخير وإعدادَها، وحملتها على المنهج الواضح، والعَلَمِ اللائح، حتى أبلغتها سدادَها، وبنيت عقائدها في الدين والحياة على صخرة الحق، ومثلك مَنْ بنى العقائد وشادها؛ أعليت اسمها بالعلم والتعليم، وصيّرت ذكرها محل تكريم وتعظيم، وأشربتها معاني الخير والرحمة والمحبة والصدق والإحسان والفضيلة فكنت لها نعم الراحم وكنت بها البر الرحيم.

ولقد حييتَ فما كانت لفضلك جاحدة، ومتّ فما خَيَّبتْ من آمالك إلا واحدة.

وهنيئاً لك ذخرك عند الله مما قدّمت يداك من باقيات صالحات، وعزاءاً لك فيمن كنت تستكفيهم، وتضعُ ثقتك الغاليةَ فيهم، من إخوانك العلماء العاملين، الصالحين المصلحين.

فهم - كعهدك بهم - رُعاة لعهد الله في دينه، وفي كتابه، وفي سنّة نبيه، دعاةٌ إلى الحق بين عباده، يلقَوْن في سبيله القذى كُحْلا، والأذى من العسل أحلى.

وسلام عليك في الأوّلين، وسلام عليك في الآخرين، وسلام عليك في العلماء العاملين، وسلام عليك في الحكماء الربّانيين، وسلام عليك إلى يوم الدين.

آفلو، 22 ربيع أول 1360 هـ / 9 أفريل 1941.
 

محب شيخ الاسلام

مزمار ألماسي
13 أكتوبر 2007
1,420
0
0
الجنس
ذكر
رد: بين عـــــــــــــــــــــالم وشاعر للإبراهيمي رحمه الله

تبارك الله
جزاك الله خيرا اخي الحبيب الطيبي
 

الطيبي82

مزمار ألماسي
12 سبتمبر 2007
1,826
14
0
الجنس
ذكر
رد: بين عـــــــــــــــــــــالم وشاعر للإبراهيمي رحمه الله

الله الله الله ، ما هذا الكلام الرائع ، جزالة اللفظ وقوة التعبير لكلا من الإثنين ، بارك الله فيك يا طيبى وطيب الله مثزاك فى الدنيا والأآخرة .



هذا الكلام لأديب عالم بليغ .....شهد له بالعلم الغزير ...وقوة التعبير ..وفصاحة الكلمة ....يتكلم وكأنه بحر ....رحمه الله رحمة واسعة .......

وفيك بارك الله أخي الطيب ....وأثابك خير الثوابــــــــــ وأحسن الجزاء ...
 

الطيبي82

مزمار ألماسي
12 سبتمبر 2007
1,826
14
0
الجنس
ذكر
رد: بين عـــــــــــــــــــــالم وشاعر للإبراهيمي رحمه الله

ما شاء الله
علم بديع و أدب رفيع
جزاك الله خيرا أخي الطيبي و رحم الله أعلام الجزائر
( توقيعك رائع جدا أخي الطيبي )



فعلا ً ماشــــــــــــاء الله لا قوة إلا بالله ...والله تعجبني مقالات هذا الرجل ....
جزاكــــــــــــ ربي كل خير أخي الوهراني ..رحم الله أعلامنـــــــا وأعلام جميع المسلمين رحمة واسعة ..



بالنسبة للتوقيع ....أخي الوهراني ...فكلماتكـــــــــــــــ أجمل منه .....وماهو إلا قبس من بعض من كتب أحد الإخوة في إحدى المنتديات ....بارك الله فيك
 

الطيبي82

مزمار ألماسي
12 سبتمبر 2007
1,826
14
0
الجنس
ذكر
رد: بين عـــــــــــــــــــــالم وشاعر للإبراهيمي رحمه الله

بارك الله فيك أخي الطيبي
والحمد لله أن كان هؤلاء من سلفنا



وفيكــــــــــــــ بارك الله أخي عبيد .....الله يجزيكــــ كل خير .......والحمد لله إن كان هؤلاء من سلفنــــــا ..ولكننــــــا أهملناهم وبدلنـــــــــاهم ..وترى الحال ينبؤكــ عن ما يجري ....
 

الطيبي82

مزمار ألماسي
12 سبتمبر 2007
1,826
14
0
الجنس
ذكر
رد: بين عـــــــــــــــــــــالم وشاعر للإبراهيمي رحمه الله

(( مناجاة مبتورة لدواعي الضرورة )) وقد قدم لهذه المقامة تلميذ البشير الأستاذ محمد الغسيري؛ فإليك شيئاً من مقدمة الغسيري، ثم مقامة البشير: يقول الغسيري: الوفاء قليل في البشر، وأوفى الأوفياء من يفي للأموات؛ لأن النسيان غالباً ما يباعد بين الأحياء وبينهم، فيغمطون حقوقهم، ويجحدون فضائلهم. وما رأينا في حياتنا رفيقين جمع بينهما العلم والعمل في الحياة، وجمع بينهما الوفاء حين استأثر الموت بأحدهما - مثلما رأينا إمامي النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، رحم الله الميت، وأمد في عمر الحي حتى يحقق للجزائر أمنيتها. من أعلى ما امتاز به أستاذنا الجليل، ورئيسنا الأكبر، محمد البشير الإبراهيمي من شرف الخلال ( نكران الذات ) فهو لا يزال يعمل الأعمال التي تعجز عنها الجماعات وتنوءُ بها العُصَب، وهو مع ذلك لا ينسب الفضل إلا لإخوانه ورفقائه الأموات والأحياء. يصرح بذلك في خطبه الدينية، ومحاضراته الجامعة، ويقول: إن كل فضل في هذه الحركة العلمية النامية يرجع إلى جمعية العلماء، وإنه لولا جمعية العلماء لما كان هو. ونحن - أبناءه - نشهد، وإخوانه يشهدون أنه لولا علمه، ولسانه، وصبره وتأثيره الذي يشبه السحر - لما كانت جمعية العلماء، ولولا براعته في التصريف والتسيير لما سار لجمعية العلماء شراع في هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن. مات ابن باديس، في حين كان رفيقه في الجهاد وقسيمه في العلم والعمل محمد البشير الإبراهيمي منفيّاً في قرية ( آفلو ) من الجنوب الوهراني، بحيث لم يحضر دفنه، ولم يؤبّنه بكلمة، فعوّض ذلك برسائل تعزية كتبها إلى إخوانه بثَّ فيها حزنه للمصيبة، وصوّر فيها آثارها، ولم تنسه الفجيعة ما يجب من النصائح بالثبات، واستمرار السير، فجاءت رسائلَ من ذلك الطراز الساحر الذي لا يحسنه إلا الإبراهيمي، ولا أدري أيحتفظ إخواني بتلك الرسائل الفنية أم ضيّعوها؟! ولما مضت على موت الأستاذ سنة، ورفيقه لا يزال في المنفى، أرسل الرئيس الجليل من منفاه هذه المقامة؛ فأبكت العيون، وجدّدت الأسى. رغبنا إلى أستاذنا أن ننشر هذه المقامة فأذن - أبقاه الله - بعد امتناع؛ لأن أستاذنا - حفظه الله - لا يرى السجعَ معبّراً عن النوازع العميقة، وإن كان هو إمامَ العصر بلا منازع في هذه الطريقة الأندلسية البديعة التي لا يحسنها إلا من جمع بين الطبع والصنعة، وملك أزمة اللغة والغريب … وحلّت في الأخير رغبتنا منه محل القبول، حرصاً على هذه المقامة أن تضيع إن لم تسجل، وكم نفائس مثل هذه المقامة، وكم من رسائل، وكم من تحف فنية من أدب الهزل والنكتة، وكم من ملاحم شعرية، بلغت الآلاف من الأبيات! ما زالت مطمورة في أوراق الأستاذ، وفي حافظته العجيبة. وإذا لم يحرص أمثالنا من تلامذة الأستاذ على استخراجها ونشرها ضاعت، وخسر الأدب والعلم خسارة لا تعوّض، وهاهي ذي المقامة الباديسية، وننبِّه إلى أن الأستاذ حذف منها كثيراً مما لا تسمح الظروف بنشره. تلمسان محمد الغسيري وإليك أيها القارئ الكريم نص المقامة : (( مناجاة مبتورة لدواعي الضرورة )) سلام يتنفس عنه الأقاحُ بإزهاره وإيراقه، ويتبسم عنه الصباحُ بنوره وإشراقه. وثناءٌ يتوهج به من عنبر الشجر عبيرُه، ويتبلج به من بدر التمام على الركب الخابط في الظلام منيره. وصلوات من الله طهورها الروح والريحان وأركانها النعيم والرضوان، وتحيات زكيات تتنزل بها - من الملأ الأعلى - الملائكة والروح، ونفحات ذكيات تغدو بها رسل الرحمة وتروح، وخيرات مباركات يصدّق برهانُ الحقِّ قولَها الشارحَ بفعلها المشروح. وسلام من أصحاب اليمين، وغيوث من صوادق الوعود، لا صواعق الرعود لا تخلف ولا تمين، وسحائب من الرحمات تنهل سواكبها، وكتائب من المبشرات تزجى مواكبها، وسوافح من العبرات تنحلّ عزاليها، ولوافح من الزفرات تسابق أواخرها أواليها على الجدث الذي التأمتْ حافَّتاه على العلم الجم والفضل العد، ووارَى ترابُه جواهرَ الحِجا والذكاء والعزم والجد، وطَوى البحرَ الزخار في عدة أشبار، فأوقف ما لا حدّ له عند حد، واستأثر بالفضائل الغُزْر، والمساعي الغرّ، والخلال الزُّهر، فلم يكن له في الأجداث ند، وأصبح من بينها المفردَ العلم كما كان صاحبه في الرجال العلمَ الفرد. وسلام على مشاهدَ كانت بوجوده مشهودة، وعلى معاهد كانت تحت ظلال رعايته وتعهّده عليها ممدودة، وعلى مساجد كانت بعلومه ومواعظه معمورة، وعلى مدارس كانت بفيضه الزاخر، ونوره الزاهر مغمورة، وعلى جمعيات كان شملها بوجوده مجموعاً، وكان صوته الجهير كصوت الحق الشهير مدوّياً في جنباتها مسموعاً. مشاهد كان يراوحها للخير والنفع، وكانت آفاقها بأنواره مسفرة، ومعاهد كان حادي زُمَرها إلى السلم، وهادي نُزَّاعها إلى الإحسان والعلم؛ فأصبحت بعده مقفرة. ومدارس، ما مدارس؟ مَهَدها للعلم والإصلاح مغارس، ونَصَبَها في نحور المبطلين حصوناً ومتارس، وشيّدها للحق والفضيلة مرابطَ ومحارس. وسلام على شيخه الذي غذّى وربّى، وأجاب داعيَ العلم فيه ولبّى، وآثر في توجيهه خير الإسلام، فقلّد الإسلام منه صارماً عضباً، وفجّر منه للمسلمين معيناً عذباً، فلئن ضايقته الأيامُ في حدود عمره - فقد أبقت له منه الصيت العريض، والذكر المستفيض، ولئن سلبته الحلية الفانية فقد أَلْبستْه من مآثر حُلل التاريخ الضافية، ولئن أذاقتْه مرارة فقده فقد متّعته بقلوب أمّة كاملة، ولئن حرمته لذة ساعات معدودة فقد أسعدته به سعادةً غير محدودة. وسلام على إخوان كانوا زينة ناديه، وبشاشةَ واديه، وكانوا عمَّار سامره، والطِّيبَ المتضوع من مجامره، والجوارحَ الماضيةَ في تنفيذ أوامره. وسلام على أعوان كانوا معه بناة الصرح، وحماة السرح، وكانوا سيوف الحق التي بها يصول، وألسنة الصدق التي بها يقول. أبت لهم عزة الإسلام أن يضّرعوا أو يذلّوا، وأبتْ لهم هداية القرآن أن يزيغوا عن منهاجه أو يضلّوا، تشابهت السبل على الناس فاتخذوا سبيل الله سبيلاً، وافترق الناس شيعاً فجعلوا محمداً وحزبه قبيلاً. ولقد أقول على عادة الشعراء - وما أنا بشاعر - لصاحبين من تصوير الخيال أو من تكييف الخَبال، تُمثِّلهما الخواطر تمثيلَ صفاء، وتقيمهما في ذهني تمثالَ وفاء: بكِّرا صاحبي فالنجاح في التبكير، وما على طالب النّجْح بأسبابه من نكير، تنجحا لصاحبكما طِيةً، لا تبلغ إلاّ بشد الرحل وتقريب المطية، فقد خُتِمت - كما بُدئت - الأطوار، بدولة الرحال والأكوار، فادفعا بالْمهريّة القُوْد في نحر الوديقة الصيخود، ولا تخشيا لذع الهواجر، وإن كنتما في شهري ناجر، ولا يهولنَّكما بُعْدُ الشُّقة، وخيال المشقَّة، ولا الفلَواتُ يُصِمّ صداها، ويقصر الطرف عن مداها، ولا السراب يترجرج رقراقُه، ويخدع الظامئ المحرور مُراقُه. سيرا - على اسم الله - ¬في نهار ضاح، وفضاء منساح، ضاحك الأَسَرَّة وضَّاح، وتخلَّلا الأحياءَ؛ فستجدان لاسم مَنْ تَنْتَجعانِه ذكراً ذائعاً في الأفواه، وثناءً شائعاً على الشفاه، وأثراً أزكى نماءً وأبقى بركةً على الأرض من أثر الغمام المنهل، فإذا مَسّكُما الملالُ أو غشّى مطيّكما الكلالُ، فاحدوا بذكراه ينبعث النشاط، وينتشر الاغتباط، وتَغْنيا بها عن حمل الزاد، ومَلءِ المزاد، وتأمنا غوْل الغوائل، من أفناء دراج ونائل. سيرا - روحي فدائكما من رضيعي همة، وسليلي منجبة من هذه الأمّة - حتى تدفعا في مَسِيَّ خامسٍ، له يوم الترحل خامس، إلى الوادي الذي طرّز جوانبه آذار، وخلع عليه الصانع البديع من حَلْي الترصيع، وحلل التفويف والتوشيع ما تاه به على الأودية فخلع العذار. وأتِيا العُدوة الدنيا فثمَّ المنتجعَ والمرَاد، وثمّ المطلب والمراد، وثمّ محلة الصدق التي لا يصدر عنها الوُرّاد، وثمّ مناخ المطايا على حُلاّل الحق، وجيرة الصدق، وعُشراء الخلود، الذين محا الموت ما بينهم من حدود، اهتفا فيها بسكان المقابر عني: مـا للمقابر لا تُجيب الداعي * أوَ ما استقلَّت بالسميع الواعي وخصّا القبر الذي تضمّن الواعيَ السميع، والواحدَ الذي بذّ الجميع، فقولا له عني: يا قبر، عزَّ على دفينك الصبر، وتعاصى كسرُ القلوب الحزينة على من فيك أن يُقابَل بالجبر، ورجع الجدال إلى الاعتدال بين القائلين بالاختيار والقائلين بالجبر. يا قبر، ما أقدر الله أن يطويَ عَلماً ملأ الدنيا في شبر! يا قبر، ما عهدنا قبلك رمساً، وارى شمساً، ولا مساحة، تكال بأصابع الراحة، ثم تلتهم فلكاً دائراً، وتحبس كوكباً سائراً. يا قبر، قد فصل بيننا وبينك خط التواء لا خط استواء، فالقريب منك والبعيد على السواء. يا قبر، أتدري من حويت؟ وعلى أي الجواهر احتويت؟ إنك احتويت على أمة، في رمّة، وعلى عالَم في واحد. يا قبر، أيدري مَنْ خطّك، وقاربَ شطّك، أي بحر ستضُم حافتاك؟ وأي معدن ستزن كفتاك؟ وأيَّ ضرغامةِ غابٍ ستحتبل كفتاك؟ وأي شيخٍ كشيخك؟ وأي فتى كفتاك؟ فويح الحافرين ماذا أودعوا فيك حين أودعوا؟ وويح المشيعين ماذا شيعوا إليك يوم شيّعوا؟ ومن ذا ودّعوا منك إذ ودّعوا؟ إنهم لا يدرون أنهم أودعوا بنَّاء أجيال في حفرة، وودَّعوا عامر أعمال بقفرة، وشيعوا خِدَن أسفارٍ، وطليعة استنفارٍ إلى آخر سَفْرة. يا قبر، لا نستسقي لك كل وطفاء سكوب، تهمي على تربتك الزكية وتصوب، ولا نحذو في الدعاء لك حذو الشريف الرضي، فنستعير للنبت جنيناً ترضعه المراضع، من السحب الهوامع، تلك أودية هامت فيها أخيلة الشعراء، فنبذتهم بالعراء، وزاغوا بها عن أدب الإسلام ومنهاجه، وراغوا عن طينته ومزاجه، بل تلك بقية من بقايا الجهل، ما أنت ولا صاحبك لها بأهل. قولا لصاحب القبر عني: يا ساكنَ الضريح، نجوى نِضْوٍ طليح، صادرةً عن جفن قريح، وخافق بين الضلوع جريح، يَتَأَوَّبُهُ في كل لحظةٍ خيالُك وذكراك، فيحملان إليه على أجنحة الخيال من مسراك اللهب والريح، وتؤدي عنهما شؤونه المنسربة، وشجونه الملتهبة، وعليهما شهادة التجريح. إن من تركت وراءك، لم يحمد الكرى فهل حمدت كراك؟ وهيهات، ما عانٍ كمستريح! يا ساكن الضريح، أأكني؟ أم أنت كعهدي بك تؤثر التصريح؟ إن بُعدك، أتعب من بَعدك. لقد كانوا يلوذون من حياتك الحية بكنف حماية؛ ويستذْرُون من كفاءتك للمهمات بحصن كفاية، ويستدفعون العظائم منك بعظيم؛ وأيم الله لقد تَلَفَّتَتْ بعدك الأعناق، واشرَأبَّتْ، وماجت الجموع واتلأبَّتْ، تبحث عن إمام لصفوف الأمة، يملأ الفراغ ويسد الثلمة، فما عادت إلا بالخيبة، وصِفْر العَيبة. يا ساكنَ الضريح؛ مِتَّ فمات اللسان القوّال، والعزم الصوّال، والفكر الجوّال، ومات الشخص الذي كان يصطرع حوله النقد، ويتطايرُ عليه شرر الحقد؛ ولكن لم يمت الاسم الذي كانت تقعقع به البرد، وتتحلّى به القوافي الشُّرد، ولا الذكرُ الذي كانت تطنطن به الأنباء، وتتجاوب به الأصداء، ولا الجلال الذي كانت تعنوا له الرقاب، وتنخفض لمجلاه العقاب، ولا الدوي الذي كان يملأ سمعَ الزمان، ولا يبيت منه إلا الحق في أمان. مات الرسم، وبقي الاسم، واتفق الودود والكنود على الفضل والعلم. وعزاء فيك لأمّة أردت رشادَها، وأصلحت فسادَها، ونفقت كسادَها، وقوّمت منآدها، وملكتَ بالاستحقاق قيادَها، وأحسنتَ تهيئتها للخير وإعدادَها، وحملتها على المنهج الواضح، والعَلَمِ اللائح، حتى أبلغتها سدادَها، وبنيت عقائدها في الدين والحياة على صخرة الحق، ومثلك مَنْ بنى العقائد وشادها؛ أعليت اسمها بالعلم والتعليم، وصيّرت ذكرها محل تكريم وتعظيم، وأشربتها معاني الخير والرحمة والمحبة والصدق والإحسان والفضيلة فكنت لها نعم الراحم وكنت بها البر الرحيم. ولقد حييتَ فما كانت لفضلك جاحدة، ومتّ فما خَيَّبتْ من آمالك إلا واحدة. وهنيئاً لك ذخرك عند الله مما قدّمت يداك من باقيات صالحات، وعزاءاً لك فيمن كنت تستكفيهم، وتضعُ ثقتك الغاليةَ فيهم، من إخوانك العلماء العاملين، الصالحين المصلحين. فهم - كعهدك بهم - رُعاة لعهد الله في دينه، وفي كتابه، وفي سنّة نبيه، دعاةٌ إلى الحق بين عباده، يلقَوْن في سبيله القذى كُحْلا، والأذى من العسل أحلى. وسلام عليك في الأوّلين، وسلام عليك في الآخرين، وسلام عليك في العلماء العاملين، وسلام عليك في الحكماء الربّانيين، وسلام عليك إلى يوم الدين. آفلو، 22 ربيع أول 1360 هـ / 9 أفريل 1941.

ماشاء الله لا قوة إلا بالله .......والله تهت بين معاني هاته الكلمات ...جميلة جدا أخي عبيد لم أقرأها من قبل ............الله يعطيكـــــــــ العافية وياليتـــــــك تتحفنا بمثيلاتهــــا ...الله يجزيك الجنة
 

<~ أبوياسر ~>

عضو كالشعلة
28 يوليو 2008
411
1
0
الجنس
ذكر
رد: بين عـــــــــــــــــــــالم وشاعر للإبراهيمي رحمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
مشكوور أخوووي على هذا الموضوع وعلى دقة العبارة وجمال الأسلوب في النقل ..
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع